رواية نصف انسانة الفصل التاسع 9 - بقلم السيد عبد الكريم
الفصل التاسع .... ترويه ( نورا قاسم )
بعد أن خرجنا من غرفة العرافة ذهبنا إلى أحد المطاعم وتناولنا الغداء ، كان حسام يحاول مرارا أن يضع يده على يدي بمناسبة وغير مناسبة ، كنتُ أعترض تارة ، واستسلم تارة أخرى ، لكن كان استسلامي لا يدوم إلا ثوانٍ معدودة ، ثم أنزع يدي من يده ، وحين انتهينا من طعامنا ركبنا سيارة حسام ، وبينما نحن نسير أخرجتُ هاتفي وأخبرته أنه يجب أن أعود للبيت ، قال وهو ينظر للأمام إلى الطريق :
ـ لسه بدري ... وبعدين تليفونك ده مش عاوز أشوفه تانى .
قلتُ في جهل حقيقي :
ـ إزاي يعنى ؟!
قال وهو ينظر نحوى بنصف عين ويتابع الطريق أيضا :
ـ ميصحش واحدة برنسيسة زيك وتمسك فون قديم كده .
قلتُ في حرجٍ واضح :
ـ اه... ما أنا هشتري واحد جديد إن شاء الله ... بس قولي احنا هنروح فين دلوقتى ؟
قال وهو يضغط على دواسة البنزين :
ـ حالا هتعرفى .
انطلقَ بالسيارة ، وبعد قليل توقفنا أمام محل فخم ، وفتح لي باب السيارة بحركة استعراضية فترجلتُ ، قبض على يدي برفق قائلا :
ـ تعالى .
قلتُ معترضة :
ـ حسام مش كل مرة كده تقولي تعالى من غير ما أعرف احنا رايحين فين .
قال بعد أن ضغط على يدي أكثر فسرتْ قشعريرة محببة في كياني :
ـ المرة دى بالذات مش هينفع أقولك .
ثم جلسنا داخل المحل الفخم ، وتحدث مع شاب أنيق الذي سرعان ما اختفى في غرفة جانبية ثم حضر بعد قليل ومعه علبة ورقية مستطيلة ، خرجنا لكن لم نركب السيارة هذه المرة لأننا سرنا على الأقدام مسافة قصيرة وتوقفنا أمام محل أحذية فاهتزّ قلبي فجأة ، ظننت في بداية الأمر أنه يريد أن يشترى لي حذاء ، وبدأتُ أفكر ، هل رأى حذائي الممزق من قبل ؟ !
لكن كيفَ وأنا كنت حريصة أشد الحرص ألا يظهر الجزء الممزق من حذائي أمامه هو بالذات ؟
شعرتُ بيده تشد يدي لداخل المحل فقلتُ في توتر وعصبية :
ـ لا ..أنا مش هدخل إلا لو قلتُلى هتعمل ايه .
كانتْ أنفاسي متلاحقة وأنا أقول ذلك فسمعته يقول :
ـ أنا عاوز أجيب هدية لأختي ... وعاوزك انتى اللي تختارى الحذاء اللي هجيبه ليها .
وبعد نصف ساعة كنا في السيارة وتوقف بنا فجأة وقال :
ـ هندخل السينما نتفرج على الفيلم ونروّح .
قلتُ مسرعة :
ـ سينما إيه ! ... لا يا حسام لا ... أنا تأخرت ولازم أروّح .
قال بعد أن نظر في هاتفه :
ـ لسه الساعة مجتش خمسة ... وأوعدك بعد الفيلم هنروّح .
وقبل أن أعترض رأيته يقبض على يدي بكلتا يديه وينظر في عينيّ نظرة اخترقتْ فؤادي وقال :
ـ علشان خاطرى بلاش تكسفينى .
وقبل أن نترجل من السيارة رأيته يمد لي العلبة الورقية المستطيلة قائلا :
ـ افتحيها .
قلتُ :
ـ ليه ؟
أجاب :
ـ بس افتحيها .
وحينما فتحتها وجدتُ هاتفا جديدا حديث الطراز ملون الشكل له شاشة كبيرة ذات ملمس ناعم ، فدق قلبي وقدمته له قائلة :
ـ دا تليفون !
