رواية عشق بين حنايا الروح الفصل التاسع 9 - بقلم نورهان العشري

 رواية عشق بين حنايا الروح الفصل التاسع 9 - بقلم نورهان العشري

طية الروح التاسعة 💗 " عشق بين حنايا الروح"
"منذ أن افترقنا، وأنا أشعر بهزيمةٍ لا يعادل ألمَها أيُّ ألمٍ في هذه الحياة، غير أنّني اليوم، في الذكرى العاشرة لفراقنا، تحوّل شعوري إلى انتصار. أتدري لماذا؟
لأنني ولأوّل مرة توقّفتُ عن اختلاق الأعذار والمبرّرات لك، ولتفضيلك امرأةً أخرى عليّ.
لم يكن انتصاري عليك، أعلم ذلك، بل كان على قلبي الذي هزمني يوم وقع في حبك.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
تسمّرت في مكانها من هذا الصوت الوقح الذي جاء من فم تلك الشمطاء، فما إن التفتت كاميليا إليها حتى وجدتها تُناظرها بغضب أذهلها كثيرًا، فتقدّمت منها ببطء ولازالت تحتضن معطفه بيدها، وتوقّفت على بُعد خطوتين منها قبل أن تقول:
ـ أنتِ بتقولي الكلام دا لمين؟ ليا!
سمر بتهكّم:
ـ أنتِ شايفة في حد تاني في الأوضة غيرك! ردي عليا: بتعملي إيه هنا؟ ومين سمح لك أصلًا تدخلي؟
علوّ نبرتها وأسلوبها الوقح في الكلام أثارا حممًا من الغضب بداخلها لدرجة أن عينيها امتلأت بالدموع من هذه الوقحة، فما إن أوشكت على الردّ عليها حتى تفاجأت به يقف أمام باب الغرفة يطالعها بغموض قبل أن يقول بفظاظة:
ـ في إيه بيحصل هنا؟
نظرت اليه سمر متفاجأة وسرعان ما حوّلت نظراتها إلى الخنوع ونبرتها إلى رقة تنافي وقاحتها منذ قليل، وقالت بميوعة أغضبت كاميليا:
ـ يوسف بيه. أنا جيت أجيب الورق اللي حضرتك طلبته مني. لاقيت البنت دي واقفة في المكتب وماسكة جاكت حضرتك من غير ما تستأذن مني؟
اغتاظت كاميليا من حديثها وتلك البراءة المفتعلة، وقد علمت بأن هذه الفتاة لعوب، وقرّرت إيقافها عند حدّها فقالت بعنفوان:
ـ البنت اللي بتتكلمي عنها دي تبقى صاحبة الشركة اللي حضرتك بتشتغلي فيها. كاميليا الحسيني، ولما أحب أستأذن عشان أدخل أي مكان هنا، اتأكدي إنك آخر واحدة ممكن أستأذن منها.
ظهرت الصدمة على وجه سمر التي قالت بتلعثم:
ـ كاميليا هانم... أنا آسفة والله، أنا مكنتش أعرف حضرتك... سامحيني…
يوسف بفظاظة:
ـ برا!
نظرت إليه سمر برعب، وبتوسّل قالت:
ـ يوسف بيه والله ما كنت أعرف حضـ...
قاطعها يوسف بصرامة:
ـ على مكتبك!
ارتعبت سمر من مظهره الغاضب ونبرته الحادة، فانْسحبت على الفور تاركة خلفها تلك النمرة الغاضبة، التي ما إن أُغلق الباب خلفها حتى اندفعت تجاهه قائلة بغضب:
ـ ممكن أعرف البلياتشو دي بتعمل إيه هنا؟
يوسف ببرود:
ـ مين البلياتشو؟
كاميليا بانفعال:
ـ البنت اللي كانت هنا دي!
يوسف باستفزاز:
ـ مين قصدك... سمر!
ـ أيوه زِفْتِه!
يوسف على نفس بروده:
ـ دي السكرتيرة بتاعتي.
زاد غضبها من بروده معها فقالت بسخرية غاضبة:
ـ لا والله دي السكرتيرة! هو انتوا قلبتوها كباريه وأنا معرفش!
يوسف بسخرية:
ـ ما شاء الله عالألفاظ يا كاميليا هانم!
كاميليا بتهكّم:
ـ والله! ألفاظي مش عاجبة حضرتك! والمسخرة اللي الهانم عاملاها دي عجباك صح؟
يوسف بتخابث:
ـ هي حرة تعمل اللي هي عايزاه... أنا مالي!
لم ينفِ إعجابه بمظهرها، وهذا أثار جنونها، فأوشكت على الحديث، فقاطعها يوسف قائلًا باستفهام قاصدًا إحراجها:
ـ أمال الجاكت بتاعي بيعمل إيه معاكِ صحيح؟
تبدّلت ثورة الغضب داخلها إلى خجل غمرها كليًّا، فتجلّى ذلك على خديها اللذين اصطبغا بحمرة الخجل واهتزاز نبرتها عندما قالت بتلعثم:
ـ إيه... دنا كنت بردانة وكده، فقولت ألبسه يعني.. وكنت هسيبه قبل ما أخرج على فكرة..
كان ينظر إليها بخبث، فقد كان يعلم باشتياقها له ولرائحته، وكيف لا يعلم ذلك وهو يقتله شوقه الضاري لها، ولكن هناك شيء في القلب يؤلمه، وهي الوحيدة القادرة على مداواة هذا الألم. فودّ قلبه لو يختصر كل هذا العذاب ويصارحها بما يؤلمه، ولكن أبى كبرياؤه أن يتنازل هذه المرة، فزفر بتعب قبل أن يقول بلهجة باردة:
ـ كنتِ جاية عايزة إيه؟
شعرت بتغيّر نبرته وملامح وجهه فقالت بتوسّل:
ـ يوسف!
