رواية هل من سبيل للغفران الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نورهان العشري

 رواية هل من سبيل للغفران الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نورهان العشري

السبيل الخامس عشر ❤️‍🔥
يستغرق الإنسان وقتًا طويلًا وهو يحاول اتخاذ قرار مغادرة وطنٍ لم يعد يشعر فيه بالأمان، ومفارقة أشخاصٍ لم يشعر يومًا بأنه ينتمي إليهم. و يُصبِح الأمر أشد قسوةً حين يُجبر على التغاضي عن الضربات التي تلقاها من تلك الجدران التي ظنها بيته، فلم تُبقِ لأعدائه شيئًا ليقتلوه به. فالخُذلان حين يأتي من الأماكن التي كان يُفترض بها أن تكون ملاذًا يكون أعمق أثرًا وأشد وطأة.
ولهذا يكون الرحيل ثقيلًا، لكنه ضرورة حتمية لا مفر منها؛ فالأذى الذي يُصيب الإنسان من عائلته كالشق الذي يسحق القلب، فلا يفلح شيء في إعادة ترميمه كما كان. إنه كالصخر إذا تفتت، لا يعود صلبًا من جديد، بل يتحول إلى رمادٍ لا ذاكرة له.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ ممكن اعرف أنت متحامل على عمر بالشكل دا ليه؟
هكذا تحدثت زينة إلى عز الذي كان ينظر إلى البعيد بملامح متجهمة ليُجيبها بنبرة جافة:
ـ لسه بتسألي! دا أنتِ شوفتي بعينك اللي حصل!
زينة بنبرة ناعمة:
ـ ماهو عشان شوفت اللي حصل بعيني بسأل. عز هو أنت كنت شايف ابنك واحد فرحان بخطوبته أو حتى مقتنع بيها؟!
عز بحدة:
ـ ولما هو مش فرحان ولا مقتنع خطبها من الأول ليه؟
ـ و أنت قبل ما تخطبله مسألتوش انت مقتنع ولا لا ليه؟
هكذا تحدثت زينة بحدة طفيفة ليصمت عز بضع لحظات قبل أن يغمغم بخشونة:
ـ هو اللي طلب من نبيلة أنها تروح تخطبهاله، ولما سألتها قالت أنه مقتنع.
زينة بسخرية:
ـ قصدك نبيلة اللي مقتنعة. عز هو أنت ليه باعد عنك كل الناس المهمة اللي في حياتك؟
عز باستنكار:
ـ نعم!
زينة باندهاش:
ـ أنت مستغرب من سؤالي كدا ليه ؟ هو أنت مش شايف علاقتك بوالدتك عاملة ازاي؟ و علاقتك بعمر اللي هو ابنك ومفروض يكون أقرب حد ليك و أنت اقرب حد ليه ؟ حتى هايدي مبشوفهاش مقربة منك. أنت حد ملكش أصحاب!
توسعت عينيه بعض الشيء اندهاشًا من حديثها مما جعله يقول باستفهام:
ـ غريبة! ازاي لاحظتي كل دا وأنتِ يدوب راجعة مبقالكيش شهر من السفر؟!
اندفعت الدماء إلى وجنتيها من حديثه لتحاول رسم ابتسامة هادئة فوق ملامحها وهي تقول بنبرة زائفة الثبات:
ـ أنت عارفني من صغري بحب أوي أني أحلل الشخصيات و بركز في التفاصيل، و كمان هكون صريحة معاك الأوضاع اللي شيفاها في القصر غريبة. الدنيا اتغيرت أوي عن زمان.
أومأ برأسه موافقاً على حديثها ثم هتف بنبرة مُشجبة:
ـ عندك حق. كل حاجة من سيء لأسوأ.
زينة بنبرة ذات مغزى:
ـ بس لسه الوقت مفاتش أننا نغير الوضع السيء دا. حاول تقرب من عمر أكيد عنده وجهة نظر.
عز بسخرية:
ـ وجهة نظر ايه و زفت ايه؟ دا واحد أناني مبيشوفش غير نفسه وبس. من بين كل البنات اختار اكتر بنت انا وأمه رافضينها!
زينة بذهول:
ـ دي بنت أختك!
عز بانفعال:
ـ اقفلي على الموضوع دا يا زينة.
ناظرته باحتقار سرعان ما نحته جانبًا لتمد يدها وهي تقول بنبرة ناعمة:
ـ فاكر يا عز لما ماما اتوفت و اضطريت اني اجي أعيش معاكوا في القصر، وكان في ناس كتير متضايقة من وجودي وانا حسيت بدا و اتوجعت جدًا. فاكر أنت قولتلي أيه يومها؟
كانت حركة مُباغتة لا يعلم لما كان وقعها مُغايرًا على قلبه، فهو يتذكر ذلك الموقف و حديثه مع هذه الطفلة الجميلة التي فجأة وجدت نفسها وحيدة في مواجهة هذا العالم، يتذكر كيف أمسك بيدها و طمأنها بأنها وسط أهلها، ولكن هذه اليد الناعمة لا تشبه أبدًا تلك اليد الصغيرة التي أمسكها في ذلك الوقت!
ـ زمان انت وقفت جنبي، و أنا دلوقتي بردلك وقفتك جنبي و بحاول اوصل معاك لحل. عمر ابنك محتاج تقف معاه على أرض صلبة و تحسن علاقتك بيه. بلاش تخلي فيه وسيط بينكوا.
كانت جيدة في الإقناع فخضع لسحرها لثوان ثم تحمحم بخشونة وهو يتحدث بنبرة جافة:
ـ هحاول. ولو اني عارف اللي عنده. بس لازم اتكلم معاه.
زينة بابتسامة جميلة:
ـ و ياريت يكون الكلام بينك وبينه زي أي أب و ابنه. حرام عمر يكون عنده اب حنين كدا و مش عارف يتواصل معاه ولا يقرب منه.
كلماتها رسمت ابتسامة هادئة على شفتيه وقد راقت له كثيرًا وقد قرر العمل بنصيحتها لتُتابع هي بمرح:
ـ أنا هسيبك عشان أكيد وراك شغل وانا عطلتك.
عز بلهفة:
ـ لا ولا أي عطلة. تعالي هروحك، بالمرة اطمن على ماما.
أضاءت ملامحها ابتسامة جميلة قبل أن تُجيبه بنبرة مُحذرة:
ـ مش هقدر أجازف أن نبيلة تشوفنا راجعين مع بعض، فتقلب عليا. خلينا حبايب انا مش قدها!
عز باندفاع:
ـ على فكرة نبيلة اطيب قلب في الدنيا كلكوا فاهمينها غلط.
زينة بنبرة ساخرة:
ـ مش منطقي يا عز أن كلنا نبقى ظالمينها أو فاهمينها غلط! أنت بس اللي طيب وهي محظوظة بيك.
هناك كلمات كالأفاعي لدغتها لا تؤلم ولكنها تبث سمومها في النبض بهدوء ليسري في الدماء دون ضجيج، فلا يُدرك الملدوغ ماحدث معه ألا وهو في النزع الأخير.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال ♥️
★★★★★★★★★★
لا يوجد في العالم ما هو أسوأ من أن تهتز صورة العائلة في نظر المرء. أن تتشقق تلك الملامح التي ظنها حصنًا من الأمان، فإذا بها قناع يخفي وجهًا آخر للشيطان، أن تتكسر صورة أحب الناس إلى قلبك، فتبدو حياتك كرواية مزيفة لا يعرف أولها من آخرها، و يغدو القلب كغريب لا ينتمي إلى مكان، و كأنه مُعلقًا على حافة الضياع، فاقدًا لكل معاني الاحتواء، لا يملك كتفًا واحدًا فوق جزعه يمكنه الاتكاء.
