رواية عشق بين حنايا الروح الفصل السابع 7 - بقلم نورهان العشري

 رواية عشق بين حنايا الروح الفصل السابع 7 - بقلم نورهان العشري

طية الروح السابعة 💗 " عشق بين حنايا الروح"
تلك الاعتذارات الكاذبة، المتدثّرة بحجج واهية، لن تُجدِي نفعًا في ترميم قلبي. كان عليك أن تُحسِب حساب لكلماتك قبل أن تُطلِقها، ولأفعالك قبل أن ترتكبها؛ فما خلفته من وجع في قلبي لن يمحوه ألف اعتذار.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
دخلت نيفين إلى تلك الشقّة المتوسطة الحال، وأخذت تنظر حولها بقرف واشمئزاز؛ فكيف يمكنها أن تعيش في هذا المكان المقرف بعد أن كانت تعيش في ذلك القصر الفخم؟
اقتربت من تلك الأريكة القديمة وجلست عليها بغضبٍ شديد، وهي تعبث في هاتفها الذي توسّلت إلى تلك الخادمة كثيرًا حتى تستطيع أن تجلبه لها من غرفتها، ولحسن حظها وافقت وأعطتها الهاتف، فأخذت تبحث فيه كثيرًا إلى أن وصلت إلى ذلك الرقم المنشود وقامت بالاتصال، فوجدته مغلقًا، فأخذت تسبّ وتلعن كثيرًا إلى أن أتتها تلك الفكرة التي قامت بتنفيذها في الحال، وشرعت في الاتصال برقمٍ آخر، وأخذ الهاتف يرنّ كثيرًا حتى رُدَّ عليها، فهَبَّت من مقعدها تجيب بلهفة:
ـ ألو!
ـ أيوا، مين معايا؟
ـ راغب بيه؟
نظر راغب إلى رقم الهاتف ثم قال بتحفّظ:
ـ أنتِ مين ؟
نيفين بلهفة:
ـ أنا نيفين الحسيني.
في بداية الأمر اندهش راغب كثيرًا من محادثتها، ولكنه قرر أن يلعب قليلًا بمكر:
ـ معرفش حد بالاسم ده، النمرة غلط.
وهمّ بإغلاق الخط، فقالت نيفين بتوسل ولهفة:
ـ أرجوك متقفلش. اسمع مني الأول وبعدين قرّر.
راغب مدّعيًا التفكير:
ـ أمممم، قولتلك النمرة غلط.
ـ ولو قولتلك إني عارفة إن سميرة عندك وإنك بتخطط تنتقم من عيلة الحسيني عن طريق رائد ابن أخوك؟
قهقه راغب كثيرًا قبل أن يقول:
ـ جبتي إيه جديد؟ ما ده كله معروف!
نيفين بمكر:
ـ مجبتش جديد، بس خليتك تسمعني، واتأكدت إني طالبة النمرة الصح.
راغب بإعجاب:
ـ لا، عجبتني دماغك.
نيفين بنبرة مُغترة:
ـ لا ولسه هتعجبك لما تعرف إني ناوية أساعدك تجيب مناخيرهم الأرض.
راغب يتهكم:
ـ ومين قالك إني محتاج مساعدتك يا شاطرة!
نيفين بتخابث ودلالٍ مصطنع:
ـ ولو قولتلك إني أنا اللي محتاجة مساعدتك، هتكسفني؟
راغب بمكر:
ـ لا، مقدرش أكسف الحلوين أبدًا.
نيفين وقد وصلت لمبتغاها:
ـ كده نبقى متفقين.
لم يتسنَّ له الرد إثر دخول سميرة الغرفة، فقال بغموض:
ـ رقمك معايا، هكلمك وقت تاني.
قام بإغلاق الهاتف، فتقدمت سميرة إليه وعلى وجهها ابتسامة ماكرة، ثم قالت بنبرة خافتة قاصدة إثارته:
ـ ملامح وشّك مريحتنيش وإنت بتتكلم، فعرفت إنك بتكلم واحدة، وده أنا معنديش اعتراض عليه، الغيرة أصلها مش من ضمن اتفاقاتنا، فمالوش داعي تمثل عليّ عشان أنا فاهماك.
راغب بتخابث:
ـ ولو كلمت ألف واحدة، مفيش حد هيملي مكانك. عارفة ليه؟
لم تجبه، بل اكتفت برفع إحدى حاجبيها، ليتابع بعد أن اقترب كثيرًا منها:
ـ عشان إنتِ الوحيدة اللي فاهماني وبتعرفي تريحيني.
سميرة بنعومة:
ـ طب مادام فاهماك وبريحك، مالوش لزوم الكذب. وقولي اتلخبطت ليه لما دخلت؟ تكونش الواحدة دي تخصّني؟
قهقه راغب كثيرًا بسبب دهاء تلك المرأة وقال بإذعان:
ـ بصي، مادام ثبتّيني وجيتيلي دوغري، أنا هقولك.
وبالفعل قص عليها محادثته مع نيفين، مما جعلها تستشيط غضبًا من تلك الغبية، فقالت بانفعال:
ـ والمتخلّفة دي عايزة إيه؟؟ مش كفاية ضيّعتنا بسبب غبائها؟
راغب باستفزاز:
ـ اهدي شوية، الانفعال غلط عشان التجاعيد. السن ليه حكم برضه.
سميرة بسخرية:
ـ لا متقلقش، التجاعيد ليها حلول كتير. بس في حاجات تانية لا نافع لها علاج ولا غيره، وملهاش دعوة بالسن، هيّ كده كده بايظة.
غضب راغب من حديثها وقال هادرًا:
ـ الرك على الست.
سميرة بتهكم:
ـ وماله.. مش موضوعنا. عرفني هتعمل إيه مع البِت دي.
راغب بحدّة:
ـ معرفش.. وبعدين ماهي البت دي جلبِك. شوفي إنتِ عايزة أعمل إيه معاها وأنا هعمله. وبعدين هي بتقول إنها هتساعدني عشان أنتقم من عيلة الحسيني.
سميرة بسخرية:
ـ اللي ما عرفت تعمل حاجة وهي جواهم، هتعمل برا؟ دي عيلة خايبة سابت حتة بت زي كاميليا تتغلب عليها وتاخد يوسف منها! وهي اللي طالع عليها أعمل إيه بيحبها! وبسببها بنت زهرة انتصرت عليا وطردتني برا القصر.
قالت كلماتها الأخيرة بغضب وحقد، مما جعله يتساءل بصوتٍ عالٍ:
ـ آه صحيح، تعالي هنا.. هو إنتِ عرفتي منين إن كاميليا دي بنت مراد مش بنت أحمد؟
أخذت سميرة تسترجع ذكرياتها لذلك اليوم عندما علمت تلك الكارثة.