يوسف بفظاظة:
ـ يوسف بيه يا كاميليا. اسمي هنا يوسف بيه.
غضبت كاميليا من تحوّله المفاجئ وجموده الذي أصابها بالإحباط فقالت بخيبة أمل:
ـ تمام. اللي تشوفه. عمومًا أنا كنت جاية أشكرك إنك خلتني أنزل أتدرّب هنا.
دهشة كبيرة سيطرت عليه من معرفتها بأنه خلف قرار أن تتدرّب في الشركة، ولكنه نجح في أن يخفيها قائلًا بلامبالاة:
ـ وتشكريني أنا ليه؟ أنا مالي! جدّك اللي طلب منك ده... روحي اشكريه هو!
شعرت بما يدور بداخله وأنه لا يريدها أن تعلم، قالت بعدم تصديق:
ـ لا والله يعني مش إنت اللي طلبت منه ده؟
يوسف بتأكيد:
ـ لا طبعًا، الموضوع بعيد عني خالص..
ضحكة ساخرة يشوبها المكر انطلقت من جوفها، وقامت بالالتفات حول مكتبه، جاذبة طرف مقعده ليصبح في مواجهتها، واضعة كفها الآخر على الجهة الأخرى من المقعد لتحاصره من الجهتين، وهي تنظر إليه داخل عينيه بمكر قبل أن تقول بتحدٍ:
ـ طب يا يوسف بيه... (شدّدت على تلك الكلمة ثم تابعت) هات عينك في عيني كده وقولي إن مش إنت اللي طلبت من جدي إني أنزل الشركة؟
صُدم يوسف من فعلتها الجريئة كثيرًا، لكنها راقت له، وخاصة اقترابها منه بهذا الشكل وتحديها له، جعلت مشاعره تثور عليه، وتجسدت ثورته في ضربات قلبه التي ازدادت بشكل جنوني. فلأول مرة تقف أمامه بمثل هذه الجرأة وتتحداه أيضًا، فصمت لبعض الوقت قبل أن يحاول أن يتجاهل تحديها له، قائلاً بلهجة خافتة:
ـ وإيه اللي مخليكي متأكدة أوي كده إني السبب ورا القرار ده؟
كاميليا بتخابث:
ـ ماهو مش معقول جدي اللي مكنش طايقني السنة اللي فاتت هيبقى فاكر إني مدخلتش التدريب بسبب إني كنت عيانة! أو مثلا برغم كل أشغاله، هيكون فاكر مواعيد التدريب بتاعت الطلبة الجدد. أكيد فاعل خير قاله، صح؟
ابتسم يوسف رغماً عنه على حديثها وتعبيرات وجهها اللطيفة وحركاتها المثيرة، وقد أيقن بأن أمره قد انكشف، لذا حاول المراوغة فقال بلامبالاة:
ـ عادي جدًا، يمكن حب يسأل ويعرف عشان يصلح علاقته معاكِ. ليه برضو عايزة تجيبيها فيا؟ ولا إنتِ نفسك أكون أنا اللي عملت كده وخلاص؟!
كاميليا باندفاع:
ـ بصراحة أه.
لم يفلح في قمع ابتسامته الذي ظنتها سخرية لينتابها الشك للحظات في أن يكون حديثه صحيحًا، لكن قلبها أقنعها بأنه يراوغ، فضحكت بدلال قبل أن تقول بمكر:
ـ وماله يا يوسف بيه…
قالت الأخيرة بدلال أرهقه كثيرًا، ثم تابعت قائلة بخفوت
ـ بدل قررت تلعب، أنا موافقة، بس خلينا نشوف مين اللي هيسلم في الآخر؟!
أنهت جملتها بخفوت مثير وتحركت لتنوي المغادرة بعدما تأكدت بأنها أشعلت براكين عشقها بداخله، لكنها غفلت مع من قررت اللهو، فقبل أن تخطو خطوتين، امتدت يداه لتمسك بمعصمها وتجذبها إليه بعنف في حركة مباغتة لم تستوعبها إلا عندما وجدت نفسها تستقر بين جنبات صدره وبفعل تلك الحركة انقلب شعرها للجهة الأخرى من وجهها، فانتشر كالشلال على كتفه، يظهر وجهها الفاتن بعنقها الباض أمام نظراته التي كانت تلتهم كل تفصيلة فيها بشغف وعشق، رأتهما في عينيه التي تعمقت بهما، وكأنها تعانقه، وأنفاسه الملتهبة التي كانت تلفح صفحة وجهها فتذيبها، خاصةً عندما حاوطها بيده الأخرى التي دخلت بين جاكت بذلتها وذلك القميص الذي يبيّن مدى نحافة ورشاقة خصرها، فشعر بدقات قلبها الهادرة وارتجاف شفتيها عندما اقترب ليصبح على بعد إنشين منها قائلاً بنبرة خافتة مثيرة:
ـ كنتِ بتقولي إيه؟
لم تكن قد تغلبت على صدمتها من فعلته وقربه منها بهذا الشكل، فحرارة جسده كانت تذيبها وتعذبها، وأيضًا عيناه التي كانت تغويها بتلك النظرات المسلّطة تارة على شفتيها وتارة على عينيها، فكانت تقسم بأنها تشعر بها تقبّلها دون أي تلامس، وقد جعلها هذا تشعر بأحاسيس لذيذة تضرب أنحاء جسدها.
ظلت تنظر إليه بضياع لبعض الوقت، فأخرجها منه قرصة خفيفة من يديه التي تحاوط خصرها لتستفق من أحاسيسها، فبللت شفتيها قبل أن تقول بأنفاس مقطوعة:
ـ مقولتش!
