رواية عهد الدباغ الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سعاد محمد سلامة
قبل دقائق
بمنزل الدباغ
بغرفة محي
وقفت إجلال خلفه تضع تلك العباءة السوداء المُطروزه ببعض خيوط الذهب،كأنها لا تُزين المظهر فقط… بل تُعلن علو المقام... تفوهت بسؤال:
إيه اللى خلاك تتصل على
محسن وفاروق وطلبت منهم يرجعوا للبيت دلوقتي.
أجابها وهو يشد طرفي العباءة على كتفيه بتوضيح وثبات،كأنه يشد قرارًا لا يحتمل التراجع،قائلًا بصوتٍ هادئ… لكنه يحمل صرامة أو ربما تفاخُر الآباء :
لازم يكونوا موجودين جانبي، وكمان كنان هنا فى البيت هيحضر معانا... عشان العريس يعرف إن لها عِزوة أخوات رجالة.
خفق قلب إجلال وقبلت كتفه بمحبة قائلة:
ربنا يخليك لينا إنت عزوتنا كلنا.
إبتسم وهو يمسك يدها ثم إستدار ينظر لها قبل رأسها بمودة وحب سنوات... لمعت عينيها وهي تنظر له بحب سنوات يزداد مع العُمر كم قابلا من المِحن والأفراح معًا، لم يتزعزع تألفهما يومً... أصبحا يفهمان بعض بمجرد النظر، حديثهم الهادئ يوميًا كُل ليلة فى كافة الشؤون، حتى عدم خبرتها فى العمل، لكن حين يكون حائر بشيء ويتحدث معها يجد الحل أمامه
كالآن... لم يشعر بالتوتر فى أي قرار إتخذه سابقًا رحتى بزواج إبنيه الرجال... هي إبنته الوحيدة،مُدللته...نصف قلبه لها بل قلبه كله...أعطاها حرية لم تُسئ إستعمالها،لكن خطوبتها لمرتين وفسخها دون سبب مُقنع،أدخلت الى عقله توتر لا يود حصول ذلك مرة ثالثة...تنهد بهدوء لم يكن يبحث عن رأي يُغير القرار...
بل عن طمأنينةٍ تؤكد أن قلبه لن يُخطئ الطريق...ظل ممسكًا بيدها لحظة أطول مما ينبغي،كأن تلك اللمسة وحدها تكفيه لمواجهة ما ينتظره في الخارج…
رجال، وأسئلة، وعريس قادم يحمل معه مصير ابنته.
قال بصوتٍ شجي، لا يسمعه إلا قلبها:
أهم حاجة عندي… إن يارا تكون في أمان.
ابتسمت إجلال ابتسامة هادئة،
الابتسامة التي طالما كانت ملجأهُ من قسوة الدنيا،وتحدقت بثقة تعرف طريقها إلى روحه:
طول ما إنت موجود… مفيش خوف عليها.
تنفس بعمق، وكأن صدره اتسع قليلًا بعد ضيق خفي،ثم ترك يدها برفقٍ وهو يستعيد هيبة الأب قبل الخروج.
...... ــــــــــــــ
وفي الخارج…
كانت لحظة الوصول تقترب.
لحظة قد يتغير بعدها مصير كامل.
بغرفة كنان إنتهي من إرتداء زي شبابي مناسب،وهو يبتسم نظر لإنعاكسه فى المرآة، بنفس اللحظة صدح رنين هاتفه، ترك النظر وذهب نحو مكان الهاتف، جذبه ونظر إليه لوهلة شعر بالضيق، لكن تنهد بقوة وجمود وقام بالضغط على ذر الرد، ليسمع دلال الأخري:
مشوفتكش النهاردة فى الجامعة قولت أكد عليك، ميعاد حفلة عيد ميلادي، لا تكون نسيت.
زفر نفسه بضيقٍ حاول أن يُخفيه خلف نبرةٍ عادية قائلًا:
لا… مانسيتش.
ساد صمت قصير،هي تنتظر أي كلمه منه، بينما هو عينيه مازالتا عالقتين بانعكاسه في المرآة… لا يرى ملامحه بقدر ما يرى تردده.
عاودت راندا الحديث بصوتٍ مائل للدلال تسأله:
ياريت تجي بدري إنت من ضيف عادي.
ضغط كنان على الهاتف قليلًا، ثم أجاب ببرود خفيف:
ان شاء الله على حسب الظروف.
لم يُكمل حديثه، لكنه شعر بأن في صدره شيئًا يرفض الذهاب… ليس كرهًا في الحفل، كأن فكرة رؤيتها لم تعد تعني له ما كانت تعنيه من قبل...
