رواية عشق بين حنايا الروح الفصل الثامن 8 - بقلم نورهان العشري
طية الروح الثامنة 💗 " عشق بين حنايا الروح"
أُعاني الأمرَّين مع قلبي وكبريائي؛ فلا قدرة لي على إرضاء قلبي، ولا طاقة لديَّ لمداواة كبريائي. فالأوّل عاشقٌ مُشتاقٌ حدَّ الحنين، والثاني جريحٌ غاضبٌ حدَّ الألم، وأنا أقف في المنتصف لا أملك سوى أن أطمئن الأوّل بأنّي سأتذكّرك إلى الأبد، وأُراوغ الآخر بأنّني لم أعد أهتمّ لأمرك
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كانت كاميليا تستقلّ السيارة بجانب مراد، الذي كان الكون كلّه لا يسع فرحته؛ فها هي ابنته قد قرّرت أن تعطيه فرصة في حياتها، حتى ولو لم تتقبّل فكرة كونه والدها، إلّا أنها قبلت بأن تتعامل معه كصديق بعد حديثهما المطوّل قبل يومين.
عودة لوقتٍ سابق
كان مراد يقف أمام غرفة كاميليا، ينظر إليها بلهفة وقلبٍ يحترق ألمًا وندمًا على أخطائه الفادحة التي تسبّبت في حرمانه من حبيبته سابقًا، وابنته حاليًا.
ليقترب من باب الغرفة للمرة التي لا يعرف عددها، لا يدري ماذا يفعل، يريد أن يكون بجانبها؛ فقد شعر بحزنها الليلة، وودّ لو يضمّها إلى قلبه ويخبرها بأنه بجانبها دائمًا. لكن تجاهلها له كان أكثر من مؤلم بالنسبة إليه، لذا لم يُرِد أن يُحزنها أكثر، وظلّ بعيدًا عنها.
ومع ذلك لم يطاوعه قلبه على تركها هكذا؛ فقد ودّ لو يطمئن عليها، فأمسك بمقبض الباب يريد فتحه، لكنه تراجع خوفًا من رفضها له، وظلّ على حاله لبعض الوقت.
وما إن اتخذ قراره بأن يتركها تستوعب صدمتها ممّا حدث بالماضي، حتى سمع صوت بكائها المكتوم، ذلك الصوت الذي شقّ قلبه إلى نصفين، فلم يتردّد لحظة، وقام بإدارة قفل الباب واتجه إليها بقلبٍ لهيف على طفلته التي عانت الأمرّين طوال حياتها.
امتدت يد مراد تربّت على تلك التي كانت ترتجف من شدّة البكاء والألم الذي ينهش صدرها، لتجفل عند شعورها بأحدهم يربّت فوق ظهرها بحنان، فالتفتت لتتفاجأ بآخر شخص توقّعت أن يكون بجانبها، فقالت بصدمة:
ـ انت!
مراد بحنان:
ـ حسّيت إنك تعبانة ومقدرتش مكونش جنبِك.
دقّ قلبها تأثرًا بكلماته، لكنها أبت التجاوب معه؛ فقلبها ما زال يؤلمها لما فعله بوالدتها. فقالت بلهجة حادة:
ـ لأ، أنا كويسة… تعبت نفسك على الفاضي.
توقّع مراد ردّة فعلها، ومع ذلك تألم قلبه، لكنه تابع قائلًا بحنان:
ـ بس عينيكي الحلوة بتقول غير كدا…
كاميليا بحدة:
ـ لو سمحت… أنا تعبانه وعاوزة أرتاح.
مراد يتوسّل:
ـ كاميليا… ممكن تسمعيني؟
كاميليا بانفعال:
ـ عمو مراد! وإيوا… انت بالنسبالي عمي ومش هتبقى غير كدا. كل اللي أنا عرفته دا مِغَيَّرش حاجة جوايا. أنا معرفش ليا أبو غير بابا أحمد… وبس. حتى لما سميرة قالتلي إني مش بنته، مَصدّقتهاش أبدًا، عشان اللي شُفته منه ميخلّينيش أشك لحظة إني مش بنته.
حاول مراد مقاطعتها، لكنها تابعت بلهجة حادّة بعض الشيء:
ـ متقاطعنيش لو سمحت. مفيش حاجة في الدنيا ممكن تخلّيني أغيّر موقفي. وبالنسبة للي حصل بينك وبين ماما زهرة…
غصّ قلبها عند تذكّر والدتها الراحلة فتابعت بلهجة مهزوزة
ـ دا بينك وبينها… هتتحاسب فيه قدّام ربنا. وبقولها وبكررها… أنا ماليش أب غير أحمد الحسيني. وعشان خاطره هتعامل معاك… وهتفضل في نظري عمي مراد وبس.
لا تعلم مدى وقع كلماتها القاسية على قلبه الذي تحوّل إلى أشلاء، فنظر إليها بألم شديد قبل أن يقول بضعف:
ـ يعني مفيش أمل؟!
حوّلت كاميليا وجهها للجهة الأخرى، غير قادرة على النظر إلى ملامحه المتألمة وعينَيه المنكسرتين، وقالت بوجع:
ـ مفيش!
شعر مراد وكأن قلبه بات يحمل أحزان العالم أجمع؛ فصار قلبه ينزف ألمًا من حديثها ورفضها. تحرّك من مكانه دون أن يتفوّه بحرف واحد، وتوجّه نحو الباب ودموعه تتساقط دون القدرة على إيقافها، وهو يُلقي اللوم على غبائه وتهوّره وجميع أخطائه التي جعلت حياته جحيمًا.
لتأتيه كلماتها التي انتشلته من هذا الجحيم حين قالت بلهفة:
ـ عمو مراد… إحنا ممكن نكون أصحاب!
لم يصدّق مراد أذنيه عندما سمع ما تفوّهت به، فالتفت إليها قائلًا بعدم تصديق:
ـ بجد؟!
نظرت إليه كاميليا بحزن وإشفاق؛ فمهما حدث، كان هو ضحية خداع وألاعيب قذرة مثلها. لم يطاوعها قلبها على كسره مرة أخرى، فقررت إعطاءهما فرصة للاقتراب وترميم تلك الجروح والندبات التي خلّفتها أخطاء الماضي.
فقالت بحنان:
ـ بجد.
انهمرت الدموع من عينيه كما لم يحدث من قبل، فصار بكاؤه نحيبًا وهو يقترب منها بلهفة، بادَلَته إياها وهي تعانقه بحب كبير، بادَلها هو أضعافه. فظلّا على هذا الوضع لدقائق، فقد كان كلٌّ منهما يحاول ترميم جراح الآخر بذلك العناق الدافئ المليء بالحنان والشوق.
بعد مدة لا بأس بها، كانت كاميليا أول من انسحب من ذلك العناق الذي لم تكن تعلم أنها في أمسّ الحاجة إليه. وطاوعها مراد، رغم أن قلبه رفض إبعادها عنه، لكنه لم يُرِد الضغط عليها كي لا يأتي ذلك بنتيجة عكسية.
فناظرها بنظرات حانية وهو يقول بامتنان:
ـ أنا مش عارف أشكرك إزاي يا بنتي… إنتِ أدّيتيني أمل في الحياة من تاني بعد ما كنت كرهتها ويئست منها.