ابتسم بعذوبة، وعينيه تتفرسان كل إنش بها، فقد كان يشتاق إليها بقوة يود لو يحتضنها ألف عام حتى يرمم ما فعله الشوق بقلبه، ولكنه ظل ثابتًا على حاله بأعجوبة شديدة، فأفلَتت منه ضحكة ساخرة وقال بتخابث قاصدًا إحراجها:
ـ بتنسحبي من أول جولة كده!
اغتاظت من أفعاله تلك، والتي يقصد بها أن يثبت مدى ضعفها أمامه، فأرادت إحراجه قائلة بسخرية:
ـ ما انت سمعت كلامي أهوه، أمال بتسأل ليه؟
يوسف بتسلية:
ـ بتأكد بس إنك قد كلامك!
كاميليا بتخابُث:
ـ لا، اطمّن، قدّه وقدّه أوي كمان، وبكرّرهولك تاني، خلينا نلعب لحد ما نشوف مين هيسلم في الآخر؟
ابتسم يوسف بتسلية، فقد قالت جملتها الأخيرة بخفوت مثير قاصدة إثارته، فقط، كانت تعلم جيدًا مدى تأثيرها عليه، لكنه أبداً لن يعطيها انتصارًا الآن، فقال بسخرية:
ـ إنتِ بتتحديني بجد ولا أنا بيتهيألي؟
كاميليا بابتسامة لعوب:
ـ ولا بيتهيألك ولا حاجة، ده تحدي صريح وصريح جدًا!
كانوا قريبين للحد الذي تتلامس أنوفهم كلما تحرك أحدهم، وقد كان هذا يضاعف من نيران الشوق بداخل الاثنين، مما جعله يقول بخفوت:
ـ ومتخيلة إنك كمان هتنتصري عليا!
كاميليا بدلال:
ـ لا، مش متخيلة، أنا متأكدة إني هنتصر عليك إيه، عمرك ما سمعت قبل كده عن تلميذ غلب الأستاذ؟
رفع يوسف إحدى حاجبيه باستغراب قبل أن تلامس شفتيه جانبي شفتيها، وهو يقول بمكر:
ـ وماله، أهو الأستاذ بردو يعرف تلميذه طلع شاطر واتعلّم ولا خايب ولسه عايز دروس.
في بادئ الأمر، ظنت بأنه سيقترب منها، فشعرت باندفاع الدماء في أوردتها وبراكين من الشوق المشتعل التي أخذت تعصف بها. فهذا الرجل خلق لأجلها فقط، كل شيء فيه يكملها. تريد لو ترمي بكل تلك الترهات خلف ظهرها وتتنعّم بعشقه للأبد، وفعلاً امتدت يداها لتمسك بياقة قميصه، لكنها توقفت عندما قال بهدوء:
ـ معاد تدريبك كمان عشر دقائق. يلا عشان متتأخريش!
في البداية غضبت، لكنها حمدت ربها كثيرًا بأنها لم تقدم على فعل قد يهين كرامتها. فكلماته أوقفت ما كان يدور بعقلها، وكأنه شعر بها، فحاولت التماسك قبل أن تنظر إليه نظرات ماكرة، وقامت بتعديل ياقة قميصه بعد أن فعلت ما تريد، وهبت من بين ذراعيه تمشي بكبرياء ممزوج بالدلال، لتوقفها كلماته للامبالاة، وهو يقول ببرود:
ـ ابعتيلي سمر وإنتِ خارجة.
كاميليا بابتسامة لعوب:
ـ من عنيا!
وقد أرفقت حديثها بقبلة على الهواء، أثارت اندهاشه، فقد توقع غضبها عند طلبه لها بإرسال سمر، لكنها فاجأته وخرجت لتلتقي بتلك الفتاة، التي هبّت من مكانها، فمسكت كاميليا جانب شعرها وحوّلته إلى الجهة الأخرى في حركة مدلّلة قبل أن تقول بغرور:
ـ أنتِ .. يوسف عايزك جوا.
غضبت سمر كثيرًا من غرور تلك الفتاة ومعاملتها المتعالية معها، لكنها هزّت رأسها بمعنى نعم، وتوجهت إلى مكتب يوسف بعد أن نالت من عينيها نظرة استخفاف سرعان ما نسيتها، وبرقت عيناها عندما دخلت إلى غرفته، وخرجت منها شهقة مستنكرة، قابلها يوسف باندهاش قائلاً بغضب:
ـ في إيه، شوفتي عفريت ولا حاجة؟
سمر بغيظ مكتوم:
ـ يوسف بيه، القميص بتاع حضرتك غرقان روج.
***************
كانت فاطمة تنظر إلى أدهم بغموض جعل القلق يأكله من الداخل خوفًا من رفضها لمساعدته، ولكنها أخيرًا تحدّثت قائلة بحنق:
ـ الصراحة يا أدهم ما قابلتش حد أَبْجَح منك في حياتي!
جحظت عيناه من تصريحها الصادم، ولكنه سرعان ما تجاوز صدمته قائلًا بترقّب:
ـ أفهم من كدا إنك مش هتساعديني؟
فاطمة بتهكّم:
ـ أساعدك! يا ابني دا إنت لسه من يومين بس قايل لنا وإحنا في بيتكوا إنك مش موافق على جواز أختك من ابني، ودلوقتي جاي تطلب مني أساعدك إنك تتجوز بنتي مش بقولك بجح!"
حاول أدهم امتصاص غضبها وتجاوز الموقف بمزاح عندما قال:
ـ إحم. إنتِ قلبك أسود قوي كدا ليه؟ دا كان سوء تفاهم واتحلّ خلاص، وكتب كتابهم آخر الأسبوع، وأنا عايز يبقى زيتنا في دقيقنا والبت ما تخرجش برّه. اسمعي مني محدش هيستحملها غيري!
فاطمة باستنكار:
ـ نعم! مين دي اللي محدش هيستحملها غيرك؟ بنتي ألف مين يتمناها!