فمدّ يده إلى حقيبتي وجذبها وفتحها فشعرتُ بالحرج ، وأخرج هاتفي وضغط عليه عدة مرات حتى أخرج الخط ووضعه في الهاتف الجديد
وقال :
ـ مبروك عليكي .
قلتُ في عدم استيعاب :
ـ مبروك ايه ...هي مش الهدايا دى لأختك ؟
قال مبتسما :
ـ أنا معنديش اخوات ...دا تليفونك الجديد .
ثم قدم لي الحذاء قائلا :
ـ وده كمان بتاعك .
ارتبكتُ وابتعلتُ لكنني تحاملتُ وقلتُ :
ـ لا لا ... كده مينفعش خالص ... أنا استحالة أخد حاجة من دول أصلاً .
قال مسرعا :
ـ لا هينفع ...أصلاً هينفع .
فوجدتُ نفسي ابتسم رغما عنّي وقلتُ :
ـ والله مش هينفع خالص ... انت متعرفش حاجة أصلاً .
أجاب وهو يضع يده على يدي :
ـ ومش عايز أعرف حاجة .
سرحت بخيالي :
ـ هتتصرفى إزاي يا نورا ... التليفون غالى أوى أوى ومينفعش أخده .. وأخده بمناسبة ايه أصلاً ... هو مش خطيبي ولا جوزي ... ومرات أبويا لمّا تشوف تليفون زى ده معايا هتقول ايه ... يا لهوى يا نورا ...كله إلا مرات أبويا .. هي شاكة فيا أصلاً من ساعة ما رفضت معتز .
هنا سمعتُ حسام يقول :
ـ انتى ليه كل حاجة بتفكري فيها تفكير أكبر من حجمها ؟!
انتبهتُ أن يده مازالتْ على يدي فنزعتُ يدي وقلتُ :
ـ انت أصلاً متعرفش حاجة .
قال :
ـ وقلتلك ... مش عايز أعرف .
قلتُ في نفاذ صبر :
ـ افهم بس يا حسام ... أنا مقدرش أمسك تليفون غالى زى ده قدام أهلي .... هيقولوا جبتى الحاجات دى منين وكده .
أجاب كأنه لم يسمع شيئا :
ـ قوليلهم هدية من زميلي .
قلتُ بعد أن ظهر العجب على وجهي :
ـ زميلي !....دول يدبحوني ...لا مش يدبحوني ... دول يدفنوني حية.
قال في تعجب :
ـ ياه هو فيه ناس بتفكر التفكير ده دلوقتي !
أجبتُ في ضيق :
ـ مش قلتلك انت متعرفش حاجة .
قال بعد لحظات تفكير :
ـ بصى مش لازم يشوفوهم ....بس لازم تاخديهم....
ثم أكمل فى ضيق :
ـ لو شافوهم وسألوكى قولى انك اشترتيهم لنفسك وخلاص يانورا .
قلتُ دون تفكير :
ـ اه... وأقولهم اشتريت تليفون بألفين جنيه وأنا أصلاً مش معايا ......
ثم انتبهتُ لما أقول فصمتُ ، فضحك وقال :
ـ هم كمان هيستغربوا لو عرفوا انك جبتي تليفون بألفين جنيه ...أومال لو عرفوا إن التليفون بـ 9 ألاف جنيه .
قلتُ وأنا أضع أصابعي على فمي من الصدمة :
ـ يالهوي ... هو التليفون ده بـ 9 الاف ؟!!!
قال مبتسما :
ـ دا أنا مكسوف منك .. لاني سألت على نوع تاني بـ 27 ألف جنيه بس لقيتهم لسه ماجبوهوش من برة ..وأنا بصراحة مش بتعامل مع حد بتاع موبيلات غيرهم .
ـ ياااه !!! 27 ألف جنيه ... دا المبلغ ده يكفيني لحد ما أخلص رابعة جامعة وكمان يحل كل مشاكلي كمان .