عودة إلى وقتٍ سابق
دخل أحمد إلى غرفته بعد عناء يومٍ طويلٍ في الشركة، وعندما وصل إلى المنزل فلم يجدها بالأسفل، وأخبروه بأنها لم تُغادر غرفتها طوال اليوم هي وابنتها، فهرول قلقًا إلى الأعلى للاطمئنان عليها، فوجدها تجلس في الشرفة تنظر إلى البعيد، وعلى وجهها إمارات الحزن، فاقترب منها بلهفة قائلًا:
ـ إيه يا زهرة، مالِك؟ تعبانة ولا إيه؟
نظرت إليه زهرة لثوانٍ قبل أن تدير وجهها للاتجاه الآخر قائلة بجمود:
ـ مفيش حاجة، أنا كويسة!
أحمد باستفهام:
ـ طل منزلتيش تحت النهارده ليه؟
انتفضت زهرة من مقعدها ودخلت إلى داخل الغرفة قائلة بانفعال:
ـ عشان مبقتش قادرة أتحمل أكتر من كده! الإحساس بالذنب هيموّتني.
أحمد بغضبٍ حاول كتمه:
ـ ذنب إيه إن شاء الله؟
زهرة بانفعال:
ـ إنت عارف ذنب إيه كويس قوي. أنا مش هقدر أشوف مراد وبنته كل يوم بتكبر قدّام عينه وهو ميعرفش إنها بنته..
زاد غضبه كثيرًا، فقام بإغلاق جميع نوافذ الغرفة والشرفة أيضًا قبل أن يتوجه إليها قائلًا بحدّة:
ـ مش قولنا نقفل على الموضوع ده ومتتكلميش فيه خالص؟
زهرة بغضب:
ـ مش هقدر أقفل عليه! كفاية سكتّ السنين اللي فاتت دي كلها وقبلت إني أبقى في نظر أبوك ست مش كويسة، وكل ده بسببك!
أحمد وقد جنّ جنونه، فأمسكها بعنف من رسغها قائلًا بغضب جحيمي:
ـ بسببي! دلوقتي بسببي؟ مش أنتِ اللي طلبتي مني إن مراد ميعرفش إن كاميليا تبقى بنته؟ واشترطتي عليّا إني أكتبها باسمي قبل ما نتجوز! ها؟ ردي عليّا!
زهرة بألم وانفعال:
ـ أيوه حصل، بس الانتقام كان عاميني وقتها. وإنت حتى محاولتش تفوّقني، بالعكس جرّيتني في الغلط لحد ما وصلنا للمرحلة دي.
أحمد بغضب:
ـ هو ده اللي أنتِ فاكرهولي بس! مش فاكره إني عاديت الناس كلها عشان خاطرك؟ وأولهم أبويا! خدتك واكتفيت بيكِ عن أي حد، دلوقتي بقيت وحش؟
زهرة بندم:
ـ والله ما أقصد. إنت أكتر واحد في الدنيا دي ساعدني ووقف جنبي في أصعب أيامي، بس أنا مبقتش قادرة. إحساسي بالذنب هيموّتني. كل ما أشوف نظرة مراد لكاميليا بموت، وكل ما أسمعها بتقوله عمو بموت. حرام عليك حسّ بيا!
شعر أحمد بالألم لحزنها، ولكن كبرياؤه أبى التراجع فقال بحدّة:
ـ اتحمّلي وحاولي تنسي الموضوع ده، واقنعي نفسك إن كاميليا بنتي أنا، مش بنت حدّ تاني.
زهرة بانفعال من حديثه:
ـ بس كاميليا مش بنتك. إنت مابتخلفش!
ولأول مرة امتدت يداه لتصفعها على خدها، صفعة انطبعت في قلبها أكثر. فنظرت إليه بعدم تصديق، هل حقًا فعلها؟ وهذا السؤال كان يتردد أيضًا في عقله، ولكنه أبى أن يُظهر شيئًا، فقال بحدّة:
ـ آخر كلمتين في الموضوع ده: كاميليا بنتي، ومحدش هيعرف غير كده! واعرفي إن ده أحسن ليكِ وليها.
زهرة باستنكار:
ـ إنت بتهددني يا أحمد؟
أحمد بحنق:
ـ افهمي زي ما تفهمي، بس خليكِ عارفة إن اليوم اللي سميرة فيه هيوصلها خبر إن كاميليا بنت مراد. مش هيطلع عليكي ولا على بنتك نهار! وأنتِ عارفة وشايفة حقيقتها بنفسك، ومراد عمره ما هيقدر يحميكي ولا يحمي كاميليا. لو مش خايفة على نفسك، خافي على بنتك.
شعرت زهرة بالرعب من حديثه، فهي تعلم أن تلك المرأة ما هي إلا شيطانة تعيش بينهم، وهي قادرة على فعل أي شيء، فهي السبب في تدمير سعادتها مسبقًا، ولكن هل يصل الأمر بها إلى إيذاء صغيرتها؟
اقترب أحمد منها قائلًا بلهجة حزينة متألمة:
ـ أنا ولا مرة حسّيت إن كاميليا مش بنتي! افتكري لما كانت بتتعب مين كان بيسهر بيها؟ مين كان بيراقبها خطوة خطوة وهي بتكبر؟ مين عنده استعداد يضحي بنفسه عشانها؟ أنا مش أناني يا زهرة، أنا فعلًا خايف عليها. سميرة لحد دلوقتي مش متقبّلة إنها خسرتني، وشوفتي بتعمل إيه عشان تضايقك. تخيلي تعرف إن كاميليا بنت مراد، واللي ممكن في أي لحظة يضحي بيها ويرميها في الشارع! تخيلي ممكن تعمل إيه؟
عودة للوقت الحالي
انتهت سميرة من سرد ذلك الموقف الذي كانت تتابعه من خلف باب غرفتهم، وتلك الحقيقة الصادمة التي نزلت فوق رأسها كالمطرقة لتشعر بغضبٍ عظيم تجاه زهرة، دفعها للقول بحقد:
ـ طبعًا الهانم فضّلت زعلانة منه، والبيه مقدرش على زعلها، فراح حجّزلهم يروحوا يقضّوا أسبوع قال في إسكندرية. وهما رايحين العربية اتقلبت بيهم.
