رواية هل من سبيل للغفران الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
السبيل الحادي عشر ❤️🔥
ظاهريًا، استنكر وبشدة أي شيء قد يجمعني بك، حتى وإن كانت جملة عابرة تضم اسمينا معًا، وكأنّ اجتماعنا أصبح جريمة لا تُغتفر. لكن الكارثي في الأمر أن الحربَ تدق بقلبي كلما مرت على مسامعي حروف اسمك، وكأنه صوت خفي يحيا بداخلي يوقظ كل ما حاولت جاهدًا دفنه.
يشتعل الشوقُ في صدري كلّما مررتُ بمكانٍ علِقت به رائحتكِ، فتغدو الذكريات فخًا لا مهرب منه، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى سيوف مسلطة على قلبي. غير أنّه الكبرياء، ذلك العناد الأعمى، هو ما يدفعني إلى نكرانك. بينما قلبي، بالرغم من ألمه و صمته، لا يعرف أمنية سوى أنه ينتمي إليك ولا يبغي سواك.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
صمت مطبق خيم على المكان لثوان بعد أن انتهى التسجيل الكامل الذي قام خالد بتشغيله ليستمع كمال إليه و الذي كان صامتًا لا يظهر عليه شيء ليُعيطه خالد مساحته في التفكير قبل أن يقول بجمود:
ـ سكوتك دا رد فعل غريب يا كمال. بتفكر في أي؟
كان ساكنًا على نحو غريب ولكن ملامحه كانت صورة حية عن الخذلان الذي شاب كلماته المختصرة حين قال:
ـ كنت عايز اتأكد من حاجة و خلاص اتأكدت.
خالد باستفهام:
ـ أقدر أعرف ايه هي الحاجة دي!
كمال باقتضاب:
ـ مش لازم.
يرى بوضوح ذلك الألم في عينيه ولكنه أراد دفعه لأسقاط ولو جزء من هذا الثقل الذي يحمله ليقول بنبرة خشنة:
ـ انطباعك ايه عن اللي سمعته؟!
لم تخلو نبرته من السخرية المريرة حين قال:
ـ اتأكدت أن أنا عندي أسوأ أخت في الدنيا.
لا يستطِع معارضة حديثه، فهو محق بالرغم من كل شيء، فقد تأذى كثيرًا بسبب عناد شقيقته و تهورها لذا تجاهل أمرها وأجابه مُستفهمًا:
ـ و بالنسبة لآسيا!
تنبهت جميع حواسه حين أتى على ذكر إسمها و كأن كل ما به يعانده لأجلها، ولكنه يقاوم لذا قال بجفاء:
ـ مالها!
خالد بنفاذ صبر:
ـ أنت سمعت كلامها.
سخر بمرارة:
ـ سمعته. بس محستوش.
توجه ليجلس على أقرب مقعد ناظرًا للبعيد وهو يقول بنبرة يتشعب بها الألم:
ـ أنا عمري ما سألت نفسي هي بتحبني ولا لا! طول الوقت كنت مشغول اني أراضيها و افرحها. طول الوقت كنت بحاول اصلح اي حاجة مكسورة جواها.
صمت يحاول سحب قدرًا كافيًا من الهواء داخله عله يخمد تلك الحرائق المندلعة بصدره قبل أن يُتابع بنبرة مُتحشرجة:
ـ أنا مش فاكر موقف واحد ليها أثبتلي أنها بتحبني أو حتى حسسني بدا، والحقيقة انا مكنش فارقلي. كل اللي كان فارقلي امي كنت عايزها تتخلص من كل حاجة سلبية ليها علاقة بالماضي عشان تقدر تحب.
خالد باستنكار:
ـ كلامك دا في تقليل منك يا كمال. في مليون سبب يخليها تحبك.
كمال موضحًا:
ـ مش تقليل . بس انا كنت مُتفهم ظروفها و اللي هي مرت بيه. مكنتش عايز اطالبها بأي شيء. لحد ما تحس انها قادرة تدي.
خالد باستفهام:
ـ طيب لما رجعت مشوفتش أنها بتحبك!
تغضنت ملامحه بالوجع الذي تجاهله وهو يقول بقسوة:
ـ شوفت. بس الحب دا جه بعد ما خسرتني..
خالد بنبرة خشنة:
ـ كمال لازم تفهم أن آسيا اتأذت جدًا في غيابك.. دي كانت….
قاطعه بألم و نبرة حانقة:
ـ لو هي اتأذت مرة أنا اتأذيت ألف. عارف ليه؟ عشان أنا حبيتها. حبيتها أكتر من أي حاجة في الدنيا، وهي خذلتني على قد ما حبيتها.
تزاحم الألم بمقلتيه ولكنه حاول جاهدًا قمعه ليسكبه بين كلماته حين تابع:
ـ الاحساس بالذنب مؤلم. بس ألم الخذلان مُضاعف يا خالد.
يرى بوضوح كم هو متألم لذا غير دفة الحديث قائلًا:
ـ أنت طلبت تسمع الفويس عشان ميرهان ولا عشان آسيا؟
كمال بجمود:
ـ عشان اللتنين.
أراد وضع اعترافها نُصب عينيه حين قال:
ـ طيب ما آسيا قالت أنها بتحبك.
أجابه كمال بمرارة وكأنه يمضغ صبارًا في جوفه:
ـ آسيا قالت كدا عشان تنفي عن نفسها التهم اللي وجههالها. هي دي آسيا يا خالد. قوية و عندها كرامة و عنفوان. عمرها ما هتتقبل الإهانة و لا هتعديها.