قلتُ ذلك في نفسي وأنا شاردة ، ثم سمعته يقول :
ـ زى ما قلتلك يا نورا ... لو سألوكي
قوليلهم دي هدية من واحدة صاحبتي .
قلتُ :
ـ مش هعرف أقولهم كده ... أنا بغرق في شبر ميه أصلاً ... وهعترف بكل حاجة من أول سؤال ... وبعدين أنا كده هبقى بكذب عليهم
قال في لا مبالاة :
ـ وإيه يعنى ...دى كذبة بيضه .
قلتُ :
ـ مفيش حاجة اسمها كده أصلاً ... الكذب كله حرام ... اسفه مينفعش .
نظر للأمام ووضع يديه على مقود السيارة وقال في نبرة حزن :
ـ خلاص يا نورا أنا هرجعهم ... وأسف لو دايقتك ... كنت بحسب إن ليّا خاطر عندك .
قلتُ في تردد :
ـ انت زعلت ؟
أجاب وهو ينظر بعيدا عنّى :
ـ لو انتى قدمتيلى هدية في عيد ميلادي وأنا رفضتها ...مش كنتى هتزعلى ... بس خلاص أنا عرفت ان زعلى مبيفرقش معاكى .
قلتُ مسرعة :
ـ لا متقولش كده ... أنا هاخدهم .
تغيرتْ نبرة صوته ونظر نحوي في فرح وقال :
ـ يلا بقا نلحق السينما .
****************************************
فاصل مهم...فيه مجموعة عملوا جروب بيتكلم عن الرواية اللى حابب يدخل يدوس هنا 👇👇
عشاق رواية نصف إنسانة
*****************************
ولأول مرة في حياتي أدخل دار سينما ، لذلك كنتُ منبهرة مأخوذة وأنا أرى تلك الصالة المتسعة والستائر والمقاعد الاسفنجية المصطفة في نظام هندسي عجيب ، وفي قاعة العرض كان الفيلم رومانسيا واختار لنا حسام مقعدين في إحدى الشرفات بعيدا عن مقاعد الصالة الأرضية ، وكلمّا تحدث البطل مع حبيبته كان حسام يحاول أن يضع يده على يدي ، كنتُ استسلم لثوانٍ معدودة ، ثم يعود إلىّ رشدي فانزع يدي ، وفى نهاية الفيلم كانتْ قبلة طويلة بين البطل وحبيبته ، فشعرتُ بيد حسام تحوطني من أعلى خصري فبدأت أفكر :
ـ اسيبه ولا أمنعه ؟
كان الرجل القابع بداخلي من الناحية اليمنى يحدثني :
ـ تسبيه ايه ؟.... منظرك ايه قدام ربك وقدام نفسك وصلاتك ..... صلاتك لو مش هتمنعك من ذنوبك دي يبقى لازمتها ايه .
بينما يشدّني الرجل الذي على اليسار قائلا :
ـ ما البطل والبطلة في الفيلم مش مجوزين ... ومع ذلك هي سابته يمسك ايدها و......
وحينما أفقتُ من تفكيري كادتْ شفتا حسام أن تلامس خدي الأيسر لولا أنني انتفضتُ مذعورة قبل أن يقبّلني وابتعدتُ عنه ، وكل شيء بداخلي يرتعش كورقة .
في طريق العودة بينما نحن نسير بسيارته لم يتكلم ، وكان عابس الوجه ، وكنتُ أعلم السبب فقلتُ :
ـ مالك ؟
أجاب دون أن ينظر إليّ :
ـ مفيش .
قلتُ محاولة أن أخفف عنه :
ـ انت زعلت تانى ؟!
لم يرد ولم يلتفت إليّ فقلتُ من فوري :
ـ طيب قولي أعمل ايه علشان أرضيك وأنا هعمله .
أجاب :
ـ سيبي قلبك هو اللي يتكلم وهو اللي يعمل ... انتى بتحبينى وقلبك بيقولك انك بتحبينى ... يبقى ليه الخوف ده ؟
أجبتُ في ارتباك :
ـ أنا خايفة من الحرام يا حسام ... انت مش جوزى ولا خطيبي علشان نعمل كده .
