رواية هل من سبيل للغفران الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نورهان العشري
شعرت بأن صاعقةٍ قوية أصابت نبضها فأصبحت دقاتها تتقاذف بجنون حين استمعت إلى هذا الصوت الكريه خلفها لتحاول إقناع نفسها بأنها تتخيل ولكن لسوء حظها، فقد كان واقعًا يتمثل في رجل لا يُشبه سوى الشيطان يناظرها بكُره كبير كان أضعافه بقلبها مما جعل نبرتها تخرج مغلولة حين قالت:
ـ أنت بتعمل أيه هنا؟
رأفت بنبرة مُغترة:
ـ جاي لخطيبتي.
صُدِمت حين سمعت حديثه لتهتف بألم:
ـ خطيبتك! تاني هتظلم واحدة تانية معاك؟!
انتفض جسده جراء كلماتها التي ذكرته بنقيصته لذا صرخ مُهتاجًا:
ـ اخرسي. أنا اللي تتجوزني تبقى أمها دعيالها. أنما أنتِ واحدة أهلها رموهالي داعيين عليها. عشان كدا مكنش ليها في الطيب نصيب.
لم تعد الأمور كالسابق، فقد شعرت أمامه ولأول مرة أنها في موقف القوي أو على الأقل لم يكُن هناك من يدعم ذلك المُختل الذي تعرف جيدًا كم أنه ضعيف وعلى الرغم من أن الألم بدأ يزحف إلى جسدها و قلبها مع الذكريات ولكنها قالت باحتقار:
ـ قصدك ربنا نجدها من واحد مريض و جبان زيك.
برقت عيني رأفت غضبًا من حديثها لتُتابع قاصدة الثأر لنفسها التي دمرها هذا الوغد في الماضي على ذلك يهديء الألم قليلًا:
ـ و ياترى بقى غيرتوا الدكتورة اللي كانت أمك بتوديلها ضحاياك! ولا هي هي؟!
أعماه الغضب و الإهانة التي نالت منه في الصميم، مما جعله يقترب منها بغل تمكن من كل خلية منه ليتفاجئ حين صدمته سيارة ياسر الذي كان في طريقه إليها لتتوسع عينيه من فرط الغضب الذي احتدم في نظراته وهو يراها تقف مع هذا الوغد الذي رآه يقترب منها لتستيقظ شياطينه من سُباتها و يقوم بصدمه ليقطع رأفت أرضًا وهو يصيح بألم بينما غنى تراجعت للخلف وهي تشهق حين استمعت إلى صوت ياسر الغاضب وهو يزأر بوحشية:
ـ مالك ومالها يا حقـ…ير؟!
أنهى جملته وهو ينحني ليجذب رأفت من تلابيبه و الذي ارتجف جسده رعبًا حين وجد نفسه بين براثن هذا الثور الغاضب الذي برقت عروق رقبته وهو يتابع بشراسة:
ـ رد عليا…
رأفت بتلعثُم:
ـ ما. ماليش. دعوة. هي. هي اللي نادت عليا…
هوى قلبي غنى من كذب رأفت و امتقعت ملامحها وحين أوشكت على الحديثه صرخ بها ياسر:
ـ استنيني في العربية.
أما عنه فقد أسودت معالمه من إدعاءات ذلك الجبان، فهو يعلم علم اليقين أنه كاذب بل و حقير لذا هتف بنبرة مغلولة:
ـ أهي حقارتك دي اللي رمتك في طريقي عشان أخد حقها منك.
لم يتثنى لرأفت استيعاب حديثه ليقوم ياسر بتوجيه عدة لكمات إلى وجهه لينكسر أنفه الذي انبثقت منه الدماء وهو يقول بشراسة:
ـ و أدي إيدك اللي اتمدت عليها كسرناها.
قال ذلك وهو يقوم بثني ذراعه بيد و بالآخرى قام بتوجيه ضربة قوية في منتصف ذراعه ليصل إلى أذنيه صوت كسر عظامه وسط صرخات رأفت و نجيب غنى التي كانت ترتجف في السيارة ولا تقدر على الوقوف على قدميها من فرط الخوف لتراه يدفع رأفت على الأرض صارخاً بوعيد:
ـ لو لمحتك في مكان هي ماشية فيه. اعرف أن دا هيكون آخر يوم في عمرك، و الريس ياسر الوتيدي مبيهددش!
أنهى جملته و عاد إلى السيارة بملامح مُكفهرة و أعيُن لا زالت تلمع بوهج النار التي تجيش في صدره الذي كان صوت دقاته مسموعًا مما جعلها ترتجف بمكانها و عبراتها لا تمل من السقوط فالتفت يناظرها لوهلة قبل أن يقوم بجذبها إلى أحضانه لتنفجر في نوبة بكاء مريرة وهي تصيح من بين عبراتها:
ـ والله ما عملت حاجة يا ياسر. معرفش طلعلي منين بتلفت لقيته ورايا.
كان صدره يعج بغضب مرير، و غيرة قاتلة لو لم يتدخل عقله في اللحظة الحاسمة لكان أرداه صريعًا في الحال فقد كانت الغيرة كوحش ينهب قلبه مما جعله يهتف بنبرة حادة من بين أنفاس ثائرة:
ـ أنا عارف انك معملتيش حاجة. خلاص بطلي عياط.
لهجته الجافة كانت تنفي حديثه لتتراجع عنه ناظره في عينيه ليتركها و يقطع تواصلهما و ينطلق بالسيارة و إمارات الغضب لازالت بادية على وجهه مما جعلها تقول بخفوت:
ـ ياسر.
كان قلبه مرتعًا لجميع المشاعر المؤذية في هذه اللحظة. الغضب و الغيرة و الخوف أيضًا عليها من رؤيه هذا الوغد مرة آخرى. يخشى أن تنتكس حالتها و يعود معها إلى نقطة البداية و لكن كان الشعور الأول الذي يطغى عليه هو الغيرة التي تفترسه وهو يتخيل أنها كانت زوجته رغمًا عن علمه بكل ما حدث، ولكن ذلك الشعور الملعون لا يعترف بأي حقائق هو يقتل فقط.
ـ انزلي.
هكذا تحدث ياسر وهو يصف السيارة أمام المنزل لتناظره غنى بعتب قبل أن تترجل من السيارة ليظل بالداخل لدقائق غير قادر على المغادرة ليضع رأسه بين يديه، فالماضي مؤلم بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
ولكن. هل الماضي مؤلم بالنسبة إليه فقط؟ أم هي ليها نصيب كبير من هذا الألم؟! عند هذه النقطة ترجل من السيارة متوجهًا إليها، فقد كان متأكدًا من أنها تبكي الآن و قد صح ظنه فقد كانت في حالة من الإنهيار التام وهي تتذكر كل ما مر عليها في الماضي و لازالت تستمع إلى ذلك الصوت المريع وهو يصرخ عليها و يُمطرها بلكماته حد شعورها بالألم و كأنه لازال يضربها للآن، ولكن قدوم ياسر انتشلها من تلك الذكريات المريرة التي تلسعها بسوط لا يعرف الرحمة ليُصدم من مظهرها المُزري و تُصدم هي من رجوعه ولكنه كان هنا. لذا هرولت مندفعه إليه وهو بالمقابل لتستقر بين ذراعيه التي حاوطتها بقوة وكأنه يعتذر عن كل ما حدث معها حتى غيرته الملعونة التي جعلته يتركها لهذه الدقائق وحدها.