وضع يده على مكان الجُرح مُباشرةً لذا لانت لهجته حين قال:
ـ و دا اللي وجعك في أنها راحت لرؤوف صح!
اهتاجت جيوش الغضب والألم معًا ليهتف بنبرة مُلتاعة صارخة:
ـ دا اللي قتلني. آسيا اللي انا اعرفها بعد ما سمعت منه الكلام دا و المفروض أنه غلط مكنتش هتبص في وشه أصلاً بس واضح أنه غالي عليها شوية. فجت على نفسها و اتجاهلت إهانته وكرامتها وراحت تعاتبه.
ـ يا كمال متحسبهاش كدا..
ضرب بقوة على المكتب الخشبي وهو يهب من مقعده قائلًا بحرقة:
ـ هي كدا. ماهو يا هو عنده حق وهي وصولية و اتجوزتني عشان فلوسي و رمته هو. يا اما هو غالي عليها أوي لدرجة أنها تتجاهل اتهاماته دي وتروح تعاتبه.
صمت يحاول التغلب على تلك الغصة القوية التي اجتاحت صدره حتى كادت أن تمزقه حين تذكر حديثها له ليهتف بأنفاس مقطوعة:
ـ دي كانت بتعيطله. بتقوله ليه تعمل كدا؟ عمري ما هشوف اللي عملته دا غير خيانة. قلبي و عقلي و كرامتي رافضين يشوفوها غير كدا..
كان مُحقًا بالإضافة لكونه يتألم بشدة وهذا واضح على معالمه و في عينيه ليهتف خالد يائسًا:
ـ طيب و العمل! أنت بتغير عليها لسه. بتحبها لسه..هتفضل تعذب نفسك و تعذبها كدا كتير!
غامت عينيه بأسى قبل أن يوجه إليه إستفهامًا غامضًا:
ـ تفتكر لو أنا غلطت نفس الغلط في حقها هتقدر تسامحني!
ضيق خالد عينيه بتفكير قبل أن يقول بترقب:
ـ تقصد أيه ؟
كمال بغموض:
ـ هتعرف بعدين، و وقتها هنشوف إذا كانت حبتني كفاية لدرجة أنها تغفرلي زي ماكانت عيزاني اغفر لها ولا لا..
اللهم يا مسهل الشديد ويا ملين الحديد، ويا منجز الوعيد، أخرجني من حلق الضيق إلى أوسع الطريق ♥️
★★★★★★★★★
مر يومان دون أحداث ظاهرية، فقد كان وكأن الجميع كلًا يحشد طاقته للمواصلة من جديد، وقد كان أول من استعاد ثباته ياسر الذي قام بشراء أحد المحلات المجاورة لبيتهم ينوي البدأ من جديد وحده، وقد مضى العقد مع صاحبها و هاهو بالرغم من كل شيء يقف ناظرًا إلى نقطة بدايته برضا و بداخله أملًا كبيرًا في أن تكون بداية موفقة ليهمس داعيًا:
ـ اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم. رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً.
ـ مبروك يا ريس..
هكذا تحدث يزيد بمرح ليستدير ياسر ناظرًا إليه بسعادة لم ينكرها، فشقيقه دائمًا إلى جواره مما جعله يقترب و يعانقه بقوة و كأنه يشكره بشيء أعمق من الحديث ليبادله يزيد العناق، فقد كان يشعر بما يجيش بصدر أخيه وعلى الرغم من استنكاره لما يحدُث ولكنه يقف صامتًا، فالخصم أقرب الأشخاص إليهم..
ـ متقوليش انك اكتشفت النهاردة انك بتحبني!
هكذا تحدث يزيد بمرح ليشاطره ياسر مرحه قائلًا:
ـ بالله عليك دي أشكال تتحب بردو!
يزيد بتهكم:
ـ طبعًا مانا مش صوتي ناعم ولا شعري كيرلي و اسمي غريبة. هتحبني ليه؟
قهقه ياسر على حديثه قبل أن يقول بسخرية:
ـ فعلًا. مفيش سبب واحد يخليني أحبك.
ابتسم يزيد على حديثه قبل أن يتابع ياسر ناظرًا إلى ساعته:
ـ يالا عشان نروح نتغدى غنى مستنيانا في البيت.
يزيد بتهكم:
ـ أهو أنا مابحبش في اليوم قد الفقرة دي. اروح الاقيها مستنيانا و عملالنا أكلها الرهيب. دا تحديدًا اللي مسكتني عن المشاعر الجياشة دي.
ياسر بسخرية:
ـ همك على بطنك يعني.
يزيد بجدية:
ـ مش فكرة كدا. بس انا عندي مبدأ بحترمه جدًا، وهو عض قلبي ولا تعض رغيفي، فمضطر اسكت أنها واخدة قلبك كله لحسابها في سبيل أنها بتعملي أكل حلو.
ياسر بتقريع:
ـ قصدك انك بتبيعني عشان الأكل. أنت واطي كدا ازاي!
يزيد بسخرية:
ـ دي جينات .
وصلا إلى المنزل ليستوقفهم نزول جابر من سيارته
وهو يلقي التحية:
ـ السلام عليكم ورحمة الله.
التفت الشابان إليه مرددان السلام ليتابع ياسر بترحيب:
ـ أهلًا يا معلم جابر اتفضل.
جابر بنبرة ودودة:
ـ يزيد فضلك يا ريس. ولو إني زعلان منك.
يعلم جيدًا السبب إذا قال بهدوء:
ـ حقك عليا يا حاج.