قبل لحظات كانت تشعر بالندم لتسرّعها في إعطائه تلك الفرصة، لكن بعد كلماته تلك أيقنت أنها فعلت الصواب، فأجابت بابتسامة هادئة:
ـ متشكرنيش… كان لازم نوصل لحل وسط ونحاول ننسى اللي فات… كفاية عذاب بقى.
شعر مراد بتحفّظها، لكنه لم يُبالِ، بل قام بالربت بحنان على كفّها الذي بين يديه، وقال بلهجة حانية:
ـ أنا موافق على أي حاجة منك يا كاميليا… ومش عايز حاجة من الدنيا غير إني أعوّضك عن كل اللي فات.
هزّت رأسها وابتسمت بهدوء دون أن تتفوّه بحرف، فواصل هو الحديث قائلًا بحنان:
ـ مش عايز أضغط عليكي… بس قلبي بيقولّي إن في حاجة كبيرة مزعلاكي. وبما إنك قولتي إننا أصحاب، فأنا جاهز في أي وقت تحبّي تتكلمي فيه. مش عايزك تكتّمي الوجع جواكي… عايز عيونك الحلوين دول على طول بيضحكوا وفرحانين.
آثرت كلماته ولهجته الحانية فيها كثيرًا، حتى إنها لم تشعر بدموعها تتساقط على خديها تحكي مقدار حزنها. فامتدت يداه يمسحها برفق قائلًا بغضب مكتوم من مظهرها الحزين:
ـ للدرجادي زعلانة منه؟!
كاميليا بنفي:
ـ زعلانة من نفسي أكتر…
جذبها مراد برفق وأجلسها على الأريكة خلفهما، وجلس بجانبها قائلًا بهدوء ينافي غضبه:
ـ كاميليا يا بنتي، اللي فات من عمرك كله كوم، واللي جاي كوم تاني. اللي فات دا كله كنتِ لوحدك… بس دلوقتي أنا موجود، حتى لو مقدرتيش تتقبلي وجودي لسه. بس لازم تعرفي إني في ضهرك، وعمري ما هسمح لحد أبدًا إنه يفكّر مجرّد تفكير يضايقك أو يزعلك. حتى لو كان يوسف.
بثّتها كلماته بعض الأمان، لكن قلبها الذي انتفض عند سماع اسمه، وسماع حديث مراد عنه، جعلها تقول بلهفة:
ـ الموضوع غير ما إنت فاهم خالص يوسف طول عمره جنبي وفي ضهري، وعمره ما ضايقني ولا زعلني. إحنا بس مضغوطين من الأحداث الأخيرة.
لا يعلم لِمَ شعر بالغيرة من حديثها عنه، لكنه آثر عدم الخوض في الموضوع كثيرًا، فاقترب منها قائلًا بتعقّل:
ـ مش هضغط عليكِ عشان تحكيلي. بس هقولّك كلمتين تحفظيهم كويس قوي. الراجل، أو إحنا ولاد الحسيني تحديدًا، مابنحبّش الست الضعيفة اللي من أي حاجة تطلع تجري تعيّط. إحنا بنحب الست القوية اللي تطلّع عنينا وتلوّعنا… اللي نجري عليها بالمشوار. عايزين الست اللي تشغّل عقلنا قبل قلبنا. أنا معرفش إيه اللي بينك وبينه، بس لازم يشوفك دايمًا قوية، ويعرف إنك مش هتموتي من غيره. لازم يشوفك واقفة على رجلك لوحدك، رافعة راسك… إنما الضعف دا هيخليه يدوس أكتر ويتمادى.
إنتِ مابقتيش خايفة من حاجة دلوقتي. إنتِ كاميليا الحسيني رسمي، ولازم هو يشوف دا بعينيه.
تفاقمت دهشة كاميليا من حديثه، حديثٌ استهجنه قلبها العاشق له، ورحّب به عقلها كثيرًا وهو يهمس لها:
هل لهذا السبب عاملها بذلك الجمود وتلك القسوة في مكتبه؟ لأنها أظهرت ضعفها وعرّت مشاعرها أمامه؟ هل يمكن أن يكون قد يئس من ضعفها وقلة حيلتها وقرر أن يتجاوزها؟
لاااا!
تلك كانت إجابة قلبها الذي رفض بشدة هذا التفكير، فهو أكثر من يعلم مقدار عشق يوسف لها، وأن كل هذه الترهات ليست حقيقية أبدًا. وهكذا سقطت في حيرتها، لكنها حسمت الأمر سريعًا بأنها لابد أن تُثبت له أنها ليست الضعيفة التي اعتاد رؤيتها، فقالت باستفهام:
ـ أنا مش فاهمة، انت عايزني أعمل إيه؟
مراد بأنانية نابعة من غيره أُبوية كانت اختبارًا لشعور جديد كُليًا عليه:
ـ عايزك تجنّبيه من حياتك خالص، وتبتدي تعيشي حياتك كأنه مش موجود. مش هو امبارح قال إن الكلام في موضوعكوا سابق لأوانه وإن في حاجات تانية أهم؟ يبقى أنتِ كمان تورّيه إن عندِك أهم منه.
آلمها تذكير مراد لها بكلمات يوسف القاسية، والتي تعلم يقينًا أنه لم يقصد بها جرحها أو التملص من علاقتهما، فهي شعرت بعشقه واشتياقه عندما ضمّها إلى صدره، لكنه يكابر، فهو غاضب منها. لذا قالت بانفعال:
ـ يوسف قال الكلام دا عشان متضايق مني.. في حاجات كتير حصلت بينا حضرتك متعرفهاش، وقبل أي كلام قلتلك إني زعلانة من نفسي عشان أنا اللي وصلت العلاقة بينا لكدا.
مراد بغضب:
ـ أيًا كان اللي حصل، مكانش ينفع يقول كدا! هو مدين ليكِ باعتذار.
كاميليا بصرامة:
ـ أنا مش مستنية منه أي اعتذار. لو عايز تساعدني بجد زي ما بتقول، يبقى تساعدني أتجاوز اللي حصل وأورّيه إني مش ضعيفة زي ما هو فاكر. أنا مش عايزة أحارب يوسف. أنا عايزة أحارب عشانه!
حاول مراد احتواء غضبه، فصمت قليلًا قبل أن يقول بهدوء:
& وأنا معاكِ في كل اللي أنتِ عايزاه… وأول حاجة لازم تفكري فيها هي مستقبلك.
ـ تقصد إيه؟
ـ تنزلي الشغل في المجموعة!
كان حديث مراد صادمًا لها، فقالت باستفهام:
ـ مجموعة إيه!! مجموعة الحسيني؟
ـ أيوه مجموعة الحسيني. أنتِ متخرّجتيش من هندسة عشان تقعدي في البيت، وكمان ليكِ حق في الشركة. وبالمرة يبقى قدّام عينيه طول الوقت ويشوف كاميليا تانية غير اللي اتعود يشوفها.
كاميليا باستفهام:
ـ طب وتفتكر هو يرضى؟
مراد بغيظ:
ـ مش لازم يوافق. مش هو واخد منك موقف زي ما بتقولي؟ خلاص يبقى مش مهتم أصلاً يعرف حاجة عنك.
غضبت كاميليا من كلامه، لكنها لم تُظهر ذلك، وقالت فقط:
ـ طب وجدي؟ تفتكر هيوافق؟
مراد باختصار:
ـ سيبي الموضوع دا عليّا.
وقد استطاع بالفعل إقناعها أن هذا هو الصواب، وطلب من جدّها أن يفاتحها بالأمر، وقد حصل على الموافقة صباحًا.