أخذت تنتفض بين يديه وهي تهتف بشفاه مُرتجفة:
ـ متسبنيش يا ياسر. الله يخليك متسبنيش.
شعر بالخوف من حالتها ليشدد من ضمها وهو يقول بلهجة حانية مُتلهفة:
ـ أنا جنبك و عمري ما هسيبك أبدًا.
كانت تدفن رأسها بمقدمة صدره و يدها تحيط بها ذراعيها بقوة، فقد بدت و كأنها تتألم بقوة ليست روحها فقط المتأذية ولكن من الواضح أن للجسد ذاكرة أيضًا وقد عادت له جميع الذكريات و ألمها ليقوم ياسر بحملها ليتوجه بها إلى الأريكة و يجلسها بين ذراعيه يحاول تهدئتها:
ـ غنى حبيبتي. اهدي انا جنبك.
كانت ترى بوضوح عينيه التي تشبهان شيطان لا يعرف الرحمة وهي تنظران إليها و كأنها فريسة يخرج بها عجزه لينتفض جسدها بقوة وهي تهتف بحروف متقطعة:
ـ اوعى تسبني. متسبنيش. أن خايفة.
لأول مرة يشعر بهذا العجز وقلة الحيلة، فقد كانت الذكريات المريرة تهاجمها وهي بين يديه، حتى وجوده لم ينجح في انتشالها من هذا الألم، ليشعر بالضياع للحظات قبل أن يُقرر أن يفرض حضوره على عقلها ليمنع هذا الغزو الضاري ليقوم بوضع يديه أسفل ذقنها ليرفع رأسها إليه في ألتحام مُباغت لم يتوقعه عقلها الذي تشتت عن الألم للحظة ليسكن جسدها بين يديه للحظات كانت كافية لجعله يأخذ قراره، ليتصدى لكل هذا الذكريات المؤذية و يصنع آخرى رائعة ليقوم بفصل إقترابهم، ناظرًا إلى عينيها بعشق تجلى في حروفه حين قال:
ـ بحبك يا غنى.
ناظرته بضياع، فقد كانت في المنتصف الغير مفهوم لا هي سعيدة ولا حزينة، فقد ضغت الحيرة و بدد تشتتها الألم ليُعيد التحامهم مرة آخرى و يده تحنو فوق خصلات شعرها و الآخرى تمر برفق فوق صفحة وجهها ليمر وقتًا غير معلوم بالنسبة إليها، قبل أن يفصل اقترابهم مرة آخرى و يتراجع عنها ناثرًا عشقه فوق صفحة وجهها وهو يهمهم عاشقًا:
ـ أنا مش بحبك وبس. أنا بعشقك. أنتِ نور عيوني، و حبيبة قلبي.
كانت كلماته كسيمفونية رائعة تطرب آذانها التي افلتت كل الأصوات من حولها إلا صوته الحاني لتغمض عينيها و قد لانت ملامحها و كأنها في عالمًا آخر خاليًا من الألم ليشعر بأنه على الطريق الصحيح، فاقترب منها مرة آخرى ولكن هذه المرة أصبحت زوجته بالفعل و قد كان هذا أعظم شعور قد خابره في حياته، فلم يكُن يتخيل أن تهدأ بين يديه، ولكن حاجتها للهروب من ذلك الألم الضاري، و أيضًا ثقتها في أنه الشخص الوحيد الذي ستنجو معه من كل شيء جعلوا كل ما بها يتقبل قربه و خاصةً عقلها الذي شعر بأنه قربه هو الملجأ الآمن له من ألم لا يبرأ و أوجاع لا تهدأ.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال♥️
★★★★★★
ـ لسه منمتش يا خالد!
هكذا تحدثت أشجان بنبرة مُتحشرجة وهي تقف خلف خالد الذي كان ينظر من الشرفة وما إن استمع إلى صوتها حتى استدار ناظرًا إليها بحب، فقد كان غارقًا بأفكار جميعها سوداوية ولكن رؤيتها بددت كل هذا السواد ليبتسم و يمد يده إليها وهو يقول بحُب:
ـ تعالي.
اقتربت تستقر بين ذراعيه واضعة رأسها على صدره وهي تقول بخفوت:
ـ حاسة بيك عمال تتقلب طول الليل. عايزة اعرف بتفكر في ايه؟
شدد خالد من عناقها قبل أن يقول بنبرة مغمومة:
ـ مفيش حاجة مظبوطة. كل الناس اللي حواليا حياتهم ملخبطة. كل واحد فيهم مشتت وعنده بدل المشكلة ألف، و دا في حد ذاته يقلق.
تراجعت عنه ترى عينيه التي كانت مليئة بالكثير من التعبيرات و أيضًا تلك النبرة القلقة لم تعهدها منه لذا قالت باستفهام:
ـ هو في حاجة حصلت جديدة؟ أنا حساك قلقان أوي.
مد يده يربت فوق خدها برفق قبل أن يقول بحنو:
ـ متقلقيش اوي كدا. مفيش حاجة جديدة حصلت. بس كل واحد فيهم لازم يفوق لنفسه.
قطع حديثهم رنين هاتفه ليجيب خالد فإذا به يستمع إلى صوت عمر المتعب:
ـ خالد. أنا محتاج اشوفك ضروري.
شعر خالد بأن الأمر كان كارثيًا مما جعله يقول باستفهام:
ـ شروق كويسة؟!
عمر بتعب:
ـ كويسة. بس مش طايقة تبص في وشي.
خالد بحنق:
ـ مش لوحدها. أنت فين؟
ـ هبعتلك العنوان. تعالى لوحدك يا خالد بالله عليك.
كان اليأس في صوته يبعث على الحزن مما جعل خالد يعده بذلك قبل أن يغلق الهاتف لتتحدث أشجان بلهفة:
ـ شروق كويسة صح ؟
خالد بطمأنه:
ـ كويسة متقلقيش عليها. بس شكلها روقت عليه و هو ابن حلال و يستاهل.
أشجان باستفهام:
ـ طيب أنا سمعاه بيقولك هبعتلك العنوان خدني معاك انا قلقانه عليها أوي.
خالد برفض:
ـ مش هينفع. انا هروح اشوف في أي و أنتِ نامي و ارتاحي. و لما اخلص هكلمك اقولك حصل أيه؟
أوشكت على الحديث فأوقفها قائلًا بنبرة حازمة بعض الشيء:
ـ مش هينفع يا حبيبي. قولتلك لما اخلص هكلمك.
انصاعت لرغبته و ابتسمت بهدوء قائلة:
ـ تمام، أنا مش جايلي نوم هروح اطمن سعاد هانم.