عاد صوت راندا مرة أخرى، يحمل دلال معتمد:
أنا هستناك يوم الحفلة يا كنان…ياريت ماتتأخرش.
أغلق الخط بعد كلماتٍ مقتضبة، وظل واقفًا للحظةٍ طويلة…
ثم عاد ينظر إلى المرآة من جديد، لكن ابتسامته الأولى كانت قد اختفت، وحل مكانها سؤال صامت:
ليه يروح الحفلة... ايه السبب، اعجابه اللى بدأ يخفت بـ راندا... وإيه السبب فى الفتور اللى بقي بيحس بيه نحوها، والسؤال له إجابة غير مقبولة
هل هنالك أخري بدأت تتسلل حياته دون أن يشعر...
بالتأكيد لا
ظل جواب السؤال مُعلقًا في عقله…
وبين قلبه الذي يرفض... وقدر يبدو أنه يستعد لفتح باب جديد.
مرر كنان يديه على وجهه ببطء، كأنّه يحاول أن يمحو تلك الحِيرة التي لا يعترف بوجودها أصلًا.
تمتم لنفسه بنبرةٍ خافتة:
ليه متردد دي مجرد حفلة عيد ميلاد عادية.
لكنه كان يعرف في أعماقه أن الأمر لم يعد عاديًا...بنفس اللحظة ظهر طيف تلك الشعثاء "غزال" التي أصبحت تتسلل أحيانًا إلى تفكيره دون استئذان… بهدوءٍ مربك، وبساطةٍ لا تشبه أي شيءٍ اعتاده من قبل.
زفر نفسه برفضٍ حاد، كأنه يحاول طرد ذلك الطيف بالقوة…فهو يبغضها كثيرًا…
أو هكذا يُقنع نفسه... لا يعلم سببًا واضحًا لذلك البُغض…سوى أن حضورها القريب منه يربكه،
ويربك أكثر تلك المشاعر التي لم يعتد الاعتراف بها... تمتم بجمودٍ وهو يشيح بوجهه عن المرآة:
مجرد هلاوس وهتنتهي.
لكن شيئًا في داخله…لم يكن يصدق هذه الجملة.
..... ـــــــــــــــــــ
في الجهة الأخرى…
كانت راندا تقف أمام المرآة تُعدل خصلات شعرها بعناية زائدة، وابتسامة رضا ترتسم على شفتيها... سألتها والدتها بفضول:
شكلك واثقة إن كنان هييجي الحفلة.
رفعت راندا ذقنها قائلة بثقة ممزوجة بشيءٍ من التحدي:
كنان عمره ما بيرفض لي طلب... وأكيد هيجي وتأكدي يا ماما مسألة إرتباطنا مش هتاخد وقت ويتم.
قالت ذلك لكن داخلها… كان هناك قلق صغير تحاول تجاهله... قلق بلا اسم…
يشبه الإحساس بأن ربما إحداهن بدأت تُزاحمها على مكان اعتادت أنه لها وحدها... لكن لن يحدث ذلك أبدًا فهي لم تتعود على الخسارة وعليها البدء بجذب انتباهه لها طول الوقت حتى لو استغنت عن بعض كبريائها،
أو لعب دور لم تكن يومًا تُجيده...
تقدمت خطوة نحو المرآة، نظرت في انعكاسها طويلًا…
ثم ابتسمت ابتسامةً بطيئة تحمل وعدًا خفيًا هامسه بتصميم:
اللي عايزاه… دايمًا باخده..وبأي شكل.
❈-❈-❈
بالحديقة
قبل لحظات
ترجل كل من محسن وفاروق من سيارتهما، تبسما لبعضهما بتلقائيه، إقترب محسن قائلًا بسؤال:
أكيد بابا إتصل عليك، عشان نبقي موجودين وقت مقابلة العريس... مش فاهم دماغ بابا المرة دي، المرتين اللى فاتوا كان هو بيقابلهم وإحنا فى الشغل.
هز فاروق رأسه بتوافق قائلًا:
الحج محي الدباع محدش يعرف هو بيفكر فى أيه.
أومأ محسن ببسمة توافق، بنفس اللحظة رمي فاروق بنظره رأي عهد تقف مع ذلك الشخص، شعر بغِيرة... ترك محسن وتوجه نحو مكان عهد وهو يشعر بحرارة زائدة تتوغل من جسده رغم نسمات الطقس الباردة، سمع جزء،من حديث ذلك الشخص معها،يتحدث وكأنه يعرفها سابقًا حتى نُطقه لاسمها بلا القاب زادت الغِيرة فى قلبه، توقف أمامهم نظر نحو عهد ينطق إسمها بغضب... وبجرأة منه لف يده حول خصرها، يُقربها منه قائلًا بسؤال:
حضرتك مين وتعرف مدام عهد مراتي منين.