عودة للوقت الحالي
وقفت كاميليا أمام ذلك الصرح العملاق بخوف ورهبة؛ فهي قبل أي شيء تريد أن تُثبت نفسها وقدراتها، وأن تبني اسمًا في تلك الشركة. تملكها الخوف الذي شعر به مراد، فامتدت يده تمسك بكفها ليبثّها بعض الطمأنينة، فالتفتت إليه بابتسامة شكر سرعان ما انمحت عندما رأت ذلك النمر الغاضب الذي تخطاهم بسرعة كبيرة متوجهًا إلى المصعد.
ليستقله صاعدًا دون أن يُلقي سوى نظرة جليدية تحوي غضبًا كبيرًا، تجلّى أكثر عندما صدم باب مكتبه بعنف كاد يخلعه. كان الغضب والغيرة والألم تتصارع داخله، يريد أن يذهب الآن ليُحطّم رأسها العنيد، ثم يعانقها عناقًا ساحقًا يروي ظمأ شوقه إليها… تلك الحمقاء الفاتنة التي تُثير كل المشاعر المتناقضة داخله في آن واحد.
قاطع تفكيره طرقاتٌ خفيفة على الباب. كانت السكرتيرة التي ترتجف رعبًا من مظهره الغاضب الذي دخل به. لا مفر. عليها مواجهة الوحش، خاصة وهي ترتدي تلك الملابس الضيقة التي عنفها عليها من قبل. لكنها كانت تطمع في أكثر من العمل.
دخلت سمر بعد أن أذن لها، تقدّم قدمًا وتؤخر الأخرى، وبدأت بإبلاغه برنامجه اليومي المتخم باجتماع بعد عشرين دقيقة. أمرها بالانصراف وتجهيز الطاولة.
خرجت سمر لتجد أمامها مراد الغاضب، الذي دخل غرفته دون الاستماع لنداءاتها، وأغلق الباب خلفه قبل أن يتقدم تجاه يوسف قائلًا بغضب:
ـ هما كلمتين مالهمش تالت يا يوسف: اللي فات كله كوم واللي جاي كوم تاني، وكاميليا بنتي… مش هسمح لحد في الدنيا يزعلها أو ييجي عليها.
نظر إليه يوسف بلا مبالاة قبل أن يقول ببرود جليدي:
ـ طب كويس… وبعدين؟
اغتاظ مراد من بروده:
ـ والكلام دا ينطبق عليك انت أول واحد!
ابتسم يوسف ابتسامة مستفزة:
" وإيه كمان؟
مراد بغضب جحيمي:
ـ بطل أسلوبك المستفز ده وكلّمني زي ما بكلمك! لو فاكر إن محدش هيقدر يقفلك تبقى غلطان.
يوسف ينظر لساعته بملل:
ـ طيب يا عمي، عشان أنا معنديش وقت للكلام الفاضي ده… هقولك الكلمتين اللي بعديهم مفيش نقاش:
أنا مقدّر إنك أب وعايز تحمي بنتك، ودا حقك. بس لازم تعرف وتحطها حلقة في ودنك. إن دورك مع كاميليا بينتهي عندي أنا.
برقت عينيه من حديث يوسف المتملك و الذي تابع بنبرة تحمل الكثير من الحزم:
ـ كاميليا مراتي وتخصّني. من قبل ما تعرف هي أصلًا إنها بنتك. مراتي من قبل حتى ما أعرف أبوها مين، ودا أصلًا ميفرقش معايا.
مراد بحنق:
ـ تقصد إيه بكلامك ده؟!
يوسف بصرامة:
ـ أقصد إنك تطلع أبو كاميليا عمها ، خالها دا ميفرقش!
أبوتك دي تمارسها بعيد عني. عشان هي من أول ضافر رجلها لشعر راسها تخصني أنا، وملكي أنا لوحدي.
ومن زمان.
أوشك مراد الغاضب على الحديث لتوقفه كلمات يوسف التي تحمل قدرّا من الوقاحة يوازي قدرًا من الصواب:
ـ ومش عايز اضايقك لما أقولك إنها متعرفش ولا هتعرف أب غيري. أظن كلامي واضح!
كانت كلمات يوسف قاسية على مراد لكنه قال بانفعال:
ـ ولما هي تخصّك وبتحبها أوي كده مزعلها بالطريقة دي ليه!
يوسف بصرامة:
ـ ميخصكش ولا يخص أي حد اللي بيني وبينها.
مراد بحنق:
ـ أنا مش هسكت وأنا شايف بنتي بتدوب من الحزن بسبب غرورك وكبرياءك!
يوسف بسخرية موجعة:
ـ ولما بنتك هربت من جبروت مراتك اللي كانت المفروض تبقى أمها كنت فين؟
لم يستطع مراد إجابته ليُابع بفظاظة:
ـ أقولك أنا؟ ولا كان على بالك! تسألني أنا كنت فين؟
هقولك معداش أربعة و عشرين ساعة غير وأنا عارف هي فين و متطمن عليها حتى بعد ما طعنتني في ضهري وهربت مقدرتش مبقاش جنبها!
مراد بانفعال:
ـ كان غصب عنها… وكان ليها أسبابها!
يوسف بغضب:
ـ أسبابها اللي مظهرتش غير بعد سنة كاملة! وبرغم دا كله. سامحتها قبل ما حتى أسمع أسبابها.
مراد بغضب:
ـ أمال ظالمها ليه دلوقتي؟! بتعاقبها لية بعد ما سامحتها؟!
يوسف باستنكار:
ـ ظالمها؟! أنا عمري ما ظلمتها. ولا حاسبتها على حاجة كانت غصب عنها. واللي انت مسميه عقاب دا فرصة أخيرة بديهالها تراجع بيها نفسها، دا لو لسه باقية عليا!
مراد بيأس وغضب:
ـ وهتفضلوا على الحال ده كتير؟
يوسف بحدّة:
ـ الموضوع دا ميخصكش، والنقاش فيه انتهى.
مراد بصراخ:
ـ اللي تشوفه يا ابن أخويا! بس خليك عارف إني هفضل جنب بنتي وفي ضهرها، وهقفلك لو فكرت توجعها! ومهما كان غلطها مش هسمحلك تعاقبها. افتكر إنها بنت مراد الحسيني!
يوسف بفظاظة:
ـ قضيتك معايا خسرانة يا مراد بيه، ومعلش مش هقدر أديلك من وقتي أكتر من كده. عندي حاجات أهم.
خرج مراد من الغرفة يزبد غضبًا ويتوعد يوسف بأشد العقاب أما كاميليا، فلم تنتبه له بينما كانت تتابع تلك الفتاة التي بدا مظهرها كمظهر فتيات الليل ملابس ضيقة وزينة صارخة. لكن ما لفت انتباهها حقًا هو عندما قالت لموظفة الاستقبال:
ـ عايزة أقابل أدهم… اسمي مرام.