خالد بلهجة مُحذرة:
ـ خليها الصبح الوقت دلوقتي متأخر. و خلي بالك. ياريت متدخليش نفسك في أي حوار يخص شروق وعمر انا على آخري من نبيلة وجوزها و فاضلهم معايا غلطة.
ناظرته بقلق لا تعرف هل تقدم له هذه الغلطة و تخبره بما تعرفه علها ترتاح من هذا العبأ الذي تحمله بداخل قلبها ؟ أم تبقى صامتة؟!
غادر خالد، فتوجهت إلى غرفة الأولاد للإطمئنان عليهم، فإذا بها تستمع إلى صوت قادم من غرفة رنا التي كانت تقول بخفوت:
ـ أنتِ مجنونة يا سهيلة! هخرج ازاي دلوقتي؟ مينفعش. بابا و ماما لو صحيوا و ملقونيش في البيت هتبقى كارثة.
اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملاً متقبلاً♥️
★★★★
كانت تحتضن نفسها تنظر إلى البحر عبر النافذة تتمنى لو تذهب إليه و تُلقي بجميع آلامها بين أمواجه لتعود بعدها بذاكرة خالية وقلب لا يحمل بداخله ندبات الماضي ولا يشوهه جراحه الدامية، ولكنها كانت أمنية بعيدة المنال يستحيل حدوثها، فالماضي هو من يُشكل الحاضر و يرسم خطى المستقبل و لذا فماضيها سيظل يلاحقها إلى أن يدفن جسدها تحت الثرى.
تنهيدة قوية خرجت من جوفها مصحوبة بعبرات هادئة دون صوت أو ضجيج فقد كان الضجيج يعج به صدرها وهي تتذكره. كيف كانت آمنه بجواره، هانئة بكل لحظة تحياها برفقته، كيف جعلها تدرك أن للحياة معنى و أن السعادة ليست سلعة نفيسة لا تملك ثمنها.
اخفضت رأسها وهي تعاتب نفسها قائلة:
ـ أنا ليه مكتفتش بيك يا كمال؟ ليه مقولتش كفاية السعادة اللي انا عيشاها جنبك؟
الإجابة كلمة كلمة واحدة " الماضي" هل من تملك ماضي سيء مثلها يُمكنها أن تحيا الحاضر بسلام؟
رن جرس الباب فنظرت إلى ساعتها لتجدها تُشير إلى الثانية بعد منتصف الليل. فظنت أنها قد تكون جميلة فقد أخبرتها سوزان بأنها ستقضي الليلة عندها نظرًا لحالتها فلم تهتم بالنظر إلى مظهرها الباكي ولا إلى ملابسها البيتية فقامت بفتح الباب، و إذا بها تتجمد بمكانها حين رأت كمال يقف أمامها:
ـ كمال!
هكذا همست بخفوت ولكن جذب انتباهها ملامحه الشاحبة و عينيه اللتان يتبلور بهم العذاب الذي كان الدافع الأول لقدومه إلى هنا، ولكن هاجس مُريع ضرب عقلها لتهتف بذُعر:
ـ شروق جرالها حاجة؟!
كمال بجمود:
ـ لا.
تنفست الصعداء حالما أجابها لتطلق نفساً قويًا جعله يقول بنبرة مُعذبة:
ـ شايفة النفس اللي أنتِ لسه وخداه دا! أنا من وقت اللي حصل مش عارف اخده. مش عارف اتنفس أصلًا. بس أنا تعبت.
كلماته نالت منها و بقوة، و تذكرت حالتها بعد تلك الليلة المشؤومة و كم كانت تشعر بأن الهواء لا يكفي لأنفاسها! كيف أن هناك شيء ثقيل يرسو بقوة فوق صدرها جاعلًا من تنفسها أمرًا مؤلمًا هبطت دمعة من طرف عينيها حين سمعته يقول بنبرة مُلتاعة:
ـ عايز اعرف اللي حصل زمان. ليلة الحفلة بتاعتي.
جاء الوقت الذي انتظرته، ولكن هل ستصمد أمام آلامها المريرة! تراجعت للخلف لتُفسح له المجال للدخول ليدلف إلى داخل الشقة لتهمس بنبرة مُتحشرجة:
ـ استناني هنا.
قالت جملتها و توجهت إلى الداخل تجر بأقدامها لتقوم بفتح الخزانة و جلب تلك الحقيبة التي تحمل جزءً كبيرًا من الماضي و آلامه مما جعل جفونها تكتظ بالعبرات ولكنها لم تردعها هذه المرة، فلن تحتمل أن تسقط أمامه من فرط الألم، فلتترك العبرات تخفف من ثقل العذاب ولو قليلًا.
كان جالسًا كمن يجلس على جمرات الخوف من القادم، فقد رأى بعينيها صباحًا ماهو أبعد من الألم، فقد كانت الحروف تحترق قهرًا فوق شفتيها و نظراتها المُعذبة تشكوه لوعة ما ألم بها تلك الليلة، فلم يحتمل البقاء للصباح و أتى لمعرفة ما حدث.
تفاجيء حين وضعت أمامه على الطاولة هذه الحقيبة البلاستيكية ليناظرها بأستفهام، أجابت هي عليه قائلة بنبرة مبحوحة:
ـ افتحها.
مد يده ليقوم بفتحها فوجد ثوبًا اسود اللون ممزقًا و كأنه كان فريسة لأحد الذئاب، و أيضًا خصلات الشعر ، و هناك ورود بيضاء كانت تُزين الفستان ولكن كان يُلطخ بياضها قطرات من الدماء ليشعر بالتشتت قبل أن يبدأ في ربط حديثها صباحًا بما يراه الآن، ولكنها لم تمهله الوقت بل شرعت تروي فجيعتها بحروف كشواظ من نار:
ـ دا كان أول فستان أشتريه في حياتي. كنت جيباه و فرحانه بيه قد الدنيا. كان فرح غنى و كنت بعد الدقايق عشان البسه. و كنت فرحانه بنفسي أوي. كانت أول مرة أشوف نفسي بنت حلوة زي كل البنات اللي بشوفهم. بس للأسف هما استكتروا عليا دا.
رفع رأسه يطالعها بصمت مُعذب لتتابع بنبرة تئن من فرط الوجع:
ـ روحت أنا ورؤوف بالليل عشان تجيب ماما. اصل نبيلة هانم مردتش تديها إجازة تحضر فرح بنت اختها، و قالتلها أن حفلتنا أهم من القرف دا. و دي بصراحة كانت المرة الأولى اللي أشوف فيها حفلة من بتوع الناس الأغنية. فضلت اتفرج من بعيد وانا مستنيه ماما. عند الشجرة اللي فكرتني النهاردة واقفة قدامها استعيد لحظة انتصاري!
تعالت نهنهاتها و هي تُتابع بقهر:
ـ يومها شافتني ميرهان و هايدي، و بدأت وصلة المعايرة و الإهانة، ولما رديت عليهم. كانت دي جزاتي.
