رواية عهد الدباغ الفصل العشرون 20 - بقلم سعاد محمد سلامة
بغرفة كِنان…
تمدد على الفراش نصف جالس... يسند ظهره على ﻋِدة وسائد، واضعًا حاسوبه فوق قدميه، ينهمك في مراجعة أحد الملفات الخاصة بأبحاث الجامعة...
لكن الضجر بدأ يتسلل إليه ببطء… ومعه نعاس خفيف جعله يتثاءب أكثر من مرة...
وما إن أغمض عينيه لثواني حتى تسللت إلى ذاكرته صورتها…
تلك التي وصفها في لحظةٍ عابرة بالشعثاء، رغم أنها لم تكن كذلك اليوم...
كانت ترتدي حجابًا منمقًا يلائم بساطة مظهرها، وبنطالًا تعلوه كنزة خضراء قاتمة، توحي بهدوءٍ بسيط...
ملامحها كانت خالية من أي أثر لمساحيق التجميل…حقًا
ليست جميلة، ولا قبيحة، لكن ذات وجه
مُلفت… بطريقةٍ يصعب تفسيرها...
زفر ببطء، ثم أزاح الحاسوب إلى جواره، واستلقى بكامل جسده على الفراش...
وضع إحدى يديه أسفل رأسه، وترك الأخرى فوق رأسه، زاغت عيناه معلقتان بنقطةٍ غامضة في سقف الغرفة…
كنقطةٍ يُحاول منع ذاكرته أن تُسقط عليها وجهها.
عاد به التفكير إلى الصباح…حين
كان واقفًا أمام منزل أم صبري، ينتظرها... لم ينتظر أكثر من دقيقتين، حتى لمحها تقترب…
كانت تسير بخطواتٍ هادئة، تحاول مُجراة خطوات عمتها الشبة بطيئة، تتحدث معها بصوتٍ خفيض وهي تشعر بإرتباك، بعدما رأت سيارة كنان:
عمتي إركبي إنتِ مع كنان، وأنا هروح الموقف أركب سرفيس وأروح الكُلية.
تفوهت أم صبري قائلة:
طب ليه يا بنتي، تعالي معانا، إنتِ مش بتقولى ميعاد المحاضرة الساعة حداشر يعني لسه بدري.
إعترضت غزال قائلة:
لاء بلاش، كمان انا مواعدة واحدة صاحبتي، نتقابل قبل المحاضرة.
تنهدت أم صبري باستسىلام الى أن وصلت الى مكان وقوف السيارة ترجل كنان، يرسم بسمه باهته، تفوهت أم صبري بهدوء وعفوية:
صباح الخير يا كنان معليشي أتأخرت عليك... كمات هتقل عليك. نوصل غزال لموقف الميكرباص.
تصايقت غزال وتفوهت بخفوت لـ عمتها تعترض... لم ينتبه لما قالته ثم ساد صمت للحظات …
كل ما انتبه له هو ذلك الصمت الذي يحيط بها، كأنها تسير داخل عالمٍ يخصها وحدها...لوهلة رفعت عينيها صدفة…
التقت نظراتهما للحظةٍ قصيرة…
لحظة لم تتجاوز ثواني…
لكنها كانت كافية لتربك هدوءه، وتترك داخله سؤالًا لم يجد له تفسيرًا حتى الآن...تنهد بإستسلام قائلًا:
تمام هنمُر عالموقف،يلا إركبوا عشان نلحق نروح الجوازات عشان نجيب الباسبور بتاع حضرتك عشان تأشيرة العُمرة.
بالفعل صعدن الى السيارة، جلست أم صبري جواره وجلست غزال بالمقعد الخلفي، كانت صامته، من الجيد ان الوقت لم يطول حين وصلوا الى موقف السيارات، بتسرُع هبطت غزال، كأنها تهرب حتى ةم تتحدث لعمتها ولم تنتبه الى بطاقة هويتها التي سقطت منها...
بينما تابع كنان قيادة السيارو، دار حديث بينه وبين أم صبري الذي سألها:
مش المفروض إن بنت أخوكِ كانت هتروح العُمرة هي كمان.