وعندها تذكّرت كاميليا تلك الفتاة التي تشاجر أدهم مع جدّه شجارًا عنيفًا بسبب رفضه القاطع الزواج بها. صحيح أنها لم ترَها ولو لمرة واحدة، لكنها تتذكّر اسمها جيدًا، فقد ذكرته لها غرام هي الأخرى. تُرى ماذا تريد تلك الفتاة منه؟ ولماذا ظهرت في هذا الوقت تحديدًا؟ أخذت تتساءل كثيرًا، لكن جاءتْها فكرة ماكرة قامت بتنفيذها على الفور؛ فأخرجت هاتفها وتظاهرت أنها تنظر إلى مكياجها، ثم قامت بالتقاط عدة صور لتلك الفتاة كي تُريها لغرام، لعلّ الأخيرة تشعر بالغيرة ولو قليلًا، فتشفق على هذا المجنون المتيم بها، والذي كان في مكتبه يتابع بعض الأعمال، يريد إنهاؤها سريعًا قبل ذلك الميعاد الذي ينتظره على أحرّ من الجمر، فها هو يستخدم آخر كارت في جعبته ليصل إلى مبتغاه الذي عانى كثيرًا لأجله…
أخذت كاميليا تُلقي نظرات خفية نحو تلك الفتاة التي أخبرتها موظفة الاستقبال بأن عليها الانتظار لساعة أو أكثر قبل أن تتمكن من مقابلة أدهم، لكنها أصرت على الانتظار. فاغتاظت كاميليا من وقاحتها كثيرًا، وقررت إخبار غرام في الحال، فقامت بالاتصال بها، والتي كانت بدورها تخرج بسيارتها من بوابة القصر، حتى تفاجأت بسيارة قادمة من الجهة الأخرى تقطع طريقها وصوتٌ أنثويٌّ ناعم يناديها من النافذة قائلًا:
ـ غرام!
التفتت غرام نحو صاحبة الصوت، فوجدت آخر شخص على الإطلاق قد تتوقع مقابلته، فقالت بصدمة:
ـ طنط صفية!
ترجّلت صفية من السيارة، وفعلت غرام مثلها وهي لا تزال على صدمتها. اقتربت صفية منها بابتسامة دافئة، وعانقتها بحنان قبل أن تقول:
ـ طبعًا إنتِ اتصدمتي لما شفتيني!
غرام محاولةً إخفاء صدمتها:
ـ لا أبدًا يا طنط، حضرتِك تنوّرينا في أي وقت…
صفية بمزاح:
ـ ما تحاوليش، باين على وشّك أصلًا…
ابتسمت غرام بحرج ثم قالت:
ـ بصراحة اتفاجئت… بس برضه حضرتِك نوّرتي يعني…
صفية بمرح:
ـ نوّرت فين يا بكّاشة؟ دا نور ربنا…
ابتسمت غرام على مزحتها وقالت بصدق:
ـ والله مش بكش، أنا فرحت إني شوفت حضرتِك… اتفضّلي ندخل نقعد جوه.
صفية بجدية:
ـ لا جوه إيه؟ إنتِ اللي هتتفضّلي معايا دلوقتي.
غرام باستفهام:
ـ أتفضّل مع حضرتِك فين؟
صفية بمزاح:
ـ ما تتخضّيش أوي كده، أنا بس عايزة أتكلم معاكِ كلمتين، وما تخافيش، مش هعطّلك عن اللي وراكِ.
غرام بلهفة:
ـ لا يا طنط، تعطليني إيه! تحت أمر حضرتِك.
صفيه:
ـ تسلمي يا حبيبتي… تعالي نقعد شوية في العربية.
وبالفعل، توجهت غرام مع صفية إلى السيارة، وانتظر السائق بالخارج، بينما بدأت صفية بالدخول إلى صلب الموضوع بلا مقدمات، فقالت بهدوء:
ـ أنا عارفة إنك بتسألي نفسك: أنا إيه اللي جابني دلوقتي؟ وأنا هجاوبك وندخل في الموضوع على طول أنا جاية هنا عشان أكلمك في موضوعك إنتِ وأدهم.
دقّ قلبها عند سماع اسمه، وظهرت لمحة من الحزن في عينيها لم تخفَ على صفية، خاصة عندما قالت غرام بحزن:
ـ موضوعنا أنا وأدهم انتهى يا طنط ومبقاش ينفع فيه أي كلام.
صفية بهدوء:
ـ انتهى يعني ما بقَيش في قلبك؟ ولا انتهى يعني مبقتيش عايزاه؟
نظرت إليها غرام بضياع؛ فلا قدرة لها على الإجابتين. فهي ما زالت تحبّه، ولم تُرد في حياتها أحدًا سواه، ولكن…
قاطعت صفية تفكيرها قائلة:
ـ كرامتك! صح؟ كرامتك هي اللي مانعاكي تجاوبِي الإجابة الحقيقية؟
كانت كلمات صفية تصف ما يدور بداخلها بدقة، ولم تعد لها طاقة على كتمانه، فقالت بضعف:
ـ دي حقيقة! عشان كده مش عايزة أتكلم في الموضوع ده. الكلام فيه هيوجع، وأنا استكفيت.
صفية بتعقّل:
ـ أنا يا بنتي ما أعرفش إيه اللي حصل بينكوا ووصّلكوا للمرحلة دي، لكن مستغربة إن الحب اللي في عينيكِ ده كله ما يخلكيش تدي له فرصة تانية؟
غرام بحزن:
ـ الحب اللي يكسر البني آدم ويذلّه يبقى مش حب، وأحسن له إنه يندفن جواه. والعلاقة اللي ترخّص الإنسان مهما كانت بالنسبة له حاجة كبيرة قطعها واجب.
لامست كلمات غرام وترًا حساسًا بداخل صفية، وذكرتها بألمها القديم، ومعاناتها التي ما زالت تتجرعها حتى الآن، ففرت دمعة هاربة من طرف عينها. تفاجأت غرام كثيرًا، فأمسكت يدها وقالت بندم:
ـ طنط حضرتِك بتعيّطي؟ أنا آسفة والله، مكنتش أقصد بس دي حقيقة حكايتي أنا وأدهم.
ابتسمت صفية بحنان وهي تقول بصوت مهزوز:
ـ ما تعتذريش يا غرام، إنتِ ملكيش ذنب. بس كلامك فكرّني بواحدة صاحبتي زمان. حبت واحد أوي من لما كانت طفلة كان هو بالنسبالها كل حاجة. أهلها وأهله أصحاب، ومن وهي صغيرة كانوا يقولوا إنهم لبعض. وكبِرت على الحلم ده إنه ليها وهي ليه. واتخطَبوا، وعاشت أحلى أيام حياتها بس في خيالها، لأنه كان مشغول طول الوقت. وحتى لما كانوا يتجمعوا، ما كانش معاها أبدًا. وهي من كتر ما بتحبه مكنتش شايفة ده. كانت بتعدّ الأيام علشان تتجمع معاه تحت سقف واحد
محت أناملها عبراتها الحزينة قبل أن تتابع:
ـ كانت بتحلم بيوم فرحهم، وتقول إنه هيكون أحلى يوم في عمرها. لكن الحقيقة إنه كان أتعس يوم مرّ عليها في حياتها."
توقفت صفيه لحظة، تحشرج صوتها، ثم تابعت بألم:
ـ اليوم كان جميل لحدّ ما اتقفل عليهم باب واحد. حلمها اتحقق، وانقلب فجأة لكابوس. لما اتفاجئت بالراجل اللي عاشت عمرها كله بتحلم بيه، وهو بيقولها إنه بيحب واحدة تانية، واتفاجأت إنه اتجوزها قبل جوازه منها بيوم واحد… وبيطلب منها تسامحه! لأنه مقدرش يقف قدام أهله ويعترف بحبه.