اقتربت تمسك قماش الفستان الممزق وهي تصرخ بلوعة:
ـ ضربوني و بهدلوني، و عروني الفستان دا اتقطع عليا وانا لبساه، و الشعر دا شعري، و الدم اللى على الورد دا دمي. كانوا بيضربوني بإيديهم و رجلهم. كتموا صوت صريخي عشان يكملوا فيا ضرب. موقفهمش غير لما سمعوك بتنادي عليهم. فاكر؟!
كانت العبرات تتدحرج من مقلتيه بينما عينيه جاحظة من هول ما يسمعه ليجعله حديثها يعود إلى الخلف لهذه الذكرى البعيدة، فأعادت عرضها أمام عينيه وهي تخبره حديثه نصًا:
ـ حد يقرب من حيوانات الشارع بالطريقة دي؟! افرضي فيها حشرات ولا مليانه جراثيم تموتي دلوقتي!
صرخت بملء صوتها وهي تتابع:
ـ مكنتش حيوانات يا كمال. دي كانت أنا... دا كان دمي. انا كنت بعيط و جسمي بيرتجف من الوجع والبرد. الشجرة دي اللي سترتني. و دارتني عن عيون الناس. محستش بيا يا كمال. مسمعتش صوتي.
حملته أقدامه ليقف مبهوتًا فاغرًا فاهه من حديثها المُريع الذي كان كشاحنة ضخمة دهست قلبه دون رحمة لتُتابع صارخه:
ـ عارف أنا روحت لرؤوف ليه؟ عارف كنت بعاتبه ليه؟ عشان هو الوحيد اللي حس بيا. هو الوحيد اللي جري يدور عليا و يشوفني اتأخرت ليه! شافني مرمية على الأرض وأنا بنزف من جسمي و وشي. هو اللي شاركني ألمي و وجعي و أسوء ذكرياتي. هو اللي غطاني و قلع قميصه ولبسهولي و سندني وروحني. لو هو مكنش موجود مكنش هيطلع عليا نهار يومها.
سقطت جالسه على المقعد خلفها وهي تتابع بنبرة تحترق كمدًا:
ـ عشان كدا عاتبته. قولتله ليه تحط إيدك في إيدها. دا انت شوفت بعينك. هو شافني….
لم تقدر على الاستمرار في الحديث أكثر من ذلك، فأخذت تبكي بقوة و جسدها ينتفض أمام عينيه حتى سقطت على ركبتيها فقد كان هو الآخر يبكي كما لم يفعل من قبل. ولأول مرة عقله لا يعجز عن التصرف تتفرق نظراته ما بينها وبين الفستان الممزق بقوة وهو يتخيل قسوة ما حدث، فقد كان مجرد التخيل يذبح قلبه بلا رحمة، فكيف بشعورها هي!
لا يعلم كيف سقط بجوارها يحتضنها بقوة وهو يبكي بقهر لم يشعر به طوال حياته، ولكن كان الأمر هائلًا بداخلها حد تفاقم آلام جسدها الذي بدأ يُعلن عن ثورته، وهذا ما لم تكن قادرة على احتماله لتجذب نفسها من بين يديه، و هي تهتف بنبرة مبحوحة:
ـ امشي يا كمال.
تراجع إلى الخلف يناظرها بعذاب و قلب يأبى مفارقتها فلم يكن يعلم أن هذا العذاب أضعافه بقلبها و جسدها الذي بدأ بخيانتها، فتغضن جبينها بالألم، ولكن كان صوت سوزان هو المنقذ حين جافاها النوم، لتقوم بالتوجه إليها للإطمئان على حالتها فإذا بها تتفاجيء بآسيا التي تفترش الأرض و الألم بادٍ على ملامحها، وكمال يجلس بجوارها لتهتف بصدمة:
ـ في أيه؟
تحاملت آسيا على آلامها لتهرول تجاهها وترتمي بين ذراعيها وهي تصرخ بألم:
ـ مشيه من هنا يا سوزي. قوليله يمشي. ياخد كل حاجة تفكرني بيهم ويمشي.
كان هذا أقسى ما يمكن احتماله خاصةً في هذه اللحظة لينصب عوده ويقترب منهما وهو يقول بنبرة مُلتاعة:
ـ آسيا.
شعرت سوزان بالبلل فوق كتفها الأول، فعلمت ما حدث لتقول بنبرة صارمة:
ـ امشي يا كمال لو سمحت.
لم ينتظر أكثر من ذلك ليندفع إلى الخارج تزامنًا مع انهيارها التام، فهتفت سوزان بذُعر:
ـ آسيا.
كانت الدماء تنبثق من فمها لتخرج الكلمات خافتة متقطعة من فمها:
ـ اوعي تخليه يشوفني كدا. ابوس ايدك يا سوزي.
اللهم يا رازق السائلين، يا راحم المساكين، يا غياث المستغيثين، إياك نعبد وإياك نستعين، يا مقيل العثرات، يا قاضي الحاجات، اقض حاجتي وفرج كربتي وارزقني من حيث لا احتسب♥️
★★★
ـ خلاص بقى يا ميرهان سامحيني. قولتلك بخاف اجي من خالو خالد. لو شوفتي نظرته ليا تقولي قتلاله قتيل.
هكذا تحدثت هايدي إلى ميرهان التي كانت غاضبة منها بشدة نظرًا لكونها تجاهلتها ولم تحاول رؤيتها سوى مرات بسيطة طوال الوقت الماضي
ـ بتضحكي على مين! دانا عرفاكي اكتر من نفسك. أنتِ لقيتي ميرهان مش هتخرج معاكي ولا منها منفعة قولتي افكني منها و أشوف نفسي.
شعرت بالملل منها لذا هتفت بحنق:
ـ خلاص بقى. قولتلك كنت بخاف آجي بسبب خالو، وبعدين مراته الجربوعة دي مبتنزليش من زور. و مش هاجي بقى اتمسح فيها واقولها والنبي خليني اشوف ميرهان!
ميرهان باحتقار:
ـ طول عمرك واطية.
ضيقت هايدي عينيها بخُبث تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ الواطية دي جيبالك أخبار عن حبيب القلب.
انتفضت ميرهان في جلستها وهي تهتف بلهفة:
ـ رؤوف!
ـ هو.
ميرهان بقلب اهتاجت دقاته حين استمعت إلى اسمه:
ـ شوفتيه فين ؟
هايدي بمكر:
ـ صالحيني الأول.
ميرهان بنفاذ صبر:
ـ تخلصي بقى. صالحتك.
اندهشت من حالتها، فقد تبدلت كُليًا حين أتت على ذكر اسمه لذا شرعت تقص لها ما حدث:
ـ أبدًا يا بنتي. فاكرة الشقة اللي كنتوا عاملينها مكتب! كان كام خال دانيا عشان يبعتله المفتاح قبل ما يسافر و مكنش في حد ياخده منه، فقاله خليه معاك و بعد لما رجع كلمه تاني فقاله أنه هيخلي دانيا تقابله تاخده منه و أداله رقمها كلمها و كنت أنا معاها روحنا نقابله و خدته منه بس.