راغب باستفهام:
ـ طب ومخلّصتيش على البِت ليه؟ خلّيتيها تلحق أبوها وأمها؟
سميرة بحقد:
ـ وآخد حقي من مين؟؟ بعد موت أحمد كرهت زهرة أكتر، وحلفت لهعمِل في بنتها اللي معرفتش أعمله فيها. بس بنت المحظوظة وقف في ضهرها ابن الحسيني ونصرها عليها زي ما عمّه عمل مع أمها زمان. بس لا. اللعبة لسه مخلصتش، وأنا وراها وراها لحد ما أذلّها وأذلّه بيها، ومش هرتاح غير وأنا بدفنها زي أمها..
راغب بإعجاب:
ـ هو ده الكلام! إحنا بقى عايزين نركز الفترة الجاية دي ونتسلى عليهم واحد واحد.
أوشكت سميرة على الرد، فجاء قائد الحرس الخاص براغب وذراعه اليمنى ودق الباب، فأذن له راغب بالدخول، وأشار له بالحديث بحرية أمام سميرة، فقال الرجل بهدوء:
ـ اللي حضرتك طلبته اتنفّذ يا راغب بيه، والبِت في المخزن.
*************
نظر الجميع لذلك الذي كان يقف أمام غرفة الصالون وينظر لعلى بغضبٍ كبير بعد أن ألقى بوجهه رفضه الصريح له زوجًا لأخته، والتي كانت ترتجف من فرط الرعب والألم معًا، ولم يَخْفَ عليه ذلك حينما حانت منه التفاتة إليها فوجد عينَيها تحملان الكثير من العتاب والحزن معًا، فآلمه ذلك ولكنه لم يُفصح عمّا يدور بداخله، ليفاجئه سؤال يوسف الذي كان يحمل التهكّم والسخرية في طياته:
ـ وليه يا أدهم مش موافق؟
نظرات يوسف كانت تحمل بداخلها الكثير من التحدي والوعيد لهذا الأحمق الذي كانت تجتمع بداخله الكثير من المشاعر المتناقضة، منها الغضب والغيرة واليأس أيضًا، ولا يعلم أي شعور منهم قد دفعه لهذا الرفض، وجاء هذا السؤال ليضعه في موقف محرج، خاصة أمام كل تلك العيون التي كانت تناظره باستفهام وأخرى بدهشة، فحاول التظاهر بالبرودة وهو يتقدم جالسًا بجانب مازن قائلًا بهدوء:
ـ روفان لسه صغيرة ومش هنجوزها دلوقتي!
يوسف بتهكمٍ لم يفهمه سواه:
ـ وجهة نظر برضه.. بس المفروض ناخد رأيها، وهي اللي تقرر إذا كانت لسه صغيرة ولا لأ؟
عندما سمعت روفان جملة يوسف الأخيرة شعرت وكأن دلوًا من الماء المثلج قد وقع فوق رأسها، خاصة وأن كل هذه الأزواج من العيون كانت تناظرها بترقّب، إلا عيناه هو وحدهما كانتا تناظرانها بحب، فقد كان مظهرها المُحمّر بفعل الخجل الذي غمرها في تلك اللحظة يجعلها قابلة للاشتهاء..
لم تستطع روفان التفوّه بأي حرف، بل تسارعت نبضات قلبها وكأنها في سباق للعدو، وزادت وتيرة أنفاسها، وتجلى توترها الكبير في كفيها حين أخذت تفركهما ببعضهما البعض، فجاء رد صفية الذي أنقذها من هذا الموقف حين قالت بوقار:
ـ السكوت علامة الرضا ولا إيه يا يوسف!
يوسف بتسلية:
ـ أيوه عندِِك حق طبعًا.. بس أنا حابب أسمع من روفان عشان أدهم يقتنع، ماهو حقه برضه يطمن على أخته.
كانت كاميليا تفهم الغرض من حديث يوسف وإصراره على معرفة رأي روفان، لذا نظرت إليها وابتسمت ابتسامة مشجّعة، بادلتها إياها روفان بأخرى خجلة متوترة قبل أن تقول بخفوت:
ـ اللي تشوفه يا أبيه.
تحدّث رحيم الذي كان يتابع الموقف من البداية، وقد شعر بحربٍ ما دائرة في هذه الغرفة أطرافها يوسف وأدهم الذي كان الشرر يتطاير من عينيه لمعرفته بما يقصده شقيقه، وذلك الذي كان ينظر إليه بتحدٍّ، ليحسم رحيم الموقف قائلًا بصرامة:
ـ خلاص يا يوسف، بلاش نحرج روفان أكتر من كده.. أنا يشرفني نَسَبْكوا يا هاشم، وروفان بنتك قبل أي حاجة، وأنا واثق إنها هتكون في إيد أمينة.
تنفست روفان الصعداء من حديث جدها، ودقت طبول الفرح جدران قلبها، فظهرت عليها ابتسامة جميلة خجلة التقطتها عيناه، فبادلها الابتسامة بأخرى أروع وأجمل، فأخيرًا شعرت بالراحة، فهي ستكون من نصيبه، وهذا أكثر ما يمكن أن يسعدها في تلك الحياة.
ـ على خيرة الله.. نقرأ الفاتحة.
هكذا قال هاشم قبل أن يقاطعه علي بهدوء:
ـ بعد إذنك يا جدي، كنت عايز أتكلم مع أدهم كلمتين بس على انفراد قبل أي حاجة.
فاطمة بإحراج:
ـ وده وقته يا علي!
ـ مش هنتطوّل، خمس دقايق بالضبط.
نظر أدهم إليه باستفهام، وقد كان على وشك الصراخ بوجهه قبل أن يقول يوسف بصرامة:
ـ وماله يا علي. خدوا وقتكوا، وأنا هعمل كام تليفون على ما تخلصوا كلام.
اختتم يوسف جملته واستأذن من الجميع، ثم انطلق إلى غرفة مكتبه ليقوم بإجراء بعض الاتصالات الخاصة.
وبالفعل توجّه كلٌّ من علي وأدهم إلى الحديقة، ليبادر أدهم بالحديث قائلًا بغضب:
ـ ها، عايز تقول إيه؟
ابتسم علي داخليًا على غضب أدهم، لكنه رسم الجمود على ملامحه وقال بهدوء:
ـ مبدئيًا عايز أشرحلك الموقف اللي حصل الصبح، عشان مش عايز يكون في أي سوء تفاهم بينا!
أدهم بغضب:
ـ هتشرحلي إيه! الموقف شارح نفسه أصلًا!
علي بنفس لهجته:
ـ اسمع يا أدهم.. أنا واحد شاف واحدة وعجبته، وحب يرتبط بيها. طبيعي من حقه يعرف إيه مشاعرها تجاهه قبل ما ياخد أي خطوة جد!