تحولت صدمة غرام إلى ألم وحزن كبيرين، حتى أن دموعها لم تستطع الصمود، فسقطت تأثرًا بتلك الحكاية المؤلمة. قالت بغصة وشفقة:
ـ ياه. ده موقف صعب أوي. أصعب حاجة في الدنيا حب من طرف واحد. طب وهي عملت إيه لما قالها كده؟
كانت صفية تشعر بالألم ذاته. الألم الذي عاشته حين صارحها عامر. ما زالت تتذكر تلك اللحظة جيدًا
عودة لوقتٍ سابق:
ـ وإنت لسه فاكر تقولي الكلام ده دلوقتي؟!
عامر بألم:
ـ أنا عارف إني غلطان، وإني مكنتش لازم أسكت لحد ما نوصل للحظة دي. بس مكنتش أقدر أكسر كلمة بابا، خصوصًا إنه قلبه تعبان، وكفاية عليه صدمة موت ماما.
صفية بهدوء ظاهري:
ـ والمفروض إني أنا اللي أدفع تمن خوفك على أبوك؟ وتمن خوفك على حبيبتك تضيع منك؟ فتتجوزها قبل جوازك مني بيوم؟ لازم أدفع تمن حاجات أنا ماليش علاقة بيها؟!
عامر بانفعال:
ـ أنا عارف إنك ملكيش ذنب. بس الظروف أجبرتنا. وما تقلقيش، أنا مرتّب لكل حاجة علشان ما تتضرريش أبدًا.
صفية بسخرية:
ـ إزاي بقى؟
عامر بفظاظة:
ـ أنا مش هقرب منك. هنفضل أصحاب زي ما كنا، وهتفضلي عايشة هنا معزّزة مكرّمة، لحد ما يعدي سنة على جوازنا، وبعدها هنقولهم إننا ما قدرناش نكمّل ونتطلق. وساعتها أكون رتّبت أموري مع ناهد، وأقدر أواجه بابا بيها. وبكده. إنتِ هتخرجي من الجوازة دي من غير أي ضرر.
نظرت إليه صفية غير مصدّقة هل قال إنها لن تتضرر؟! ماذا عن قلبها الذي دُهس تحت قدميه؟ ماذا عن عمرها كله الذي كان ملكه وحده؟ هل نسيان ذلك كله سهل إلى هذا الحد؟!
كانت النظرة الجامدة في عينيه كفيلة بأن تُسقط ما تبقّى بداخلها. رفعت رأسها عاليًا وقالت بجمود يُخفي انهيارًا عظيمًا
ـ موافقة.. ومن هنا لحدّ ما يحصل الطلاق، إنت بالنسبالي راجل غريب!
عامر بدهشة:
ـ يعني إيه غريب؟ مش فاهم!
صفية بقوة:
ـ يعني باب الجناح ده ممنوع تدخله من غير استئذان. علاقتك بيا هتبقى في أضيق الحدود. تجاوزًا هنتعامل قدام الناس، لكن غير كده إنت ملكش أي علاقة بيا!
غضب عامر من لهجتها ومن طريقة حديثها فقال بصرامة:
ـ أنا محدّش يملي شروطه عليّا يا صفية! لكن لأني عارف إني حطيتِك في الموقف ده أنا هوافق على كلامك. تصبحِي على خير.
عودة إلى الوقت الحالي
شرعت صفية في سرد حكايتها على غرام وكأنها تخص إحدى صديقاتها، فتأثرت غرام كثيرًا وغضبت من ظلم وجبروت ذلك الرجل فقالت بغضب:
ـ إيه الراجل الظالم المفتري ده؟! مش كفاية اللي عمله فيها، كمان بيكلمها كده؟! وإزاي هي سكتت له؟
صفية بابتسامة واهنة:
ـ قلبها يا غرام. اللي أجبرها تسكت. وصدمتها لما لقت إن كل حكايتها معاه كانت وهم من خيالها. وعشان أكون صريحة معاكِ مكنش قدّامها حل تاني.
غرام بتعاطف:
ـحقيقي صعبت عليّا أوي طب قوليلي يا طنط، حصل إيه بعد كده؟
صفية بضعف:
ـ استمرت الحياة بينهم فترة مش طويلة حوالي ست شهور. مشافتهوش فيهم غير يمكن مرتين. متستغربيش أكيد مراته كانت بتمنعه يروحلها. لحدّ ما في يوم لقيته داخل عليها نص الليل وهو في حالة صعبة جدًا تقريبًا كان شبه منهار. وطبعًا هي اتصدمت إزاي شخص بجبروته وقوّته يكون بالحالة دي؟ وحكالها إن حبيبته دي طلعت خاينة، وباعته هو وصاحب عمره. وهي طبعًا وقفت جنبه وقعدت تهدي فيه. وتمم جوازه منها في الليلة دي هتقولِي إزاي قبلت يحصل كده؟ هقولك: غلبها حبّها ليه، وضعفها قدّامه، واحتياجه ليها، وحصل اللي حصل، وبعدها طلبت منه الطلاق كتير لكنه رفض وقالها إنه متمسك بيها وعايزها في حياته. وأقنعها يبدأوا من جديد، واللي ساعده في ده إنها لقت نفسها حامل، استسلمت للأمر الواقع وهو، على غير ما توقّعت، كان أحنّ حد في الدنيا عليها. بالرغم من برودها معاه وبعدها عنه، إلا إنه كان صبور جدًا.
متعرفيش يمكن حبّها، يمكن ضميره أنّبه وخلاه يحاول يعوّضها. المهم جه يوم ولادتها اللي غيّر حياتها كلها. أول ما شالت ابنها في حضنها كل الوجع اللي جواها داب. وحسّت إنها بقت أم وعندها عيلة. وفعلاً سامحته.
وعاشوا بعدها أسعد أيام حياتهم كان هو فيها أحنّ أب وأحسن زوج في الدنيا.
قاطعتها غرام قائلة بتأثر:
ـ ياربّي. أنا فرحتلها أوي! أخيرًا فرحت!
صفية بألم:
ـ وهي كمان كانت فرحانة بس مفيش حاجة في الدنيا دي دايمة يا غرام عشان جوزها ده مات بعدها بكام سنة.
صُدمت غرام من المفاجأة فشهقت قائلة:
ـ يااه عالوجع يعني بعد ما الدنيا ضحكتلها يحصل كده؟
صفية بنبرة ذات مغزى:
ـ الدنيا مبتضحكش لحدّ على طول يا غرام لازم الإنسان يستغلّ كل لحظة حلوة فيها.
فهمت غرام المغزى فقالت بخفوت:
ـ بس أنا خايفة أوي. خايفة يحرجني ويأذيني تاني. خايفة أآمن له يا طنط!
صفية بتفهّم:
ـ فاهمَاكي وحاسة بيكِ. بس عايزة أسألك سؤال وتجاوبيني بصراحة.
غرام:
ـ اتفضّلي.
صفية:
ـ إنتِ حاسة إن أدهم مش بيحبّك؟
غرام محاولة الهروب:
ـ مش عارفة.
صفية بتخابث:
ـ يا بت. يعني لما يقف قدام الناس كلها في المستشفى ويقول بعلو صوته إنه بيحبّك ده يبقى إيه؟ أهبل؟
غرام بإذعان:
ـ ماشي أنا عارفة إنه بيحبّني.
صفية:
ـ يبقى تدي لنفسِك وليه فرصة تانية. الحياة مش كل يوم هتبعتلنا حد يحبّنا يا بنتي. صدقيني أنا مش بجبرك على حاجة. بس صعبان عليّا أشوفك إنتِ وهو بتتألموا كده.