تنهدت بآسف قائلة:
والله قولت لها، بس قالت هي لسه صغيرة.. ويوم ما تروح تعمل عُمرة تبقي من فلوسها، مع إن قولت لها معايا المبلغ اللى يطلعنا إحنا الاتنين، برضوا مرضيتش.. قولت خلاص براحتها لسه صغيرة... لو مكتوب لها هتروح، أنا قلبي مشتاق قوي لزيارة النبي.
ابتسم كنان قائلًا بتأكيد:
هتزوريه ان شاء الله.
فتح عينيه فجأة، كأنه يهرب من تلك الذكرى…
وتمتم بصوتٍ خافت:
غزال إيه حكايتِك … وليه أساسًا بتجي على بالي .
لكن السؤال ظل معلقًا في هواء الغرفة…
بلا إجابة... او الاجابة يرفضها عقله.
❈-❈-❈
بشقة رابيا…
كانت الغرفة ساكنة إلا من صوت أنفاسها المتقطعة، تمشي ببطء من طرف إلى آخر، وكأن الأرض تضيق تحت قدميها كلما أعادت الفكرة في رأسها...
وضعت كفها فوق بطنها دون وعي، تتحسس ذلك البروز الصغير الذي لم يتضح بعد … صارت قدرتها على احتمال ذلك الأمر سرًا ضعيفة،فبطنها ستظهر قريبًا...
توقفت فجأة أمام المرآة.
نظرت إلى وجهها طويلًا… كأنها تبحث فيه عن إجابة لا تجدها.
همست بصوتٍ متردد، يكاد لا يُسمع:
أنا… أنا حامل…
خرجت الكلمة مرتعشة، وكأنها تخاف أن تسمعها الجدران قبل قلبها... كأنها للمرة الأولى
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم جلست على حافة المقعد، تضم كفيها معًا بقوة... مرت لحظة صمت طويلة…
ثم عادت تهمس، لكن بنبرةٍ مختلطة بين رجاءٍ وطلب:
يارب…الحمل المرة دي يكون ولد.
لم تكن تعرف لماذا قالتها هكذا تحديدًا…
هل لأنه سيمنحها قوةً أمام الجميع
أم لأنه قد يكون الفرصة الوحيدة ليكون لفتياتها أخً سند...
أغمضت عينيها، وانزلقت دمعة بطيئة فوق وجنتيها…
ليست دمعة حزن… ولا فرح…
بل شيءٌ بين الاثنين…
شيءٌ يشبه الوقوف على حافة مصير مجهول.
ضمت بطنها أكثر، كأنها تحاول حماية ذلك الكائن الصغير من العالم كله…
وتمتمت بصوتٍ خافت:
بلاش تفكيرك ده يا رابيا المهم ييجي بالسلامة… حتى لو كان بنت.
ثم صمتت لكن قلبها ظل يردد الدعاء نفسه في صمتٍ طويل...
ظلت شاردة..تتمني فى صمت حتى أنها
لم تكن تنتبه الى دخول محس الى الغرفة الا حين سمعت صوته من خلفها..
تجمدت للحظة في مكانها، وكأن الكلمات التي كانت ترددها قبل لحظات تحولت إلى سر يختبئ داخل صدرها.
بينما وقف محسن بالقرب من باب الغرفة، عيناه تتنقلان بينها وبين ارتباكها الواضح…
شعر فورًا أن هناك شيئًا غير طبيعي، شيئًا أقوي من مجرد صمت... وشرود.
تحدث بهدوء مستفسرًا :
مالك يا رابيا في إيه قاعدة كده ليه، بكلمك مش بتردي...سرحانه فى ايه.
لم تُجب فى البداية فقط شدت على طرف عباءتها أكثر… وكأنها تبحث عن قوة ضاعت منها.
اقترب خطوة… ثم أخرى.
وحين صار أمامها تمامًا، سأل بصوت منخفض لكنه أكثر قلقًا:
ردي عليا… قلقتيني.
رفعت عينيها إليه أخيرًا…
وكان في نظرتها شيء لم يراه من قبل… خوف… وقرار… انكسار مكتوم... ترقُب
تحركت شفتاها بصعوبة، وكأن الكلمة تُخيفها قبل أن تخرج:
أنا… حامل.
سقطت الجملة على رأسه هادئة… بينما على رأسها...
ثقيلة لدرجة أن نبضات قلببها صارت أعلى من صوتها.