أدهم بسخرية:
ـ بس الواضح إنك كنت عارف مشاعرها قبل كده، لأني حسّيت من طريقتها معاك إن دي مش أول مرة تكلمها!
ـ مش هكدب وأقول أول مرة، بس صدقني أنا ما تجاوزتش أبدًا حدودي، وأظن إن جيتي النهارده أتقدّم وأخطبها ده يثبت حسن نيّتي.
أدهم بنفاد صبر:
ـ إنت طالع تكلمني ليه دلوقتي؟ مانت خدت الموافقة خلاص!
علي بتعقّل:
ـ طالع أكلمك عشان عارف قد إيه إنت مهم لروفان، وموافقتك كمان مهمة، ويهمني إن فرحتها تكون كاملة. وأظن إنك مش بالأنانية دي إنك تزعلها في يوم زي ده..
كانت جملته الأخيرة تحمل معنى آخر وصله على الفور، فشعر بطبول الألم تدق بداخله، فصمت لبعض ثوانٍ يسترجع ما حدث بينهم اليوم، لتُعاد إليه آلامه ومعاناته التي جعلته يقول بنبرة شبه مهزومة:
ـ مبروك يا علي.. إنت ابن حلال، وأنا مش هلاقي لروفان أحسن منك.
شعر علي بمدى ألمه الذي يقطر من بين كلماته، ولكن ما باليد حيلة، فشقيقته رفضته رفضًا تامًا ولم تترك أي مجال للحديث، لذا فهو لا يملك أي شيء يمكنه مساعدته به، فقال بمزاح:
ـ طب يلا ندخل بقى، أحسن العروسة ترجع في كلامها..
ابتسم أدهم بود قبل أن يوافقه، وتوجّه الاثنان إلى الداخل..
في الداخل أخذ رحيم ينظر بحرج إلى فاطمة التي كانت تتجاذب أطراف الحديث مع صفية، التي كانت أكثر من مرحّبة بها، فهي تحمل لها الكثير من الود كما كانت تحمل لشقيقتها، فقطع حديثهما كلمات رحيم التي أدهشتهما في البداية:
ـ حاجة فاطمة!
التفتت فاطمة إليه باندهاش سرعان ما تحوّل إلى صدمة من حديثه:
ـ ليكِ عندي حق اعتذار عن حاجات حصلت قبل كده مني.. بس أنتِ أكيد عرفتي سوء الفهم اللي كان حاصل، وإننا كلنا كنا ضحية لألاعيب قذرة..
لم يُكمل رحيم حديثه، فلم يجد الكلمات التي تعبر عن غضبه وندمه أيضًا، فتفهمت فاطمة موقفه، حتى وإن لم تسامحه، فالموقف يستدعي منها أن تمرره لأجل خاطر ولدها وابنة أختها، فقالت بتحفّظ:
ـ خلاص يا رحيم بيه.. اللي فات مات. إحنا ولاد النهارده.
شعر رحيم بتحفّظها فلم يطِل في الموضوع، وقد راق له هذا كثيرًا، فهو لا يتقن فن الاعتذار ولا يحبّذه من البداية. وجاء دخول علي وأدهم إلى الغرفة فأغلق الحديث، وبدأ حديث جانبي بين روفان وأدهم الذي جاء ليجلس بجانب شقيقته التي كانت تناظره بعينين يملؤهما التوسل والاعتذار، فابتسم بود قبل أن يقول بخفوت:
ـ مبروك يا عروسة.
روفان بخجل ونبرة منخفضة:
ـ مسامحني؟
نظر أدهم إلى وهج عينيها الجميلتين، والتي ذكّرته بتلك الجنيّة التي كانت تُحاصره نظراتها المُبهجة، والتي أطفأ شعلتها بجرمه الكبير. فشعر بألم لا يُحتمل داخل قلبه الذي كان يؤنّبه، بل يُعَنِّفه بشدة على فعلته النكراء، وأخذ سؤالٌ يدور في عقله:
ـ هل ستقبل أن يفعل أحد فعلتك النكراء مع صغيرتك البريئة!! هل ستتحمل أن يُطفئ أحدهم وهج عينيها الجميلتين بتلك الطريقة البشعة!
بالطبع لن يتحمل قلبه الإجابة، فقال بلهجة مبحوحة من فرط الألم:
ـ أنتِ بنتي يا روفي. حد برضو يقدر ميسامحش بنته!
ارتمت شقيقته داخل أحضانه تزامنًا مع دخول يوسف الذي كان متجهم الوجه، فبادره هاشم بالحديث:
ـ مش يالا نقرأ الفاتحة يا يوسف. الكل متجمع أهو!
يوسف بهدوء:
ـ آه طبعًا. نقرأ الفاتحة.
تمت قراءة الفاتحة، وقام الجميع بتهنئة العروسين، كانت الفرحة عارمة بين الجميع، ولكن كانت هناك من تشعر بحزن كبير عندما أخذت تنظر إلى تلك المراسم الجميلة التي لم تمرّ بها كأي فتاة. وكانت هناك دمعة خائنة تهدد بالهطول في أي وقت، مُفصحة عن حرمان كبير قد عاشته في حياتها، لكنها حاولت قدر الإمكان تجاهل شعورها هذا. ولم تكن تدري بأن هناك من يشعر بالألم لحزنها هذا، ولا يدري ماذا عليه أن يفعل كي يُجنّبها هذا الشعور بالحرمان.
فهو كان يريد حمايتها من جميع الشرور المحيطة بها، كان يود أن يعرف العالم أجمع بأنها تنتمي إليه، كان يود أن يُجنّبها كل ذلك الأذى الذي تعرّضت له، ولكن دائمًا للقدر رأي آخر.
عند هذه النقطة دخل الخدم يحملون ما لذّ وطاب من أجود أنواع الحلويات والمشروبات، فاقتربت منه فاطمة وهي تقول بنبرة ذات مغزى:
ـ إيه يا يوسف! مالكوا كده؟ شكلكوا مش مظبوط!
يوسف بإحباط:
ـ العادي يعني… مفيش جديد.
فاطمة باستنكار:
ـ مفيش جديد إزاي؟! وهي ماشية وسيباني وناوية تصالحك!
يوسف بخيبة أمل تجلت في نبرته كثيرًا:
ـ مش لما تصلّح غلطها الأول. تبقى تفكر تصالحني.
فاطمة بعدم فهم:
ـ مالك يا يوسف؟! في حاجة أنا معرفهاش؟
يوسف بنفاد صبر:
ـ عادي. ماتخديش في بالك. المهم عايزاكي تتكلمي معاها بخصوص عمي مراد. هو كمان اتعذّب، واللي مرّ عليه مش قليل، ميستحقّش إنها ترفضه هي كمان.