أدهم بحنق:
ـ ما أنا عارف. ما هي رخمة وزي القمر. بس والله لو دورتي جوا الألف واحد دول مش هتلاقي حد يحبها قدّي!
فاطمة بإذعان:
ـ ما أنا عارفة، وعشان كدا وافقت أقابلك.
أدهم بلهفة:
ـ يعني نويتي تساعديني؟
فاطمة بتعقّل:
بـ بُص يا أدهم. إنت زي عليّ ابني، وليك معزة جوايا. وعارفة إنك بتحبها، وبتحبها قوي كمان. بس برضه عارفة إنك أكيد جرحتها جامد، ودا اللي خلاها توافق ترتبط بالزفت اللي اسمه رامي دا.
قاطعها أدهم بانفعال:
ـ الله يجحمه مطرح ما راح… ذوقها معفّن أصلًا!
فاطمة بتهكّم وهي تشير إليه بيدها:
ـ ما هو ذوقها قاعد قدّامي أهو!
أدهم من بين أسنانه:
ـ إنتِ تقريبًا بتهزّقيني… صح؟
فاطمة بسخرية:
ـ لا، ما تاخدش في بالك. خلّينا في المهم. واضح إنك غلطت في حقها غلطة كبيرة، وغرام مشكلتها إنها عنيدة وما بتسامحش بسهولة، بالرغم من إنها عندها قلب أطيب منه مفيش، ودا الوحيد اللي هيشفع لها عندك!
أدهم بعدم فهم:
ـ يعني أعمل إيه طيب؟ دي مش قابلة مني أي كلام خالص، وكل ما نتقابل لازم تقلب بخناقة ونقعد نستحلف لبعض.
فاطمة بحنق:
ـ يعني بتنَيّل الدنيا أكتر ما هي متنيّلة!
أدهم بغضب:
ـ ما هي اللي بتستفزّني، ومش على لسانها غير: لو آخر واحد في الدنيا عمرها ما هتكون ليا، وأقَلِّم نفسي على عدم وجودها في حياتي، وأنا بسمع الكلام دا بتجنّن، وبيركبني ستين عفريت!
فاطمة بغضب:
ـ عشان غبي!
صُدِم أدهم من تصريحها فقال بانفعال:
ـ إيه يا حاجة… الملافظ سعد!
ـ ما قصدش إنك غبي غبي! أقصد إنك غبي في تعاملك معاها وانفعالك عليها. طبيعي إنها موجوعة منك، هتقولّك كدا عشان تستفزّك، وكل مرة بتنجح في دا، مع إنك لو طولت بالك شوية واتكيت عالحنية هتلين. اسمع مني… دي بنتي ومحدّش عارفها قدّي. غرام نقطة ضعفها الحنية. المس قلبها. خليها تحس بحبك من غير عند وعصبية وزعيق. خليها تحس إنك ندمان فعلًا، وسيبك من جو الغصبانية دا. غرام حُرّة وما بتتقبلش جو الأمر والنهي… هتعند معاك أكتر.
زفر أدهم بتعب قبل أن يقول:
ـ الفكرة كلها إنها ما بترضاش تقعد معايا حتى خمس دقايق نتكلم، وكمان بنتك تاخد أوسكار في الاستفزاز، وبتتفنّن إنها تثير غيرتي، وأنا في دي بفقد أعصابي بصراحة.
فاطمة بسخرية:
ـ شُفت بقى! هي فاهماك إزاي وقدرة توصلك وتخليك تنفعل وتتجنّن. لكن إنت ما بتعرفش توصل لها ولا تخليها تسمعك. حاول تتجاهل أسلوبها دا، وتبلع أي كلام تقولهولك، وتحاول ما تتعصبش، وتخليها تشوف بعينيها هيّ إيه عندك، وتِحسسها بالأمان من ناحيتك إنك لا يمكن تجرحها تاني أو تزعلها.
أدهم بلهفة:
ـ والله عمري ما هزعلها تاني، إنتِ ما تعرفيش هيّ عندي إيه. لو ما كنتش بحبها. كنت هكبر دماغي منها وأقول ما البنات كتير. بس أنا مش عايز غيرها.
فاطمة بتفهم:
ـ عارفة، وعشان كدا بساعدك. بس إنت كمان لازم تساعد نفسك. وصدقني يا أدهم. محدش بيتجوز مرات حد. لو هيّ نصيبك عمرها ما هتكون لغيرك.
أدهم بلهفة:
ـ إن شاء الله نصيبي ومراتي. ربنا أكيد مش هيحط الحب دا كله في قلبي ليها، وبعد كدا يحرمني منها.
ـ ربنا يا ابني يهدّي لكوا الحال ويقدّم لكوا اللي فيه الخير.
***************
كان يوسف يزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا من شدة الانفعال، فتارة يبتسم على أفعالها الجنونية، وتارة يغضب بشدة من تلك العوائق التي دائمًا ما تضعها بينهم. فإن كانت تعشقه بتلك الطريقة وتغار عليه حتى من مجرد موظفة عنده، فلما تفعل كل هذا وتجعل كلاهما يشقى بتلك الطريقة…
كان من المفترض أن تكون بين أحضانه الآن، يتمتع بقربها وينهل من عشقها، لكنها كالعادة، أفعالها الطائشة تقف عائقًا بينهم، ولكن تلك المرة فالخطأ أكبر من طاقته على الغفران، والأكثر من ذلك بأنها لا تزال تكابر ولم تعترف به، وهذا أكثر ما يثير حنقه. هل فعلاً لم تدرك معرفته بالأمر أم تدّعي الغباء؟ لأول مرة يقف أمامها ولا يعلم ما يدور بداخلها، وهذا أغضبه كثيرًا.