يده حول خصرها، كادت تنزعها، لكن توقفت تلجمت يديها حين عقب بقوله:
"مدام عهد مراتي"
…نبرة مِلكية خرجت من بين شفتيه دون أن يستأذنها،
كأن الكلمة لم تكن مجرد تعريف…
بل إعلان حق... تجمدت عهد للحظة،
لم يكن تجمُد خوف… بل صدمة قصيرة أربكت أفكارها كلها... تسارعت دقات قلبها بطريقة لم تفهمها،بين رغبة في الاعتراض على جرأته،
وشعور خفي بالارتباك من تلك الكلمات المفاجئة كذالك يدخ التي التفت حول خصرها...
بينما نديم
اتسعت عيناه بدهشة واضحة، وانتقل بنظره بينهما سريعًا،
كأنه يحاول التأكد مما سمعه للتو.
قال ببرود متحفظ:
مدام عهد مراتك...مكنتش أعرف أنها متجوزة.
شد فاروق ذراعه حول خصرها أكثر… لا بعنف،
بل بثبات مقصود يحمل رسالة لا تحتاج شرحًا...
ورد بنبرة أخفض لكن أشد حدة:
أيوه… مراتي.. ويا ترا في حاجة تانية تحب تعرفها.
ارتبكت الأنفاس في صدر عهد،
وشعرت بحرارة يده رغم برودة الجو…
حرارة امتدت داخلها بشكل أربكها أكثر من الموقف نفسه.
همست بخفوتٍ متوتر، محاولة الحفاظ على تماسكها:
ممكن… تشيل إيدك من عليا.
لكنه لم ينظر إليها…ظلت عيناه معلقتين بـ نديم للحظات
كأنه يخشى أن يبتعد عنها لحظة واحدة.
للمرة الأولى…
أدركت عهد أن الغضب الذي يشتعل في عينيه
لم يكن غضب موقف…بل غِيرة واضحة
لم يعد قادرًا على إخفائها...
وفي تلك اللحظة القصيرة جدًا…
تغير شيء ما بينهما، أصبح واضحًا بما يكفي
ليُشعل بدايةً لا تشبه ما قبلها.
بهدوء إنسحب نديم خلف والده وتوجها نحو باب المنزل، بينما عهد ازاحت يده عنها بعنف وقبل أن تتهجم، تحدث هو بأمر مصحوب بوعيد:
خدي ياسين وإدخلي جوه، لينا كلام بعدين على انفراد.
قال ذلك ولم ينتظر توجه نحو مدخل المنزل...
زفرت نفسها بغضب، ودت لو بيدها حجرًا لن تتردد للحظة قبل أن تقذفه به وسط رأسه.. لكن إمتثلت لـ ياسين الذي يجذب يدها للدخول.
❈-❈-❈
بغرفة الضيوف…
استقبل محي وكنان كلًّا من نديم ووالده بترحيبٍ اتسم بالهدوء الرسمي،
هدوءً يخفي تحت سطحه توترًا محسوسًا في الهواء.
في نفس اللحظة، دلف محسن يتبعه فاروق،
الذي كان التجهم واضحًا على ملامحه حتى إنّ خطواته بدت أبطئ من المعتاد.
جلس في صمتٍ كامل…
لكن عينَيه كانتا تقدحان شررًا كلما استقرتا على وجه نديم،كأن بينهما حسابًا قديمًا لم يُفتح بعد.
تبادل الجميع عبارات الترحيب التقليدية،
ثم ساد سكون قصير…
ذلك السكون الذي يسبق دائمًا الحديث المهم...
قطع ذلك السكون والد نديم الذي اعتدل قليلًا في جلسته، وتحدث بنبرةٍ هادئة وموزونة:
إحنا جايين النهارده بيتكم… واحترامنا ليكم معروف،وعلشان كده حبينا يكون كلامنا واضح وصريح ومباشر...
توقف لحظة،يلتقط نفسًا، ثم أستطرد حديثه وهو ينظر إلى محي مباشرةً:
سبق وابني نديم كلمك إنهراغب في الارتباط بـالآنسة يارا على سنّة الله ورسوله…
وجينا نطلبها منكم بالحلال.
هبطت الكلمات على سمع من في الغرفة بهدوء رغم ذلكتبدلت النظرات...