انقبض قلبها بألم، فهل سافر و عاد مرة آخرى دون أن يكلف نفسه عناء التواصل معها؟! ألهذه الدرجة لا يهمه أمرها!
ـ مالك سرحتي في أيه؟
هكذا تحدثت هايدي لتُجيبها ميرهان بحزن:
ـ مسألكيش عني!
هايدي بنفي:
ـ لا هو أصلًا مشافنيش. دانيا نزلت اخدت منه المفتاح وانا كنت في العربية. بس على فكرة هي شكلها اعجبت بيه.
أصابتها جملة ميرهان الأخيرة في الصميم لتهتاج مشاعر الغيرة داخلها مما جعلها تقول بحدة:
ـ مين اللي قالك كدا!
هايدي بلامُبالاة:
ـ هي اللي قالت كدا.
ـ أيوا قالت ايه بالظبط يعني ؟!
هكذا صرخت ميرهان غاضبة لتُجيبها هايدي بذهول:
ـ في أيه يا بنتي ما تهدي شوية. قعدت تقول عنه أمور و شخصية و كاريزما. و حاجات كتير كدا..
هبت ميرهان من مكانها وهي تصيح بغل:
ـ الحيوانة. هي لسه معاها رقمه؟!
هايدي بسخرية:
ـ معرفش والله. بس أكيد يعني بقولك كلمته عشان تقابله تاخد منه المفتاح.
كانت تحترق من فكرة أن تقترب منه تلك الفتاة لذا قالت بحدة:
ـ بقولك ايه؟ لو طلبت منك تعملي حاجة عشان تعمليها!
هايدي بانتباه:
ـ حاجة اية ؟ اطلبي.
ميرهان بجمود:
ـ تقابلي رؤوف.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن ♥️
★★★★★
وصل خالد إلى العنوان الذي أرسله إليه عمر ليترجل من سياراته متوجهًا إلى المنزل المكون من طابقين، و الذي كان أمام البحر مُباشرةً في شاطيء معزول نسبيًا، فما أوشك على دق الباب حتى وجد عمر يفتحه، فقد رآه من النافذة ليناظره خالد بشمولية ليتأكد من أنه لم ينم الليلة الماضية، وها قد بدأت الشمس بنشر دفئها في المكان ولكن بعض القلوب لم يكُن لها نصيبًا منه.
تراجع عمر الى الخلف ليدلف خالد إلى الداخل ولكنه لم يرى شروق ليتبعه إلى غرفة مريحة حوائطها من الزجاج، يبدو أنها غرفة المعيشة ليجد عمر يستقر على الأريكة فاستفهم خالد قائلاً:
ـ فين شروق؟
عمر باختصار:
ـ فوق.
خالد بجفاء
ـ عايز اشوفها.
عمر بنبرة مُتعبة:
ـ قبل ما تشوفها عايز اتكلم معاك.
اقترب خالد يجلس على المقعد بعد أن فتح اذرار بذلته واضعًا قدمًا فوق الآخرى ليبدأ عمر حديثه قائلًا بنبرة مُشجبة:
ـ أنا بحبها.
خالد بفظاظة:
ـ و أيه الجديد ؟
عمر بتعب:
ـ الجديد اني اعترفت بدا. مبقتش قادر اهرب منه. يمكن عشان مكنتش متخيل اني ممكن اني بحبها أوي كدا.
صمت لا يعرف كيف يصيغ حديثه ليقول خالد بنفاذ صبر:
ـ أوي كدا اللي هو ازاي؟ ما تنجز. هو أنت تقلب الدنيا و تفضحنا قدام الناس و تاخدها و تهرب و جايبني آخر الدنيا في نص الليل وجاي تنقطني بالكلام! عمر. أنا على آخري منك. اخلص.
هب عمر من مكانه وهو يهتف بصوت اخترق سمعها في الأعلى:
ـ ماشي يا خالد. أنا بحبها. مقدرش اعيش من غيرها. لما اتحطيت في اختيار بينها وبين كل الحاجات اللي فاكرها مهمة في حياتي اختارتها هي.
ارتج قلبها من حديثه لتقف أعلى الدرج تستمع إلى تلك المحادثة الشائكة فوصلها صوت خالد الذي قال بجفاء:
ـ و بعدين!
عمر بنبرة متألمة:
ـ أنا مش عارف اعمل ايه عشان تصدق اني بحبها. أنا جرحتها كتير. بس غصب عني. دي اول مرة احس بالمشاعر دي ناحية حد. أنا أصلًا كنت رافض المشاعر دي من البداية. رافض اني اسمحلها تدخل حياتي. و مرتب كل خطوة في مستقبلي. لحد ما جت هي…
زفر بتعب وهو يتربع على المقعد قائلًا بقلة حيلة:
ـ جت هي لخبطت كل حاجة. لخبطتني أنا شخصيًا. لقيتني بغرق في حاجات جديدة عليا. لقيتها بتتمكن مني واحدة واحدة، وأنا من جوايا حتى مش بقاومها. لكن عقلي كان رافض و كان طول الوقت بيقولي اقف، فرمل. مين هينفع. بس في النهاية لقيتني بحبها. وانا مكنتش عايز كدا أبدًا. أنت اكتر حد فاهمني يا خالد.
خالد بجمود:
ـ أنت مشكلتك مش مع شروق يا عمر. أنت مشكلتك في الحب نفسه. مفكر ان الحب دا ضعف، وانك لو سمحتله يدخل حياتك هيحولك لنسخة انت بتكرهها، والحقيقة أن دا غباء أو خلينا نقول تفكير محدود. ما عندك ياسر اهو. بيحب مراته لكن هل معناه أنه ضعيف قدامها! بلاش ياسر. رحيم… هل حبه لمراته معناه أنه ضعيف..
صمت لثوان قبل أن يتابع قائلًا:
ـ خلينا نركن كل دول على جنب. أنت عايش معانا و شفت انا كنت بحب سهام قد ايه. هل دا خلاني ضعيف قدامها!
عمر باندفاع:
ـ بس كنتوا طول الوقت في مشاكل وصراعات و دايمًا كنت بحس انها عايزة تبقى راسها براسك.
خالد باستفهام:
ـ و كانت بتقدر تعمل دا؟
عمر بهدوء:
ـ بصراحة لا.
خالد بتوضيح:
ـ خليني بس اوضحلك. موضوع راسها براسي دا. أولاً مراتي في نفس مكانتي بالظبط لا بتزيد ولا بتقل و كرامتها من كرامتي، و انا معنديش اي مشكلة أني اخد رأيها واسمع منها، لكن. اني الغي عقلي قدامها دا هو اللي غلط. أنها تفكر مجرد تفكير تقلل مني دا أصلًا شيء غير مطروح. أنها تتجاوز معايا حدود الأدب دا بردو أنا عمري ما هسمح بيه. وهنا بقى الفرق. ان الراجل يبقى محافظ على مكانته و هيبته و على شخصيته قدام مراته.