نورهان العشري ✍️
ذاكرة الرماد " حين ينفُث الرماد عطرًا" ورقي
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ افتح الباب دا.
هكذا صاح عمر بصوت جهوري غاضب وهو إمام بوابة قصرهم ليُجيبه الحارس باحترام:
ـ خالد بيه أمرني مفتحش الباب لحضرتك غير لما يوصل.
تعاظم الغضب بداخله حتى كاد أن يعمي عينيه ليصرُخ كالمجنون:
ـ بقولك افتح الباب بدل ما اكسره فوق دماغك!
تجمع الحرس ليقفوا أمامه كالسد المنيع و يقول قائدهم:
ـ يا عمر بيه أهدى شوية احنا مش في إيدينا حاجة. دي أوامر و احنا….
لم يكد يُكمل جملته، فإذا به يجد عمر يندفع لينتزع سلاح أحد الحراس ويوجهه على البوابة الحديدية صارخًا بجنون:
ـ اوعوا من قدامي..
تراجع الحرس من أمام فوهة النيران التي انطلقت من السلاح بيد عمر ليتحطم قفل البوابة، فقام بإلقاء السلاح أرضًا وهو يتوجه إلى الداخل بأقدام تترك اللهب في إثرها أينما حطت إلى أن وصل إلى باب قصرهم ليجد نبيلة تهرول من الأعلى و خلفها هايدي و إمارات الفزع بادية على وجوههم ليتفاجئوا بعمر يقف بمنتصف الرواق و وجهة لوحة حية عن الغضب لهتف نبيلة بصدمة:
ـ حصل ايه يا عمر؟ و ايه صوت ضرب النار دا؟
جاءهم صوت رحيم من الخلف والذي ما أن سمع صوت النيران حتى هرول إلى الأسفل ليجد عمر يتوجه إلى قصرهم مما جعله يتبعه ليقول بنبرة حادة:
ـ حوصول ايه يا عمر؟ و ايه صوت ضرب النار ده!
كانت نظرات عمر الغاضبة تتوقف على ملامح نبيلة التي لأول مرة تشعر بهذا الخوف والذي تضاعف حين سمعت صوته الهادر حين صرخ قائلاً:
ـ هتعرف دلوقتي كل حاجة يا رحيم. بس الكلام اللي هقوله لازم يتقال قدام عز الدين الوتيدي. عشان في كلام كتير يخصه لازم يسمعه.
ـ عز الدين الوتيدي! هستنى أيه من واحد من زيك! لا اتربى ولا يعرف حاجة عن التربية.
كان هذا صوت عز الدين الذي وصل لتوه ليرى ما حدث في الخارج، فاستدار عمر ناظرًا إليه بابتسامة أبعد ما تكون عن المرح ليقول بنبرة ساخرة:
ـ والله اني متربتش دا موضوع انت اللي تتسأل فيه مش انا.
عز بحدة:
ـ مانا نويت أعيد تربيتك من اول وجديد..
توجه رحيم ليقف أمام عز الدين الذي كان يتقدم تجاه عمر ليقول الأول بجهامة:
ـ وجف يا عز. رايح فين؟ وحد الله يا راچل.
اندفعت نبيلة تجاه عمر وهي تقول بنبرة مُرتجفة:
ـ عمر يا حبيبي أهدى وتعالى اقعد نتكلم.
استنكر تلك الكلمة التحببيه التي نعتته بها ليهتف باستنكار:
ـ حبيبك! هو أنتِ بتعرفي تحبي لا سمح الله!
توقفت نبيلة على مقربة منه وهي تقول بصدمة:
ـ عمر! أنت بتقولي أنا كدا؟!
عمر بنبرة تغلي من فرط الوجع والغضب معًا:
ـ أيوا أنا اللي بقولك كدا! عارفة انا كام مرة كان نفسي أقولك الكلام دا و ارجع في كلامي؟! عارفة كام مرة كان نفسي أسألك هو أنتِ تعرفي يعني أيه حب أصلًا؟
تجمدت الحروف فوق شفاهها جراء حديثه ليندفع عز الدين تجاهه ولكن رحيم أوقفه مما جعله يصرخ مُعنفًا:
ـ اخرس يا حيوان. ازاي تتكلم مع امك بالشكل دا!
زأر عمر بوحشية:
ـ دي أكتر حاجة بكرهها في حياتي أنها أمي.
وصل خالد في هذه اللحظة و من خلفه شروق ليهتف بصوت جهوري أدار جميع الرؤوس نحوه:
ـ عُمر.
طفرت العبرات من عيني عمر وهو يصيح بنبرة مُحترقة:
ـ من النهاردة مش هسكت. مبقتش العيل الصغير اللي هيشوف الظلم قدامه هيسكت. مش هسكت يا خالد. انا كل حاجة وحشة حصلتلي في حياتي كانت بسببها هي وجوزها.
التفت ناظرًا إلى نبيلة التي كان جسدها يرتعش و الذهول بادٍ على محياها ليُتابع وهو يُوجه اصبع الاتهام إليها:
ـ أنا فاكر كل حاجة وحشة عملتيها زمان. فاكر لما روحتي لعمتي وهي قاعدة على كرسي و ضربتيها و ضربتيني عشان مفتحش بقي واقول على اللي عملتيه فيها و هددتيني مقولش حاجة لبابا. فاكر قسوتك عليها يومها و ازاي جريتي تتحامي فيه و تعيطيله و كأنك اللي مظلومة مش هي، فاكر لما روحتي حطيتي ساعتك في دولابها و عيطي لبابا وقولتيله أنها سرقتها و خلتيه يضربها هنا في نفس المكان اللي احنا واقفين فيه دا.
برقت الأعيُن من فرط الذهول الذي يُخيم على ملامح الجميع و الأفواه مُغلقة بأمرٍ من الصدمة التي جمدت الحروف على شفاههم. وحده من كان لأنفاسه صوتٍ عالي و كأنه يجاهد حتى ينتزعها ليستطِع إسقاط هذا الثُقل عن كاهله ولكن حين تابع حديثه لم تكن نبرته عالية بل عميقة و كأنه يحفر الكلمات في عقول الحاضرين:
ـ فاكره يا ماما لما روحتي قولتيله اختك هربت مع راجل وسابت البيت ؟! بس نسيتي تقوليله انك أنتِ اللي كرهتيها في كل نفس بتاخده في البيت دا. لحد ما مبقاش قدامها غير انها تمشي. في الوقت اللي مكنتيش شيفاني فيه و لا متخيلة اني ممكن اكون مركز في أي حاجة من اللي بتحصل. كانت كل حاجة بتحصل قدامي بتتسجل جوايا.
كان جسد شروق يرتجف من هول ما سمعت عن الظلم الذي تعرضت له والدتها مما جعل العبرات تتقاذف من عينيها كالمطر لا تملك القدرة على إيقافها، و لأول مرة تشعر نبيلة بالألم الحقيقي ولكن الخوف من المذلة أمام أعين الجميع وخاصةً زوجها كان أكبر بكثير مما جعلها تصرخ بانفعال:
ـ اخرس. كل اللي بتقوله دا كذب. كذب وهي ملت بيه دماغك عشان تكرهك في أمك.
عمر بصراخ يصم الأذان:
ـ أنا مش محتاج حاجة تكرهني فيكِ انا أصلاً بكرهك.