أخرجه من شروده دخول السائق إليه، الذي قد أمره بالذهاب للمنزل لإحضار قميص آخر غير هذا الذي لطخته بأحمر شفاهها المثير. لكن لو كان الأمر بيده، لظل يلتصق به ليستمتع برائحتها التي ما زالت مطبوعة عليه، لكنه حتمًا لن يعقد اجتماعًا من عملائه بمثل هذا المظهر.
بالفعل أخذ منه القميص بعد أن شكره، وقام بخلع الآخر لتظهر تقاطيع جسده المنسق من باب مكتبه، الذي لا يزال مفتوحًا لتقف تلك السكرتيرة مشدوهة من مظهره المثير، غافلة عن عينان خلفها محمرتان كالجحيم من شدة الغضب. فاقتربت منها كاميليا بعد أن أغلق السائق الباب خلفه، وقام بتحيتها باحترام، ثم انصرف. فأمسكت كاميليا تلك الفتاة من رسغها قائلة بقوة وتهديد:
ـ عينك اللي هتطلع عليه دي أنا ممكن أخليكِ متشوّفيش بيها تاني! فاحسنلك لو عايزة تأكلي عيش هنا تركزي في شغلك وبس.
صُدِمت سمر من حديث كاميليا، التي رأتها وهي تراقبه، فحاولت رسم الضعف وهي تقول بلهجة مرتعبة:
ـ والله يا كاميليا هانم حضرتك فهماني غلط. أنا بس كنت واقفة لينادي أو يحتاجني في حاجة، مش زي ما حضرتك فكرتي.
كاميليا بسخرية:
ـ يا روحي، وأنا اللي ظلمتك! بصي، أنا عارفة الأشكال اللي زيك دي كويس، فاحسنلك تسمعي الكلام يا شاطرة، عشان مخليهوش هو بنفسه يرميكي برّه الشركة.
كادت أن تتحدث سمر، لكن أوقفها رنين الهاتف الخاص بمكتبه، فهرولت تجاهه لتتخلص من براثنها، فأجابت بلهفة:
ـ مستر يوسف… حاضر يا فندم.
نظرت إليها كاميليا بقرف، ولم تزد كلمة أخرى، بل اندفعت إلى حيث مكان التدريب لتتفاجأ بأدهم الذي كان يتصل بها، فأجابت ليبادرها قائلًا بلهفة:
ـ أنتِ فين؟
كاميليا باندهاش:
ـ أنا في الشركة ليه؟
ـ طب اطلعي استنيني في مكتبي، عايزك ضروري.
لم يكد ينهي جملته حتى وجد آخر شخص يريد رؤيته في هذه الحياة يقف أمامه، فلم يستوعب صدمته سوى عندما تقدمت منه وهو يسلم مفتاح سيارته للموظف أمام الشركة لركنه بالكراج. فاقتربت منه بلهفة قائلة:
ـ أدهم…!
لم يجبها أدهم من فرط صدمته، لتقترب منه أكثر قائلة بتوسل:
ـ أدهم أنا في مشكلة كبيرة، ومحدش هيقف جنبي غيرك!
تجاوز أدهم صدمته وكلماتها المستغيثة، وقال باحتقار:
ـ انتي؟
مرام ببكاء:
ـ أنا عارفة إنك مش طايق تبص في وشي. بس صدقني، أنا مجتلكش غير لما الدنيا داقت بيا…
أدهم ساخرًا:
ـ ولما الدنيا داقت بيكِ ملقتيش غيري تيجي تعيطيله؟ أمال فين الكلب اللي بعتيني عشانه!
مرام بندم وحزن:
ـ في حاجات كتير أوي إنت متعرفهاش يا أدهم. أرجوك، وحياة أغلى حاجة عندك تسمعني.
أدهم ببرود:
ـ مرام. كفاية تمثيل بقى عشان أنا لا طايقك ولا عايز أسمعك… اتفضلي امشي من هنا.
قال أدهم كلماته ونوى الدخول إلى الشركة، فما أن خطا خطوتين حتى استوقفته كلماتها اليائسة:
ـ لو مشيت من هنا هروح أرمي نفسي في النيل، وهيبقى ذنبي في رقبتك.
تفاجأ أدهم من وقاحتها والتفت إليها قائلًا بغضب:
ـ تصدقي إنك بجحة! أنتِ متخيلة أن موتك أو حياتك يفرقولي في شيء!
مرام بحزن:
ـ أنا عارفة إني مش فرقالك. بس أنا مش جيالك عشمانة في قلبك. أنا جيالك عشمانة في شهامتك ورجولتك. أرجوك يا أدهم سامحني، وسا..
لم تكد تنهي جملتها حتى داهمها الدوار وسقطت فجأة لتتلقفها يداه، وكان كل هذا أمام تلك التي وقفت مصدومة مما رأته…
***************
كان علي ينظر إلى روفان بحب، وهي تجلس أمامه تعتصر كفيها بين راحتيها من فرط الخجل. فأخذت عيناه تتأمل كل إنش بها، بداية من شعرها البني الجميل بخصلاته المموجة، مرورًا بعينان رائعة كبلته بسحرها من أول مرة التقاها فيها، إلى خدان بلون الورد، و أنفها الجميل يليه شفتان رائعتان مرسومتان بإبداع، إلى ذقن دقيق يتوسطه نغزة صغيرة تسمى بطابع الحسن. فقد كانت في نظرة آية من الجمال والرقة، ولو ظل ألف عام يتأملها لن يمل أبدًا.
لاحظت تأمله لها، وعيناه اللتين كانت تعانقانها من دون أي تلامس، لتزداد دقات قلبها حتى ظنت بأنه قد سمع صوتها من مكانه، وغمرها الخجل كليًا، حتى أن تنفسها أصبح سريعًا، ولم يخفي هذا عليه، فقال ليحد من توترها:
ـ تشربي إيه؟
روفان بخجل وصوت يكاد يُسمع:
ـ أي حاجة.