لم يكد يتحدث جابر حتى قال يزيد:
ـ طب تعالوا نتكلم جوا بدل ما احنا واقفين في الشارع
بالفعل دلفوا إلى الداخل ليبدأ ياسر حديثه قائلاً:
ـ متزعلش مني يا حاج. أنت غالي عليا.
ربت جابر على كتف ياسر وهو يقول بنبرة ودودة:
ـ أنت ابني يا ياسر، و اللي حصل زعلني زي ما زعلك وأكتر. لكن كنت مستني منك ترجعلي.
ياسر بتعب:
ـ غصب عني. اللي حصل دا كسرني. مكنتش قادر اواجه ولا حتى اتعامل. كان لازم نمشي أنا وغنى عشان نقدر نتعامل بعد كدا.
يعلم مقدار خيبته فقد نال منها أيضًا لذا أجابه قائلًا:
ـ عارف يا ابني، و مش هلوم عليك. أنا بس لازم اتكلم معاك انت ويزيد عشان نحط النقط على الحروف.
تبادل الشقيقان النظرات قبل أن يقول ياسر بقلق:
ـ اتفضل يا حاج جابر سامعك.
جابر بنبرة اصقلها الغضب:
ـ دلوقتي أنا شيلت هيام فوق دماغي من وقت مادخلت بيتي لا عمري زعلتها ولا ضايقتها و عن يدكوا الكلام دا. لكن بعد اللي حصل و الحال اتبدل، و أختك غلطت في حقي وفي حق بيتها، وأنا عشان راجل بيعرف في الأصول كلمتها و شديتها بالذوق. لا قليت أدبي، ولا مديت إيدي. بس الوضع دلوقتي مش مظبوط. عرفت انها راحت بيت ولاد عمها. ودا معجبنيش. لكن بردو أنا جيتلكوا عشان انتوا ولادي وتعزوا عليا وبينا عيش وملح. اختكوا لو رجعت ندمانة و هتشوف حالها وبيتها على راسي. انما أمور اللوع وشغل الحريم دا ميعجبنيش. أنا كدا غلطان يا ياسر؟!
شعر ياسر الغضب المُطعم بالحزن من حديث جابر الذي و للأسف كان مُحقًا لذا قال بتعب:
ـ عداك العيب يا معلم جابر. أنا هشوف الموضوع دا.
جابر بشفقة على حالهم:
ـ معلش يا ياسر. كلنا زعلانين من اللي حصل. أنا مش عارف أواسيك ولا أواسي نفسي. مش دي هيام اللي اتجوزتها أبدًا.
لم يحتمل أن يمس شقيقته بسوء ولو كان مُحقًا لذا اندفع قائلًا:
ـ هيام مش وحشة يا معلم جابر. هيام اطيب قلب في الدنيا. هي بس. زعلانة مني شوية. كانت عشمانه فيا. لكن أنت عاشرتها و شفت معدنها.
و أضاف يزيد أيضًا:
ـ اللي بيننا و بين هيام دا بره عنك يا حاج. ماشي هي ممكن تكون زعلتك. بس هيام أمنا هي اللي ربتنا و ضحت بأحلى سنين في حياتها عشان متسبناش. هي بس اتضايقت من اللي قالته الخالة صابرين، و غصب عنها عملت اللي علمته. كلنا بنغلط. مش هنعلقلها المشنقة.
ياسر بجمود:
ـ يزيد عنده حق. هيام أختي و مهما عملنا في بعض مقدرش أنكر فضلها عليا، ولو زعلان منها بسببي يبقى لا. أنت كدا بتزعلني انا. مهما حصل بيني وبينها مسيرنا راجعين لبعض الضفر عمره ما يطلع من اللحم.
برقت عيني غنى التي كانت تتابع الحديث من الداخل لتشتعل جذوة الغضب بداخلها، فبعد ما فعلته بهم يتفوه بهذا الحديث.
كان القهر يتشعب بين خلاياها وهي تجلس في الداخل تنتظر ذهاب جابر وهي تمضع أسنانها من فرط الغضب وكلماته تتردد بأذنيها إلى أن التقطت صوت قفل باب المنزل و ما هي إلا ثواني حتى وجدت ياسر يدلف إلى الداخل وهو يقول بنبرته العابثة:
ـ غريبة قلبي بتعمل أيه؟
ناظرته بعتب كبير و بنبرة يتخللها القهر والغضب أجابته:
ـ غريبة قلبك قلبها مفطور منك!
توسعت عيناه بصدمة وهو يقول مُستنكرًا:
ـ قلبك مفطور مني! ليه؟!
غنى بنبرة مُدججة بالغضب:
ـ هو سؤال واحد تجاوبني عليه!
بدأ يفهم سبب غضبها ليتركها تكمل فإذا بها تستفهم بنبرة مغلولة:
ـ هو اللي حصل من هيام بسيط اوي كدا. لدرجة أنك ممكن ترجع تتعامل معاها عادي.
اشتعلت الحرائق بصدره و غامت عينيه بغضب مُتحدُم جعل نبرته قاسية حين قالت:
ـ مانا اتجوزتك بعد اللي أنتِ عملتيه فيا!
صدمتها إجابته للحد الذي جعل اللون ينسحب من ملامحها قبل أن تقول بنبرة مشدوهة:
ـ هو أنت بتقارن اللي عملته هي باللي انا عملته! دي هي السبب…
قاطعها بغضب:
ـ هي غلطت و أذتني، وأنتِ غلطتي عشان صدقني عني القرف دا و أنتِ اكتر واحدة مفروض عرفاني و مكنتيش واثقة فيا.