فاطمة بتعب:
ـ قلت لها يا ابني والله. على الله ربنا يهديها ومتنشفش دماغها. كفاية وجع قلب بقى.
يوسف بيأس:
ـ فعلاً. كفاية وجع قلب.
لم تستطع فاطمة الاستفسار عن معنى كلماته التي لم تريحها أبدًا، بسبب تلك المكالمة التي أتته فاستأذن منها سريعًا ليخرج إلى البهو وهو يجيب بلهفة:
ـ طمنّي… حصل إيه؟
جاء الرد الذي لم يكن ينتظره، فلعن داخله بغضب قبل أن يقول:
ـ نفّذ اللي هقولك عليه بالحرف.
كانت تجلس بالداخل كمن يجلس على الأشواك، فانسحابه بتلك الطريقة قد أثار فضولها. فمن هذا الشخص المهم الذي يترك الجميع لأجل محادثته بتلك الطريقة؟ ظلّت لبضع دقائق قبل أن تنسحب إلى الخارج لترى ماذا يحدث؛ فلم تعد تستطيع أن تجلس دقيقة واحدة أكثر.
وبالفعل خرجت فوجدته يُنهي محادثته وهو ينفث النيران من أنفه، فاشتعلت نار الشوق بداخلها إليه. فآخر مرة احتضنتها ذراعاه كانت يوم المشفى، وبغبائها تمردت وانتزعت نفسها من بين أحضانه. ملجأها وأمانها، مرددة تلك الكلمات الغبية التي جعلت من غفرانه لها شيئًا مستحيلًا، أو هكذا ظنّت!
اقتربت منه بخطى سلحفائية، فهي بقرارة نفسها لم تجد ما تقوله، ولكن قادتها قدماها إلى حيث يقف. ظلت ثوانٍ قبل أن تقول بصوت مبحوح:
ـ يوسف!
لم يجب، وظنت هي أنه لم يسمعها، لكنها لم تكن تدري بأن صوتها وقع على قلبه أولًا قبل أذنيه. كان يأخذ وقته ليسيطر على شوقه لها الذي يكاد يقتله، وبالفعل، عند ندائها الثاني التفت إليها، راسمًا على ملامحه البرود الذي أزعجها كثيرًا، خاصة تلك اللهجة الجليدية التي يتميز بها:
ـ نعم؟
في البداية لم تجد ما تقوله، لكن كان عليها أن تكسر ذلك الصمت، فخرجت الكلمات من شفتيها دون القدرة على إيقافها:
ـ كنت جاية أقولك مبروك، وأسلم عليك. أنا الوحيدة اللي مسلمتش عليا جوّه.
كان يوسف يتوقع منها أي شيء إلا هذه الجملة، فقد شعر وكأن سكتة دماغية قد تصيبه في تلك اللحظة من أفعالها!
ظل ينظر إليها بذهول ولسان حاله يردد:
ـ ماذا تفعل بنا تلك المرأة؟
هل تريد أن تُريه مدى ضعفه أمامها وتلقيه في وجهه؟
أم تريد أن تقضي على ما تبقى له من تعقّل بتصرفاتها التي لا يعرف ماذا يسميها؟
لكنه استطاع استجماع نفسه من كل تلك التساؤلات والمشاعر التي تعصف بداخله، وهزّ رأسه بابتسامة تتنافى مع نظراته الغامضة وقال بلامبالاة:
ـ معلش. ماخدتش بالي.
اغتاظت كاميليا من إجابته، لكنها لم تستطع منع نفسها من أن تقول بلهجة خافتة:
ـ مبروك.
هزّ رأسه شكرًا، لتفاجئه باقترابها منه، ثم قامت بتلك الحركة التي كانت تروق له كثيرًا إذ تقف على أطراف أصابعها وتطوّق عنقه بكفيها، مقربةً رأسها منه.
لتلتف يداه تلقائيًا حول خصرها، يقربها منه كثيرًا، فشعرت بعشقها الكبير له، والذي تولّد عنه فيضان جارف من الشوق جعلها تملأ رئتيها من رائحته العذبة.
ظلّت متعلقة به لثوانٍ تستمتع بقربها منه، ولم تحسب حسابًا لكون هناك من تقتله نيران الشوق لها، ونيران الغضب منها! تلك النيران التي لم يعد قلبه يقوى على تحملها.
فكّ حصاره حول خصرها، ساحبًا نفسه بأعجوبة من بين أحضانها، وقال بكل ما يمتلك من برود:
ـ الله يبارك فيكِ
أتبع كلماته الباردة كالصقيع بابتسامة باهتة جعلتها تتسمّر في مكانها…
ـ أيعقل أن يكون اقترابنا عاديًا لتلك الدرجة؟!
هل يستطيع تحصين قلبه من التأثر بقربي لهذه الدرجة؟؟
كانت الإجابات مؤلمة…
فظلت في مكانها لا تعلم ماذا عليها أن تفعل.
فبعد أن تركها وتوجه إلى الداخل بتلك الطريقة التي أشعرتها بأنها شيء عادي بالنسبة له، لم تكن تستطيع النظر إليه مرة أخرى.
فهل تهرب ككل مرة؟ أم تواجه أفعالها وتتصدّى لكبريائه… الذي هو حتمًا السبب في كل هذا الجفاء؟
**************
دخل راغب إلى ذلك القبو المعتم، والذي تفوح منه رائحة عفِنة، ليجد تلك التي كانت مُلقاة كالشاة على الأرض، تنتفض من شدة الرعب والفزع من ذلك المكان المجهول الذي قادوها إليه دون أن تعلم أي شيء، بعد أن خدّروها لتستيقظ وتجد نفسها في هذا المكان الذي يشبه الجحيم، والذي اكتمل عند دخول ذلك الشيطان الذي أخذ ينظر إليها نظراتٍ قذرة تملؤها الشهوة، والتي جعلت جسدها يرتجف رعبًا، فجعله ذلك يقهقه بشرّ قبل أن يقول:
ـ فرسة جامدة. له حق ابن الحسيني يتهبّل عليكِ كده.. واقع واقف زي أبوه.
ارتجف جسدها من كلمات الغزل البذيئة تلك، والتي أتبعها بحركة مقززة من شفتيه عندما جلب الكرسي وجلس عليه يتفحصها بوقاحة قبل أن يقول:
ـ خايفة يا قطة ولا إيه!! لا لا كده هزعل، ده أنا حتى حنين ومبخوفش.