تقدم محسن بضع خطوات ينظر
لم يتكلم فورًا… فقط نظر إليها طويلًا، يحاول أن يرتب قوة تلك المشاعر التي تتوغل بداخله... لم تكن مثل مشاعره السابقة حين كانت تخبره بحملها... هذه المرة شعور غريب عليه، بداخله يتخيل لحظة جنون يحملها ويدور بها مثل تلك المشاهد الخيالية...، سُرعان ما هز رأسه ذلك الجنون برفض، وعاود سؤالها:
إنت حامل... من إمتي... وليه مرتبكه كده واناِ بتقوليلى كأنها أول مرة.
أومأت ببطء، ودمعة خائنة انسابت رغمًا عنها...
لكنها مسحتها سريعًا… وكأنها ترفض أن تظهر ضعيفة أمامه...
قالت بنبرةٍ مكسورة تحاول أن تبدو قوية:
مش مرتبكة، ما أنا قولت لك أهو.. أول حد بعرف... كمان خايفة.
رفع عينيه إليها فجأة بذهول قائلًا ببسمة مرحة ثم استفسار:
الزوج. أول من يعلم.. وخايفة من أي.
صمتت لحظة…ثم خرجت الحقيقة بلا تجميل:
خايفة أكون حامل فى بنت تالتة.
ضاقت عيناه بغضب حاد…
وكأن الكلمة أصابته في مكانٍ لم يكن يعرف بوجوده... مرت ثوانٍ ثقيلة…
قبل أن يمد يده ببطء، وكأنه يتردد حتى في هذه الحركة الصغيرة…
ثم وضع كفه فوق بطنها المرتجفة.
كانت لمسة خفيفة جدًا…
لكنها حملت سؤالًا أكبر من الكلام كله...
همس بصوتٍ تغير تمامًا:
أنا ميفرقش معايا، بنت أو ولد وسبق وقولت لك الكلام ده قبل كده
انفجرت رابيا بالبكاء لأول مرة…
من نبرته الهادئه كالعادة
أومأت وهي تبكي قائلة:
عارفة إنه مش بيفرق معاك، بس فارق معايا أنا نفسي فى ولد.
أغمض محسن عينيه لحظة طويلة…
كأنه يواجه داخله عاصفة كاملة وحده.
ثم فتحهما ببطء…قائلًا:
بلاش التفكير الرجعي اللي فى دماغك ده،ولا ده تفكير مامتك طبعًا،رابيا أنا ميفرقش معايا .
شد يدها برفق، قائلًا بصوت منخفض لكنه حاسم:
اللي يهمني تقومي بالسلامة إنتِ والبيبي.
ارتجف قلبها من هدؤه وحنانه…
وكأن ضجيح العالم كله توقف ليستمع إليها...
لكن داخل كلٍ منهما…
كان سؤالٌ آخر ما زال ينتظر…
هل يكفي هذا الانسجام اللحظي… ليهزم كل ما هو قادم.
❈-❈-❈
بشقة فاروق
مازال يُقبلها وهي تنخفض بجسدها على تلك الأريكة وهو يقترب منها، ينثُر قُبلاته على وجنتيها، يده الخشنه تسير على ساقيها…وهي ترتجف بين ذراعيه ارتجافةٍ خفيفة، لا تعرف أهي خوف مما يحدث أم شوق كانت تخفيه طويلًا...
أغمضت عينيها لحظة، وكأنها تهرب من العالم كله لتبقى فقط داخل ذلك القرب الدافئ… بينما أنفاسه المتسارعة تلامس وجنتها فتزيد اضطراب قلبها...
توقفت يداه عند حدودٍ صامتة، كأنه يختبر صبر اللحظة لا جسدها، ثم همس باسمها بصوتٍ خافت يحمل من التردد بقدر ما يحمل من الاحتياج:
عهد!
فتحت عينيها ببطء، نظرت إليه نظرة طويلة… نظرة لم تكن سؤالًا ولا رفضًا، بل اعترافًا صامتًا بأن شيئًا بينهما تغير ولن يعود كما كان...
تسللت ابتسامة مرتعشة إلى شفتيها، قبل أن تُخفض رأسها قليلًا، وكأن حياءها يحاول إنقاذ ما تبقى من اتزانها… بينما ظل هو قريبًا، لا يفعل شيئًا سوى النظر إليها، كأنه يخشى أن تفلت منه تلك اللحظة إن تحرك...