قال ومازال الغضب باديا على وجهه الوسيم :
ـ بس كل اللى بيحبوا بعض بيعملوا كده .
قلتُ ومازال التوتر والخجل والحيرة يسيطرون عليّ :
ـ بصراحة أنا مش عارفة أصدق اللي بشوفه في الأفلام ولا اللي تربيت عليه .
قال :
ـ أنا عاوزك تصدقي قلبك .
قلتُ في حيرة :
ـ أنا عمري ما تكلمت مع ولاد قبل كده غيرك... وعمري ما كان لي تجارب أتعلم منها وعمري ما كان لي صاحبات خالص ... طول عمري وحيدة ... ومش عارفه اللي بعمله معاك ده صح ولا غلط .
قال في نبرة لا تخلو من غضب :
ـ وانتى يعنى بتعملى ايه معايا علشان تأنبي نفسك كده ؟
قلتُ في غباء :
ـ انى بخرج معاك واتكلم معاك ... أهلي عارفين انى في الجامعة ...وأنا هنا بتفسح .. مرة مراجيح ومرة سينما ... وهم واثقين فيا .
قال في غضب :
ـ يبقى انتى مش واثقة فيّا .
قلتُ مسرعة :
ـ أنا بثق فيك ... ولمّا بمنعك وبصدك بكون بتعذب من جوه ..بتعذب علشان خايفة تزعل ... وفى نفس الوقت خايفة أكون برضيك وبعصي ربنا .
قال وهو يضغط على كلماته :
ـ انتي نظرتك للدنيا قديمة أوى ... البنت لازم تكون جريئة ومنفتحة ومتحضرة ...أنا عاوزك تنسى التفكير القديم الرجعي ده ... وتبصى لحياة الجامعة ... شوفى البنات وشوفى الأفلام وقصص الحب... ولا دى حرام هى كمان .
قالها بلهجة ساخرة فصمتُ ولم أتكلم .
كنا قد وصلنا الجامعة ، فطلبتُ منه النزول ، فأوقف السيارة ونزلتُ ثم قال لي قبل أن انصرف :
ـ على العموم أنا آسف على اللي حصل منّي ...وأوعدك انى مش هزعجك تانى .
وقبل أن أرد أدار محرك السيارة وانطلق بعيدا .
انزويتُ ناحية إحدى الأشجار أمام الجامعة وجلستُ على سور منخفض وبدأت أبكي ، كم مرّ من الوقت ؟
لا أعلم ، لكنني أعتقد أن عشرين دقيقة مرّتْ وأنا جالسة أبكي في صمت ، ثم نهضتُ وسرتُ إلى محطة الزهور سيرا على الأقدام وأنا أفكر :
ـ كان لازم تمنعيه بس يا نورا ... هيحصل ايه يعنى لو سبتيه .
ـ ما هو في كل مرة بيأكدلك حبه ... انتى كنتى تحلمي إن واحد وسيم ورومانسى ومشاعره رقيقة زيه يحبك ... دا شيرين اللي أجمل منك وتقول للقمر قوم وأنا اقعد مكانك بتموت فيه ...أنا فعلا تفكيري قديم ولازم أكون منفتحة زى ما هو قال .
ـ بس لو بقيت منفتحة ... هخاف يقول عليا اني مش محترمة .
دخلتُ الشقة بعد الساعة الثامنة مساء وحرصتُ على أن أخفي الهاتف والحذاء خلف دولاب الملابس ، وقررت ألا أستعمل هذا الهاتف الجديد إلا عند خروجي فقط ، وأعتقد أن زوجة أبى لن تنتبه لحذائي الجديد ، ومن فرط فرحتي رحتُ أرتدي كل ثوب من ثيابي الثلاثة لأجربه مع الحذاء ، كنتُ سعيدة كطفلة وأنا أمشى بالحذاء داخل الغرفة كأنني أتعلم المشي لأول مرة ، ثم خلعتُ الحذاء وأخفيته ، وجعلتُ هاتفي الجديد على ( الوضع الصامت ) ، وسهرتُ أتأمله في انبهار، وفى سجل الأسماء رأيتُ اسم حسام ، فانقبض قلبي وتلاشتْ فرحتي بالمشتريات الجديدة شيئا فشيئا ، وبدأتْ دموعي تتساقط .