أخيرًا استطاعت أن تُخرِج صوتها الذي كان مهزوزًا، عندما قالت بانفعال:
ـ انت مين وعايز مني إيه؟
راغب بشرّ:
ـ أنا الشيطان اللي حالف يدمّر عيلة الحسيني واحد واحد.. أنا عملهم الأسود في الحياة. بس ما تخافيش، أنا مع الستات الحلوة اللي زيك كده ببقى حنين قوي.
قال الأخيرة بسخرية جعلت جسدها يقشعرّ من الاشمئزاز والغضب الذي دفعها للقول:
ـ انت مش قدّ عيلة الحسيني. أصغر واحد فيهم ممكن يفعصك تحت رجليه.
على عكس توقعها، فلم يغضب، بل أخذ يقهقه بشرّ وهو يقول بسخرية:
ـ في دي عندِك حق. بس ده لما يبقى يطولني!! أنا بعيد عن كل اللبش ده. تقدري تسمّيني كده مستر إكس.
احتارت في معاني كلماته الغامضة، ولكنه تابع بصوت كفحيح الأفعى:
ـ إيه رأيك نركن كل الحاجات دي على جنب ونلعب مع بعض شوية؟!
ـ تقصد إيه؟
راغب بتهكّم:
& إحنا هنصيع على بعض! معقول ابن الحسيني ماعلّمكيش اللعب ولا إيه؟
لم تصل إلى مغزى كلماته، لكنها شعرت بأنها تحمل معنى قذرًا مثل هذا الثعبان، فقالت بصوت حاولت أن يكون ثابتًا:
ـ انت جايبني هنا ليه؟
نظر إليها باستهزاء قبل أن يقول:
ـ بصي يا ستي، بما إن أيامك في الدنيا خلاص بقت معدودة وهتخرجي من هنا عَ القبر عدل، فأنا قررت أكشِف لك خطتي، وبالمرة آخد رأيك، وآهو يبقى ليكِ دور برضه في تقرير مصير حبيب القلب.
قطّبت جبينها بعدم فهم، فأكمل ساخرًا:
ـ هاخد رأيك في سيناريوهين. أولهم: أخ يقتل أخوه اللي اغتصب حبيبته قبل ما يقتلها، ولا أخ يمسك أخوه هو وحبيبته مع بعض فيقتلهم الاتنين؟
اقشعرّ جسدها عند سماع هذا الكلام الحقير، فقالت بصراخ:
ـ أنت مجنون! انت بتقول إيه؟
راغب بسخرية:
ـ إيه؟ الاتنين احلى من بعض صح.. و الأحلى وأحلى بقى لما يوصل الخبر لرحيم الحسيني إن الأخين قتلوا بعض عشان واحدة، فيقع ما تقوملوش قومة.
قال جملته الأخيرة بحقد دفين لم تفلح السنين في إزالته من قلبه، بل زادته أضعافًا مضاعفة، فلم تحتمل هي كل ذلك الحقد الذي يكمن في صوته وتلك المخططات الحقيرة، فأخذت تصرخ بانفعال:
ـ أنت أكيد مجنون! حد يلحقني من المجنون ده!
ارتسمت كل معالم الإجرام على ملامحه قبل أن يقترب منها بشرّ وهو يقول بحقد:
ـ بتصرخي وفاكرة إن حد هيلحقك! طب تعالي بقى يا حلوة وأنا هخليكي تصرخي بحق وحقيقي.
وبالفعل اقترب منها إلى أن وصل إليها، وقام بإمساكها بعنف من خصلات شعرها وسط صرخاتها التي يتقطع لها نياط القلب، واقترب منها كثيرًا حتى أوشك على تقبيلها، فبصقت هند في وجهه وقالت بصراخ:
ـ أوعي تقرب مني يا حيوان!
جنّ جنون راغب من فعلتها وقال بغضب:
ـ وحياة أمك لهوريكي على عملتك دي.
وما إن أوشك على صفعها حتى انقطع التيار الكهربائي، وشعر راغب بشيء ثقيل يسقط فوق رأسه أفقده الوعي في الحال…
************
كانت كاميليا تجلس بجانب روفان بهدوء دون التفوّه بأي حرف، فقط تشاهد وتستمع إلى أحاديثهم ونكات مازن التي كان يلقيها من وقت لآخر، حتى أتتها تلك الكلمات التي أفقدتها النطق لدقائق:
ـ وبعدين بقى يا يوسف، عايزين نفرح بيك انت وكاميليا ونعملّكوا فرح يليق بيكوا. عايزين حسيني صغير.
للوهلة الأولى شعرت بالهواء ينسحب من رئتيها، فكلمات هاشم كانت مفاجأة، خاصة في ذلك الوقت، وتلقائيًا وجدت نفسها تنظر إليه بعجز، فإجابته سيتوقف عليها أشياء كثيرة بالنسبة لها. وبالفعل أتاها ردّه الحازم بعد أن استطاع لملمة شتاته قليلًا، فحديث هاشم أصاب وترًا حساسًا بداخله، فقال بهدوء:
ـ الموضوع دا سابق لأوانه.. في حاجات أهم دلوقتي.
هاشم بوقار:
ـ أنا سامع إن وضع الشركة مش ولابد اليومين دول، بس انت طبعًا قدّها، ومش محتاج أقولك إني جنبك في أي وقت لو احتجتلي.
يوسف بامتنان:
ـ طبعًا يا هاشم بيه، طول عمرك سبّاق بالواجب، بس ما تقلقش. الأمور تحت السيطرة.
نظرت إليه كاميليا لوهلة نظرة حزينة متألمة التقطتها أعين مراد، الذي شعر بالألم لرؤيتها بهذا الشكل، لكنها فاجأته بصلابتها وبراعتها في إخفاء شعورها، فرسمت ابتسامة هادئة جميلة لا تفصح شيئًا عمّا يدور بداخلها من ألم يفوق الحدود.
تدخل مازن في الحديث قائلًا بمزاح:
ـ هاشم بيه، لو ماكنش يضايقك يعني. أنا ليا فاتحة وشَبْكة عندكوا اتأجلت ييجي عشرين مرة، فلو مفيهاش إساءة أدب مني عايز أعرف هتتم إمتى؟ يعني عشان أعمل حسابي بس.
علي بمزاح:
ـ هو أنا مش قولتلك يا ابني.. ماعنديش بنات للجواز.
مازن بانفعال:
ـ يا ابني انت حاشر نفسك في الكلام ليه كده وجعلك كلام! أنا بكلم الراجل الكُوبارة ده.