وفي صمتٍ كثيف… كان القلبان يتكلمان أكثر مما تسمح به الكلمات.
فجأءة شهقت حين حملها بمباغتة ونهض، إبتلع باقي تلك الشهقة وهو يُقبلها،كأنه أفقدها الباقي من وعيها،بل بالفعل كأنها فقدت الوعي ،لم تدري بدخوله بها الى غرفته ولا بوضعه لها على فراشه،
بدأت يديه تنتقل برقة فوق كتفيها وذراعيها، يشعر بردود أفعالها، كل حركة محسوبة بحذر رغم حرارة اللحظة... عقلها كان يحاول المقاومة، لكن جسدها يخون رغبتها وقلبها ينبض بقوة، ودفء جسده جعلها تشعر بغفلة مؤقتة عن الألم والخوف...
رفع رأسه ببطء ليقابل عينيها، نظرة طويلة مشحونة بالاشتياق والقلق، كأن الوقت توقف للحظة، والهواء أصبح مُشبعًا بين أنفاسهما.
همس إسمها قريبًا من أذنها بصوت خافت:
"عهد"..أنا مش بحلم إنتِ بين إيديا.
اهتز قلبها من الكلمات، شعرت بالطمأنينة رغم خفقانها، وبدأت تتنفس ببطء لتستعيد وعيها...
هو أخذ خطوة للخلف قليلًا، ليترك مساحة تنفس، لكنها بقيت مُمدة على الفراش يديها تتشبث بمعصمه، وكأنها لا تريد أن يبتعد لحظة واحدة.
نظراته لم تفارقها، ابتسم ابتسامة باهتة لكنها دافئة، ثم قال:
اللي حصل… مش مهم دلوقتي. أهم حاجة إنك كويسة، وهنهتم ببعض زي ما المفروض.
مد يده ليزيل أي أثر من الألم المتبقي على قدمها، ولمست أصابعه برقة، وعرفت أنها ليست مجرد اهتمام، بل حماية وحنان مشحون بالعاطفة المكبوتة
عيناه ترتكز بعينيها بحوار صامت :
كان الصمت بينهما أقوى تأثيرًا من أي كلمة تُقال…
كادت تنهض من فوق الفراش لكن سبقها فاروق وحاصرها بجسده...
تحدث بصوتٍ خافت، لكنه حمل رجفة لم يستطع إخفاءها:
ليه بتهربي مني كل مرة.
أغمضت عهد عينيها لثانيةٍ طويلة…
كأن السؤال لم يكن جديدًا، بل قديمًا جدًا… قديمًا بقدر خوفها نفسه... همست دون أن تلتفت:
مش بهرب… أنا بحاول أحمي اللي فاضل.
اقترب أكثر… حتى صار قريبًا من أنفاسها وسألها:
واللي فاضل ده… أنا مش منه.
عندها فقط نظرت إليه...
وكانت تلك الغلطة… لأن عينيه كانتا صادقتين أكثر مما تحتمل...
ارتبك صوتها وهي تقول:
انت أخطر حاجة ممكن تحصلي يا فاروق…
والحاجات الخطِرة… لازم نبعد عنها…
يا بتضيعنا.
صمت للحظة… ثم ابتسم ابتسامة موجوعة قائلًا:
ولو كنت مستعد أضيع.. بس المهم أكون معاكِ
اهتز قلبها…
ولأول مرة لم تجد كلمة تهرب بها.
فقط…
شعرت أن المسافة بينهما لم تعد موجودة
ارتجفت شفتيها تحت لمسته على وجنتها، وحين حاولت أن تتراجع بخجل، كان هو قد اقترب أكثر، انسحابها أصبح مستحيل... أنفاسه امتزجت بأنفاسها، وعينيه لم تفلت عينيها لحظة واحدة، حتى شعرت أن جسدها هُلام... كأن الأرض سُحبت من تحت قدميها.
همس بنبرة إحتياج وإجتياح:
مش كفاية... محتاج أكتر.