كانت لحظة مرعبة لم تتخيل بأسوأ كوابيسها أن تحياها، فتوجهت نظراتها إلى عز الدين لتجد الصدمة تخيم على ملامحه فتجاوزته لتنظر إلى خالد، فلم ترى منه سوى الاحتقار و الأسف لتشعر بأنها على شفير الهلاك مما جعلها تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه لتقوم برفع يدها تنوي صفع عمر ولكنها تفاجئت به يمد يده و يمسك كفها قبل أن يصل إلى وجنته وهو يتابع و كأنه يجلدها بسوط كلماته:
ـ زمان ضربتيني عشان اسكت بس دلوقتي لا هسيبك تضربيني ولا هسكت!
تدخل خالد ليوقف الأمر عن التفاقم أكثر من ذلك خوفًا على عمر الذي كانت ملامحه تضج بألم كبير ليقترب منه قائلًا بنبرة خشنة:
ـ خلاص يا عمر. كفاية كدا..
عمر بنبرة جريحة:
ـ عندك حق كفاية. انا بس هسألها سؤال واحد. هعرف إجابته و امشي على طول!
كانت لاتزال يدها حبيسة كفه ليشدد عليها وهو يقول بنبرة تئن من فرط الوجع:
ـ عمتي و تيتا كنتِ بتكرهيهم عشان كدا عملتي فيهم اللي عملتيه. لكن انا. بتكرهيني بردو زيهم عشان تدمري حياتي كدا؟!
لم تسعفها الكلمات للرد، فالأمر تخطى حدود الشر بداخلها، فقد كانت أجبن من أن تتحدث فقط ترتجف وهي تهز برأسها يمينًا و يسارًا دون أن تجد القدرة على الحديث ليُتابع بنبرة مقهورة:
ـ كنتِ عارفة اني بحبها، شوفتيني تايه و ضايع بتخبط في كل ناحية شوية مش عارف أرسى على بر. بدل ما اصعب عليكِ و تنصحيني. روحتي عملتي ايه؟! عملتي خطة قذرة عشان توقعي بيني وبينها. عشان تبني بيني وبين سعادتي سد كبير معرفش اتخطاه أبدًا.
ترك يدها وهو يضع يده في خصلات شعره يبكي بقوة و صوتٍ مسموع اخترق آذان وقلوب الجميع ليُتابع بتعب:
ـ أنا كنت بجاهد نفسي. بحاول اغلب شيطاني. بس مقدرتش اغلبك أنتِ.
شعر خالد بأن نفسه يضيق ألماً على عمر الذي تابع بنبرة تحترق ألمًا:
ـ أنا كنت بكذب نفسي عشان تفضل صورتك جميلة في عنيا. بس للأسف كل مرة كنت بشوفك بتكذبي و تزيفي الحقايق كانت صورتك جوايا بتتشوه.
بحياتها لم تكُن تتخيل أن تقف في مثل هذا الوضع المُهين أمام الجميع، فقد صُدِمت حين شاهدت كل هذه الأزواج من العيون تطالعها بذهول و أخرى تطالعها بشماته لتخترق كلمات عمر رأسها حين قال:
ـ أنتِ حتى اليتامى مصعبوش عليكِ. مفيش حاجة حلوة شوفتها منك في حق حتى اقرب الناس ليكِ. انا كرهت بابا بسببك، و بسبب ضعفه قدامك. كرهت الحب لو هيخليني شبهه.
سقط عز الدين جالسًا على المقعد خلفه وهو يحاول جاهدًا لانتزاع أنفاسه عنوة من بين براثن الألم الذي اجتاح صدره جراء حديث عمر لتقترب ميرهان من عز وهي تصرخ على عمر قائله:
ـ كفاية بقى. اخرس هتموت بابا. أنت بتبرر أفعالك قدام الهانم عشان ترضى عنك. لكن الحقيقة غير كدا انت انسان بشع…
ـ و ياترى بقى عندك استعداد أنتِ كمان تواجهي حقيقتك اللي ابشع منه بكتير ؟!
كان هذا صوت كمال الذي يقف أمام باب القصر بعينين حمراء وكأنهما بركة من الدماء وملامح جعلها الوجع تشبه ملامح كهل في السبعين من عمره لتلتفت جميع الأعيُن تناظره بصدمة ليهتف خالد بنبرة خشنة:
ـ كمال!
تقدم كمال تجاه هايدي التي شعرت بالذُعر فتراجعت لتقف خلف والدتها وهي تقول بنبرة مرتجفة:
ـ خالو كمال!
التفت كمال ينظر إلى ميرهان الواقفة بجانب الدرج بغل تجلى في نبرته حين قال:
ـ حلو دي الحقيرة التانية كمان هنا!
هتف خالد بحدة:
ـ كمال! أنت اتجننت؟!
صرخ كمال بصوت اهتزت له جدران القصر:
ـ متجننتش! متجننتش يا خالد لكن عرفت حقيقتهم. عرفت أننا ربينا معانا وحوش متعرفش يعني أيه رحمة!
اهتز جسد الفتاتين و معهما نبيلة التي خرجت الكلمات تتعثر فوق فمها حين قالت:
ـ في أي! هما عملوا أيه؟
تبدلت ملامح كمال من الألم إلى الغضب الذي احتل نبرته حين صرخ قائلًا:
ـ هتقولوا عملتوا ايه في آسيا من تلت سنين يوم الحفلة بتاعتي ولا اقول أنا؟!
تبادلت كلا الفتاتين النظرات المذعورة ليتدخل خالد قائلاً:
ـ مالوش لازمة الكلام دا دلوقتي يا كمال.
كمال بنبرة ساخرة تحمل الحقد بين طياتها:
ـ لا يا وحش له لازمة. كل واحدة فيهم زي الشاطرة كدا تقول عملت ايه خلونا نسمع قد أيه هما معدومين الاحساس و معندهمش لا دين ولا ضمير..
خرجت ميرهان عن صمتها حين صرخت بغل:
ـ احنا معدومين الدين والضمير و الست آسيا هانم هي اللي ملاك مش كدا!
و أيدتها هايدي قائلة:
ـ دي شيطانه و خبيثة، و أيوا أحنا ضربناها و بهدلناها بس دا رد على قلة أدبها علينا. لكن انت طبعًا مش هتشوف غلطها.
زأر كمال بوحشية جعلت جسد هايدي يرتد إلى الخلف:
ـ غلطها! غلط ايه اللي يخليكوا تضربوها و تقطعوا هدومها و تنهشوا في لحمها بالشكل دا!
قام بركل الطاولة لتسقط و يتحطم كل ما فوقها وهو يصيح بشراسة:
ـ بتبرروا أيه يا شوية حيوانات! دا انتوا لو شياطين مش هتعملوا كدا!
كان الأمر يتفاقم بشكل مرعب على جميع النواحي ليتقدم خالد ويدفعه إلى الخلف وهو يصيح بوحشية مفرطة:
ـ خلاص بقى. قولتلك ممنوش فايدة الكلام دا دلوقتي.
تدخل عمر قائلًا بنبرة آسفة:
ـ فعلًا ممنوش فايدة. مبقاش في فايدة فيهم خلاص يا كمال..
كمال بنبرة تحترق من فرط الغضب:
ـ والله لولا خالد لكنت مولع فيكوا انتوا اللتنين.
نبيلة بتلعثُم:
ـ خلاص يا كمال. دول كانوا عيال مش فاهمين حاجة..
التفت خالد قائلًا بغضب:
ـ قصدك عيال ملقوش حد يربيهم، ولا يقولهم عيب.
صاحت نبيلة بانفعال:
ـ هتجيبها فيا دي كمان يا خالد! دا بدل ما تدافع عني سايبني ملطشة للكل؟!
خالد بقسوة:
ـ للأسف انا لو حاولت اسكتهم هبقى ظالم. مفيش حد منهم متأذاش منك. حاولت كتير اجنبك لحظة زي دي بس أنتِ عمرك ما ساعدتيني على كدا.