في الأيام التالية لم أرَ حسام كثيرا ، فقط أراه وأنا في المحاضرة ثم يختفي بعد انتهاء كل محاضرة ، وكنت أفتش عنه بعينيّ على الكافتيريا وأمام الكلية دون جدوى ، كنتُ أعلم أنه مازال غاضبا منّي بسبب صدي له وعدم انفتاحي على حد تعبيره ، لكنني لا أطيق هذا التجاهل ، كان قلبي ينشطر كلّما رأيته يجلس بجوار شيرين في المحاضرات ، كنتُ أود أن أجلس بجواره ، لكن لا أملك تلك الجراءة ، وبعد أن كان هو الذي يبحث عنّي ويختلق الحجج لمقابلتي ، صرتُ أنا من أفعل ذلك .
وبدأتْ الامتحأنات وكان الحدث الرائج وقتها هو افتتاح شركة جديدة لرجل الأعمال (عبد المجيد شاهين ) والد حسام ، وفي اليوم الأخير من الامتحأنات كنتُ خارجة من باب الجامعة فرأيته يُسرع نحوى ويقول بأنفاس متلاحقة :
ـ ازيك يا نورا ؟
كدتُ أن أقول :
ـ ياه ... لسه فاكر تسأل عليا .
لكنني تراجعتُ وحمدتُ الله أنني تراجعتُ في اللحظة الأخيرة ، وقلتُ :
الحمد لله ... كويسة .
قال :
ـ يوم الخميس اللي بعد اللى جاى عاملين حفلة بمناسبة افتتاح شركة بابا الجديدة ...وانتى طبعا معزومة .
قلتُ في تردد :
ـ بس .....
قاطعني :
ـ أصلاً مفيش بس ... أصلاً مفيش أعذار ...أصلاً.
فوجدتُ نفسي أضحك من تكراره لكلمة ( أصلاً ) لأنها لازمة كلامية تعودتُ أن أقولها ، فابتسم هو الآخر ، ونسيتُ كل الجفاء والتجاهل حينما رأيتُ ابتسامته الجذابة وقلتُ مسرعة :
ـ حاضر .
وفى نفس مساء اليوم عملتُ أن معتز كرر طلبه من أبي ، لكن أبى كان يقول له في كل مرة :
ـ مستسعجلش يا باشمهندس ...إن شاء الله خير .
ولمّا علمتُ بذلك توجهتُ إلى مكة ، كانتْ الساعة السابعة مساء ، رحبتْ بي والدتها ، ودلفتُ إلى حجرة مكة ، وما إن رأيتها قلتُ في عصبية :
ـ إيه يا شيخة مكة ...أجي عندكم مرتين تلاتة الاقيكي باعته عريس ورايا .
قالتْ مكة في جهل واضح :
ـ عريس إيه يا شابه ... هم قالولك عليا خاطبة ولا ايه ؟
قلتُ في غيظ :
ـ استهبلى بقا يا ست الشيخة .... معتز لما شافني عندكم جه تانى يوم يخطبني ... وطبعا انتى اللى اخترتيله العروسة .
قالتْ :
ـ أولا ميصحش تكلمينى كده ... ثانيا أنا لا بكلم معتز ولا غير معتز ...وانتى عارفه كويس انى استحالة أكلم واحد إلا فى حدود طلب العلم وبس .
شعرتُ بالتسرع في حكمي وأنني كنتُ قاسية معها ، ونظرا لما شعرتُ به من صدق في كلامها اقتربتُ منها وربّتُ على كتفها وقلتُ بعد أن سقطتْ دموعي لا إراديا :
ـ أنا آسفة يا مكة ... أول مرة أكون عصبية كده ... غصب عني ... بس أنا بصراحة مش عاوز أجوز معتز ده أصلاً .
قالتْ في نبرة هادئة :
ـ طيب وإيه المشكلة ؟... عرّفي والدك انك مش موافقة عليه .