ضغط فاروق قبضته بقوة حتى برزت عروق يده،
لكنّه ظل صامتًا….كذالك كنان و محسن …بينما محي
فبقي ثابت الملامح ظاهريًا،
عينيه قطعت هدوءه للحظة قصيرة،
لحظة مرت كوميضٍ سريع…
لكنها كانت كافية لتكشف أن الخبر لم يكن عاديًا عليه...
بدل محي النظر إلى الحاضرين واحدًا يلو الآخر،..
كأنّه يزن الموقف قبل أن يتكلم…
فبعض القرارات…
لا تكون الرد سريعًا...
لأن كلمة واحدة قد تغير مصير أكثر من قلب.
نظر محي إلى والد نديم طويلًا…
نظرة هادئة في ظاهرها، لكنها تحمل ثِقٓل تفكير لا يراه أحد.
مرر يده ببطء فوق ذقنه، ثم تحدث بنبرةٍ رزينة لا تخلو من الحزم:
طلبكم طبعًا محل تقدير… ووجودكم في بيتنا شرف لينا...
صمتُه للحظةً كان مقصودًا، كأنه يمنح كلماته وزنها قبل أن يُكمل... بهدوءٍ أعمق:
بس الجواز مش مجرد رغبة من طرف واحد…
ولا حتى قرار عيلة لوحدها...
الأهم عندي… رأي يارا نفسها.
تحركت نظرات الحاضرين نحوه في آنٍ واحد،
أكمل محي وهو يسند ظهره إلى المقعد بثبات:
إحنا عمرنا ما غصبنا بنتنا على حاجة…
ولو ربنا كاتب النصيب، هيكون عن رضا وقبول من الكل.
ثم وجه نظره مباشرةً إلى نديم،
نظرةً لا تحمل عداء… لكنها تختبر الصدق خلف الكلمات:
وأنا يهمني أعرف منك قبل أي حد…
إيه اللي خلاك تختار يارا تحديدًا.
ساد الصمت للحظات…
لكن هذه المرة لم يكن صمت انتظارٍفقط،
بل صمت اختبار... وقبل أن يجيب نديم…
اعتدل والده قليلًا في جلسته، كأنه آثر أن يتولى الحديث بنفسه أولًا،
وتحدث بنبرةٍ هادئة تحمل وقار القُضاة:
سؤال حضرتك في محله يا حج محي…
وأنا شايف إن من حقك تعرف كل حاجة قبل ما تاخد أي قرار.
ألقى نظرةً خاطفة على نديم ، ثم عاد ببصره إلى محي قائلًا:
نديم مش صغير… وعمره ما كان بياخد خطوة بالشكل ده من غير تفكير... واختياره لـ يارا أكيد ماجاش صدفة…جاله بعد ما شاف فيها عقل وأخلاق… وبنت أصول يتشرف بيها أي بيت.
توقف لحظة قصيرة، وكأنه ينتقي كلماته بعناية، ثم أكمل بهدوءٍ أعمق:
وإحنا يشرفنا بنتك تكون من نصيب نديم.
ساد صمت في الغرفة للحظات،
لكن صمت هذه المرة كان مختلفًا…
أقرب إلى انتظار الكلمة الفاصلة...
أردف والد نديم بنبرة صريحة لا تخلو من الاحترام:
وإحنا ما جيناش نضغط ولا نفرض نفسنا…
لو يارا مش موافقة، يبقى الموضوع منتهي عندنا باحترام...
إنما لو فيه قبول…هنكون سعداء إن المصاهرة تكون بينا وبينكم.
اعتدل نديم في جلسته قليلًا، وكأنه قرر أن يتكلم أخيرًا بنفسه، لا بلسان أحد عنه...تحدث بصوت هادئ ثابت، يخلو من التردُد:
أنا عارف إن خطوة زي دي مش سهلة…
وعارف كمان إن حضرتك أكيد بتفكر في مصلحة يارا قبل أي حاجة.
توقف لحظة، ثم أكمل بنبرةٍ أصدق:
يمكن معرفتي بيها ما كانتش طويلة…
بس كانت كفاية إني أشوف فيها اللي بدور عليه من سنين.
راحة… واحترام… وشخصية مش شبه حد.
مرت عيناه سريعًا على الحاضرين،
ثم عاد ينظر إلى محي مباشرةً:
وأنا مش جاي آخدها منكم…أنا جاي أطلب أكون واحد منكم.
ساد سكون مختلف بعد كلماته…
سكون لا يحمل توترًا فقط،
بل يحمل أيضًا وزن الصدق حين يُقال بلا مبالغة.