تدخل كمال بنبرة يشوبها الاحتقار:
ـ عارفة احنا غلطتنا فين! أننا وثقنا فيكِ، وفكرناكي هتبقي أمينة علينا. هتبقي أم و أخت بس للأسف أنتِ متعرفيش تبقي أي حاجة حلوة لحد. حتى ولادك فشلتي معاهم!
نبيلة بلهفة:
ـ كمال انا ماليش ذنب في اللي هما عملوه! هما غلطوا يتعاقبوا انا ذنبي ايه؟
ناظرتها هايدي بسخط من تخليها عنهم لتهتف بحدة:
ـ طب على فكرة بقى ماما عارفة عننا كل حاجة، والموقف دا تحديدًا هي سقفت لنا عليه.
تهاوت آخر ذرة احترام لها في عين الجميع لتمر أنظارها عليهم بدايةً من خالد الذي كان الغضب والحزن يخيمان على ملامحه، ثم عمر الذي كان يطالعها بخيبة أمل كبيرة، و كمال الذي رمقها بكُره، ثم سعاد التي كانت تناظرها بشماته وهي تقف أمام الباب بمقعدها المتحرك و خلفها زينة التي كان الأسف يلون معالمها، بجانبها أشجان التي طالعتها بصدمة فلم تكن تتخيل أن تراها في مثل هذا الموقف، و رحيم الذي التفت برأسه إلى الجهة الآخرى مُستنكرًا ما حدث، ثم شروق التي كان الكره و الألم يخيمان على ملامحها و أخيرًا عز الذي كان يطالع الفراغ و كأنه معزول عن العالم كُليًا، فما مر على مسامعه اليوم دربًا من دروب الخيال، و لأول مرة يجتاحها الألم وهي تتذكر نسمة التي وضعتها في مثل هذا الموقف ذات يوم حين أخبرتهم أنها تقيم علاقة غير شرعية مع صابر قبل الزواج وكيف كانت تبكي بحرقة وهي تصرخ نافية الأمر ولكن لم تجد أي شخصٍ يسمعها!
لتشعر بأنها تريد الهرب من هذا المكان وكل هذه الأعيُن التي تطالعها و كأنها تجلدها بسوط النظرات لتسقط مُغشيًا عليها.
اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ♥️
★★★★★★★★
فتح باب الغرفة ينظر إلى تلك النائمة، وكأنها في عالمٍ آخر لا تريد مفارقته، فقد كانت الساعات المنصرمة دربًا من دروب الجنون بالنسبة إليه، فلم يكُن يتخيل أن يتم زواجهم بتلك الطريقة!
تراجع ليجلس فوق الأريكة التي تتوسط الصالة الكبيرة وهو يتذكر كيف أتخذ ذلك القرار في لحظة عجز العقل عن التفكير كل ما أراده هو تشتيت الألم الذي كان يجتاحها بقوة، و كأنها عالقة بين أنياب الذكريات المريرة ليقترب منها محاولًا فرض وجوده بالقوة على عقلها وقلبها و جسدها ليأثرها بين براثنه بضراوة أجفلتها ثم بدأت لمساته ترق تدريجيًا حين شعر بهدوئها بين يديه و كأن الفرصة أصبحت سانحة أمامه لبثها عشقه الضاري لها وهو يهتف بنبرة مُتحشرجة:
ـ بحبك يا غنى.
كان يهمس بحبها وعينيه تخاطب عينيها التي كانت ضائعة و كأنها تظن بأن وجوده ليس حقيقيًا إنما وهمًا كما كان يحدث دائمًا لتستيقظ على كابوس اسمه " رأفت"! ليشعر هو بما تعانيه فاقترب منها مرة آخرى لينتزع أنفاسها من جديد و يده تضمها إليه في محاولة لغرس وجوده في عقلها و أنامله تلامس صفحة وجهها بحنو لتمر ثواني وهي تحت تأثير ما ظنته حلمًا، ليتراجع عنها وهو يتحدث أمام عينيها ليُثبت حقيقة أنها معه:
ـ أنا مش بحبك وبس. أنتِ نور عيوني، و حبيبة قلبي.
هب من مكانه وهو يتذكر كيف كانت تغمض عينيها و كأنها تهرب من الواقع إلى عالمٍ آخر ولكنه أراد أن تراه و تنظر إلى داخل عينيه لتُدرك ما يحدث بينهم فهمس بجانب أذنيها بصوته الأجش:
ـ غنى. فتحي عنيكي وبصيلي. عايز اشوف عنيكي اللي بعشقهم.
استجابت لا إراديًا الى طلبه لتفتح عينيها تدريجيًا تناظره بضياع وهو تهمس بصوتٍ خافت:
ـ أنت هنا جنبي صح؟
ياسر بلهفة:
ـ هنا. هنا يا روح قلبي. أنتِ معايا. في حضني.
رغمًا عنها تذكرت ذلك الحلم الجميل الذي كانت تراه به يهمس لها بحبه، ثم تستيقظ مفزوعة على لكمات و ضربات تركت بها آلام لا تهدأ لينتفض جسدها وهي تهمس بحروف متقطعة:
ـ أنا بحلم. انا هصحى على كابوس تاني.
ياسر بلهفة:
ـ لا. لا لا. مفيش كوابيس يا روح قلبي. أنا معاكِ جنبك. هاتي إيدك.
امسك كفها ليمرره على ملامحه بحنو لتقع عينيها على تقاسيمه التي تعشقها، فإذا بها تهمس باسمه بنبرة خافتة تكاد تكون غير مسموعة:
ـ ياسر.
قام بوضع قبلة قوية فوق راحة يدها قبل أن يرفع رأسه يجيبها بنبرة مُلتاعة:
ـ أيوا ياسر . ياسر اللي مش عايز من الدنيا كلها غيرك. ياسر اللي بيعشق التراب اللي بتمشي عليه يا غنى.
رافقت العبرات بسمتها وهي تنظر إلى داخل عينيه و تستمع إلى حديثه لتمد كفها الثاني و تحتوي وجهه بحنو ليضم كفوفها بيده وهو يقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ قوليلي انك بتحبيني. عايز اسمعها منك. قوليلي بحبك يا ياسر.
أطاعته بلهفة شخص يحاول انتزاع أنفاسه ليحيا من جديد:
ـ بحبك يا ياسر. بحبك.
ارتشف باقي حروف اسمه من بين ضفتي التوت خاصتها ليعانقها بكل ما أوتي من عشق و كذلك هي، فقد أغمضت عينيها تحاول النجاة بين يديه، فقد تحققت أمنيتها و أصبح حلمها حقيقة، فقد كان موجودًا لينتزعها عنوة من بين براثن الألم و الوحشة و يرمم أوجاع الجسد والروح لتتشبس به وكأنه آخر أمل يربطها بالحياة لتسمعه يهمس بجانب أذنيها:
ـ بحبك يا غريبة قلبي.
انهى جملته و حملها يدور بها في المكان وهو يردد هذه الكلمات التي كان لها مفعول السحر عليها لتبتسم بخجل و يبتسم هو الآخر حين عاد إلى أرض الواقع ليتوجه إلى الغرفة مرة آخرى ينظر إليها، فلاحظ ارتجافة رموشها، فعلم أنها قد استيقظت ليحاول تهدئة ضربات قلبه ثم أخذ نفسًا طويلًا بداخل صدره قبل أن يتوجه إليها ليجلس على طرف السرير و يمد يده بحنو فوق صفحة وجهها وهو يقول بنبرة عاشقة:
ـ اصحي بقى وحشتيني.
