رواية حريم الباشا الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
خرجت تالين من القصر بعد إنتصاف الليل ، والسماء فوقها ثقيلة بلون رمادي لا يريح القلب.
كانت خطواتها ثابتة أكثر مما ينبغي، كأن جسدها قرر أن يقوم بالمهمة وحده دون استشارة عقلها.
لم تلتفت خلفها، ليس شجاعة، بل خوفًا من أن تعود إلى القصر لو نظرت
جلست في السيارة وأغلقت الباب، ثم أسندت رأسها إلى الزجاج البارد،عقلها كان يعيد المشهد دون ترتيب، كأن الذكريات تتصارع على من يظهر أولًا.
شعرت بالمهانة، نعم، لكنها شعرت أيضًا بشيء آخر لم تحب الاعتراف به،كان هناك فضول مؤلم يتحرك داخلها ببطء،
فضول لمعرفة كيف تمكن فارس من الإمساك بها دون أن نصرخ.،كيف جعلها تصمت وتستجيب رغم أنها بنت هويتها كلها على فكرة التمرد،حدثت نفسها قائلة إنها أقوى من ذلك
لكن صوتًا آخر همس داخلها بأنها لم تكن ضعيفة، بل كانت مُربكة،والارتباك أخطر من الضعف.
في المساء، جلست في مقهى راقٍ اعتادت التردد عليه ،كانت تحاول استعادة صورتها القديمة، تلك التي لا يهزها رجل ولا مكان،لكنها لم تكن تصغي للأغنية في الخلفية، ولا لطعم القهوة
ضحى مالك يا تالين شارده كده مش عوايدك ؟
لاحظت تالين الكأس الفارغ فى يدها
قربت من ضحى وهمست فارس الناطورى اتجنن رسمى ورحمة آمى لابهدله.
ضحى _فارس ماله عمل ايه
رفعت تالين عين متمرده ،القذر حاول يخضعنى ،فاكرنى وأحده من بناته الرخاص
ضحى بلهفه / بجد عمل ايه؟
حكت تالين وهى تضحك حريصه على ان تجعل موقفها اقوى
وتوضح مع كل كلمه انها رفضت ولم تستجيب وجعلت ليلته كحل.
التقط سمعها صوت امرأة خلفها، نبرة واثقة تعرف أنها مسموعة
زوجة رجل مهم في الدولة، امرأة تتحرك دائمًا محاطة بالمعرفة لا بالحراسة
كانت تالين تعرفها من بعيد لم يجمعهم حديث طويل سوى السلامات،سألت المرأه ،فارس عمل كده بجد؟
وكانت تعرفه من بعض الحفلات المشتركه التى كان يحضرها فارس الناطورى
تالين اه حصل بجد لكن انا بهدلته، راحت المرأه تسأل اكتر مهتمه بكل تفصيله حتى لو كانت صغيره وتالين ترد..
هى صافيناز مهتمه ليه كل ده بالى حصل مع فارس؟
سألت ضحى بفضول بعد أن اختفت المرأه
_فكك همست تالين وهى تفرغ كأس خمره فى جوفها
لكن تالين لحظتها شعرت بالحيره والغيره لا تعلم من أين آتى ذلك الشعور لكنه احساس كان حاد وممضى.
بعد أسبوع كامل، كان سيد عبد الهادي يجلس على حافة السرير في شقته الضيقة،كانت النقود قد نفدت، ومعها نفدت القدرة على التمثيل،جسده بدأ يتمرد عليه، كما يتمرد الخادم المهمل،كان العرق يخرج من جبينه دون سبب و يده ترتجف رغم أنه لم يمسك شيئًا، رأسه كان أثقل من أن يُحتمَل
حاول أن يقنع نفسه بأن الأمر مؤقت،قال إن الرجولة صبر، وإنه لا يحتاج لأحد،لكن حاجته كانت أعلى من شعاراته
تذكر القصر،تذكر مكتب فارس،تذكر نظرته التي لا تهدد ولا تطمئن،كره نفسه لأنه يفكر فيه، وكره نفسه أكثر لأنه كان يعرف الحل، جلس مع مليكة مساءً، مختلفًا عن عادته
لم يصرخ،لم يهين،وهذا أربكها.
قال لها بصوت منخفض إنه يريدها أن تذهب للقصر،
قالها وكأنها مسألة محسومة لا نقاش فيها،قال إن الحياة تحتاج تنازلات، نظرت إليه مليكة طويلًا،رأت الضعف الذي لم تعتد رؤيته،رأت رجلًا لا يملك سوى صوته، وصوته بدأ ينهار.