عاود الحديث بهدوء أعمق:
ولو يارا نفسها مش موافقة…أنا أول واحد هحترم ده،ومش هحطها في موقف صعب أبدًا.
أنهى حديثه دون استعراض…
ودون أن يحاول إقناع أحد بالقوة،
كأنه يترك القرار يُحسم بهدوء
في المكان الصحيح.
حديث هادي وعرض إرتباط قدمه نديم ببراعة جعله ينال قبول كبير لدي محي... لكن الأشقاء الثلاث لديهم بعض التحفظات الجُزافية حتى كنان وبالأخص فاروق الذي شعر بنفور تلقائي، لكن كلمة الحسم لـ يارا.
❈-❈-❈
بعد وقت بشقة فاروق
حين دلف إلى الشقة، التقط سمعه صوت حديث عهد مع ياسين،فاتجه مباشرةً إلى الغرفة دون تردد.. نظر نحو عهد الجالسة جوار ياسين على فراشه،تتكئ بظهرها على خلفية الفراش،
وفي يدها كُتيّب صغير تُرشده إلى ما هو مكتوب فوق كل الصور،تقرأ له بهدوءٍ وتُشير بإصبعها إلى الرسوم،
بينما كان يتابعها بعينين لامعتين بالحماس.
ابتسم له ياسين فور أن رآه وقال بفرح طفولي:
بابا… أنا بقيت شاطر، بعرف الحيوانات من الصور.
أومأ له فاروق برأسه، وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها دافئة:
برافو يا بطل.
ثم تحركت عيناه نحو عهد…تلاقت النظرات لثواني قصيرة،لكنها لم تُعطي ذلك اهتمام،وتجاهلت النظر له عمدًا
واكتفت بالعودة إلى الكًتيب قائلة ببرود متعمد:
خلينا نكمل بقية الصور.
تسلل الضيق إلى صدر فاروق ببطء،
كأن تجاهلها البسيط كان أقوي من أي كلمة قاسية...ضعط فكه قليلًا، ثم قال بلهجة حاول أن تبدو عادية…لكن حدتها الخفيفة لم تختفِي تمامًا:
واضح إن الدرس مهم قوي.
لم ترفع رأسها،واكتفت بالرد بهدوء جاف:
أهم من حاجات كتير ملهاش لازمه.
ساد الصمت لحظة…
صمت قصير، لكنه مشحون بما يكفي ليُثقل الهواء
تباينت نظرات ياسين ينظر بينهما بحيرةٍ بريئة،
لا يفهم لماذا تغير دفء اللحظة فجأة…
ولا لماذا صار للكلمات معني مختلف.
اقترب فاروق خطوة بطيئة،وعيناه لا تزالان معلقتين بها،
ثم تحدث بصوتٍ منخفض قائلًا بصراحة:
عهد ممكن أتكلم معاكِ شوية.
توقفت يد عهد فوق الصفحة،للحظة واحدة فقط…لحظة خانها فيها الهدوء الذي تتشبث به.
ثم أغلقت الكًتيب برفق،قائلة دون أن تنظر إليه:
مافيش كلام بينا يستاهل...
ضغط فاروق على نفسه وأخذ منها الكُتيب وأعطاه لـ ياسين قائلًا:
خد يا حبيبي كمل بقية الصور وأنا وعهد هنتكلم فى موضوع مهم بره دقايق وراجعه.
قال ذلك وجذب عهد من معصمها قائلًا بنبرة احتقان:
خلينا نتكلم بره… عشان ماينفعش الكلام ده قدام ياسين.
استسلمت عهد غصب
مررت يدها فوق شعر ياسين بحنان واضح، ثم قالت له بنبرةٍ دافئة تخالف برودها مع فاروق:
اقعد كمل تتفرج على الصور يا حبيبي… أنا هرجعلك فورًا مش هغيب.
هز ياسين رأسه مطيعًا،
بينما وقفت هي في هدوءٍ مقصود،
وتحركت نحو الباب دون أن تنظر إلى فاروق… كأن وجوده خلفها تفصيل لا يعنيها...
خرجا إلى الصالة ،أغلق الباب بهدوءٍ حذر… لكن عينيه لم تعرفا الهدوء... نفضت يده عن معصمها واستدارت إليه أخيرًا، وقالت ببرودٍ صريح:
خير.
جذب فاروق نفسًا عميقًا،
وكأنه يحاول كبح شيءٍ يندفع داخله، ثم قال:
ايه اللي بيحصل ده… إيه معناه.
عقدت حاجبيها قليلًا:
مش فاهمة قصدك.