علي بمزاح:
ـ أي حاجة دي بطعم إيه حضرتك؟
رفعت عيناها إليه وابتسمت بخجل على مزاحه، فقال بحب:
ـ أيوه بقي بصيلي ووريني ضحكتك وعنيكِ الحلوين دول. دانا واخد إذن ساعة بالعافية.
روفان بخجل:
ـ أنا مصدقتش لما ماما قالتلي البسي عشان تخرجي مع علي.
علي بحنق:
ـ والله أنا نفسي مصدقتش لما جدك وافق بعد محايلته ساعة، وكل اللي طالع عليه اصبر لبعد كتب الكتاب. ولا كاني هخطفك، هو أنتِ أه تتخطفي وكل حاجة، بس أنا هأجل كل حاجة لبعد كتب الكتاب عشان مايبقاش حد له حاجة عندي.
قال الأخيرة بنبرة ذات مغزى أربكتها وزادت من خجلها، فقالت بتلعثم:
ـ إيه معنى كلامك دا؟هو إيه هيحصل بعد كتب الكتاب؟
علي بتوعد ونظرات كانت تلتهمها من فرط الشوق:
ـ اللي هيحصل لا ينفع يتقال ولا يتحكى لازم تشوفيه بعينك."
روفان بذعر:
ـ أنت بتخوفني منك ليه؟ أقولك مفيش كتب كتاب خالص وأنا هقوم أمشي.
وبالفعل نهضت كي تغادر، لكن امتدت يداه لتوقفها، وهو يقهقه بشدة من مظهرها المرتعب، فاغتاظت هي وقالت بغضب طفولي:
ـ ممكن أعرف حضرتك بتضحك على إيه؟
علي بضحك:
ـ لو شفتني منظرك وانتِ قايمة انتِ خوفتي مني بجد!
روفان بتذمر:
ـ ماهو أنت اللي كلامك يخوف.
هدأت نوبة ضحكه، وامتدت يداه تمسك بكفيها في حنان، ناظرًا إلى داخل عينيها بعشق انتقل لها، فجعلها لأول مرة تنظر إليه بدون خجل، لتذيبها كلماته التي لمست جميع أوتار قلبها حينما قال بحب:
ـ أنتِ متخيلة إني في يوم ممكن أأذيكِ! دا أنتِ النفس اللي بتنفسه يا روفان. حبك ملك قلبي من غير ما أحس من أول مرة شفتك فيها، وانتِ طفلة بضفاير، وأنا حسيت قلبي اتخطف مني ومبقاش ملكي.
عندما قال جملته الأخيرة، لاحظ ظهور علامات الاستفهام على ملامح وجهها، فابتسم وقص عليها ذكرى أول موقف كان يجمعها، وهي نظرًا لصغر سنها لم تتذكره، لكنها لم تستطع وصف هذا الشعور الذي انتابها لدى معرفتها بأن عشقه لها يمتد لسنين طويلة، فقالت بخجل يليق بها كثيرًا:
ـ عارف، أنا أول مرة شوفتك فيها حسيت حاجة غريبة أوي، حسيت إني أعرفك، ما حسّتش إنك غريب عني بالرغم من الموقف اللي حصل وكلامك لجدي، إلا إني ما خفتش منك. يمكن مكنتش فاكرة الموقف اللي حصل بينا زمان، بس قلبي كان فاكرِك.
علي بتهليل:
ـ اللهم صلّي… اللهم صلّي… أخيرًا يا شيخة نطقتي.
شعرت روفان بالحرج من نظرات الناس حولهم، فقالت بلهفة:
ـ وطي صوتك يا علي، الناس بتتفرج علينا.
علي بلا مبالاة:
ـ ما يتفرجوا ولا يتحرقوا، سيبيك منهم، خليكِ معايا أنا. قوليلي قوليلي، تاني مرة شفتيني فيه حسيتي بإيه؟
روفان بخجل:
ـ قصدي يوم ما قابلتك! بصراحة كنت مكسوفة جدًا وخايفة أكون بعمل حاجة غلط. بس كان نفسي أشوفك أوي وأتكلم معاك، وكنت كمان عايزة أوضحلك سوء التفاهم اللي حصل دا، و إن يوسف كان بيحب كاميليا وعمره ما يأذيها وو
قاطعها علي بنفاد صبر:
ـ سيبيك من يوسف وكاميليا يولعوا في بعض. قوليلي حسيتي بإيه وقتها.
حاولت روفان أن تُنحي الخجل جانبًا وتذكرت ذلك المشهد وكيف كان قلبها يرتجف من فرط الحماس والترقب والخجل، فقالت بصدق:
ـ بصراحة مش هقدر أوصف شعوري بالضبط، بس حسيت إني عايزة أشوفك تاني وأقابلك. حتى لما حكتلك على يوسف وكاميليا حسيت إن في كلام كتير بينا لسه متقالش. كان نفسي أبص في عنيك أوي بس كنت مكسوفة أنا حلمت بيك يومها، واليوم دا في المستشفى، أنا مكنش قصدي اللي قولته عن جدي و طنط زهرة، بس كان غصب عني، دا جدي، بالرغم من أني عارفة عيوبه كلها، بس عمري ما هستحمل حد ييجي عليه، ولما شدينا مع بعض حسيت إننا ماشيين في خط متوازي وعمرنا طرقنا ما هتلتقي لحد ما كلمتني في التليفون بعدها. عارف أنا كنت ماسكة التليفون وهموت وأرن عليك، بس كان عقلي يقولي بطلي جنان، هترني تقوليله إيه؟ وقلبي يقولي اتصلي اطمني عليه.
علي بمزاح:
ـ لا، أنتِ تركني عقلك دا على جنب خالص، مش محتاجينه، خلينا في قلبك ابن الناس دا.
ابتسمت روفان على حديثه، وتابعت بخجل:
ـ اطمن، انت خدت العقل والقلب الاتنين لحسابك.