أنا أول مرة أشوف أدهم بيبكي عشان خاطر حد.
أدهم ده مكنش بيكره في الدنيا قد الستات. فجأة بيعيّط عشان واحدة! إنتِ متخيّلة الواحدة دي عنده إيه؟
رغمًا عنها رقص قلبها من حديث صفية، لكن الشكّ كان لا يزال يثقل قلبها فقالت بإحراج:
ـ طب هو أنا ممكن أسأل حضرتك سؤال؟
صفية:
ـ اتفضّلي طبعًا.
غرام بترقّب:
ـ هي صاحبتِك دي قدرت تنسى كل الألم اللي مرّت بيه يوم جوازها؟ قدرت تتخطى لحظة انكسارها؟
صمتت صفية لثوانٍ محاولة السيطرة على رجفة قلبها، ثم قالت بصدق:
ـ مقدرش أقولك نسيت بس اللي عاشته معاه بعد كده كان يستاهل إنها تسامحه. الذكريات الحلوة اللي عاشهالها دفنت الذكريات السيئة . وكل ما يمرّ طيفها على بالها تلاقيلها معاه ألف ذكرى حلوة تنسيها كل الوجع.
انتهى لقاء صفية وغرام بتبادل السلامات والعناقات الدافئة، فقد شعرت غرام بأن تلك المرأة تحمل حنان والدتها، وأراحها الحديث معها كثيرًا. لكنها قررت العودة إلى المنزل لتجلس مع نفسها وتفكر حتى تصل إلى حل تستطيع أن تعيش به بسلام.
عند دلوف غرام إلى بوابة القصر، قامت صفية بالاتصال بأدهم. وعندما أتاها ردّه قالت بحنان:
ـ أنا كنت مع غرام دلوقتي واتكلمت معاها زي ما اتفقنا.
قبل يومان
دخل أدهم غرفته مطأطئ الرأس، يشعر وكأنه يحمل فوق قلبه همومًا بحجم الجبال. ولم يعد يستطيع التحمّل أكثر.
عندما رأى موقف عليّ مع شقيقته شعر بمدى نذالته مع غرام، والتي لم يتمنَّ شيئًا في حياته إلا وجودها بجانبه.
يعلم أن جرمه كبير لكن حبه أكبر بكثير.
نعم، أخطأ لكنه يرفض أن يُعاقَب بفقدانها طوال حياته.
لا يزال يتذكر حديثها الذي يقطر ألمًا عندما شعرت بانفعاله على شقيقته.
هو لم يقصد إهانتها ما شعر به كان غيرة فطرية على أخته ليس كما وصفته بأنه يرى أخته غالية وهي رخيصة.
فهي أغلى ما يملك في هذه الحياة.
كل ما يريده فرصة واحدة فقط ليُثبت لها مقدار عشقه.
لم يعد يدري ماذا يفعل ليُكفّر عن خطئه، فلم يعد يحتمل الابتعاد عنها. أصبح كل شيء بلا معنى بدونها حتى التنفس بات ثقيلًا.
ماذا عليه أن يفعل أكثر؟
هكذا كان حديث أدهم مع ربه وهو ساجد على سجادة الصلاة، ودموعه تنهمر وهو يناجي قائلاً:
ـ يارب. أنا عارف إني غلطت، وندمت.
إنت وحدك عالم اللي في قلبي ناحيتها إيه
وعالم إني اتعذبت قد إيه قبل ما أعمل اللي عملته ده
وعالم إني مكنتش عايز أعمل كده بس غصب عني.
غيرتي، غضبي، وعقدتي، عمّوني.
يارب أنا ماليش غيرك دلّني على طريق ألاقي فيه راحتي معاها يــارب.
ظل أدهم يصلي وقتًا ليس بالقليل يناجي ربه إلى أن هدأ.
فدائمًا ما تكون الصلاة وقربنا من الله زورق النجاة من بحور الألم التي نقع فيها بسبب أخطائنا.
أنهى أدهم صلاته وقام بطيّ السجادة ووضعها على الكرسي أمامه، ليتفاجأ بصوت خلفه يقول بدهشة وعدم تصديق:
ـ قد كده بتحبها يا أدهم؟
التفت أدهم وتفاجأ بوالدته تجلس على السرير خلفه، تتابعه بذهول. لم تره يومًا يصلي ويبكي بتلك الطريقة.
أجابها بصوت مبحوح:
ـ ماما… إنتِ هنا من إمتى؟
قالت بحنان:
ـ مش مهم يا أدهم المهم إننا لازم نتكلم. تعال اقعد جنبي.
تقدّم أدهم نحوها بخطوات بطيئة حتى جلس بجانبها، فبادرته قائلةً:
ـ احكيلي. إيه اللي حصل ووصلكوا للحالة دي؟
حاول أدهم عدم الخوض في الحديث فقال بمراوغة:
ـ الموضوع مش زيّ ما انتي فاهمة يا ماما..
قاطعته صفية بصرامة:
ـ ما تكذبش عليّا، أنا ما نسيتش موقف المستشفى، بس كنت مستنياك تيجي وتقولّي. لكن أنا عايزة أعرف كل حاجة في الموضوع دا دلوقتي.
زفر أدهم بتعب، فإصرار والدته على معرفة ما حدث جعله لا يستطيع المراوغة، فقال باستسلام:
ـ من غير الدخول في تفاصيل مش هتفيد بحاجة. أنا وغرام كنّا مرتبطين وبنحب بعض، بس حصل كام حاجة كدا خلّتني ظلمتها وجرحتها أوي، وهي من وقتها مش قادرة تسامحني، ولا تديني فرصة أصلح غلطتي.
صفية بحزن على حال ولدها:
ـ يبقى أكيد غلطك كبير أوي يا ابني.
أدهم بانفعال:
ـ عارف إنه كبير، وعارف إني وجّعتها أوي، وندمان ندم عمري، ومستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان تسامحني، بس هي رافضة أي كلام مني، وأنا مبقتش عارف أعمل إيه.
ـ إنت متأكد إنها بتحبك زيّ ما إنت بتحبها؟
أدهم بألم:
ـ وده اللي واجعني أكتر إنها بتتعذّب لحد دلوقتي بسببي، بتعاقبني بالبعد، وهي أكتر واحدة بتتألم منه.
صفية باستنكار:
ـ هو إنتوا كلكوا كدا يا ولاد الحسيني؟ قربكم نار وبعدكم مرار!
أدهم بيأس:
ـ أنا بحبّها أوي يا ماما أنا حقيقي مقدرش أعيش من غيرها. فكرة إني أكمل حياتي من غيرها مرعبة بالنسبالي مش قادر أستوعبها.
وبكل ما تملك من حنان، احتضنته صفية بين ذراعيها بلهفة، وقد سقطت دموعها حزنًا وتأثرًا بحالته؛ فهي طوال حياتها لم تره مهزومًا أو ضعيفًا أبدًا، فقد كان دائمًا صلبًا لا يُظهر مشاعره لأحد. لكن انهياره بهذا الشكل أدمى قلبها، ومع ذلك التزمت الصمت حتى تتركه يُخرج ما بداخله من ألم وعذاب. كانت تود لو تمتص منه جميع أوجاعه حتى لا يتأذى أبدًا، ولكن ما باليد حيلة؛ فلكلٌ منا قدر يجب أن يعيشه بحلوه ومره هكذا هي الحياة.