قهقه هاشم بمرح قبل أن يقول:
ـ هو انت يا ابني جيت طلبتها مني وأنا قولتلك لا؟
صاح مازن مُهللّا:
ـ بس كده! طب يا عمي أنا طالب القُرب منك في كارما بنت ابنك. ها الفرح إمتى بقى؟ عشان أنا جوّ الفاتحة والخطوبة ده مايأكُّلش معايا. أنا بحبها من وهي في اللِفّة يا جدعان، حرام عليكوا كده.."
قهقه الجميع على مظهره المنفعل، فقال هاشم بوقار:
ـ لا.. في أصول لازم نتبعها. تيجي تطلبها من بيتها ونقعد نتفق.. لا يصح إلا الصحيح.
علي باستفزاز:
ـ بالظبط كده، مش سلق بيض هو؟
يوسف بتسلية:
ـ بصراحة عندهم حق يا مازن.. انت عايز تكروت الجوازة ولا إيه؟
نظر إليهم مازن بغضب قائلًا بغيظ:
ـ خلصتوا سِفّ عليّا طبعًا. ما واحد لسه شايفها أول امبارح وخطبها النهاردة وبعد أسبوع كتب الكتاب ولا همّه.. والتاني كاتب كتابه أصلًا ومروق دماغه، والتالت…
وجّه أنظاره إلى أدهم الذي كان الحزن بادٍ على محيّاه، فقال بسخرية:
ـ تفّ على وشي. أنا اتجوزت ولا شوفت جواز حتى. هتفضل بائس كده طول عمرك.
أدهم بلامبالاة:
ـ بس يا حيوان.. انت خليك في خيبتك.
تحدث رحيم بهدوء قائلًا:
ـ خلاص يا جماعة.. الولد عايز البنت والبنت عايزاه.
وجّه أنظاره لهاشم قائلًا بوقار:
ـ هاشم، مازن عندي زيه زي يوسف وأدهم، وأنا كنت ناوي آجي أخطبله كارما منك، بس انت شايف حالتي الصحية عاملة إزاي، فهستسمحك توافق كتب كتابهم يبقى مع علي وروفان، وكفاية بقى نُعطّل جوازهم أكتر من كده. أنا شايف مفيش داعي. ولا إيه؟
صمت هاشم قليلًا قبل أن يقول:
ـ وماله يا رحيم.. أنا مش هلاقي لكارما أحسن من مازن. خلاص. كتب كتاب علي وروفان ومازن وكارما الخميس الجاي."
مازن بحبور:
ـ أيوا بقى. هو ده. أنا قولت محدّش يخلّص الموضوع ده غير القرش الكبير! حبيبي يا رحيم بيه.. والله جميلك ده مش هننساهولك العمر كله!
نظر الجميع إلى فرحته وكلماته عن رحيم بذهول، فاقترب منه أدهم قائلًا بخفوت:
ـ ابسط يا عم.. بعد كلمتينك دول كده الجوازة باظت.
نظر مازن إلى رحيم بحرج قبل أن يحاول تصليح الأمر قائلًا:
ـ القرش ده الاسم الحركي لرحيم بيه في السوق! طبعًا واكل الجو ومش مخلّي لحد حاجة خالص.
أدهم بسخرية:
ـ أنا برضو قولت. محدش جاب شركتنا الأرض غير عينك المدورة دي.
كانت أمسية سعيدة على البعض، وتعيسة ثقيلة على البعض الآخر، لكنها انتهت وذهب علي وأسرته، وتوجه الجميع إلى غرفهم باستثناء يوسف، الذي كان طوال الليلة منشغلًا بعمله وأحاديثه السرية التي كانت تشعل الفضول بقلبها المهزوم بفعل عشقها له. فما إن دخلت إلى غرفتها حتى ارتمت على سريرها بتخاذل، فقد أخفقت اليوم كثيرًا معه. تعلم أن أخطاءها كبيرة، لكنها كانت تظن أن غفرانه أكبر، وللأسف خانتها ثقتها هذه المرة؛ فمن الواضح أنها قد استنفذت كل محاولاتها معه، ولا تعلم كيف ستواجه الغد بدونه.
عند هذه الخاطرة صار الدمع يقطر من عينيها كالأنهار التي لن تستطيع أن توقفها، فتركت له العنان علّه يخفف من عمق جرحها الغائر، فصارت شهقاتها تعلو، ولم تعد تهتم إن سمع صوت نحيبها العالم أجمع، فطاقتها على التحمل قد نفدت.
فجاءت تلك اليد الحانية تربت على كتفها بمواساة وحنان، فرفعت رأسها لتُصدم عندما رأته أمامها، فقالت بذهول:
ـ انت!
دائمًا هناك قلوب خُلقت لترمم جروحنا التي لا يراها أحد.. ترى حزننا الذي نخفيه عن الجميع، تعلم الكثير الذي لم تكن لنا القدرة على البوح به.. تلك القلوب التي تستطيع امتصاص جميع أوجاعنا بلمسة حنان واحدة.
نورهان العشري ✍️
*******
بعد مرور يومين، تحديدًا في الصباح، كان الجميع على مائدة الإفطار يتناولون طعامهم بصمت، حتى جاءت تلك الفاتنة التي كان صوت حذائها يعزف سيمفونية رائعة تُحكي مدى جمال صاحبتها. فدخلت إلى الغرفة لتلتفت جميع الأعين تجاهها تتطلع إليها بانبهار، وعينان أخريان تناظرانها بشغف كبير وشوق قد بلغ ذروته، ولكنه أخفى ذلك بمهارة، وكان أول من تجاوز فتنتها وحوّل أنظاره إلى الطبق أمامه.
لاحظت هي ذلك، ولكنها اقتربت قائلة برقة:
ـ صباح الخير.
بادلها الجميع التحية، ولكن حديث مراد أصابها بصدمة كبيرة حين قال بحنان:
ـ تعالي يا كاميليا اقعدي جنبي.
لم يرفع عينيه لمعرفة وجهتها، ولكن صوت حذائها كان يبتعد عنه لتجلس بالفعل بجانب مراد، وقد أشعرته فعلتها بغضب شديد، فمنذ زمن ومكانها بجانبه، والآن تأتي لتغيّره. ترى، هل هذه طريقة انتقامها الجديدة منه نتيجة تجاهله لها؟ أم أن هذا فعلٌ عفوي منها تجاه مراد؟
لا يعلم، ولكنه تجاهل كل ما يحدث ولم يُظهر لمحة تأثر واحدة. ليأتي بعد ذلك الدخول العاصف لزين الذي اندفع تجاه والده قائلًا بمرح:
ـ بابا حبيبي، صباح الخيل.
أجابه مراد بحب:
ـ صباح الفل يا بطل. عامل إيه النهارده؟
زين بلماضة:
ـ عامل كويس بس زهقان.