وبلا انتظار، انزلق إبهامه بخفة أسفل ذقنها، رفع وجهها نحوه برفق، قبل أن يطبع شفتيه على شفتيها... قبلة مترددة أولًا، خفيفة كأنها اختبار، لكنها ما لبثت أن تحولت لمتطلبة أكثر، أعمق... وأكثر حرارة، قبلة كسرت آخر ما تبقى من مقاومتها... شهقت أنفاسها بين شفتيه، حاولت دفعه في البداية لكن يديها استسلمت لتستقر على صدره، قلبها يخفق بجنون، أحاط خصرها بذراعيه يضمها إليه بقوة وتملُك هي ملكه وحده... تاهت للحظة، لم تعد تسمع سوى هدير أنفاسهما، ولم تشعر سوى بارتجاف جسدها بين ذراعيه...ازدادت قبلته عُمقًا، ومع كل ثانية تمُر كانت مقاومتها تتلاشى أكثر فأكثر، حتى استسلمت تمامًا... أغمضت عينيها، وانسابت بين ذراعيه كالمياة حين تستقر بالنبع... ذراعيها التفت حول عنقه بخفة، سحبته نحوها دون وعي، كأنها تعترف بضعفها أمامه للمرة الأولى... أنفاسها تتقطع بين شفتيه، لكنها لم تتراجع، بل غاصت في اللحظة وكأنها طالما انتظرت هذا الاحتواء...
هو بدوره، حين شعر باستسلامها، زادت قبضته على خصرها، يضمها أكثر إليه، لن يسمح لها بالابتعاد ثانية... لم يعد يُقبلها فقط، بل يضمها بقوة تملُك..... بشغف ، يُنحي كل غِيرته السابقة
استمر الصمت... أصبح صوت ارتجاف أنفاسهما أصدق من أي كلمات... لحظة جمعت بينهما ...
ذابت هي في قُبلة تحولت إلى عهد، وعهد صار قدرًا محتومًا....
استسلمت بين ذراعيه، شعر كأنه أخيرًا امتلك شيئًا ثمينًا كان يتمناه منذ زمن... قبلته امتدت، تتنقل من شفتيها المرتجفتين إلى وجنتها، ثم عنقها المكشوف عبر الفتحة الصغيرة في ثوبها،الذي أزاحه عن جسدها، يترك أثر أنفاسه الساخنة على بشرتها فيزيدها ارتجافًا.... شهقت بخفوت وهي ترفع رأسها للخلف دون وعي، تمنحه مساحة أكبر للسيطرة، ويديها ما زالت مُتشبثة بعنقه كأنها تخشى سقوطها لو ابتعد عنها لحظة واحدة..
صوته انساب أجشًا في أذنها، همسًا يلهبها أكثر مما تلمسه يداه:
إنتِ مش فاهمة قد إيه كنت محتاج اللحظة دي... قد إيه انتي مجننانـي.
ارتجفت من وقع كلماته، وجسدها أجاب بدلًا منها، فاقتربت أكثر، حتى لم يعد بينهما فراغ... يده انزلقت ببطء على ظهرها من خلال الفتحة الصغيرة في ثوبها، ملامسة جلدها الدافئ، فتسارعت أنفاسها بشكل جعلها تضغط على شفتيها محاولة إخفاء ارتباكها...
ابتسم وهو يراها، ثم أعاد التقاط شفتيها من جديد، قبلة أعمق.. وأكثر حرارة، كأنها اعتراف متبادل، اعتراف لم يحتاج كلمات، بل أجساد ارتجفت وأرواح التصقت في لحظة
اشتعلت أنفاسها أكثر وهو يطبع قبلاته على شفتيها ثم عنقها، وكأن كل لمسة منه توقظ بداخلها مشاعر كانت مطموسة... جسدها ارتجف بين ذراعيه لكنها لم تُقاوم، بل استسلمت تمامًا، كأنها أخيرًا وجدت نفسها أسيرة لرغبة لا مهرب منها.
يده تجولت ببطء على منحنيات جسدها، تتحسسها بخفة أولًا وكأنها يخشى أن يوقظها من حلم، ثم صارت أكثر جرأة كلما شعر بارتعاشها يتضاعف... ثوبها تلاشي لم يكن حاجزًا، بل زاد الأمر إثارة، فكل لمسة منه كانت تصل إلى جلدها مباشرة، تثير شهقات مكتومة من بين شفتيها.