قالت له إنها قالت لا ورفضت الذهاب وهذا امر منتهى
قال لها إنه لا يملك رفاهية الرفض، إن الجوع لا يفهم الكرامة
صرخت مليكه بقا يا راجل عايزنى اروح هناك بعد ما قلت لا ؟
طيب بأى وش هقابله ؟
همس سيد، فيه ستات كتير بتخدم فى البيوت وبتساعد رجالتها ،انتى مش هتعملى حاجه غلط دا مجرد فنجان قهوة
فكرى فى بنتنا إلى بتكبر وعايزه تتعلم ووتتجوز
في تلك الليلة، نام سيد مرتاحًا لأول مرة منذ أيام، أما مليكة، فبقيت مستيقظة،تعرف أنها لن تذهب لأن فارس أمرها
ستذهب لأن سيد سقط،وفي مكان آخر،كان فارس الناطوري يشعل سيجارته بهدوء،لم يسأل عن أحد، لم يتعجل شيئًا
كان يعرف أن اللعبة وصلت إلى مرحلتها الطبيعية
فالذين يرفضون أولًا،يأتون لاحقًاوهم أكثر طاعة،يأتون وهم مستعدين للذى لم يحدث بعد وهذا ما يعجبه فى النفس البشريه التى ترفض من مكان قوة ثم تأتى صاغرة منكسرة كأنها لم تتخذ قرار بالأمس
زراح يتخيل وجه مليكه وكيف سيكون عندما تقف امامه
قشعر بنشاط وسعاده ،هذة الأمور تنشيه أكثر من المخدر
كان قد مضى ثلاثة أيام على مغادرة تالين ولم يصله عقابها الذى توعدته به
تأسف فارس لانه كان مستعد أكثر من الأزم للوقوف فى وجه ابيها الوزير واخراصه انه يملك من الادله ما يجعل الرجل يترك وزارته لكنه لا يريد ذلك بل يريد تالين خاضعه بقواعده دون الاستعانه بأى اشياء أخرى
وكانت الشمس تتسحب خلف الاشجار مخلفه شفق احمر
عندما توقفت سياره فارهه على بوابة القصر قبل أن يسمح لها الحارس بالدخول
نفخ فارس دخان سيجارته وهو يفكر من تلك؟
ثم نزلت من السياره على وجهها نظاره سوداء ترتح فى فستان من الساتان الضيق، فى أواخر الثلاثين من عمرها
انيقه ورشيقه ثم عرفها فارس الناطورى ان صورها تملاء الجرائد مع زوجها المهم.
فكر للحظه ودى عايزه ايه كمان ؟
لم يتأخر الرد ،طرقت رزان باب غرفة مكتبه، صوفيا هانم تحت طالبه تقابلك يا فارس باشا
غريب ؟ تعجب فارس، ما الذى تريده تلك المرأه
لطالما كانت رزينه وحريصه
هى ما قالتش سبب الزياره ايه ؟
لا يا فارس بيه انت عارف إلى ذى صوفيا مش بيقول حاجه
فعل فارس فرص الموسيقا واشعل سيجارته
خليها تتفضل يا رزان!
فتحت رزان الباب لصوفيا ثم استأذنت فى المغادره صرفها فارس باشاره من يدها حرص ان يجعلها ملحوظه
اهلا صوفيا هانم، مدت صوفيا يدها تنتظر القبله المتعارف عليها فى وسطها،لكن فارس الناطوري اكتفى بسلام عابر
اتفضلى يا هانم، تشربى ايه ؟
نزعت صوفيا وشاحها ،مسحت المكتب بعينها ،لا وجود لزجاجات خمر او ويسكى ،مكتب أنيق اختير ديكوره واثاثه بدقه
سيجاره ممكن ؟
طبعآ يا هانم قرب فارس سيجاره من فم صوفيا وقرب لها الولاعه ثم نظر فى عينيها مطولآ
لطالما كان قادر على قراءة النساء من عيونهم لكنها تبدو باهته وعميقه عصية على الفهم
بينما كانت تفكر صوفيا لطالما رأت نظرة الخضوع فى عيون الرجال عندما يعرفون اسم زوجها، لطالما راهنت على ذلك وفكرت انه ليس شخص مختلف، كل ما هنالك انه حقن نفسه بجرعة مخدر زائده منحته الشجاعه لفرض سيطرته على تالين
طبعا بتسأل نفسك انا هنا ليه يا فارس ؟ وضعت صوفيا قدم على قدم واخذت راحتها فى الجلسه،ابتسم فارس الناطورى بلا مبلاه مما ازعجها
•تابع الفصل التالي "رواية حريم الباشا" اضغط على اسم الرواية