كانت جملتها كافية لإيقاظ بركان العشق الكامن بداخله، فامتدت يده تمسك بيدها بقوة، وهو يقول بأنفاس ثائرة:
ـ انتِ واخدة كل حاجة فيا لحسابك. واخدة القلب والعقل والروح. أنا بحبك حب متخيلتش إني في يوم أقدر أحسه ناحية حد. متمنتش حاجة في حياتي غيرك.
روقان بخجل:
ـ بجد!
علي بنبرة عاشقة
ـ طبعًا.تعرفي اني كنت هتجنن لما سمعت أدهم وهو بيزعقلك لما سمعك وانتِ بتكلميني. حسيت قلبي اتخلع من مكانه ومقدرتش أستنى لحظة واحدة، وحلفت ما يعدي النهارده غير وأنا على الأقل خاطبك، و طلعت على يوسف اليوم دا، و حكيتله اني بحبك، و عايز اخطبك، و طبعًا قولتله على سوء التفاهم اللي حصل مع أدهم.
روقان بلهفة:
ـ يالهوي طب و قالك ايه؟
على بمزاح:
ـ في الأول حسيته هيقوم يقتلـ.ني بس هو عاقل واحترم اني جيت حكيتله و طلبتك منه.
روفان، وقد تكونت طبقة كريستالية من الدموع في مقلتيها، وكانت متأثرة من روعة وعذوبة كلماته، فقالت بخفوت:
ـ متتخيليش فرحتي كانت إزاي لما عرفت إنك تحت جاي عشان تخطبني. أجمل إحساس ممكن بنت تحسه في الدنيا لما تلاقي الإنسان اللي بتحبه مغليها. إني أكلمك من ورا أهلي كان بالنسبالي غلط وغلط كبير كمان، بس كان غصب عني، قلبي كان بيتحكم فيا، لكن لما جتلي اليوم دا حسيت إني اخترت صح وإنّي غالية أوي في نظرك حتى بعد ما كلمتك من ورا أهلي.
علي بلهفة:
ـ أنتِ أغلى حاجة عندي في الدنيا وعمري ما شفتك وحشة أبدًا، وحتى لما كلمتيني كان في حدود بينا، عارف إنه كان غلط إننا نتكلم من غير أي ارتباط رسمي، بس صدقيني اللي كان مانع الارتباط دا هو الظروف المحيطة بينا مش أكتر
صمت لثوان قبل أن يقول بنبرة صادقة:
ـ روفان، أنتِ أجمل حاجة حصلتلي في حياتي ومش ناوي أضيعك من إيدي أبدًا أو أخليكِ في يوم تندمي إنك اخترتيني.
لم تستطع الرد عليه، بل سقطت عبراتها من فرط التأثر والحب الذي يقطر من بين كلماته، التي لامست قلبها على الفور، لكن أخرجها من ذلك الشعور الرائع هاتفه الذي أخذ يرن بإلحاح، فأغضبه كثيرًا، فاعتذر منها قبل أن يجيب. وقد تحولت نظراته وملامحه إلى الجدية التي صدمتها:
ـ أيوه. بتقول إيه؟؟ طب خليك عندك وأنا جايلك.
*****************
كانت كارما تنظر إلى مازن المشغول بقيادة السيارة، وهي تفكر للمرة الألف كيف تفاتحه في هذا الموضوع، لكنها اهتدت لطريقة أخيرًا، فقالت بدلال:
ـ مازن
ـ نعم يا حبيبي
أعادت ندائها مرة أخرى بدلال أكثر من الذي قبله:
ـ ميزو
مازن بحب وقد تفاعل مع دلالها:
ـ نعم يا قلب ميزو. وكلمة كمان هرشق في العربية اللي قدامي.
كارما بدلال مدروس:
ـ بعد الشر عنك يا قلبي.
فطن مازن إلى حيلتها، وقال يجاريها حتى يعرف مبتغاها، فقال بنبرة درامية:
ـ ربنا يخليكِ ليا يا حبيبتي.
كارما بنفس طريقتها:
ـ ويخليك ليا يا روحي. هو أنا أقدر أعيش يوم واحد من غيرك.
مازن بمزاح:
ـ لا يا روحي، مانا هاخدك معايا، هو أنا هسيبك ودي تيجي!
شعرت كارما بأنها تحيد عن الموضوع الأساسي، فأعادت دفعة الحديث مرة أخرى وقالت:
ـ ميزو
مازن بنفاذ صبر:
ـ أنجزي يا كارما، عايزة إيه؟
كارما متصنعة الحزن:
ـدا أسلوب بردو تكلمي بيه كارمتك!
ابتسم مازن على دلالها وبراءتها، فهي لا تعلم بأنها أمامه كالكتاب المفتوح، فآثر ألا يغضبها وقال بحب:
ـ مقدرش على زعلك يا حبيبي، وإنتِ عارفة.
استغلت كارما الموقف، فقد وصلت لمبتغاها، وقالت بدلال:
ـ عايزة أطلب منك طلب وتوعدني توافق عليه!
مازن بتخابث:
ـ أوعدك أوافق على أي طلب تطلبيه، غير اللي إنتِ عايزاه دا.
كارما بغضب:
ـ هو أنت عارف أنا عايزة أصلاً عشان ترفض!
ـ أيوه عارف ومش موافق.
ـ ليه بقي؟
مازن وقد بدأت ثورة غضبه بالاشتعال، فقال بحدة:
ـ عشان أنا مش أريل يا كارما، عشان أوافق عاللي في دماغك دا، وقفلي على الموضوع!
كارما بانفعال:
ـ لا مش هقفل يا مازن، وهعمل اللي أنا عايزاه، ولو مش عجبك انت حر.