كانت تحاول ادعاء النوم، فلم تكن تتخيل أن يحدث بينهم ما حدث، فقد كانت ترتعب من قدوم هذه اللحظة التي ستذكرها بكابوسها المُريع، ولكنه كان مراعيًا لأقصى درجة، نجح في حجب عقلها و جعله يغيب عن كل شيء إلا وجوده. تتذكر حين حملها و دار بها في الغرفة وهو يردد على مسامعها هذه الكلمة التي تدغدغ حواسها:
ـ بحبك يا غريبة قلبي..
لتشعر بقلبها يتضخم من فرط الحب الذي لم يتوانى عن إغداقها به، فلم تشعر وهو يتوجه بها إلى غرفتهم ليجلس فوق مخدعهم وهي بين يديه هامسًا في أذنها بخفوت:
ـ أول مرة عيني شافتك فيها حجزتي مكانك في قلبي. قلبي اللي عمره ما كان يعرف يعني ايه حب، ولا كان متخيل أنه موجود أصلًا.
كان يتحدث و يقرن حديثه بالأفعال و كأنه يسلك كل الطرق لتخدير كل جرح لايزال نازفًا بداخلها، و أنامله الحانية التي كانت تمر فوق ملامحها بخفة وهو يرسم تقاسيمها الرائعة وشفاهه تتغزل بها لأول مرة دون تحفظ:
ـ عنيكِ الحلوة اللي لما كانت بتضحك كانت الروح بترد فيا، و كأنها رحمة القدر بيا، و تكشيرتك اللي كانت بتخليني عايز اهد الدنيا عشان ترجع ضحكتك الجميلة تنور من تاني. تخيلي سنتين وانا عاشق لكل تفصيله فيكِ ومش قادر اجي اقولك بحبك! بشوفك من بعيد زي القمر وسط البنات كلها و اقول امتى هتبقى ليك يا ياسر ؟
اقترب ينثر عشقه فوق ملامحها بروية وهي غائبة عن العالم برفقته ليُتابع حديثه دون التطرق إلى ما بعد ذلك في علاقتهم حتى لا يعيد ذاكرتها إلى ما حدث بعد ذلك:
ـ و أخيرًا بقيتي ليا و معايا، وعمري ما هسيبك أبدًا.
كان قاب قوسين أو أدنى من نيل قربها و كانت هي في وادٍ آخر لا يوجد به سواه على الرغم من أنها كانت تخشى تلك الحظات المرعبة التي عاشتها سابقًا وجعلتها تود لو تفقد الذاكرة لتنساها، تلك اللحظات كانت عائقًا كبيرًا بينهم، ولكنه كان بارعاً في إخضاع قلبها فلم تشعر بأنها أصبحت بين يديه دون عوائق، حتى تلك اللحظة التي أصبحت له لم يتثنى لها التفكير أو المقاومة فقد رمم حنانه شقوق روحها و جسدها معاً، و خاصةً كلماته التي كان لها مفعول السحر عليها لتنصهر بين يديه في عالمٍ لطالما خشيت أن تطأه قدميها، ولكنه كان رائعًا بكل ما للكلمة من معنى.
عادت إلى الوعي حين ضربت قشعريرة سائر جسدها حين سمعت كلماته العابثة:
ـ يعني مش ناوية تصحي! طيب انا أشيلها هيلا بيلا و احطها تحت الدوش يمكن تصحى..
عند سماع جملته الأخيرة هبت من نومها لتعتدل وهي تقول بلهفة:
ـ لا خلاص انا صحيت.
ضيق ياسر عينيه وهو يقول بتخابُث:
ـ يعني صاحية و بتشتغليني! من امتى وانتِ نصابة كدا؟
غنى بخفوت:
ـ انا مش نصابة.
غازلها قائلاً:
ـ عندك حق. ماهو مفيش نصابه حلوة كدا بردو!
كانت العقل حاضرًا في هذه اللحظة و الحواجز التي كانت بينهم عادت مرة أخرى لتهمس بنبرة مُتحشرجة:
ـ ياسر….
قاطعها بنبرة عاشقة:
ـ عيون ياسر..
رق القلب لكلماته مما جعل العقل يتخبط جراء تلك المشاعر الرائعة التي تشعر بها في هذه اللحظة لتقول بتلعثُم:
ـ احنا. أنا.. يعني..
وضع إصبعه فوق شفتيها يمنعها من الحديث قائلًا:
ـ احنا بنحب بعض. و أنا تحديدًا بعشقك و ربنا وحده يعلم اتمنيت قربك دا قد أيه؟
رغمًا عنها كانت تشعر بأن هناك نقصًا في اعماق روحها وجسدها مما جعلها تقول بنبرة جريحة:
ـ بس انت تستحق احسن حاجة في الدنيا وأنا…
للمرة الثانية يقاطعها قائلًا:
ـ أنتِ عندك حق، وعشان انا استحق أحسن حاجة في الدنيا ربنا رضاني بيكِ. هو في أحسن منك يا غنى!
قال جملته الأخيرة بنبرة عميقة ارتج لها قلبها لتستفهم قائلة:
ـ أنت بت. بتقول كدا من قلبك؟
اقترب يحاوط وجهها بكفوفه وهو يقول بنبرة مُفعمة بالمشاعر:
ـ معقول محستيش انا بحبك قد ايه يا غنى! بطلي تكذبي نفسك عشان أنتِ بتحبيني قد ما بحبك و اكتر.
حديثه يفعل الأفاعيل بها. أنه كمن يعبث باعدادات عقلها و يتحكم بنبضات قلبها مما جعلها تنظر إليه بضياع ليضيق عينيه بمكر تجلى في نبرته حين قال:
ـ انا بقول اثبتلك فعليًا عشان الكلام دا هري عالفاضي.
برقت عينيها من حديثه لتهتف وهي على وشك البكاء:
ـ لا لا! انا هقولك..
جذبها لتتوسط ذراعيه قبل أن يقول بحنو:
ـ هششش. اهدي و خدي نفسك متتعبيش دماغك الحلوة دي بالتفكير. ولو عايزة تتكلمي قولي كل اللي جواكي يا غُريبة قلبي و انا سامعك. انا اصلًا مش ناوي اعمل حاجة تانية غير أني اسمعك.
في هذه اللحظة لم تكن تبغي سوى الهدوء بين ذراعيه، فقد شعرت بالارهاق النفسي و البدني لما مرت به اليوم، فقد تخطت الكثير من الحواجز، والعقبات النفسية، حتى مواجهته بعد ما حدث بينهم كان أمرًا شاقًا عليها ولكن حنانه جعل كل شيء يمر بهدوء لتضع رأسها فوق صدره وهي تقول بخفوت:
ـ عايزة اغمض عيني في حضنك و اسكت وبس…
كان لها ما أرادت، فقد تسطح بجانبها يحتويها بين ذراعيه و أنامله تمر برفق بين خصلاتها و كأنه يعبر عن حبه و يبثها حنانه بصمت، وقد كانت في أمس الحاجة لذلك.
مر وقتٌ ليس معلوم لكليهما قبل أن يستمع ياسر إلى صوت رنين جرس الباب، فحاول النهوض من مكانه بهدوء حتى لا يقلق راحتها فقد غرقت في النوم من جديد ليتوجه الى الخارج يفتح الباب، فإذا به يجد أحد الضباط يقف أمام الباب والذي قال باستفهام:
ـ أنت ياسر الوتيدي ؟
ـ أيوا أنا. خير في ايه؟!
هكذا استفهم ياسر ليُجيبه الضابط قائلاً:
ـ مطلوب القبض عليك.
ياسر بصدمة:
ـ نعم! بتهمة ايه ؟!
الضابط:
ـ محاولة قتل رأفت عبد الحفيظ الصباغ.