ابتسم بسخريةٍ خافتة لا تحمل مرحًا قائلًا:
لأ… فاهمة يا عهد وفاهمه كويس كمان.
بس بتتجاهلي...
قاطعته سريعًا قائلة بنبرة باردة:
أنا مش بتجاهل… أنا بحط حدود.
تغضنت ملامحه عند كلمة حدود،
وتحول صوته إلى خشونةٍ مكتومة:
حدود... بينا.. أنا جوزك...
وده بيتك… ياسين…
قاطعته بغضب قائلة:
لاء مش بيتي أنا مجرد ضيفة مش أكتر، واللى يهمني ياسين بس، وسبق وقولتلك...
قاطعهها يقبض على ذراعها قائلًا:
بلاش النغمة دي يا عهد... وبلاش تشوفي عصبيتي... لغاية دلوقتي متحمل... قوليلي تعرفي نديم منين.
تنرفزت بغضب حاولت سحب يدها من قبضته قائلة بإستهجان:
محدش قالك تتحمل... وأظن نديم نفسه قالك هو يعرفني منين... وأنا أساسًا مكنتش فاكراه وصدفة هو اللى اتكلم.
بعصبية ضغط على ذراعها قائلًا:
صدفه قابلك مرتين وعارف اسمك و..
قاطعته بغضب:
أنا بشتغل مُضيفة طيران، وبقابل ناس كتير فى الرحلات... مش هفتكر على شخص مر قدامي... وكمان مالكش الحق تقول
مراتي إنت عارف إن جوازنا حبر على ورق، وأنا سبق وقولت له مكانتي هنا تختصر على ياسين وبس، إنت حُر عاوز تتجوز اللى تتحكم فيها وتعوض اللى ناقصك أعتقد محدش يقولك لاء بالعكس دول هيباركوا لك.
زفر فاروق نفسه بغضب، قبض على عضديها قربها منه لتصتطدم بصدره، لوهله كاد يعترف لها أنه يعشقها هي لكن منعه كبرياؤه... دفعها بقوة لترجع للخلف، وبلا إنتظار غادر الشقة كلها وتركها تربت على عضديها تتنفس بقوة، وقبل أن يتوغل منها شعور غريب عليها، كان نداء ياسين جعلها تنفض كل ذلك عن رأسها ولا تهتم لشيء، سوا "ياسين".
بينما فاروق غادر بغضب يتوغل منه، صعد الى سيارته مُغادرًا المنزل لم يجد مكان يُهدأ نفسه، سوا إستطبل الخيل الخاص به... دلف اللى إحد الغرف سحب إحد الخيول وضع عليها السرج ثم إمتطاها رغم نسمات البرد الطفيفة لكن داخله بدأ يهدأ قليلًا، توقف بعد وقت وترجل من على الفرسة رفع رأسه كا هنالك قمرًا يتواري خلف سُحب الخريف، تنهد بقوة،تيقن أن طريقه فى العشق غائم.
❈-❈-❈
بغرفة يارا
هناك شعوران يتنازعان داخلها بصمتٍ مُرهق...
الأول… الحيرة التي ألقاها نديم داخل قلبها ورحل،
حيرة ثقيلة لا تجد لها تفسيرًا واضحًا،
وهاجسٌ لا يكفّ عن الطرق في رأسها كلما حاولت تجاهله.
ومع الحِيرة… مازال هنالك هاجس برأسها كذالك غضب من ما حدث سابقًا وطريقة في سفره المفاجئ،
ومن تركه لها دون كلمةٍ واحدة تشرح… أو حتى توضيح... ربما ما كانت تنتظر اعترافًا،
ولا وعدًا صريحًا…
لكنها على الأقل كانت تستحق توضيحًا لا هذا التجاهل البارد الذي عاملها به،
كأن ما كان بينهما لم يكن يستحق حتى جملة وداع.
الشعور الثاني كبريائها... ذلك الكبرياء الذي يقف الآن في مواجهة اشتياقها،يرفض أن يضعف…
يرفض أن يمد يدًا لمن اختار الرحيل بصمت.
كانت تعرف جيدًا أنها لو سمحت لقلبها بالانتصار،
ربما تبحث عنه... ستسأل…وربما تسامح أيضًا.
ولهذا تحديدًا…تتشبث بكبريائها أكثر.
جلست على طرف الفراش، حِيرة فى عقلها وتمرُد فى قلبها... وخطوة أن يتقدم للزواج بها أربكتها... أكثر وأكثر...