انفلت زمام غضبه جراء كلماتها، فقال بغضب:
ـ ويمين بالله لو لقيت كتف ولا ورك ولا دراع باينين منك يوم كتب الكتاب، لهطلع عين أهلك، ومحدش هيقدر يحوشك من إيدي، وإنتِ حرة بقي!
كارما ببكاء:
ـ دي مش طريقة مناقشة على فكرة. أنت عايز تتحكم فيا وتلغي شخصيتي وتخنقني وتنكد عليا حتى في أحلى يوم في حياتي.
تأثر مازن ببكائها، فقام بصف السيارة على جانب الطريق، والتفت إليها، وامتدت يداه تمسك بكفها بحنان، وقام باليد الأخرى بلف رأسها إليه وإزالة عبراتها الغالية على قلبه، وهو يقول بحنو:
ـ مينفعش تبقي عارفة إنتِ عندي إيه وأنا بحبك قد إيه وتقولي عليا بلغي شخصيتك أو بخنقك أو عايز أنكد عليكِ في أجمل يوم في حياتك. أنا لو أطول، أحط فرح الدنيا كله في قلبك، مش هتردد ثانية.
هدأت ثورة غضبها قليلًا بفعل كلماته، فقالت بحزن:
ـ طب أيع اللي أنت بتعمله دا ؟
مازن بحب:
ـ بغير عليكُ يا حبيبتي. بغير عليكِ من الهوى الطاير مش عايز حد يشوفك ولا حتى يلمحك. أنا بتجنن لما ألاقي حد عنيه بتيجي ناحيتك إزاي مش قادرة تفهمي دا؟
أسعدتها كلماته كثيرًا، لكنها ما زالت مصرة على موقفها، فقالت محاولة التأثير عليه:
ـ عارفة كل دا بس إيه المشكلة، دا يوم واحد و…
قاطعها مازن بإصرار:
ـ ولا دقيقة واحدة حتى، وبعدين يا بت، اللي إنتِ عايزة تبينيه للناس بالمجاني دا أنا دافع فيه دم قلبي، يخربيتك. جدك مخيطني في المهر والشبكة.
ابتسمت كارما تلقائيًا على مزاحه، وتنهدت بحزن، فقبل مازن كفها الموضوع بين كفيه، وقال بحب:
ـ أنا عمري ما كنت عايز أخنقك ولا أُلغي شخصيتك أبدًا بس إنتِ لازم تحترمي حبي ليكِ وغيرتي عليكِ. إنتِ بتاعتي يا كارما، كل حاجة فيكِ ملكي، مقدرش أبدًا حد يشوفك لابسة حاجة مكشوفة أو عريانة.
حاولت الحديث، ولكنه لم يُمهلها الفرصة ليُتابع بنبرة قاطعه رغم لينها:
ـ عشان خاطري تفهميني، وبعدين في حاجة كمان. اليوم دا أنا فضلت أطلبه وأتمناه من ربنا كتير أوي، مش هاجي وأخليكي تغضبي فيه ربنا، ويا ستي في البيت لما نتجوز، أبقي أقلعي براحتك والله ما هلبسك حاجة خالص، اصبري بس متستعجليش على القلع.
قال كلماته الأخيرة متبوعة بغمزة وقحة، أربكتها كثيرًا، فانتزعت كفها من بين يديه، ولكمتها في كتفه، قائلة بخجل:
ـ بطل قلة أدب بقي. قلع إيه وبتاع إيه؟ مفيش الكلام دا أصلاً، دا بعينك.
صدم مازن من حديثها، وقال بانفعال:
ـ لا يا شيخة يعني من شوية كنتِ عايزة تقلعي قدام الناس كلها، ودلوقتي الاحترام نقح عليكِ ماشي يا كارما، اصبري عليا بس يتقفل علينا باب واحد وأنا هوريكي.
*****************
وقف رائد أمام تلك العمارة التي بها شقته، التي يعتقد أن والدته تقطن بها، وأمسك هاتفه يجري اتصالًا، فلما أجاب الطرف الآخر قال بفظاظة:
ـ إيوه يا شوقية… طمنيني، هي عاملة إيه النهارده؟
ارتبكت شوقية كالعادة، فهي لم تخبره بأنها قد عادت من الأسفل بعد طرده لها، ولم تجد والدته في المنزل، بل وجدت مجموعة من المسلحين الذين أجبروها على الكذب عليه لسبب لا تعلمه، وتخبره دائمًا بأن والدته بخير. وهكذا أجابته تلك المرة قائلة بارتباك:
ـ بخير. بخير يا رائد بيه. لسه واخدة دواها ونايمة.
ليفاجئها هو عندما قال:
ـ طب أنا تحت، هطلع أشوفها وأطمن عليها من غير ما تقولي لها إن أنا جيت.
ارتعبت شوقية من حديثه، فعندما يدخل الشقة سيجدها خالية، وهي لا تعلم بما قد تجيبه، لذا قامت بإغلاق المكالمة، بل أغلقت الهاتف نفسه، داعية الله ألا يستطيع الوصول إليها.
تفاجأ رائد من فعلتها، وشعر بأن هناك خطبًا ما، فأخرج ذلك السلاح الذي يحتفظ به دائمًا في سيارته، وقام بالترجل من السيارة، وانطلق مهرولًا إلى الأعلى. وعندما وصل إلى باب الشقة، قام بإمساك سلاحه في وضع الاستعداد قبل أن يدير القفل في الباب ويفتحه بهدوء شديد، ليتفاجأ من المنظر الذي يراه أمامه، فقد كان كل شيء مدمرًا تمامًا، وكانت هناك قنبلة نووية قد أُلقيت في الشقة لتقلبها رأسًا على عقب. فارتعب قلبه رغماً عنه خوفًا على والدته، وهرول إلى حيث تقع غرفتها، فجحظت عيناه عندما رأى……

•تابع الفصل التالي "عشق بين حنايا الروح" اضغط على اسم الرواية

تعليقات