ـ حبيبي. مش هتروح تطمن على نبيلة؟
هكذا هتفت أشجان وهي تساعد خالد في ارتداء جاكت بذلته ليُجيبها الأخير قائلًا بجفاء:
ـ متقلقيش عليها. هي كويسة..
أشجان بارتباك:
ـ خالد. هي نبيلة فعلاً عملت كل دا؟!
كانت الإجابة مؤلمة بنكهة مريرة، ولكنه كان مُجبر عليها لذا قال بجمود:
ـ ما أنتِ سمعتي اللي اتقال. أنتِ شايفة أية؟
شعرت بغباء استفهامها لذا حاولت تصحيح خطأها قائلة:
ـ أقصد أنت مصدق اللي اتقال! يعني مش شايف أنهم ممكن يكونوا بيبالغوا؟
كانت تريد أي شيء من شأنه أن يدفعها لإخباره تعلم أنها جبانة ولكنها أرادت نقطة بداية لكي تخبره بما يُثقل كاهلها ولكنه ولأول مرة يلجأ للمراوغة حتى يهرب من هذا الحديث الذي يثير حنقه و ألمه في آنٍ واحد مما جعله يقول بجفاء:
ـ أكيد في جزء منه حقيقي.
أشجان بصدمة:
ـ جزء!
زفر بحدة قبل أن يقول بنفاذ صبر:
ـ أنتِ عايزة أيه يا أشجان ؟ اقفلي على القصة دي.
شعرت بأنها أغضبته فما حدث البارحة لم يكن هين لذا هتفت بلهفة:
ـ أنا أسفة مقصدش أضايقك والله.
خالد باقتضاب:
ـ خلاص يا حبيبي. محصلش حاجة.
كانت عينيه ملبدة بغيوم الغضب ولم تصفو بعد لذا اقتربت تتوسط صدره وهي تهمس بنبرة خافتة:
ـ أنا بجد اسفة. بس من امبارح وأنت ساكت وانا قلقانه عليك..
زفر بقوة وهو يشدد من احتوائها، وكأن قربها وحده كفيل بأن يهدأ من ألمه ولو قليلًا وهو يقول بنبرة مُشجبة:
ـ الكلام هيتعب أكتر.
أشجان بنبرة حانية:
ـ خلاص احضني وبلاش تتكلم.
ابتسم على حديثها وقام بوضع قبلة دافئة فوق مقدمة رأسها وهو يقول بحُب:
ـ تصدقي أحلى فكرة.. ربنا ما يحرمني منك أبدًا. لولاكي مكنتش عارف هعدي كل اللي بيحصل دا ازاي؟
رفعت رأسها تطالعه بنظرات عاشقة وهي تقول بدلال:
ـ يعني أنا السبب انك قادر تعدي كل دا!
خالد بنبرة خشنة:
ـ أنتِ السبب أن أنا واقف على رجلي و موقعتش بعد كل دا!
أشجان بلهفة:
ـ يارب تفضل العمر كله واقف على رجلك و متقعش أبدًا يا حبيبي.
لم يتثنى له إجابتها فقد جاءهم صوت طرق على باب الغرفة ليسمح بالطارق للدخول فأطلت رنا برأسها من الباب وهي تقول بخفوت:
ـ صباح الخير..
خالد بابتسامة عذبة:
ـ صباح النور. تعالي يا حبيبتي.
توجهت رنا لتحتضن خالد وهي تنظر إلى أشجان بخجل و الأخيرة كانت تناظرها بعتب ولكن خالد أضاف بنبرة مُحبة
ـ حبيبة بابي عاملة أي في المدرسة ؟
رنا بارتباك وهي تنظر إلى أشجان:
ـ الحمد لله يا بابي.
شعر خالد من نظرات الاثنين إلى بعضهم أن هناك خطبًا ما مما جعله يقول باستفهام:
ـ في حاجة ولا ايه؟
هذه المرة أجابت أشجان وهي تجذب رنا إلى أحضانها:
ـ لا أبدًا مفيش حاجة. صح يا رنا!
نظراته الثاقبة جعلت رنا تتوتر أكثر وهي تجيب:
ـ أه. أها. أكيد.
تلعثمها كان سببًا آخر لجعله يرتاب في الأمر مما جعله يقول بنبرة حازمة:
ـ طب اسبقيني تحت يا رنا وانا هجيب ممتك و هاجي.
ارتعبت رنا من فكرة أن تخبره أشجان بما حدث قبل يومين
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ أنت مجنونة يا سهيلة! هخرج ازاي دلوقتي ؟ بابا وماما لو صحيوا و ملقونيش في البيت هتبقى كارثة!
ـ رنا..
ارتعبت رنا حين سمعت صوت أشجان التي تقف أمام باب الغرفة و يبدو أنها سمعت ما قالته رنا لتغلق الهاتف وترتعب الأخيرة وهي تقول بذُعر:
ـ ماما!
أشجان باستفهام:
ـ بتكلمي مين؟
رنا بتلعثُم:
ـ ها. دي . دي سهيلة كانت عيزاني اروح بكرة اذاكر معاها..
أشجان بجمود:
ـ بس أنا سمعتك بتقوليلها انك مش هتعرفي تخرجي دلوقتي ؟ ليه بتكذبي؟!
رنا بارتباك:
ـ لا محصلش انا مبكذبش..
أشجان بإصرار:
ـ بتكذبي.
رنا بتوتر:
ـ لا حضرتك سمعتي غلط..
زفرت أشجان باستلام قبل أن تقول بتقريع:
ـ طيب يا رنا هعتبر أني سمعت غلط. بس خلي بالك أن ربنا شايفك، وان الكذب دا شيء وحش جدًا، و خصوصًا انك مش مضطرة لدا، و يالا اقفلي الفون دا ونامي.
عودة إلى الوقت الحالي
نظر خالد إلى أشجان وهو يضيق عينيه، فقد شعر أن هناك ما تخفيه عنه لتهتف الأخيرة بارتباك:
ـ لا يا روحي. اصل رنا كانت جيالي عشان نجرب يعني أنها تلف الحجاب و تشوف نفسها فيه هتكون عاملة ازاي؟ صح يا رنا؟!
رنا بلهفة:
ـ أه صح. مامي اقترحت عليا اجرب وقولت اشوف وكدا يعني..
كانت كلتاهما مكشوفتان أمامه ولكن الفكرة راقت له مما جعله يقول بإعجاب:
ـ حلوة الفكرة والله. طب يالا أنا كمان عايز اشوف رنا في الحجاب..
توجهت الاثنتين إلى غرفة الملابس وهو خلفهم لتقول أشجان بارتباك:
ـ تعالي يا رنا اختاري هتلبسي ايه من الطُرح؟
أخذت رنا تعبث بمحتويات الدرج وهي تخرج لفات الحجاب بإهمال ليسقط من بينهم شريط حبوب كان مخبأ بين طياتهم أمام أنظار خالد الذي كان يجلس باسترخاء على عكس أشجان التي دب الذُعر في أوصالها حين رأته يسقط أمامه لتندفع و تلتقطه بطريقة جعلت الشك يزحف إلى عقل خالد الذي قال باستفهام:
ـ حبوب ايه دي؟
ـ دي. دي. حبوب. حبوب. صداع
نظراتها المُرتعبة و أنفاسها الهادرة و كلماته المبعثرة جعلوه ينصب عوده وهو يهتف بغضب:
ـ هو في ايه انتوا اللتنين ؟ مالكوا ؟ و ايه الحبوب دي ! هاتي الشريط دا؟!