بعد مدة، استطاع أدهم أن ينتزع نفسه من بين أحضان والدته، فقالت بحنان:
ـ ارتحت شوية لما خرجت كل اللي جواك؟
أدهم بامتنان:
ـ الحمد لله يا حبيبتي ربنا ما يحرمني منك أبدًا.
صفية بمزاح:
ـ لا حبيبتي إيه! دا أنا اتركنت على الرف خلاص! وبقى في حبيبة تانية غيري!
أدهم بابتسامة:
ـ مفيش حد أبداً يقدر ياخد مكانك عندنا يا ماما. أنتِ أغلى حاجة في حياتنا. الحضن اللي مهما كبرنا واتشغلنا لما الحياة بتِقل علينا بنجري عليه نستخبى فيه.
صفية بتأثر:
ـ ربنا ما يحرمني منكم يا حبيبي. المهم بقى نسيبنا من كل الكلام دا، ونخلّينا في البت أم دماغ ناشفة عايزة تتكسر دي!
أدهم بسخرية:
ـ آه والله… قلبها حجر.
صفية بتخابث:
ـ واللي يلين الحجر دا؟
نظر أدهم إليها بنصف عين، ثم قال بترقّب:
ـ ماما انتِ تقصدي إيه؟ وخلي بالك أنا عامل زي الغريق اللي ما هيصدّق يلاقي قشاية يتعلق فيها.
صفية باستنكار:
ـ غريق إيه يا واد؟! ما تنشف أومال. أنا معنديش رجالة طرية كدا! دا أدهم اللي البنات كانت بترمي نفسها تحت رجليه!
أدهم بمسايسة:
ـ إيه يا ماما؟ ما كنتِ حلوة من شوية. قلبتِ عالوش التاني ليه؟ سيبك من دا كله وقوليلي هتليني الحجر إزاي؟
صفية بتخطيط:
ـ أنا هتكلم معاها، وهحاول أقنعها.
أدهم بإحباط:
ـ كان غيرِك أشطر. بقولّك دماغها أنشف من الحجر.
صفية بنفاد صبر:
ـ مالكش فيه. سيبلي أنا الموضوع دا. المهم. انت كمان ليك دور ولازم تعمله.
أدهم بلهفة:
ـ أنا من إيدك دي لإيدك دي. بس قوليلي أعمل إيه؟
صفية بتخطيط:
ـ هقولك..
قام أدهم بتنفيذ خطة والدته، والتي تتضمن إشراك شخص آخر معها، حتى وإن كان إقناعه صعبًا، لكن يجب أن يفعل كل ما بوسعه حتى ينال مسامحتها.
ـ أنا عارف إنك مستغربة أنا ليه طلبت أقابلك ضروري. بس إنتِ أكتر شخص ممكن يساعدني في مشكلتي دي!
★★★★★★★
في الشركة كان يوسف ينهي بعض الأعمال قبل دخول الاجتماع الثاني لهذا اليوم، لكن كان أهمهم تلك المقابلة مع الفتاة التي دخلت إلى مكتبه بعد أن سمح لها بالدخول، فاقتربت منه قائلة باحترام:
ـ حضرتك طلبتني يا يوسف بيه؟
ـ تعالي يا آنسة أميرة. اتفضلي اقعدي.
أطاعته أميرة وجلست على الكرسي أمام مكتبه، فقال يوسف بعملية:
ـ مواعيد التدريب بتاعت الطلبة اللي لسه متخرجين جديد هتبدأ الأسبوع دا. صح؟
ـ أيوه يا فندم فعلاً، وحتى الآنسة كاميليا بنت عم حضرتك من ضمنهم. أنا لسه كاتبة اسمها لما بلغوني.
يوسف وقد وصل إلى مبتغاه قال بلهجة هادئة تخفي إحراجه:
ـ أه فعلاً. أنا عرفت إنكوا جهزتوا كل حاجة، وإنك انتِ والبشمهندس عدي هتكونوا مسئولين عن التدريب زي كل سنة.
ـ أيوه فعلاً يا فندم، البروجرامات بتاعت التدريب اتجهزت، وكل حاجة تمام، وإن شاء الله هنبدأ من بكرة.
يوسف بجمود:
ـ تمام. بس هيبقى فيه تغيير بسيط. أنتِ هتكوني مسئولة عن تدريب البنات، وعدي هيكون مسؤول عن تدريب الشباب.
قطبت أميرة جبينها وقالت باستنكار:
ـ إزاي يا فندم؟ إذا كان كل واحد فينا مسؤول عن حاجة معيّنة، يعني تقريبًا إحنا بنكمل بعض. إزاي كل واحد هيبقى مسؤول عن مجموعة؟
يوسف بحدّة:
ـ اللي أنتِ بتقوليه دا أنا عارفه، مش مستنيّكِ تعرفيهولي. واللي أقوله يتنفّذ، ولا أنتِ لما جيتي درستي قسمتي دراستك إنتِ وعدي على بعض وكل واحد امتحن في جزء؟! انتِ مش درستي كل حاجة؟ وبقالِك سنين بتشتغلي هنا؟
جفلت أميرة من انفعال يوسف وحدّته فقالت بلهفة:
ـ طبعًا يا فندم عارفة كل حاجة، واللي حضرتك قولته هيتنفّذ. بس دا السيستم اللي ماشيين عليه بقالنا سنين، عشان كدا استغربت بس.
يوسف بفظاظة:
ـ متستغربيش! وتدريب كاميليا هانم هيكون تحت إشرافِك الشخصي، ومش هيكون في أي تعامل بينها وبين حد تاني. أعتقد فهماني؟
ـ فاهمة طبعًا يا فندم. أوامر حضرتك هتتنفّذ بالحرف الواحد.
يوسف بفظاظة:
ـ وطبعًا مش محتاج أقولّك إن مفيش كلمة من الكلام دا حدّ يعرف بيها.
ـ أوامر حضرتك يا فندم.
ـ اتفضّلي على شُغلك.
خرجت أميرة من الغرفة، لتلمع عينيها بنجوم الحب حالما رأت مازن الذي دخل إلى غرفة يوسف وهو يصفّر ويدندن لحن أغنية شعبية. فنظر إليه يوسف بلا مبالاة، ثم ضغط على الهاتف ليوصله بسكرتيرته وقال باختصار:
ـ هاتِيلي القهوة بتاعتي.
فصدح صوت مازن الساخر وهو يقول بلهفة مصطنعة:
ـ بس والنبي يا سمر. هاتيها من غير سكر خالص، أحسن يوسف بيه صحته متستحملش.
نظر يوسف إليه باستفهام، فتقدّم مازن ووضع يده فوق جبهته يتحسسه وينظر في وجهه بتفحّص. فضاق يوسف ذرعًا بحركاته الغريبة تلك فقال بنفاد صبر:
ـ في إيه يا ابني انت!
مازن بتساؤل:
ـ طمني عليك. عامل إيه دلوقتي؟ ضغطك كويس؟ حاسّك سخن ووشك أصفر!
ثم شمّ الرائحة حوله بحركة مضحكة وقال بضحكة مكتومة:
ـ ريحة شياط! تقريبًا جاية من ودانك، صح!
نظر إليه يوسف بعدم تصديق وقال بغيظ:
ـ تصدّق إنك عيل ظريف، ودم أمك يلطش!
كان مازن يكتم ضحكته بصعوبة، فقال يوسف بسخرية من مظهره:
ـ اضحك اضحك. بدل ما إنت كاتمها كدا أحسن تِطُق وتموت وتبقى موتة هايفة زيك.