وضعت وجهها بين كفيها ثم أزاحتهما الى الخلف تضم خصلاتها... بنفس اللحظة سمعت طرق على باب الغرفه ثم دلف محي الى الغرفة مُبتسمً... تبسمت له بتلقائية، ذهب نحوها وجلس جوارها يضمها أسفل يده بحنان.. شعرت بهدوء نسبي... أو ربما شعور الأمان الدائم لها... تنهد بحنان قائلًا:
أنا مش هضغط عليك... قدامك وقت لحد ما ارجع انا وماما من العُمرة... أنا مش مستعجل قرارك بس عاوز يوم ما تاخدي القرار سواء بالقبول او الرفض تكوني مُقتنعة.
تبسمت قائلة بمفاجأة:
هو ممكن تاخدني معاك العُمرة يا بابا.
ابتسم وضمها أقوي قائلًا:
ممكن جدًا هكلم كنان ياخدك بكره يطلع لك تأشيرة عّمرة.
أومأت مُبتسمة وهي تشعر أن ربما تلك الرحلة الروحانية تجعلها تتخذ قرارًا صائب، وتضع حد لحيرتها.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
ليلًا
مرور أيام على إحتدادهم الأخير ... فاروق يتعمد العودة بوقت متأخر تكون هي غفت، شعور غريب يغزوها، لا تفهمه، لكن مازالت تنكر أن اصبح له تأثير...
كالآن تشعر بضجر بعدما خلد ياسين للنوم...حاولت العبث على الهاتف،قراءة كتاب،مشاهدة التلفاز،كل ذلك شعرت بالضجر...حسمت أمرها،ربما لو أخذت حمامً دافئًا،بالفعل ذهبت الى الحمام...خلعت بعض ثيابها،ثم عدلت عن تلك الفكرة..وتفوهت لنفسها:
أنا أدفي لنفسي كوباية لبن وأشربها وأكيد هيروح الزهق ده وهنام.
لم تُفكر فى إرتداء حتى مئزر فوق تلك الثياب القليله..وتحدثت:
كده كده فاروق قدامه وقت على ما يرجع...عامل نفسه مقموص هو حُر،أنا لا بدادي ولا براضي...أحسن حل هو كوباية لبن بالشيكولا وبعدها هيروح الزهق ده كله،وأنام،أنا عندي رحلة سفر بكره ولازم أبقي فايقه.
توجهت الى المطبخ كي تعد لها ذلك... لم تنتبه الى صوت سيارة فاروق الذي عاد باكرًا اليوم ليس صدفة، بل لارهاقه البدني من كثرة العمل... يود فقط الراحة
فتح باب الشقة وحين دلف إلى الداخل لفت انتباهه ضوء خافت يتسلل من نحو المطبخ. عقد حاجبيه بدهشة وتوجه بخطوات حذرة، وما إن بلغ عتبة المطبخ حتى تسمر في مكانه...
عيناه تجولت عليها بذهول… كانت تقف خلف الموقد بمنامة قصيرة كنزة بثلث كم تنسدل حتى منتصف فخذيها، بشقين جانبيين وفتحة صغيرة من الخلف تكشف عنقها الرقيق، بينما الجزء السفلي سروال قصير بالكاد يغطي حتى منتصف ساقيها. شعرها مرفوع بدبوس بطريقة فوضوية جعلت خصلات متمردة تتدلى على وجهها، تزيدها فتنة...
كم بدت مُغرية بتلك التفاصيل البسيطة
ظل واقفًا بصمت يراقبها، دون أن تشعر بوجوده... لم تنتبه إلا حين فرغت من سكب كوب الحليب الساخن، التقطته بيدها واستدارت فجأة، لتشهق برعب ويسقط الكوب من بين أصابعها... ارتطم بالأرض محدثًا تهشّمًا حادًا، وتناثر الحليب على قدمها العارية...
أطلقت آهة قصيرة من الألم، فيما اندفع هو نحوها بخطوات سريعة، قبض على ذراعها ليمسكها قبل أن تتعثر. عيناه التهمتها بقلق ممزوج بدهشة لا يستطيع إخفاءها...
أطلقت آهة قصيرة من الألم، فيما اندفع هو نحوها بخطوات سريعة، قبض على ذراعها ليمسكها قبل أن تتعثر... عيناه التهمتها بقلق ممزوج بدهشة لا يستطيع إخفاءها..
إقترب منها بلهفة وتسأل بنبرة عميقة:
إنتِ كويسة.. رجلكِ اتلسعت.
ارتبكت وهي تحاول الإفلات من قبضته، لكن دفء يده حول معصمها شدها أكثر من أي ألم.. جذبها قليلًا بعيدًا عن بقعة الحليب المنسكب على الأرض، صوته حازم بقلق:
استني... متتحركيش، ممكن تتزحلقي.