ألقى إجابته في وجهها وعلى الرغم من أنها تشعر بالقهر لمعرفتها بأن لها جانب كبير من الخطأ ولكنها استنكرت أن يتحدث عنها بهذا الشكل، فظلت على صمتها تناظره بعتب غير منطوق ليُتابع هو بغضب:
ـ وبعدين تعالي هنا. هنعتبر ان هيام دي قتلتني عيزاني اشتم عليها قدام الراجل! قدام جوزها! ولا اطلعها وحشة!
هبت عاصفة جنونها حين هتفت بحنق:
ـ لا متشتمهاش بس متطلعاش شهيدة كدا.
لم يُعجبه الحديث لذا قال بتحذير:
ـ غنى اعمليلك قفلة.
عاندته بعناد:
ـ وانا معملتش يا ياسر.
علت نبرته و شابتها القسوة إلى جانب الصرامة حين قال:
ـ هعملك انا..
تساقطت العبرات من عينيها قبل أن تقوم بإلقاء قماشة المطبخ وهي تهتف بجفاء:
ـ أنا رايحة اشوف بابا.
عززت كلماتها الغضب بداخله أكثر ليهتف بحدة:
ـ لما اخلص هبقى اوديكي.
لم تكن تطيق البقاء أكثر من ذلك دون أن تصرخ من فرط الغضب لذا قالت معانده:
ـ انا مش عيلة صغيرة هتوديها و تجيبها.
أعماه الغضب ليهتف بقسوة:
ـ كدا! طب مفيش مرواح في حتة.
غنى بقهر:
ـ يعني ايه!
لأول مرة لم يلتفت لدموعها، فبنظره قد تتمادت كثيرًا لذا تحدث بنبرة قاسية:
ـ اللي سمعتيه. و اقطمي على الكلام دا. لما تبقي ترجعي لعقلك نبقى نتكلم.
عاتبته نظراتها بقسوة لتوميء برأسها و العبرات تتدحرج من مقلتيها قبل أن تقول باختصار:
ـ حاضر.
تجاوزته و توجهت إلى غرفتها لتوصد الباب خلفها لتتركه خلفها يعاني من الغضب و الذنب معًا ناظرًا إلى ذلك الضماد الذي يغلف جرح يده الذي لا شيء بالمقارنة بهذا الجرح العميق في قلبه.
زفر بقوة وتوجه إلى الداخل ليقوم بامساك الهاتف يجري اتصالًا هاتفيًا مع خالد:
ـ أيه يا وحش. عامل ايه؟
خالد بجمود:
ـ كويس.
ياسر بتهكم:
ـ تبقى مش كويس. عايز أقابلك..
خالد باختصار:
ـ ياريت. هعدي عليك بالليل…
اللهم إنك تعلم وهم لا يعلمون، اللهم أرح قلبي وهون علي وإسقني صبراً، وأعوذ بك من غصة القلب وضيق النفس، اللهم امسح على قلبي برحمة منك ولا تجعل لي حزنا يقلقني ♥️
★★★★★★★★★
صف إيهاب رئيس قسم الإنشاء في شركة الجيار سيارته أمام الموقع الذي يقيمون به هذا الصرح و بجانبه آسيا التي كان الجمود يلون ملامحها على عكس ذلك الشعور الخفي بالإنتشاء حين سمعت مكالمة شروق في الصباح:
ـ بقولك ايه! حصل حاجة الصبح انا سمعتها بالصدفة قولت اقولك..
ـ في أيه يا شروق؟
شروق بنبرة خفيضة:
ـ بصي راجي جاله تليفون معرفش من مين أنهم هيبعتوا لجنة من شركة الوتيدي هتباشر الشغل في الموقع، و راجي قال إنه متفق مع بشمهندس أيهاب و معاكِ انكوا هتباشروا الشغل. معرفش اللي بيكلمه قاله أيه؟ راجي رد وقاله مش عاجبني بس مش هزعلك. فمعرفش هو هيعمل ايه؟!
توقعت أن يكون المتصل كمال، ولهذا صممت أن تذهب اليوم كما هو متفق عليه، ولهذا قامت بإغلاق هاتفها، تحايلت على إيهاب لتفعل المثل بهاتفه حتى تأتي إلى الموقع و قد التمع الخُبث في نظراتها حين اصطدمت برؤيته ما أن ترجلت من السيارة. على عكس كمال الذي اشتعلت نيران الغضب في مقلتيه حالما رآها، فقد اتفق مع هذا الغبي راجي أن لا تأتي إلى الموقع وقد أبرم معاه اتفاق بأنه سيباشر العمل مع لجنة خاصة، ولكنه لم يلتزم بهذا الاتفاق و ها هي أمامه بكامل فتنتها و جميع العيون تطالعها بإعجاب خفي أيقظ شياطين جحيمه من جحيمها
ـ السلام عليكم. ازيك يا مستر كمال!
هكذا تحدث إيهاب بابتسامة بشوشة قابلها كمال بآخرى مقتضبة وهو يحاول جذب أنظاره من فوق تلك التي كانت تتهادى في مشيتها وهي تنظر حولها ثم أتى إليها أحد المهندسين لتتحدث معه بتلقائية وكأنها تعرفه منذ زمن ليقوم بإزاحة عينيه عنها بشق الأنفُس حتى لا يرتكب جريمة قتل، فلم يكُن الغضب منها وحدها بل من نفسه و من قلبه الذي يئن وجعًا عشقًا في آنٍ واحد.