صمت لثوان قبل أن يُتابع بتقريع:
ـ المشكلة في الراجل مش في الست. لو انت شايف بقى انك متقدرش تعمل كدا قدام مراتك يبقى دي مشكلتك مش مشكلتها.
أصابت كلماته عمر في الصميم ليهب من مكانه قائلًا:
ـ لا المشكلة فيهم. المشكلة أنهم بيستغلوا حبنا غلط، و بيزيفوا الحقايق عادي. وعشان انا بتحب هتصدق.
خالد باستفهام:
ـ وانت فين عقلك من اللي بتسمعه؟
عمر بحدة:
ـ حتى لو عرفت الغلط من الصح. مش هتقدر بردو تاخد موقف عشان بتحب.
خالد بنفاذ صبر:
ـ مسمهاش تاخد موقف. اسمها تقوم مراتك و تفهمها الغلط و تتعامل معاه. أنت بتتكلم في ان الراجل دايمًا في موقف ضعف و طرف مبيلقيش قدامه اي حل غير أنه يرضخ، والكلام دا مش مظبوط.
كان هذا ما رآه طوال حياته، وما شب عليه وما ساهم في تشكيل شخصيته أو لنقل ما تسبب في إعوجاج تفكيره إلى هذا الحد.
تابع خالد حديثه قائلًا:
ـ أنت عندك عقد نفسيه يا عمر. محتاج تتعالج منها.
عمر بسخرية مريرة:
ـ يظهر كدا.
خالد بنبرة مُحذرة:
ـ خلينا متفقين أن مشاكلك النفسية هي ملهاش دعوة بيها. بنت الناس ملهاش ذنب تتحمل كل دا، وكان مفروض تروح تتعالج من عقدك ومشاكلك دي الاول قبل ما تظلمها معاك.
عمر بأسف:
ـ مانا مكنتش اعرف اني هحبها كدا. أنا على قد ما حبيتها على قد ما خذلتها. لدرجة اني عارف انها هتبقى معذورة لو كرهتني. بس أنا اقسم بالله بحبها.
تأثر كثيرًا بحالته فلأول مره يراه هكذا مما جعله يقول بهدوء:
ـ اقعد يا عمر.
اطاعه عمر بصمت ليُتابع بقسوة كان لابد منها الآن:
ـ شروق في يوم من الأيام كانت مراتك، وأنت اللي كنت رافض تعترف بدا. و معتقدش أن شخصية زي شروق هتقدر تغفرلك حاجة زي كدا.
أوشك على الحديث ولكن يد خالد أوقفته ليُتابع قائلًا:
ـ اسمعني الأول. أنا عارف اللي عندك، وعارف انك في النهاية عرفت انك بتحبها. بس لازم تسمع مني الكلمتين دول.
ازعن عمر لخالد الذي تابع بنبرة خشنة:
ـ قولتلي قبل كدا انك طلقت شروق عشان مش مناسبة ليك. بس خليني اقولك كراجل بقى أنا شايف شروق ازاي ؟
تنبهت جميع حواسه لحديث خالد الذي تابع بنبرة قوية:
ـ شروق بنت تتاقل بالدهب. بنت نشأت في ظروف صعبه اتيتمت وهي صغيرة. عرفت أن أمها ليها عيلة كبيرة من أغنى العائلات، و رفضت تجري عليهم بسبب اللي عملوه في أمها زمان، ودي اسمها عزة نفس و كرامة. اشتغلت وهي بتدرس و اتبهدلت عشان تصرف على نفسها وعلى أختها اتحوجت كتير لكن فضلت محافظة على نفسها. اقولك كام واحدة بتسمح لنفسها تمشي في طريق الغلط بحجة الاحتياج؟ بس هي معملتش دا. بالعكس. عافرت عشان متقعش في الغلط، ودا اسمه احترام.
صمت خالد يتابع وقع الحديث عليه قبل أن يُلقي ها الاستفهام في وجهه بكل قسوة:
ـ بنت جميلة و محترمة و متربية، و مكافحة. عندها عزة نفس و كرامة أنت كراجل عايز ايه في مراتك اكتر من كدا؟!
كانت الكلمات كالرصاص تستقر في عقله المريض الذي صور له ذات يوم أنها لا تناسبه، لتأتي كلمات خالد القاسية لتُجهز على الباقي من ثباته حين قال:
ـ خليني بقى اقولك أن في الوقت اللي انت بتسمع لعقلك المريض اللي عمال يدوس على مشاعرك تجاهها أن في واحد زي راجي الجيار من أكبر عيلة في الصعيد راجل معاه دكتوراه، و ماسك رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات تقريبًا في نفس قوة شركاتنا يعني ميقلش عنك دا بالعكس يزيد. بيحبها وعايز يتجوزها. لا هامه بقى هي مين؟ ولا بنت مين! ولا ابوها كان شغال ايه؟ ولا حتى فرقله أنها مطلقة.
جن جنونه وهب من مكانه يزأر كالأسد الجريح:
ـ دا بعينه. شروق دي مراتي. حبيبتي. محدش هيقدر ياخدها مني..
خالد بحدة:
ـ الكلام دا لما هي كمان تبقى عيزاك.
ـ بس أنا مش عايزاه.
هكذا تحدثت شروق وهي تدلف إلى داخل الغرفة لتقع عليها نظرات عمر المُعذبة لتتجاهلها ناظره إلر خالد الذي قال بنبرة آمرة:
ـ سيبني شوية مع شروق.
لم يجادله انما خرج وكأن المكان يضيق به حتى كاد أن يختنق ليغادر على الفور، فالتفت خالد ينظر إلى شروق قائلًا بهدوء:
ـ اقعدي يا شروق. محتاجين نتكلم مع بعض.
جلست شروق وقد نزعت عنها قناع القوة ليتجلى الألم بوضوح فوق ملامحها مما جعل خالد يبدأ حديثه قائلًا بنبرة خشنة:
ـ قبل ما نتكلم لازم تعرفي ان عمر فعلًا بيحبك، و أكيد انتِ عارفة عواقب اللي عمله دي هتبقى صعبة قد ايه.
اومأت برأسها دون حديث ليُتابع خالد مستفهمًا:
ـ أنتِ سمعتي كلامنا صح؟
شروق بخفوت:
ـ صح.
خالد بجمود:
ـ كويس. يعني كل حاجة بقت واضحة قدامك.
كانت تتألم بقوة، مُجبره على رفضه في الوقت الذي قرر هو الاعتراف بها، وكم كان هذا قاسيًا أنه لا شيء يمكن أن يشفع له عند كرامتها. لا عشقه ولا ندمه ولا وجعه. لذا اخفضت رأسها وهي تقول بنبرة يقتلها الألم:
ـ فعلًا كل حاجة بقت واضحة، و مبقاش ينفع نكون لبعض.
كان يشعر بالأسى لأجلهم، ولكنه لابد أن يضع الأمور في نصابها الصحيح لذا قال بخشونة:
ـ أنا عرفت من أشجان أن راجي طلب إيدك للجواز. هتوافقي؟
رفعت رأسها تطالعه بتعب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ مش عارفة. للحظة كنت هوافق.