اقترب منها أكثر مما ينبغي، حتى شعرت بأنفاسه تلفح عنقها المكشوف... قلبها خفق بعنف، في حين ظل هو يتأملها بصمت طويل...
رفعت عينيها إليه بارتباك وهمست بكذب تتحمل حرقان إحد قدميها:
أنا... أنا كويسة لسعة بسيطة.
ابتسم ابتسامة باهتة، عيناه تلمعان بوميض غامض، ثم رفع يده ليزيح خصلة من شعرها أفلتت من المشجب، هامسًا بصوت أجش:
والله شكلك مش كويسة... شكلك مولعة نار.
حقُا لم يدعي هي تكذب بل تتحمل..
ارتجفت أنفاسها للحظة، كلماتُه تسللت إلى أعمق نقطة بداخلها كشرارة أشعلت النار في دمائها... حاولت أن تزيح يده عن ذراعها بخجل، لكنها لم تستطع مقاومة القبضة التي بدت وكأنها تُصادر ارتباكها قبل أن تُصادر حركتها... خفض عينيه نحو قدمها، لاحظ الاحمرار الطفيف على بشرتها من لسعة الحليب، فانحنى سريعًا، يده تلامس كاحلها بخفة وهو يتمتم:
رجلك اتلسعت فعلًا... كان لازم تاخدي بالك.
شهقت متوترة ... من قربه...بتلقائيه تراجعت نصف خطوة، وكان ذلك خطأ لم تنتبه لشظايا الزجاج دهست قدمها على شظية... تأوهت بألم كان أسبق إليها، حين رفع رأسه ببطء لتلتقي عيناه بعينيها عن قرب، قريب جدًا حتى شعرت بحرارة أنفاسه تختلط بأنفاسها،تحملت ذلك الالم لكن هو لاحظ توجعها كذالك بقعة الدم الصغيرة بلا انتظار حملها وخرج من المطبخ توجه الى غرفة المعيشة وضعها فوق آريكه ونظر لتلك الدماء التى تندفع من كعب قدمها، لم ينتظر تركها لحظات وعاد بحقيبة إسعاف منزلية، جذب مقعد منخفض وجلس عليه، ثم سحب قدمها المصابه وضعها على فخذه طهر مكان الجرح ثم لف ضماد حول قدمها،كذالك وضع مُرطب فوق ذلك الإحمرار مكان لسعة الحليب... كانت تتأوه، لكن هو تحدث بإطمئنان:
كويس الشظية مدخلتش جوا رجلك، جرح مش كبير... هجيبلك برشامة مُسكن والوجع هيروح.
نهض تركها مره أخري ثم عاد باحد انواع برشام مُسكن مد يده به لها ومعه كأس مياة
أخذت البرشامة وتجرعت المياة تستغرب من إهتمامه المُبالغ فذلك الجرح لا يستحق تلك المُبالغة... توترت من نظراته لها كذالك من ثيابها التي لا تناسب وجوده... كأنه قرأ أفكارها حين ذمت تلك الفتحه التى فوق صدرها، وجذبت الكنزة لأسفل تحاول تغطية أكبر جزء من ساقيها... تبسم وهو يجلس على الآريكة جوارها.. شعرت بالخجل كادت تنهض لكن حين وضعت قدمها على الارض لم تستطيع الوقوف بسبب الألم وسقطت فوق ساقيه.. إرتبكت لكن سُرعان ما غاب عقلها للحظات وهو يضمها ينتهز الفرصة بلا تفكير كان يضغط جسدها لجسده يُقبلها بروية تزداد قُبلاته توغل وإشتياق للمزيد وهي بلا وعي تستقبل قُبلاته التى تنتهك شفتيها.. هذه المرة الثانية الذي يُقبلها بها لكن هنالك إختلاف عن المرة الأولى هذه المرة كانت قُبلاته عميقة،أما هذه المرة قُبلاته جامحة مُتطلبة... تنحي بجسده قليلًا وضع نصف جسدها على الأريكه يميل عليها وهي تزداد ميلًا على الآريكة لا يترك شفتيها، يديها كأنها ليست من جسدها عقلها يود ان تدفعه عنها لكن يديها إعترضت وتمسكت بمعصمه.. إزاد جموحة وجرأة لمساته... وهي كان عقلها بغفوة، او ربما سيطرته على مشاعرها بتلك القبلات واللمسات أفقدتها الحركة.. بدأ يغزوا أكثر وأكثر بلمساته
•تابع الفصل التالي "رواية عهد الدباغ" اضغط على اسم الرواية