كانت تعلم ما يشعر به بوضوح و كم الاحتراق الذي يجيش بصدره الآن، فقد كانت تحترق مثله منذ عدة أيام والآن جاء دوره.
انضمت إليهم لتستقر جميع الاعيُن عليها، فقد كان وجودها طاغيًا و جمالها مُـسيطرًا وكأنه رائحة عذبة تفشت في المكان لتستأثر بحواس الجميع و على رأسهم هو:
ـ ازيك يا بشمهندس علي. طمني أيه آخر الأخبار؟
تجاهلته و مدت يدها تصافح علي الذي صافحها بود وهو يقول بنبرة بشوشة:
ـ تمام احنا ماشيين على البلان مظبوط و أتوقع أننا هنسلم في المعاد المظبوط.
آسيا بنبرة رقيقة واثقة:
ـ أنا واثقة في حضرتك و في التيم. و عارفة انكوا قد ثقتنا..
اتسعت ابتسامة علي الذي أجابها بحبور:
ـ ثقتك دا شيء غالي علينا أوي يا مدام آسيا.
كان إيهاب يثرثر بجانبه ولكنه ليس هنا. فقد أسودت ملامحه وأخذ يطحن ضروسه من شدة الغضب، ولكن عقله لا ينفك يكرر على مسامعه أنها لم تعد تهمه. يحاول كبريائه تهدئه هذا الجحيم المُشتعل بين ضلوعه ولكنها لا تساعده، فقد هتفت بصوتها الناعم الذي يلتف حول قلبه فيجذبه ناظرًا إليها:
ـ حابة أخد جوله في الموقع و اشوف آخر التطورات.
علي بلهفة:
ـ وماله تحت امر حضرتك. اتفضلي.
إلى هنا ولو يعُد يحتمل ليستدير مصوبًا أعيرة نظراته اليها وهو يهتف بصوت خشن يحمل تحذير لفت انتباه الجميع:
ـ الجولة دي تتأجل لحد ما نخلص كلامنا. عشان كلنا محتاجين نشوف آخر التطورات.
أنهى جملته ليستدير مُستكملًا حديثه مع إيهاب، دون الالتفات لعلي الذي أجابه مندفعًا:
ـ طبعًا يا كمال بيه. وقت ما حضرتك تحب.
اغتاظت آسيا ولكنها لم تعلق بل اخذت تلهو بهاتفها إلى أن شعرت به يقترب، فقد كان هو الآخر حضوره طاغيًا للحد الذي جعل حواسها تتأهب و دقات قلبها تقيم احتفالًا داخلها ولكنها ظاهريًا كانت جامدة لا مُبالية لتبدأ الجولة و كلًا منهما لا يلتفت إلى وجود الآخر فقد أخذ يتابع التطورات الجديدة في الموقع وهي تدون الملاحظات ليمر الوقت إلى أن صعدوا إلى أحد البنايات التي كانت يجري بها التشطيبات الأخيرة، فتركتهم آسيا و اخذت تتجول في الغرف و دون أن تلحظ قامت بالدعس على لوح خشبي به مسمار كبير اخترق حذائها العالي ليستقر في كعبها لتصرخ بألم صرخة استقرت في صدره الذي انقبض بذُعر تجلى في نبرته وهو يهتف باسمها:
ـ آسيا.
هروح إلى مصدر آهاتها ليجدها جاثية على الأرض والدماء تنبثق من قدمها ليرتعب قلبه، ويغافله خوفه ليندفع إلى جانبها يتفحص حالة قدمها، فخرجت منها صرخة ألم استقرت في قلبه مما جعله يلتفت إليها مُهدئًا:
ـ اهدي. دا مسمار مصدي. لازم تروحي المستشفى عشان يطهروا الجرح عشان ميعملش تلوث..
كانت تشعر بألم كبير، ولكنها مدت يدها تحاول الاستناد على الحجر الكبير بجانبها لتقف ولكن سرعان ما خرجت منها شهقة قوية حين وجدت نفسها محمولة بين يديه أمام نظرات الجميع لتتوسع حدقتيها من فرط الصدمة، لتتبادل معه النظرات لثوان، ولكن جمود نظراته أعادها إلى الواقع، فقد أدار رأسه وهو يهتف بنبرة خشنة عالية:
ـ هوديها المستشفى، و بشمهندس إيهاب هيكمل..
تدخل علي باندفاع:
ـ أنا ممكن آجي مع حضرتك…
رمقه كمال بنظرة نارية جعلته يتراجع قبل أن يقول بجفاء لا يخلو من التحذير:
ـ خليك في شغلك..
كانت كالمنومة مغناطيسيًا حتى الوجع تخدر أمام ما يحدُث، لهفته و سرعته للإطمئنان عليها و حمله لها كل هذه الأشياء أثارت زوبعة من الفوضى داخلها، ولكن قربها منه بهذه الطريقة كان أمرًا رائعًا، فقد حملها و هبط بها أربع طوابق ثم سار مسافة ليست قليلة إلى أن وصل إلى سيارته، كل هذا الوقت الذي قضته بين ذراعيه كفيل بجعلها تتوه و تتخبط بين مشاعر عاتية لا تملك قوة حتى تجابهها أو تقاومها مما جعلها تضع رأسها فوق كتفه مستسلمة لهذه الدقائق الرائعة ولا تعلم أن فعلتها هذه كانت كفيلة بتوقف تدفق الدماء بأوردته، فكل ما حدث و يحدث ماهو إلا جنون سببه خوفًا مريع اجتاح قلبه منذ أن سمعها تتألم، ولكنه لم يجازف بجعل أحد غيره يقترب منها، لذا قام بحملها إلى الأسفل، وهو يرتدي قناع من الجمود لحفظ كبريائه بينما قلبه ينتفض فرحًا كونها بين يديه و يديها تحيط بعنقه ولكن حين وضعت رأسها فوق كتفه هاجمه جيش من المشاعر الضارية و اخذ قلبه يستعرض ذكرياتهم معًا وهي بين يديه و رأسها ملقى على كتفه وهو ينهل من عشقها بلا هوادة.