همست إسمه بصوت مرتجف وهي تحاول أن تتنفس بين قبلاته:
فاروق
لكن يده قربتها أقرب، وصوته الأجش قطع همسها بكلمة:
بحبك يا عهد.
لم تجد ردًا، فقط زادت التصاقًا به، كأنها تعترف له بجسدها قبل لسانها... أو هكذا ظن... ملامحه تقترب من ملامحها في لهفة لا تشبع...
وأنفاسهما المتلاحقة كانت كفيلة بأن تُغرقهما في عالم لا يخص أحدًا سواهما... عالم لم يعد فيه مجال إلا للاستسلام الكامل.
بعد وقت
سكن المكان أخيرًا بعد أن هدأ صخب أنفاسهما، لم يبقى سوى صوت دقات قلبيهما المتلاحقة، وكأنهما يعترفان بما لم يُقال.
تمددت بين ذراعيه، وجهها مستند فوق صدره، تسمع خفقات قلبه القوية وكأنها لحن يطمئنها... عينيها نصف مغمضتين، غارقة في دفء حضنه، يتمنى لو يتوقف الزمن عند تلك اللحظة...
مرر أصابعه في خصلات شعرها الفوضوية، ثم مال ليطبع قبلة هادئة على جبينها، بعكس جنون قبلاته قبل قليل. همس بنبرة عميقة رقيقة كأنها وعد:
دلوقتي... بقيتي جزء مني، ومش هسيبك أبدًا.
ارتجف قلبها مع كلماته، لكنها لم ترد، فقط أغلقت عينيها أكثر لتخفي دمعة ساخنة انسابت دون إرادتها... دمعة لم تكن ضعفًا، بل اعترافًا صامتًا باستسلامها الكامل له، وبأنها لم تعد قادرة على الهروب من قدرها معه...
أحاطها بذراعه بقوة أكبر، كأنه يعلن ملكيته لها أمام نفسه قبل أي أحد، فيما هي اكتفت بالانصهار أكثر في دفئه... مستسلمة للحقيقة التي لم تعد تستطيع إنكارها.
❈-❈-❈
لاح صباح جديد
حين تسلّل ضوء الصباح من بين فتحات الستائر،ظهر طيف فرح تنظر لها كأنها تلومها، شعرت بجلدة لاسعة ضربت قلبها حين رأت دمعة تسيل مع عينيها تقول بنبرة لوم:
"خدتي مكاني فى قلب جوزي، وكمان فى سريري".
فتحت عينيها ببطء،للغرابة تشعر بدفء غريب يحيط بها. استوعبت تدريجيًا أنها ليست بمفردها... كان هو بجانبها، ذراعه ملتفة حول خصرها بإحكام، أنفاسه الهادئة تدل على نوم عميق، فيما قلبها ينبض بجنون وصدمو كأنها تُفاجأ بالحقيقة للمرة الأولى.
شهقت في سرها، ارتجفت أصابعها وهي ترفع الغطاء قليلًا، تستوعب ما حدث، تسترجع لحظات الضعف والجنون التي استسلمت لها ليلًا. غصة مريرة اعتصرت حلقها، والندم هبط فوق صدرها كلسعة سوط غليظ شق قلبها.
همست لنفسها بصوت مبحوح بندم:
أنا إزاي... إزاي عملت كده.
حاولت التملص من بين ذراعيه بهدوء، لكنها كلما تحركت كان يشدها لا إراديًا وكأنه حتى في نومه يرفض تركها... ارتعشت أكثر، عينها على ملامحه الهادئة، كيف استطاع أن يخترق حصونها ويجعلها تُلقي بأسلحتها كلها في لحظة.
أطبقت جفنيها بقوة، دمعة ندم انسابت على وجنتها، وهي تفكر في العواقب، في الخوف من أن تكون قد فقدت نفسها، أو من أن تكتشف أن ما حدث لم يكن سوى نزوة بالنسبة له...
في قلبها ارتباك عنيف، بين شوق مجنون للعودة إلى حضنه وبين شعور قاسٍ بأنها ارتكبت خطأً لن تُسامح نفسها عليه.
بينما كانت تحاول الانسحاب بخفة من بين ذراعيه، تحرك فجأة، فتح عينيه ببطء، لتلتقي نظراتهما مباشرة. تجمّدت في مكانها، وملامحها فضحت ارتباكها وندمها...