اخذ الشريط من يدها ليقوم بتقليبه بين يديه بتفحص و إذ فجأةً تضرب رأسه صاعقة مباغتة حين تذكر تلك الحبوب التي كانت زوجته الراحلة تتناولها بانتظام بعد ولادة ابنتهم رنا ليرفع رأسه ينظر إلى أشجان قائلًا بصدمة:
ـ دي حبوب منع الحمل؟!
اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقربه، وإن كان قريباً فيسره، وإن كان قليلاً فكثره، وإن كان كثيراً فبارك لي فيه ♥️
★★★★★★★★★★
ـ وحشتني اوي يا بابا.
هكذا تحدثت آسيا وهي تعانق والدها بقوة فقد اشتاقت له كثيرًا وهو كذلك:
ـ و أنتِ كمان يا حبيبتي وحشتيني أوي. طمنيني عليكِ ؟
آسيا بنبرة حزينة:
ـ الحمد لله كويسة.
عزام باستفهام:
ـ متأكدة؟
ـ متأكدة
أومأت برأسها ليمد يده يعيد أحد خصلاتها الى الخلف وهو يقول بحنو:
ـ عايزك تعرفي أني مسبتكيش تبعدي عني و تعيشي لوحدك غير عشان عارف انك مش هترتاحي مع امك. بس دا مش معناه اني مش هعرف احميكي منها، انا كان نفسي تصلبي طولك و تقفي على رجلك زي الأول، و أنتِ شاطرة و جدعة و عملتي دا. اوعي تخلي حاجة تهزمك تاني. أنتِ قوية وقد كل اختبار الدنيا بتحطك فيه.
كانت كلماته مؤثرة جعلت العبرات تزحف إلى مقلتيها ولكنها حاولت كبحها قدر الإمكان حتى لا تثير خوفه عليها لذا قالت بنبرة حانية:
ـ طول ما أنت بتدعيلي أنا هبقى كويسة.
عزام بحنو:
ـ بدعيلك يا حبيبتي..
ـ وهي محتاجة دعواتك ياخويا ماهي لقت اللي يدعيلها. الست اللي مش فاكرة اسمها ايه دي! كان اسمها ايه يا بت بطني اللي غنتك عن أمك وابوكي؟!
كان هذا صوت رضا الساخر من خلفهم مما جعل آسيا تقرر المغادرة حتى تنجي بنفسها من جرح آخر ينال منها من الجهة الخاطئة، ولكن عزام نهرها قائلًا:
ـ نقطينا بسكاتك يا رضا. خلينا نعرف نتكلم انا وبنتي؟؛
رضا بتهكم:
ـ بنتك! هي لسه فاكرة أن ليها أهل؟! بنتك اتكبرت علينا خلاص.
عزام بحدة:
ـ قولتلك اخرسي..
آسيا بنبرة مُشجبة:
ـ بابا يا حبيبي متزعقش أنت تعبان. انا كدا كدا كنت همشي عشان ورايا شغل، و أن شاء الله يومين و هاجي أشوفك تاني.
شعر بأن وجودها هنا لن يقدم لها سوى المعاناة لذا اومأ برأسه وهو يقول بنبرة يشوبها الأسف:
ـ ماشي يا حبيبتي، و اوعدك المرة الجاية لما تيجي تشوفيني هيكون حاجات كتير اتغيرت..
غادرت دون أن تلتفت إلى وجود والدتها، فقد كانت تشبهها حين تقرر أن تكون قاسية ولم تلتفت إلى الخلف، فقد أرادت الهرب من كل شيء مؤلم، و حتى من نفسها، وللحظة تذكرته. تذكرت حين خرجت من هذا البيت ذات يوم باكية، و وحدها كفوفه التي محت عبراتها. تلك الكفوف كانت تربت بلطف فوق جراحها، وهي التي تسببت في جرحها!
ابتسامة باهتة ارتسمت على ثغرها وكأنها تخبر قلبها بأن طرقهم ما عادت تلتقي مرة آخرى.
فجأة وهي في غارقة في أفكارها وجدت سيارة دفع رباعي تقف أمامها لتشهق بقوة وهي تتراجع إلى الخلف، لتجد كمال يترجل منها بملامح لا تُفسر، لتهمس بذهول:
ـ كمال.
لم يتثنى لها إكمال جملتها، لتجده يتقدم منها و يجذبها من يديها وهو يقول بنبرة آمرة:
ـ اركبي.
في محض ثواني وجدت نفسها بجانبه في السيارة التي انطلق بها بسرعة كبيرة، لتضع يدها فوق صدرها تحاول تنظيم أنفاسها الهادرة، قبل أن تهتف بنبرة متحشرجة:
ـ احنا رايحين فين؟
كمال بجفاء:
ـ هنتكلم.
أرجعت رأسها إلى الخلف تحاول تهدئة نفسها حتى لا تصيبها نوبة آخرى، فقد لا تستطيع المقاومة هذه المرة، و خاصةً أن الطبيب امطرها بوابل من التحذيرات حين ذهبت إلى المشفى في الليلة ما قبل الفائتة بعد حديثهم الشائك لتشحذ ثباتها و تحاول الحفاظ على صلابتها مُذكرة نفسها بأنه لم يعُد هناك شيء تخشاه، فقد انكشفت كل لأسرار و أصبحت الآن حرة.
أخيرًا أوقف السيارة في أحد الأماكن المعزولة نسبيًا لتمر دقائق من الصمت الذي قطعه حديثه ذو النبرة الحادة كنصل السكين:
ـ ليه مجتيش قولتيلي قبل ما نتجوز عاللي حصل؟
بدأت حلقة الاستفهامات التي كانت تمقتها ولكنها ذكرت نفسها بأنه لم يعد هناك شيء تخاف منه لذا عاهدت نفسها على الصراحة حتى تتخلص من بقايا الماضي المؤلم:
ـ مقدرتش!
كمال بنبرة قاسية:
ـ مقدرتيش ولا عشان تعرفي تنتقمي منهم!
صارحته قائلة:
ـ يمكن دا السبب.
كمال بنبرة جافة:
ـ و انتقمتي؟
اهتاج الوجع بداخلها وهي تجيبه بنبرة جريحة:
ـ انتقمت من نفسي.
باغتتها كلماته الحادة حين قال:
ـ خلي نفسك بره الموضوع دلوقتي. خدتي حقك منهم ؟!
عاهدت نفسها ألا تكذب مرة آخرى لذا التفت تناظره وهي تقول بجمود:
ـ لا.
فاجأته صراحتها، ولكنه كان يتوقع أن ما حدث لن يشفي أوجاع الماضي أو يهدأ من حقدها تجاههم لذا قال بنبرة خليط من الألم و الاستنكار معًا:
ـ مش شايفة انك غلطي في حقي لما دخلتيني جوا دايرة انتقام ماليش اي علاقة بيها!
اومأت برأسها وهي تخطو فوق جراحها قائلة:
ـ انا عارفة اني غلطت في حقك يا كمال بس انت طلقتني و سافرت من غير ما تديني حق ادافع عن نفسي..
لم يبد أنه تأثر بألمها ليقول باستفهام ذو نبرة قارصة البرودة:
ـ يعني لو كنت سافرت من غير ما اطلقك كانت هتفرق!
كانت أمنيتها التي بكت لأجلها كثيرًا لذا أجابته بنبرة محرورة:
ـ أكيد. على الأقل كنت هتسيب بابا موارب بيننا.
كمال بسخرية مريرة:
ـ دا بالظبط اللي مكنتش عايز اعمله. بس احنا لسه فيها.
تفاجئت من جملته الأخيرة لتقول باستفهام:
ـ يعني ايه؟
كمال بنبرة جافة تحمل طابع الصرامة:
ـ يعني هنطلع دلوقتي على المأذون و و أردك لعصمتي!