صرخت ألم خرجت من فمها حين وضعها على المقعد و اصطدمت قدمها المصابة بباب السيارة ليهتف بلهفة:
ـ حصل ايه؟
آسيا بألم:
ـ رجلي اتخبطت.
في هذه اللحظة تحديدًا ود لو يقبلها إعتذارًا عن الألم الذي سببه لها، لينهره عقله و يعنفه مما جعل الجمود يحتل ملامحه ليقوم بإغلاق الباب برفقٍ يصاحبه صمتٍ تام ثم يتوجه إلى الجهة الآخرى السيارة ليستقلها و ينطلق إلى المشفى، وهي إلى جانبه تموت شوقًا لملامسة كفه الخشن الذي يقبض على مقود السيارة و كبريائها يعنفها بقسوة مما جعل بعض العبرات تتساقط من عينيها، فلاحظ ذلك فقد كان من الحين و الآخر يختلس بعض النظرات إليها مما جعله يقول بنبرة لا تخلو من القلق:
ـ رجلك بتوجعك أوي؟
كان تبريرًا منطقيًا لبكائها مما جعلها تقول بخفوت:
ـ شوية..
كان غاضبًا منها و من مشاعره تجاهها وهذا الضعف الذي يعتريه حين استمع الى نبرة صوتها المـتألمة لتخرج الأمور عن سيطرته و يهتف مُعنفًا بقسوة:
ـ ما أنتِ إنسانة مش مُريحة! أيه جابك الموقع والزفت؟ ما تترزعي و تقعدي في مكتبك!
لم تتخيل ثورته عليها بهذا الشكل، و بجانب الألم الذي تولد بداخلها كان الغضب أيضًا الذي جعل نبرتها حادة وهي تجيبه:
ـ والله أنا حرة اروح مواقع اقعد في مكتبي و حضرتك ملكش حق تحاسبني.
أثار حديثها جنونه أكثر ليزمجر بانفعال:
ـ أحاسبك و أديكي على دماغك. اديني اتعطلت بسبب سيادتك، و اضطريت اسيب شغلي.
لونت الدهشة ملامحها ولكنها لم تدوم طويلًا لتقرر رد الصاع صاعين حين قالت ساخطة:
ـ افتكر اني مطلبتش منك تسيب شغلك وتيجي معايا في أي مكان!
كمال بانفعال:
ـ تصدقي أنا غلطان! كان مفروض أسيبك مرمية بتنزفي هناك!
آسيا بحدة يتخللها الخُبث:
ـ ومين قالك اني كنت هستنى مرمية ثانية! الف مين كان هييجي يوديني المستشفى، وانت شفت بشمهندس علي كان عايز ييجي وأنت البس منعته!
كانت تقصد إضفاء الوقود على غضبه وقد كان لها ما أرادت فقد أسودت ملامحه ونفرت عروق رقبته ليهتف بصوتٍ أفزعها:
ـ علي وزفت! مين علي دا كمان! حتة موظف ملوش تلاتين لازمة. اي موظف في الموقع دا لو جراله حاجة دي مسئولينا احنا. أنتِ الظاهر مخك فوت.
تبدلت ملامحها، و تفشى الحزن بقلبها هل لهذا اندفع لأنقاذها هل لأنها مسئوليتهم! بالإضافة إلى إهانته إليها التي نالت منها، ولكنها لن تُمررها أبدًا لذا هتفت ساخطة:
ـ طب أنا بعفيك من المسئولية دي، و ياريت تقف على جنب عشان مش هروح معاك في أي مكان!
لم يُعير حديثها أهتمام لتقوم بمد يدها في حركة جنونية لفتح باب السيارة، لتخرج جيوش غضبه عن السيطرة مما جعله يصف السيارة على جنب بطريقة مُباغتة جعلت خصلاتها تندفع إلى الأمام ثم قام بجذب رسغها يجذبها بعُنف وهو يصيح بوحشية:
ـ أنتِ أكيد اتجننتي!
صمت مطبق اجتاح الأجواء حولهم حين وجد نفسه على بعد إنشات من وجهها يتنفس أنفاسها و يغوص بعمق في غابات الزمرد المدفون بين حدقتيها لتتقاذف دقات قلبه و تتناحر أنفاسه كمن يخوض سباق للعدو، فطاقة الشوق التي اجتاحت صدره ضارية للحد الذي آلم ضلوعه تدفعه للإرتواء من رحيقها الذي اشتاقه حد الجحيم، وقد كان حالها يشبهه بل و أسوأ فقد كانت منذ عدة أشهر تتمنى لو تلمح طيفه عل الشوق بقلبها يهدأ ولو قليلًا و الآن هي قريبة منه للحد الذي يجعلها تتنفس أنفاسه و تستشعر دقات قلبه الجنونية والتي توازي خاصتها، والحقيقة أن الشوق أضعف إرادتها قليلًا لتخفض رأسها بتعب جعله يستيقظ من لُجة المشاعر التي جرفته ليقترب من أذنها حتى لامستها شفتيه وهو يقول بنبرة مشحونة بالعواطف ولكنها تضم التحذير معها:
ـ اياكِ تحاولي تستفزيني تاني.. سامعة؟
كعادتها تقاتل حتى آخر نفس بالرغم من وهنها و تعبها إلا أنها تراجعت تناظره بتحدي احتل نبرتها حين قالت:
ـ وانت اوعى تفكر تقلل مني تاني.