ابتسم هو ابتسامة هادئة كسرت صمت اللحظة، صوته أجش من أثر النوم:
رايحة فين من بدري كده.
أخفضت عينيها، تحاول أن تتفادى نظراته، لكن قلبها كان يخفق بعنف حتى كادت تسمعه.. تحدثت بارتباك ونبرة ندم واضحة:
إزاي ده حصل...
رفع يده يلامس وجهها برفق، يحاول أن يوقف رجفتها:
حصل، بقيتِ كلك ملكي.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وارتفعت دمعتها في عينيها دون وعي تفوهت بندم:
اللى حصل غلط... أنا ماكانش لازم... ماكانش المفروض أسمح لنفسي بالضعف.
كلماتها خرجت لائمة..، ثبت عينيه في عينيها بقوة قائلًا:
غلط...حتى لو كان غلط عندك، أنا عندي كان أجمل لحظات عشتها... ومش هقبل تسمي اللي بينا غلط.
ارتعش قلبها أكثر، ارتبكت، أرادت أن ترد لكن الكلمات خذلتها. دموعها انسابت رغمًا عنها، فأمسك وجهها بكلتي يديه، وصوته هذه المرة أقوى:
إنتِ فاهمة إنتي خلاص بقيتي ليا... ومهما هربتي من الفكرة، مش هتسيبك.
سكتت للحظة، قلبها يصرخ بين التناقضات: بين ندم ينهشها، وبين رغبة جارفة أن تصدق كلماته وتستسلم مرة أخرى...
لكن لا شعرت بلحظة جنون... جذبت غطاء الفراش عليها تبتعد عنه حتى نهضت من فوق الفراش تبحث عن ثوبها... وجدته مُلقي على الأرض جوار ثيابه، شعرت بالحرج يتسرب إلى أوصالها، كأن الأرض ابتلعت اتزانها كله، التقطت ثوبها سريعًا بيدها المرتجفه، أصابعها كأن لم تطاوعها وهي تحاول إمساكه فوقع منها
كان يراقبها في صمت، عيناه لا تفارقها، يمتزج فيهما الغضب بالرغبة والإصرار.
نهض من فوق الفراش يقترب منها بخطوات بطيئة لكنها ثقيلة الوقع على قلبها، حتى صار خلفها مباشرة، امتدت يده يضمها قائلًا:
مش هتبعدي عني تاني... مش بعد اللي حصل بينا.
تجمدت مكانها، الدموع ما زالت على وجنتيها، همست بصوت مبحوح:
اللى حصل لحظة ضعف ... وأنا مش قادرة أتحمل.
دار بها برفق، أجبرها أن تواجهه، نظرته نافذة كأنها تخترق جدارها الهش، قال بإصرار:
إنتِ مش ضعيفة... إنتي ليا... وكل مرة هتحاولي تهربي، اللحظة دى هترجعك تاني... غصب عن خوفك، غصب عن دموعك.
شهقت، لم تستطع الاحتمال أكثر، رفعت يديها تدفعه بعيدًا... لكنه أمسك بهما وثبتهما بين صدره وصدرها، ليزداد اقترابه حتى غاب صوت عقلها أمام خفقات قلبها العاصفة... اصبحت تهلوس بدموع:
إزاي سمحت لنفسي أشاركك أوضة كانت بتجمعك إنت وأختى.. وأنام معاك على نفس السرير اللى كنت بتنام معاها عليه
إزاي... إنت شخص شهواني إستغليت لحظة ضعف مني.
سحبت يدها من يده بقوة ولم تنتظر غادرت الغرفة
بينما هو شعر بصفعات جلدات قوية، عيناه تسمرت على تلك البُقعة الداكنة على الفراش
يُعيد نهاية كلماتها...
يتهكم بمرارة... من نعتها له بـ "الشهواني"
تظن أن أختها كانت تُشاركه هذا الفراش... لو تعلم الحقيقة أن علاقته مع أختها كانت شبة مُنقطعة منذ أنجبت طفلهما... لقاءات معدودة لا تتخطي أصابع اليدين وكانت بغرفة أخرى.
•تابع الفصل التالي "رواية عهد الدباغ" اضغط على اسم الرواية