خالد باستفهام:
ـ هينفع تتجوزي واحد وأنتِ بتحبي واحد تاني؟!
هزت رأسها بالرفض ليُتابع بنبرة جافة:
ـ يبقى ترجعي لعقلك. قصتك أنتِ وعمر مينفعش فيها طرف تالت. حرام راجي يتأذي من غير ذنب. عاقبي عمر زي ما أنتِ عايزة، وانا معاكِ. لكن متظلميش حد تاني.
شروق بخفوت:
ـ عندك حق.
خالد موضحًا:
ـ كلامي دا حتى لو قررتي فعلًا تبعدي عن عمر. أنا عارف راجي كويس. وهو ميتحقش غير كل احترام، وانتِ كمان لازم عشان تبدأي من جديد تقفلي على القديم.
شروق بأسى:
ـ طب ازاي! ازاي اقفل عليه بعد اللي عمله. أكيد الناس كلها بتتكلم عني. حتى راجي نفسه استحالة هيقبل على نفسه اللي حصل دا. عمر مش بيحبني عمر مصمم يدمرني عشان يضمن اني مكونش مع حد غيره.
خالد بنبرة قاطعة:
ـ لا. لو هو فعلاً كدا كان ممكن يعمل اي حاجة في الدنيا عشان يبعدك عنه إلا أنه يعمل اللي عمله دا. عمر ولع في الدنيا و خدك و مشي. هو فعلاً بيحبك. بس زي ما قولتله هو محتاج فعلًا يتعالج، و أنتِ مش مجبرة انك تتحملي مشاكله النفسية.
شروق بلوعة:
ـ أنا بدفع تمنها. زي ما ماما كانت بتدفع التمن مع نبيلة.
كانت محقة، وكان هو آسفًا يشعر بالخزي من شقيقته التي لا يجد لها شيئًا واحدًا يمكنه أن يحسن صورتها ولو قليلًا لذا قال بجفاء:
ـ عندك حق. بس عمر مش زي نبيلة. عمر مش حالة ميئوس منها. صدقيني.
شروق بتعب:
ـ قولي اعمل ايه؟ انا تعبت بجد.
خالد باستفهام:
ـ قبل اي حاجة. عايز اعرف. عمر مالوش اي رصيد جواكي يشفعله عندك؟!
غامت عينيها بألم وهي تتذكر المرات التي وقف بها أمام والدته لأجلها، و أبيه أيضًا وكم كان يدافع عنها ولا يسمح لأحد بالتطاول عليها. تتذكر كم كان حانيًا في أوقات كثيرة، وكم كانت الذكريات رغم كل شيء تؤلم لذا زفرت بتعب تجلى في نبرتها وهي تقول:
ـ مش هقدر أنكر انه وقف قدام أهله عشاني، و مسمحش لممته تجرحني أو تأذيني. لولاه كانت بهدلتني انا و جميلة. دا كمان وقف قدام خالي، و مسمحلوش يمد إيده عليا.
خالد مُعقبًا:
ـ حلو. يعني بالرغم من كل شيء كان جنبك وفي ضهرك. و عشان بس اوضحلك احنا كلنا اتربينا في البيت دا على العزة بالاسم، و أن الوتايدة دول أحسن ناس في الدنيا، وحتى في اختياراتنا كما مجبرين نختار احسن حاجة حتى لو مش هتناسبنا. اه مش كلنا كنا بنرضخ و كل واحد فينا كان له رؤية في الشيء المناسب له. بس صدقيني هي طريقة غلط. زمان كانت الناس عندها كبر غريب و للأسف عمر اترسخ دا جواه، وخلاه اعمى عن حاجات كتير.
شروق بتهكم:
ـ عارفة. اذا كانت جدتي اعتبرتها ميتة عشان اتجوزت باباو واهي بنتها.
خالد بنبرة هادئة:
ـ خلينا في المهم. عمر محتاج انك تعلميه الأدب. تخليه يلف حوالين نفسه لحد ما يعرف قيمتك. هتستغربي كلامي. بس هو دا الحل. أنتِ بتحبيه، وهو بيحبك عشان تدخلي حد بينكوا هتبقي بتظلميه، و بتظلمي نفسك معاه. فكري في كلامي وقرري
كان مُصيبًا في حديثه ولكنها كانت بحاجه الى وقتٍ اطول في التفكير لذا قالت بتعب:
ـ أنا فعلًا محتاجة وقت افكر. بس في الغالب مش هقدر ارجع لعمر حتى لو حياتي هتقف بعده. عمر مش بس آذاني. عمر خاني كمان.
ـ نعم! هو مين دا اللي خانك؟!
هكذا تحدث عمر الذي عاد ليرى ماذا حدث ليتفاجيء بحديثها الذي جعل عينيه تبرقان من شدة الصدمة لتهتف هي بحدة:
ـ اسأل نفسك.
عمر بلهفة:
ـ اسأل نفسي مين! شروق متجننيش انا عمري ا خنتك، ومن يوم ما اتجوزتك حتى مبصتش لواحدة.
شروق بتهكم:
ـ و بالنسبة لمصطفى اللي كلمته عشان تتقابلوا مع بنات. أنا سمعاك بودني على فكرة.
هتف خالد بنبرة سوداوية غاضبة:
ـ الكلام دا حصل؟
عمر باندفاع:
ـ حصل، وفعلًا روحت. بس مطلعتش. والله ما طلعت. لو تفتكري رجعتلك على طول، وقولتلك مقدرتش اعمل فيكِ كدا. وأنتِ يومها صممتي تطلقي، وقعدتي تستفزي فيا لحد ما طلقتك.
شروق بانفعال:
ـ طلقتني عشان استفزيتك ولا عشان كنت ناويها عشان ناوي تتجوز حبيبة القلب الست شاهي هانم.
عمر بصدمة:
ـ شاهي مين وزفت مين؟ هو أنتِ شاربة حاجة! مانا سيبتها في نص الحفلة و جبتك و جيت على هنا.
شروق بحدة:
ـ عشان شوفتني مع راجي. لكن قبل كدا كانت حبيبة القلب، و كنت بتستغفلني.
كان خالد يتخد جانب الصمت تعجبه هذه المواجهة كثيرًا، فالاثنان بحاجة ماسة إليها
ـ شروق متجننيش. شاهي ايه وزفت ايه؟ والله ما كنت بكلمها ولا بعبرها حتى لما اتنيلت خطبتها مبصتش في وشها غير يوم الخطوبة..
صاحت باهتياج:
ـ كذاب يا عمر. أنا بعيني شايفة رسايلكوا على الواتس، واتفاقها معاك انكوا هتسهروا سوى.