كان العتب و العذاب يحتل نظراتها وقلبه ولكنه حاول شحذ ثباته وهو يقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ الأحسن منتعاملش مع بعض.
تألمت حد الموت، ولكنها ثابته حد الهلاك لتقول بجفاء:
ـ ياريت.
تراجع عنها وهو يحاول تنظيم أنفاسه المقطوعة، فقد أعياه الألم و الغضب والشوق خاصةً و أنها خصم لا يُهزم بسهولة لذا تابع رحلته إلى المشفى بصمت متبادل بينهما إلى أن وصل أخيرًا لتنزع عنها حزام الأمان تنوي أن تسير على قدمها السليمة ولكنه فاجأها حين فتح الباب وقام بحملها للتوجه الى داخل المشفى لتهتف بصدمة:
ـ هو احنا كنا لسه بنقول ايه من دقايق !
اغتاظ من حديثها الذي يعريه أمام نفسه و هو أنه لم يستطِع استغلال فرصة للتقرب منها ولكنه بارد ظاهريًا كم أن لهجته كانت جافة حين قال:
ـ اخرسي.
اغتاظت من جفائه و وقاحته لتهتف بنبرة يغمرها الغضب و يتخللها المكر:
ـ لا مش هخرس، اصلي بصراحة شيفاك بتستغل الظروف ولا خلينا نقول بتتلكك!
كان يود لو يقبلها حتى تكف عن الحديث الذي يجعله ناقمًا على نفسه وعليها أو ليروي شوقه لها، ولكنه بدلًا عن ذلك تحدث بسخرية مستفزة:
ـ الإجابة الأصح. أحلام يقظة.
اغتاظت من براعته في الإجابة لتهتف بحدة:
ـ بطلت أحلم و البركة فيك!
كان قد وصل إلى الغرفة التي أشارت إليها الممرضة ليضطر إلى وضعها على سرير الكشف وهو يقول بنبرة متوعدة أضرمت الرجفة في أوصالها:
ـ حلو انك اتعلمتي مني حاجة. فكريني أعلمك تبطلي ترغي!
زحف الخجل إلى وجنتيها من حديثه الذي فسرته بمعنى آخر، وقد رأى ملامحها التي احتقنت خجلًا ليشتد حريق الشوق بداخله مما جعله ينظر إلى الجهة الآخرى حتى لا تفضحه عيناه ليقطع تلك الأجواء المشحونة قدوم الطبيب.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال ♥️
★★★★★★★★★
ـ اجمدي يا أشجان. لازم تعملي كدا عشان ترتاحي.
هكذا أخذت تحدث نفسها وهي تنظر إلى نبيلة التي كانت جالسة تتحدث على الهاتف حول الطاولة التي بالحديقة لتقترب منها أشجان وهي تحاول ادعاء الثقة ثم جلست على أحد المقاعد أمامها ليرتفع حاجب نبيلة باستغراب ولكن أشجان لم تعيرها انتباه بل طالعت أحد الصحُف لتنهي نبيلة مكالمتها وتبدأ في جولة الاستفزاز اليومية:
ـ الله الله دا احنا اتجرأنا اوي، وجاية تقعدي معايا كمان!
حاولت ادعاء اللامُبالة حين قالت:
ـ اقعد في المكان اللي أحبه. دا بيتي صح ولا أنا غلطانه!
اغتاظت ولم تظهر ذلك بل هتفت بسخرية:
ـ لا مش غلطانه. بس غلبانه.
استغلت الفرصة لتقول باستفهام:
ـ أنا فعلًا غلبانه لدرجة اني كل ما أشوف معاملتك الحلوة مع زينة أتصدم. ازاي تكوني عملتي كدا في أختها و تبصي في عينيها!
ناظرتها نبيلة بريية قبل أن تقول بجفاء:
ـ وهو أنا عملت أيه في أختها!
شعرت أشجان بأنها ستكشفها لذا حاولت التعامل بطريقة طبيعية لتقول بنبرة مُستنكرة:
ـ أنتِ ازاي كدا! ازاي بتبصي في عينين الناس و أنتِ بتأذيهم و بتأذي حبايبهم. خالد دا اللي أنتِ أذتيه في مراته وابنه أداكي ميراثه من فلوسه هو. ازاي تأذيه كدا! لا و بتبصي في عنيه عادي.
كانت ملامحها كما عهدتها، و طيبتها و نقائها يغلب عليها مما جعلها تنحي الشك جانباً لتقهقه بقوة قبل أن تقول بخفوت و بنبرة ماكرة:
ـ بتلوميني عشان خلصت على سهام! طب ماهو يا هبلة لو مكنتش عملت كدا مكنش بص في وشك..
وصلت أشجان إلى مبتغاها ولكنها واصلت تمثيليتها حتى لا تشك بها تلك الحية:
ـ نصيب ربنا محدش يقدر يتحكم فيه. وربنا كان كاتبلي اكون مراته. بس أنتِ مؤذية. وانا مش هسمحلك تأذي جوزي ولا ولادي.