كاميليا بحنان:
ـ ليه بس يا روحي؟
زين بحزن:
ـ عسان بلعب لوحدي، ولوفي (روفي) مبقتش ترضي تلعب معايا..
أدهم بسخرية:
ـ معلش بقى يا زيزو، أصل روفان كبرت وخلاص هتتجوز.
زين باستنكار:
ـ كبرت إيه دي! لسه صُغَيّرة خالص أهي!
مازن بمزاح:
ـ لا يا زيزو يا حبيبي، هي حجمها كده بس هي كبيرة..
روفان بغيظ:
ـ قصدك إيه بحجمها دي يا سي مازن؟
مازن بتخاذل:
ـ أنا أقصد حاجة بردو، ده أنا قصدي إنك بسكوتة وكيوتة كده يعني، وبعدين أنتِ زعلانة ليه؟ دانتِ قادرة! بطولك ده ووقعتي بغل طوله مترين، أمال لو طويلة شوية كنتِ عملتي إيه؟
اغتاظت روفان من حديثه وأوشكت على الرد، فقالت كاميليا بمزاح:
ـ أنا من رأيي تسيبي البغل هو اللي ياخدلك حقك. عشان تاخديه تالت ومتلت!
ضحك الجميع على مزحتها، فقالت روفان متشفية:
ـ لا وليه؟ مانا ممكن أخلي القُوزعة بتاعته هي اللي تطلع عينه، ما هو بغل وهي عرفت توقعه بردو.
عند حديثهم هذا كان زين يضع كلتا يديه فوق أذنيه لكي لا يسمع تلك الألفاظ التي كانت بالنسبة له نابية، فنظر إليه أدهم قائلًا باستنكار:
ـ شايفين الواد حاطط إيده على ودنه إزاي؟ مش قادر يسمع كلامكم ولا ألفاظكم الزبالة!
روفان بسخرية:
ـ حوش السكر اللي بينقط من لسانك. تعالَ يا زينو يا حبيبي، أنا هاخدك معايا لما أتجوز عشان نلعب سوا براحتنا.
زين باستفهام:
ـ أنتِ هتدوزي إمتى يا لوفي؟
روفان بحنان:
ـ آخر الأسبوع كتب كتابي.
زين ببراءة:
ـ يعني إيه؟
كاميليا بمزاح:
ـ تقدر تقول جواز مع إيقاف التنفيذ.
زين بلهفة:
ـ طب أنا تمان عايز أدوز.
نظر الجميع إليه باندهاش، فقال مازن بذهول:
ـ واد يا مفعوص! أنت يا اللي ماطلعتش من البيضة عايز تتجوز؟ دانا يتعملي تمثال بقى! وعلى كده مين العروسة؟"
زين ببراءة:
ـ كاميليا.
كان الحديث يمر مرور الكرام عليه، ولكن تلك الكلمة البريئة من زين استوقفته ليرفع رأسه ناظرًا إليه باندهاش، قبل أن يقول مراد بتعقل:
ـ كاميليا دي أختك يا بابا.. مينفعش!
زين بحزن:
ـ يا خسارة! أختي؟ طب أنا هدوز مين دلوقتي؟
مازن بمزاح:
ـ خد يا ابني هنا، دانتا لعبت مع الأسد.. اشمعنى يعني كاميليا؟
نظر إليها زين بإعجاب كبير ثم قال ببراءة:
ـ عشان كاميليا جميله أوي، وشعرها جميل وناعم، وعينيها جميله، وحضنها جميل، وبقها جميل أوي.. كل حاجة فيها جميله!
كان الجميع ينظر إلى زين الذي كان يمرر يديه الصغيرة فوق شعر كاميليا وملامحها الجميلة ببراءة، جعلت ذلك الذي يعشقها يتابع حركات أصابعه فوق وجهها ويتمنى لو كان هو من يتلمس ملامحها الفاتنة في تلك اللحظة. نجح زين في إثارة شوقه وغيرته، فلم يعد يستمع إلى مزحاتهم، بل كان يتأمل جمالها المشع وضحكاتها الناعمة، فلم يخرجه من شروده سوى صوت جده الذي قال بوقار:
ـ أيه يا كاميليا يا بنتي؟ قررتي إيه في العرض اللي عرضته عليكِ؟
التفتت كاميليا تجاهه قائلة بهدوء ينافي ضجيج قلبها الذي كان يترقب ردّ فعله على قرارها الصادم:
ـ موافقة يا جدي، وإن شاء الله هبتدي الشغل من النهاردة في الشركة!
نظر يوسف إليها نظرة حادة قاتلة قبل أن يرفع أحد حاجبيه باستفهام، فبادره رحيم الحديث قائلًا:
ـ أنا طلبت من كاميليا تنزل تتدرب في الشركة، وفي أقرب وقت عايزك تعملي اجتماع مع مجلس الإدارة، في حاجات كتير لازم تتوضح.
حاول يوسف استيعاب كلمات جده، أو بالأحرى قراراتها التي أخذتها دون أن ترجع إليه، فشعر بغضب عارم، ولكنه أخفى غضبه خلف قناع الجمود، وقال ببرود:
ـ الموضوع دا سابق لأوانه.. في حاجات أهم دلوقتي.
فهم رحيم مدى غضبه من خلال كلماته، فحاول تهدئة الأوضاع قليلًا، وقال بهدوء:
ـ وماله خد وقتك، مش مستعجلين على حاجة.. بس كاميليا هتبتدي شغلها من النهاردة.
تحرك يوسف من مقعده فارداً طوله الفارع، قائلًا ببرود:
ـ تبتدي وقت ما تبتدي. أنا ماشي، ورايا شغل كتير، وعم عبده بره عشان يوصلها.
مراد بصرامة:
ـ خلي عم عبده معاك يا يوسف، أنا هوصل كاميليا. أصل أنا كمان ناوي أنزل على شغلي في الشركة من النهاردة.
أدرك يوسف المعنى المبطّن لحديث عمه، فتجاهله كليًا، واكتفى بالإجابة ببرود عكس النيران التي تحرق صدره من الداخل:
ـ عن إذنكم.
★★★★★★★
كانت كاميليا تمشي جنبًا إلى جنب مع مراد لتصل إلى المصعد، قبل أن يستوقفها حديث تلك الفتاة التي كانت تحادث موظفة الاستقبال بمنتهى الغرور قائلة:
ـ جاية لمستر أدهم.. قوليله مرام عايزة تقابله!

•تابع الفصل التالي "عشق بين حنايا الروح" اضغط على اسم الرواية

تعليقات