كاد أن يتحدث عمر ليستفهم خالد قائلًا:
ـ الكلام دا كان امتى يا شروق؟
شروق بجفاء:
ـ قبل ما نطلق. كان بيضحك عليا ويقولي أنه رايح المستشفى، و لما يرجع هنتكلم و نحل كل حاجة، و من سوء حظه نسي تليفونه على الشاحن و دخل الحمام، جتله رسالة على التليفون. فتحتها لقيتها منها. أيه هتكذب عيني يا دكتور عمر ؟
كان عمر غارقًا في الصمت. لا يتخيل عقله تلك الذكرى التي لم يظن أن لها أهمية، ولكنها كانت سببًا قويًا في تدمير كل شيء ليقوم بجذب هاتفه و يبحث في الرسائل ليشغل هذا المقطع الصوتي الذي أرسله إلى هذه الفتاة ذلك اليوم:
ـ قرفتيني. عماله تبعتي رسايل من امبارح و تحذفيها. شاهي فكك مني. أنتِ زيك زي هايدي عندي، روحي شوفي بتعملي أيه بعيد عني.
ضيقت شروق عينيها باستنكار فيما هتف خالد مستفسرًا:
ـ يعني ايه عماله تبعت رسايل و تحذفها ؟
عمر بنبرة ضائعة:
ـ شروق عندها حق. اليوم دا انا طلعت من الحمام لقيت شاهي بعتالي رسايل و حذفتها.
هتفت شروق باستنكار:
ـ عايز تفهمني أنها بعتت الرسايل عشان أنا أشوفها و حذفتها قبل ما انت تشوفها؟ ياااه. للدرجادي دي لو مرقبانا في الاوضة و سامعه كلامنا عشان أول ما تدخل الحمام تبعتلي الرسالة أشوفها، و بسرعة قبل ما تخرج تقوم هي حذفاها! معقول قدرت تظبطها بالدقيقة كدا!
تجمدت الحروف فوق شفاهها حين شاهدت ضحكة عمر الصاخبة البعيدة كل البعد عن المرح قبل أن يلتفت ناظرًا إلى خالد الذي هب من مكانه إثر حديث عمر الذي قال بسخرية مريرة:
ـ تفتكر قدرت تظبطها كدا ازاي؟
أخذ يوميء برأسه وقد تيقن أن للشياطين يد في تحريك حياته ليأتيه صوت خالد الذي قال بتعقل:
ـ خلينا نفكر بعقل يا عمر.
رفع عمر رأسه لتشهق شروق و تتراجع إلى الخلف من مظهره، فقد كانت ملامحه مكفهرة بشكل غريب، و عينيه و كأنهم مرآه للجحيم بالاضافة لأنفاسه الثائرة، وصدره الذي يعلو و يهبط بقوة ليبدو كالوحوش بحق و خاصةً حين تحدث بنبرة شرسة:
ـ وصل شروق بيتها.
التفت مُغادرًا ليلحق به خالد الذي قبض على ذراعه وهو يهتف بحدة:
ـ اقف هنا رايح فين؟
نفض عمر يده من يد خالد وهو يزأر بوحشية:
ـ رايح اقول لنبيلة الوتيدي مشاعري ناحيتها هي و جوزها. رايح أقولهم اني مبكرهش في حياتي قدهم.
اندفع عمر إلى سيارته كالمجنون لتصرخ شروق بذُعر:
ـ في أيه ؟ انا مش فاهمة حاجة.
خالد بصراخ:
ـ تعالي معايا بسرعة نلحق المجنون دا.
اطاعته لتستقل السيارة بجانبه وداخلها يرتعب مما يحدُث و خاصةً حين سمعت خالد يهاتف أحدهم قائلًا بغضب جحيمي:
ـ رحيم. اسمعني كويس. عمر جاي عالقصر دلوقتي. اوعى تخليه يقابل عز ولا نبيلة.
كان رحيم نائماً، فانتفض من مخدعه وهو يقول بلهفة:
ـ حوصول ايه يا واد عمي؟ ناوي على ايه المخبول ده؟!
خالد بعُجالة:
ـ لما أجيلك هحكيلك. المهم تفرمله حتى لو اضطريت تخلي الحرس يكتفه لحد ما آجي.
اغلق رحيم الهاتف، وهو يتوجه إلى ملابسه يرتديها بعُجالة وسط أنظار نجاة التي كان الألم يتجلى بوضوح في عينيها ليهتف بها رحيم:
ـ مالك لونك مخطوف أكده ليه؟ متجلجيش صاحبتك بخير. اني سامع صوتها چار خالد و زمانه چايبها و چاي.
اومأت نجاة برأسها وهي تتذكر كلمات رماح إليها:
ـ جدرتي تنامي في حضن اللي جتل عمك، و حاول يجتل أمك يا نچاة؟
ـ أنت عتجول ايه؟
هكذا قالت بنبرة مصدومة ليُجيبها رماح بحزن زائف:
ـ بجولك اني اتوحشتك. اتوحشتك بتي اللي معرفش بوچودها غير بعد ما بچت عروسة، و ملحجتش افرح بيها. عرفت انها اتچوزت عدوي اللي يده ملطخه بدم مراتي و أخوي..
نجاة بتلعثُم:
ـ أنت كذاب..
رماح بعتب زائف:
ـ بتشتمي أبوكي عشان! اني عارف انك عرفاني، وأنه جالك عني، و طبعًا ملا راسك بالكذب، بس لو عايزة تعرفي الحجيجة. أسأليه عن أمك. بلاش أسأليه مين اللي جتل رياض الهلالي عمك. روحي أسأليه هو أتچوزك ليه؟ طبعًا هيكذب ومش هيجولك عشان ينتجم مني. بس اني مش هسمحله. لما تعرفي حجيجته كلميني. هستناكي.
الكلمات مؤلمة، والقلق تشعب إلى صدرها ولكنها ترفض التصديق، لذا غامت عينيها بألم صدم رحيم الذي أنهى ارتداء جلبابه ليقترب منها يحتوي ذراعيها بيده قائلًا بقلق:
ـ مالك؟ حد ضايجك ولا ايه؟
ارتعش جسدها من ملامسته له ليشعر برعشتها مما جعله يقول بلهفة:
ـ حوصول أيه؟ مالك؟
نجاة بنبرة مُرتعشة:
ـ بعد يدك عني.
آلمه حديثها ليقول بنبرة جريحة:
ـ مالك؟ أني عِملت حاچة ضايجتك؟!
هل هذا حنانًا بحق؟! أم محاولة لخداعها ؟ هل يعشقها بالفعل؟ ام يتخذها وسيلة للانتقام من والدها؟ عقلها و قلبها وكل مابها يرفض التصديق لتندفع العبرات من مقلتيها بغزارة ليهوى قلبه بين ضلوعه مما جعله يقوم بجذبها إلى صدره وهو يحتويها بحنو يتنافى مع ضجيج قلبه الذي كانت كل دقة به تهتف باسمها
ـ جوليلي بس مين زعلك يا ست البنتة وشوفي اني هعملك فيه ايه؟
تراجعت عنه وهي تقول بنبرة مُحترقة:
ـ أنت يا عمدة. هتجدر تچيبلي حجي منيك؟!
تفاجيء رحيم من حديثها و ما كاد أن يُجيبها حتى سمع صوت طلقات رصاص في الأسفل…
•تابع الفصل التالي "رواية هل من سبيل للغفران" اضغط على اسم الرواية