ضيقت نبيلة عينيها ثم أخذت تتلفت حولها قبل أن تقول بنبرة متوعدة ولكنها خافتة حتى لا تصل لمسامع اي شخص حولهم:
ـ اسمعيني كويس. مكانك مش هنا. و زي ما غورنا أختك من البيت دا هتغوري سواء عايشة أو ميتة. حطي الكلام دا في ودنك!
زحف الرعب إلى أوصالها لتهتف بذعر:
ـ أنتِ بتهدديني انك هتموتيني عيني عينك كدا مش خايف لا اقول لخالد!
نبيلة بتخابث:
ـ أموتك ليه هو أنا قتالة قتلة! اللي هيموتك بقهرتك هي زينة! عارفة ليه؟ عشان هي راجعة و حاطه عينها على خالد، وبيني وبينك انا ناوية أساعدها.
هوى قلبها بين ذراعيها من حديث نبيلة التي نهضت من مقعدها وهي تقول بنبرة ساخرة:
ـ أه صحيح. حفلة خطوبة الدكتور عمر ابني. على شاهي بنت الحسب والنسب آخر الأسبوع ابقي تعالي عشان تحكي لصاحبتك أن عمر بيه بعد ما رماها خد ست ستها.
أنهت حديثها وغادرت تاركة أشجان تتلظى من الخوف و الصدمة، ولكنها غادرت هي الآخرى إلى الأعلى لتدلف إلى غرفتها وتقوم بإغلاق باب الغرفة وجسدها يرتجف من هول ما تشعر به لتقول بإحراج هاتفها و تقوم بتشغيل التسجيل الذي سجلته منذ دقائق ليأتيها صوت نبيلة الذي وأن كان خفيض ولكنه مسموعًا فقد سجلت حديثها ليكون دليل قوي تقدمه إلى خالد بعد أن تخبره ما حدث.
رن هاتفها لتجده هو فأجابته بلهفة:
ـ خالد.
لاحظ اللهفة و تزاحم أنفاسها حين أجابته ليقول بقلق:
ـ أيه يا حبيبي مالك!
أشجان بتوتر:
ـ لا. لا أبدًا أنا. أنا بس كنت. بفكر فيك!
خالد باستفهام خبيث:
ـ التوتر دا عشان بتفكري فيا! لا دانا لازم اعرف بتفكري في أيه؟؟
شعرت بالخجل من المعنى المستتر خلف حديثه ولكنها كانت لابد وأن تنفذ ما خططت له لتقول بنبرة خافتة:
ـ بصراحة انت وحشتني. وملحقتش اشوفك الصبح قبل ما تنزل..
وكأنها كانت تعزف سيمفونية عذبة على مسامعه ليقول بنبرة خشنة مدججة بالعواطف:
ـ والله انا اللي لو شوفتك دلوقتي هاكلك.
كانت تذوب خجلًا من كلماته لذا قالت بخفوت:
ـ خالد.
ـ خالد لو طايل ياخدك و يهرب هيعمل كدا!
هكذا تحدث بنبرة عاشقة لتهمس باستفهام:
ـ هنهرب نروح على فين!
خالد بخشونة:
ـ أي مكان مشوفش حد من الوتايدة فيه!
نجحت كلماته في جعلها تضحك لتصل ضحكتها إليه مما جعله يقول بنبرة عابثة:
ـ أهي ضحكتك دي ردتلي روحي.
خفقة وجلة ضربت قلبها، فهي خائفة من رد فعله حين يستمع إلى هذا التسجيل ولكن يجب أن تفعل ذلك حتى تحمي بيتها و زوجها و أطفالها من هذه المرأة لذا قالت على استحياء:
ـ هو ممكن أجيلك!
لمعت عينيه من حديثها ليهتف بنبرة عاشقة:
ـ اللي مينفعش انك تكوني بعيد عني لحظة. اجهزي على ما ابعتلك السواق.
أشجان بخفوت:
ـ حاضر..
اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي♥️
★★★★★★★★
ـ تقريبا احنا ممكن منكملش لآخر الأسبوع هنا. لو خلصنا بكرة هنرجع بالليل..
هكذا تحدث راجي إلى شروق التي قالت بعملية:
ـ أنا شايفة كدا بردو. الدنيا لو مشيت تمام. يبقى مالوش لزوم القاعدة هنا..
راجي بغزل:
ـ القاعدة هنا جميلة عشان أنتِ هنا. بصراحة مش عايز ارجع.
اخفضت رأسها من غزله الذي أخجلها ليُتابع بنبرة عاشقة:
ـ لسه بتفكري!
رفعت رأسها تطالعه بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ مستر راجي انا طلبت وقت افكر، ومعداش غير يومين!
راجي بنبرة عابثة:
ـ طب ما تخلينا هنا يمكن اقنعك!
ابتسمت على حديثه ليُقرر التطرق إلى تلك المنطقة الخطرة حين قال:
ـ عمر الوتيدي يا شروق لسه بيفرق معاكِ!
ارتج قلبها حين استمعت إلى حديثه لترفع رأسها تناظره بهدوء يكمن خلف الكثير من العواصف ولكنها كعادتها لا يظهر عليها سوى الجمود والذي احتل نبرتها حين قالت:
ـ لا..
ـ متأكدة؟؟
شعرت بأن استفهامه يخفي ورائه شيئًا ما، ولكنها قالت بنبرة ثابتة:
ـ متأكدة. ليه بتسأل تاني،؟
قام راجي بوضع الهاتف بين يديها وهو يقول باستفهام يشوبه الترقب:
ـ عشان أنا جيالي دعوة أحضر خطوبته آخر الأسبوع..
•تابع الفصل التالي "رواية هل من سبيل للغفران" اضغط على اسم الرواية