فقلتُ شاردة وأنا أجفف دموعي :
ـ المشكلة إن أبويا مقتنع بمعتز أوى وشايف انه ملتزم ومحترم ومكافح ومعاه صنعة وفلوس وكده .
قالتْ :
ـ طيب ما باباكى استحالة يقول كده إلا لو كان سأل عنه وعن أهله وعن أخلاقه .
أجبتُ بسرعة :
ـ بس أنا مبحبوش .
قالتْ وهى تنهض :
ـ لا ... دا أنا هروح أعملك شاي بقا ....بس قوليلى ...فيه اتهامات تانى عاوزه تتهمينى بيها قبل ما أعمل الشاي ؟
قلتُ مبتسمة :
ـ خلاص بقا يا مكة ... ميبقاش قلبك أسود .
قالتْ وهى تفتح باب حجرتها :
ـ طيب أعمل شاي ولا شربات .
قالتْ كلمة ( شربات ) طويلة ممدودة كما كانتْ تنطقها ماري منيب ، فضحكتُ وأنا أقذفها ( بوسادة ) صغيرة كانتْ تستقر بجواري .
حينما عادتْ مكة من المطبخ وقدّمتْ لي الشاي حكيتُ لها ما فعله معتز حينما جاء ليطلب يدي من أبي بالتفصيل ، فقالتْ في جدية :
ـ وانتي هتعملي إيه دلوقتي يا شابه ؟
أجبتُ :
ـ والله ما أنا عارفه يا مكة ... بس استحالة أوافق عليه أصلاً .
قالتْ :
ـ طيب ما تدّي لنفسك فرصة وتستخيري ربنا يا نورا .
قلتُ في إصرار :
ـ انتى مش فاهمة ...أنا أصلاً مش بحبه .
قالتْ في تعجب :
ـ تحبيه ... هو انتي بتتكلمي جد ولا بتهزري ؟!
قلتُ :
ـ اهزر ايه بس يا مكة .
قالتْ وقد تغيرتْ لهجتها :
ـ يعني انتي عايزه تقعدي معاه وتكلميه وتخرجوا بقا وتتفسحوا وساعتها تشوفى نفسك حبيته ولا لأ ؟
قلتُ في غباء :
ـ مش كل البنات بيعملوا كده ؟
أجابتْ في عصبية :
ـ يا بنتي انتي هبلة ولا عبيطة ولا إيه؟! ... مفيش حاجة اسمها كده ... فيه حاجة اسمها خطوبة ...تتعرفوا على بعض في فترة الخطوبة لو حابة ...وكمان في وجود حد يكون معاكم فى نفس المكان.... ويكون كلامكم محدد فاهمه يعني إيه محدد ...ولا انتي فاكرة إن اللى هيخرج معاكي ويفسحك ويقعد معاكي لوحدك ويسرح فى عنيكي ويمسك ايدك ... هيجوزك فى الاخر .
ـ يالهوي ... يعني اللي أنا بعمله مع حسام ده غلط وحرام ...اومال ليه هو فهمّني إن البنت اللى متعملش كده متبقاش منفتحة ومتحضرة .
قلتُ ذلك في نفسي بعد أن تلاحقتْ دقات قلبي مسرعة ، ثم ابتعلتُ ريقي بصعوبة وقلتُ :
ـ بس البطلة في الفيلم عملت كل ده مع حبيبها وفى الأخر اجوزها عادي .
قالتْ :
ـ يا بنتي فوقي ...دا فى الأفلام ... وحتي لو انتي ضامنة انه هيجوزك ... ليه تبدأي حياتك بحرام ... راقبي ربنا بدل ما تراقبي الأفلام ... وبعدين الراجل رفض يقعد معاكي على انفراد حفاظا عليكي .
قلتُ دون وعي :
ـ أنا بتكلم عن حسام مش معتز يا مكة .
رفعتْ حاجبيها تعجبا وارتسمتْ الدهشة على ملامحها وقالتْ :
ـ حسام ؟!..... حسام مين ؟
وهنا حكيتُ لها كل شيء ، كل شيء .
يتبع
•تابع الفصل التالي "رواية نصف انسانة " اضغط على اسم الرواية