توسعت حدقتيها ذهولًا من حديثه لتهتف بأنفاس مقطوعة:
ـ أنت بتقول ايه؟
كمال باختصار:
ـ اللي سمعتيه!
شعرت برأسها يدور من فرط الصدمة لتهتف بعدم فهم:
ـ كمال انا مش فاهمة حاجة.
أجابها بنبرة ساخرة يشوبها القسوة:
ـ ليه ؟ مش كنتي بتقولي انك زعلانه عشان مسبتش باب موارب بيننا اديني بفتحلك الباب على آخره.
استنكرت حديثه لتهتف بألم:
ـ بالسهولة دي! بعد كل اللي حصل؟
كمال باستفهام:
ـ افهم من كدا انك مش موافقة ؟
آسيا بقوة:
ـ لا…
توحشت ملامحه على نحو مريب و كذلك نبرته حين قال:
ـ طب اسمعيني كويس بقى، انا ليا حق عندكوا كلكوا. عندك وعندهم و عنده!
آسيا باستنكار:
ـ عنده! و هو عمل فيك ايه أنا اللي روحت له؟
قاطعتها نبرته الحادة حين صرخ قائلًا:
ـ عشان اتجرأ و طلع لمراتي يوم فرحي و قالها اللي قاله، و عشان اتجرأ بردو و قرب من الزفتة التانية عشان ينتقم منك و مني.
تناحرت أنفاسها بداخل صدرها من فرط الصدمة و الخوف لذا قالت بنبرة مُتحشرجة:
ـ أنت بتقول ايه؟ جبت الكلام دا منين!
أدار رأسه إلى الجهة الآخرى وهو يقول بغموض:
ـ هتعرفي كل حاجة في وقتها..
شعرت بالألم يزحف إلى معدتها لتحاول سحب أنفاسها قبل أن تقول بنبرة يائسة متعبة:
ـ كمال انت عايز ايه؟ أنا مبقتش فاهماك عايز حقك خده من اختك قبل اي حد..
قاطعها بنبرة متوعدة:
ـ هيحصل متقلقيش. خليكي في اللي يخصك..
ـ اللي هو ؟
كمال بنبرة قاسية و عينين تشبهانها:
ـ أنتِ بلسانك قولتي انك اتجوزتيني عشان تنتقمي منهم، يعني أنا كنت لعبة في إيدك. صح ولا غلط؟
آسيا بلوعة:
ـ كمال…
قاطعها صارخًا بصوت أفزعها:
ـ ردي عليا..
انتفض جسدها من فرط الفزع مما جعلها تقول من بين عبراتها:
ـ لا مش صح. مش بالظبط. انا مقصدتش كدا.. بص انا تعبت عايز حقك مني خده وريحني.
قالت جملتها الأخيرة بتعب لم يخفى عليه، ولكنه كان ينوي الوصول لهدفه مهما كلفه الأمر لذا قال بقسوة:
ـ هاخده متقلقيش. و هاخد روحه معاه..
انتفضت بذعر تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ بتقول ايه؟ روح مين اللي هتاخدها؟!
كمال بنبرة مغلولة تتخللها غيرة قاتلة:
ـ أنا عمري ما كرهت حد قد ما كرهت البني آدم دا، و مفيش حاجة في الدنيا هتريحني غير اني اطلع روحه في أيدي.
أخذت تهز برأسها وهي تهتف برعب:
ـ انت اكيد مش هتعمل كدا!
كمال بتصميم:
ـ لا هعمل.
مدت يدها تمسك بكفه القابض على مقود السيارة وهي تهتف بتوسل:
ـ لا يا كمال. حرام عليك. أرجوك بلاش كدا.
قست نظراته و نبرته حين قال:
ـ خايفة عليه ؟
تخشى اي إجابة قد تثير جنونه أكثر لذا هتفت بتلعثُم:
ـ اه. لا . لا انا، أنا خايفة عليك انت…
كمال بنبرة فظة:
ـ كدا متفقين. لو مش عايزة تروحي البيت تسمعي خبر وفاته و يحسبوه عليه بني آدم يبقى نطلع من هنا عالمأذون قولتي ايه؟
شهقت بعُنف وهي تصيح باستنكار:
ـ أنت سامع نفسك بتقول ايه ؟
صاح بنبرة حادة افزعتها:
ـ عايز اسمع إجابة حالًا..
لم يكُن أمامها بُد من الموافقة لذا اخفضت رأسها وهي تقول بخفوت:
ـ تمام. موافقة..
اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك... أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي ♥️
★★★★★★★★★
ـ شروق..
كانت تلهو بالعجين وهي تفكر فيما حدث و كيف كانت والدتها تحيا بين هؤلاء الطغاة المتحجرين القلب؟! شعرت بأنها تريد للزمن بأن يعود مرة آخرى حتى تعانق والدتها و تربت بحنو فوق ظهرها وتخبرها بأنها تحبها، ولكن من يملك رفاهية إعادة الزمن إلى الوراء ؟!
ـ هكون مبسوط لو كنتِ سرحانه فيا ؟!
اخترق تفكيرها صوت عمر القادم من الخلف لتنتفض بفزع وتحاول محو عبراتها ولكن أناملها كانت ملطخة بالدقيق لترتبك لثوان أمام ناظريه، ليتقدم منها وهو يمد أنامله ليمحو عبراتها برفق خضعت لسحره لثوان قبل أن تتراجع إلى الخلف وهي تحذره قائلة:
ـ ايدك طويلة على فكرة، و دا مش حلو..
عمر بابتسامة باهتة:
ـ بالعكس دا حلو اوي…
أدارت وجهها إلى الجهة الآخرى وهي تقول بجفاء:
ـ جاي ليه؟
صارحها القول حين هتف بنبرة مُشجبة:
ـ حسيت اني مش كويس. قولت اجي أشوفك.
شروق بسخرية:
ـ معلش ومين قالك إن الأوبشن دا من حقك؟!
ـ أنا..
هكذا أجابها ببساطة لتعنفه قائلة:
ـ بجاحتك عمرها ما فشلت أنها تفاجئني.
زفر بقوة قبل أن يقول بندم:
ـ أنا عارف انك بتلومي عليا في اللي حصل لعمتي زمان بس انا كنت طفل، و صدقيني أنا لومت نفسي كتير اوي اني سكت لكن أنا من جوايا كان في صراع كبير اوي. انا كنت كتير بكذب نفسي. دي أمي يا شروق..
كانت معاناته تتجلى بوضوح فوق ملامحه مما جعلها تقول بأسى:
ـ و دا اكبر سبب يخليني عمري ما افكر أقرب منك يا عمر ..
هب عمر من مكانه يتوجه إليها يهزها بعُنف وهو يقول بنبرة تحترق من فرط الألم:
ـ بس أنا بحبك و مبقتش عايز من الدنيا غيرك. افهمي بقى..
ـ بعد يدك عنها و إلا هكسرهالك!
كان هذا صوت راجي الذي يقف أمام باب المخبز و خلفه رجال كثيرون يرتدون الجلباب الصعيدي مما أدهش كلا من شروق و عمر الذي هتف بحدة:
ـ و أنت مال اهلك و مالها! و أيه اللي جايبك هنا؟
راجي بنبرة صارخة اهتزت لها جدران المكان:
ـ عشان هي من أهلي يا ابن الوتايدة!
هذه المرة تدخلت شروق قائلة باستفهام:
ـ يعني أيه الكلام دا؟!
راجي بنبرة حادة:
ـ يعني أنتِ بت عمي عبد الله صابر الجيار….

•تابع الفصل التالي "رواية هل من سبيل للغفران" اضغط على اسم الرواية

تعليقات