عند حديث يوسف، أفلتت ضحكة صاخبة من مازن الذي كان يراقب ملامحه على الإفطار صباحًا ويعلم مدى غضبه، فأراد أن يضيف بعضًا من الوقود فوق نيرانه فقال من بين ضحكاته:
ـ أدفع نص عمري وأعيد مشهد الصبح دا تاني! الواد المفعوص قال إيه! عايز يتجوز! لا وراسم على تقيل! عايز يخطف الجميلة من الوحش! خدت بالك وهو قاعد يحب ويحُضن فيها؟ وكاميليا جميلة، شعرها جميل، عينيها جميلة، بقّها جميل….
عند هذا الحد اشتعل غضب يوسف فقال بحدّة:
ـ ما تِكتِم يا حيوان انت. بدل ما الخبطلك معالم وشك.
مازن بمزاح:
ـ لأ أكتّم إيه! دي فرصتي أشمت فيك! أومال؟ فاكر لما كنت شمتان فيا عشان علي قرفني في عيشتي؟ أديك دلوقتي طلعلك عيل مش باين من الأرض، وعمال يبوس ويحُضن فيها! لا وقاعد قدّامك يقول عادي إنه عايز يتجوزها! أنكر إنك اتغاظت. أنكر كدا!
يوسف بغرور:
ـ ليه؟ فاكرني هايف زيّك؟ هغير من حتّة عيل صغير؟!
قهقه مازن بشدّة على مظهر صديقه وقال بتخابث:
ـ ما تحاولش. الغيرة فضاحة يا برنس! تخيل بقى يوسف الحسيني العظيم. يغير من حتّة عيل طول ركبته! الله يرحمك يا هيبة..
زفر يوسف بحدّة قبل أن يقول بغضب مكتوم:
ـ ماهو عيل غِتيت شبهك! قولي. جاي عايز إيه؟ مش فاضي لك.
مازن بذهول:
ـ أقولك إيه يا ابني؟ مش انت اللي باعتلي عشان عايزني؟! انت المزة لحّستلك دماغك خالص!
يوسف بصراخ وقد أوشك على الانقضاض عليه:
ـ ما تتلم يا زفت انت! واحترم نفسك، وإلا وشرف أمي هقوم أكسّر عضمك!
مازن محاولًا امتصاص غضبه:
ـ إيه يا جو يا صديقي. الواحد ميهزرش معاك خالص؟! وبعدين إنت اللي بتعمل حاجات تغيظ بصراحة ومش مفهومة بالمرة.
يوسف باحتقار:
ـ أنا اللي مش مفهوم؟ ولاّ انت اللي غبي؟!
مازن بتذمّر:
ـ أيوه انت مش مفهوم! تقدر تقولي ليه اتقمصت وصدّرت الوش الخشب لما عرفت إنها هتشتغل؟! وانت أصلًا اللي قايل لجدك على حوار الشغل دا؟
يوسف بانفعال:
ـ الهانم بقت بتاخد قرارات من غير ما ترجعلي! ولا كإنّي موجود!
مازن بعدم تصديق:
ـ مش انت يا ابني اللي مديها الوش الخشب؟! يا يوسف. اسمع مني. اقعد اتكلم معاها وقولها كل حاجة…
قاطعه يوسف بانفعال:
ـ اسكت يا مازن! واقفل على الموضوع دا خالص!
مازن محاولًا إقناعه:
ـ يا يوسف. انت سامحتها على كل حاجة. مجتش على دي!
يوسف بانفعال:
ـ إلا دي بالذات! المرة دي. مفيش أي حاجة ممكن تشفع لها عندي يا مازن!
مازن بتفهم:
ـ أنا عارف يا صاحبي إنك شايل كتير جواك. بس انت أكتر واحد في الدنيا عارف كاميليا بتحبك قد إيه؟ تصرفاتها فيها جانب طفولي كبير، وكمان انت عارف اللي اتعرضتله في حياتها. ساعد نفسك وساعدها. مش كل الناس بتفكر زيّك. يا يوسف كاميليا لسه شخصيتها بتتشكل. خليك صبور عليها شوية. أنا عارف إنك بتتعذب وهتتعذب… بس أنا وانت عارفين هي إيه بالنسبالك.
يوسف باختصار:
ـ والمطلوب؟!
مازن بترقّب:
ـ يعني. لو تديها إشارة. أو تحاول تخليها تاخد خطوة. وعلى حسب ردّ فعلها هتقدر تقرّر.
زفر يوسف بتعب، وغيّر مجرى الحديث بعدما ضاق ذرعًا بكل ما يحدث معه، فقال:
ـ اقفل على الموضوع دا. المهم. مفيش خبر من الناس بتوعك؟
مازن بعملية:
ـ الشحنة هتوصل بعد بكرة الساعة ٢ بالليل. هتقعد في المينا تقريبًا ساعة قبل ما العربيات تيجي تحملها.
ـ ويا ترى مداري في إيه المرادي؟
مازن بسخرية:
ـ شحنة موبايلات مستوردة، وصاحبك دافع ومشبع الناس أوي! عشان كدا محدش هيدوّر وراه!
يوسف بتفكير:
ـ قُلت هتقعد في المينا ساعة واحدة قبل ما يحملوها؟
ـ بالضبط. بس أكيد هيكون عليها حراسة مشددة. بتفكر في إيه؟
يوسف بمكر:
ـ هقولّك!
**********
كانت كاميليا تتجوّل مع مراد في الشركة تتعرّف على موظفيها وأقسامها، ولكن عقلها كان معه، خاصةً عندما شاهدته يدخل قاعة الاجتماعات، ورأت تلك السكرتيرة الحمقاء التي ترتدي ملابس من وجهة نظرها فاضحة، وتضع الكثير من مساحيق التجميل على وجهها. فثارت غيرتها وودت لو أنها تقتحم تلك القاعة وتُخرج تلك الفتاة منها، خاصّةً عندما طال الاجتماع كثيرًا؛ فقد ظلّ قرابة الساعتين، حتى إن تلك الفتاة "مرام" اضطرت أن تغادر عندما لم تستطع مقابلة أدهم، وأخذت ميعادًا من الموظّفة لمقابلته غدًا أيضًا.
حاولت كاميليا أن تهاتف غرام كثيرًا، فكان هاتفها مغلقًا، فأخذت تزفر بغيظ، واستأذنت من مراد واستقلّت المصعد متوجّهة إلى غرفته، فلم تجد تلك "الشمطاء" كما أسمتها، فعلمت بأن ذلك الاجتماع لا يزال قائمًا. فقادتها قدماها إلى غرفته لا تعلم لِمَ، ولكنها كانت تطوق إلى التقرب من أي شيء يخصّه. وبالفعل دخلت إلى مكتبه، فغزت أنفها رائحته، فأخذت تتقدّم حتى وصلت إلى مكتبه وأخذت تعبث في أشيائه، ووجدت معطفه المعلّق في المكان المخصّص له، فاقتربت منه وقامت بإمساكه بكلتا يديها مقرّبة إيّاه من أنفها تستنشق رائحته العذبة؛ فقد أضناها شوقها إليه.
حتى أنها لم تنتبه للباب الذي انفتح، ولا لذلك الصوت الغاضب الذي جاء من خلفها:
ـ إنتِ بتعملي إيه هنا؟؟
•تابع الفصل التالي "عشق بين حنايا الروح" اضغط على اسم الرواية