رواية عشق بين حنايا الروح الفصل السادس 6 - بقلم نورهان العشري
عندما تتجاوز صدمة خذلانك ممّن كانوا الأقرب إلى قلبك، ستشكر الله كثيرًا على تلك الصدمات التي جعلتك ترى حقيقتك في قلوبهم.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان مازن يقود سيارته متجهّم الوجه غاضبًا بشدة، وكانت كارما تجلس بجانبه تحاول كتم ضحكاتها بصعوبة على مظهره الغاضب؛ فهو منذ أن رآها تجلس مع ذلك الطبيب وهو على هذا الوضع. لكنها تعمّدت تجاهله، بل ورسمت على ملامحها الحزن الكبير منه، مما أدى إلى تضاعف غضبه، فلم تُبالِ بذلك وقالت بلهجة رسمية:
ـ ممكن أعرف إحنا رايحين فين؟
مازن باقتضاب:
ـ هنفطر، وبعد كده هَوَدِّيكي عَ الجامعة.
كارما باستفزاز:
ـ ومين قالك إني عايزة أفطر معاك؟
مازن بنفس لهجتها:
ـ براحتِك، ماتفطريش. هفطر أنا.
كارما بحنق من بروده:
ـ طيب اتفضل نزّلني على أي جنب وروح افطر، عشان معنديش وقت أقعد أتأمّل في جمال حضرتك وإنت بتاكل.
مازن بنبرة يفوح منها رائحة الغرور:
ـ إنتِ تطولي أصلًا تقعدي تتفرّجي عليّا. طب خلّيني أنزل جامعتِك دي وأقول بس عايز أفطر، وإنتِ هتشوفي أما الجامعة اتقلبت وفطّروني وغدّوني وعشّوني كمان.
نجح مازن في استفزازها فقالت بانفعال:
ـ تمام أوي. بما إن حضرتك شخصية مهمة أوي كده ومعجبينك كتير، فياريت تنزلني على أي جنب.
ابتسامة ماكرة ارتسمت على شفتيه، لكنه سرعان ما محاها ورسم على ملامحه الهدوء واللامبالاة قائلًا:
ـ لا معلش، أنا راجل جنتلمان، وميُرضنيش أنزّلك كده في نُصّ الطريق عيب في حقي طبعًا.
وصل الغضب ذروته معها، فقامت بتكوير قبضة يدها ولكمته بعنف في كتفه قبل أن تقول:
ـنزّلني أحسن لك، بدل ما وربنا هتسبّب في كارثة على الطريق دلوقتي.
انفجر مازن ضاحكًا على جنونها وقال من بين ضحكاته:
ـ كارما يا حبيبتي إنتِ بتهددّيني؟!
كارما بمكر:
ـ لا يا روح كارما. أنا مابهَدِّدش، أنا بنفذ على طول.
وبالفعل قامت بانتزاع المقود من بين يديه حتى اختل اتزان السيارة لثوانٍ قبل أن يسيطر مازن على الوضع، ثم قام بإيقاف السيارة على جانب الطريق قبل أن يقول بانفعال:
ـ يا بنت المجنونة! إيه اللي إنتِ عملتيه ده! ينفع كده؟
كارما بغضب:
ـ إنت لسه شُفت جنان!
التفتت إلى باب السيارة وحاولت فتحه، لكنه كان قد أغلقه بالزر الإلكتروني، فاشتعلت غضبًا والتفتت ناظرة إليه قائلة بعصبية:
ـ مازن! افتح الباب ده ونزلني وإلا؟
رفع أحد حاجبيه بتحذير قبل أن يقول بجفاء
ـ وإلا إيه؟
تبدل حالها لثوان من الغضب إلى الحزن الذي افتعلته في نبرتها حين قالت
ـ و إلا هخاصمك !
ضيق عينيه وهو يناظرها بمكر قبل أن يهتف بتخابث
ـ هتعملي إيه لو ما فتحتش الباب يا كارما؟
كانت تشعر بأنها تود الضحك على ملامحه التي توحي بأنه يفهمها جيدًا ولكنها تابعت بنبرة رقيقة تتعمد التأثير عليه
ـ هَزعل منك.
ابتسم بهدوء قبل أن يقول بنبرة حانية
ـ بس انا ميهونش عليّا زعلك أبدًا.
تدللت قائلة:
ـ لأ. بيهون، وبتزعلني.
مازن بنبرة عاشقة:
ـ والله ما اقدر في حد يقدر يزعل روحه؟
كارما بخفوت:
ـ آه في، إنت!
ـ هصالِحِك.
كارما بتمنّع:
ـ مش هتعرف.
همس بنبرة خافتة:
ـطب… بحبِّك.
ـ زعلانة برضه؟!
ـ طب بعشقِك.
أخجلتها كلماته فاخفضت رأسها قبل أن تقول بدلال
ـ بص. هو أنا اتصالحت. بس لِسّه في شوية زعل صُغنّنين كده.
مازن بابتسامة على شقاوتها:
ـ طب أصالحِك إزاي يا روح قلبي؟
باغته اندفاعها حين صرخت و كأنها تستجوبه:
ـ تقولي كنت فين طول العشر أيام اللي فاتوا، وياريت ماتقوليش إنك كنت في شغل، عشان قلبي بيقولي غير كده، وأنا قلبي ما بيكذبش عليّا، وحاسّة إنك كنت بتعمل عاملة سودا ومهبّبة!
قالت جملتها الأخيرة بنبرة تهديد جعلته يرتد للخلف بدهشة من تغيّرها المفاجئ، ثم قال بذهول:
ـ كارما يا حبيبتي! إنتِ سخنة! إنتِ بتتحوّلي فجأة كده إزاي؟! مش كنا حلوين وبنتصالح من شوية؟! إيه اللي حصل؟!
نظرت بلامُبالاة إلى أظافرها المطلية بعناية وقالت بغرور:
ـ عادي جدًا. ممكن أبقى حلوة معاك، وفي لحظة أقلب عليك. ده راجع لهرموناتي، وإنت المفروض تتعوّد على كده. مش كل مرة هتتصدم يا ميزو يا حبيبي.
مازن بسخرية:
ـ هي تقريبًا الهرمونات دي مش كان مِعادها 12 بالليل؟! بقت 12 الضهر كمان؟! يا فرحة أمك بيك يا مازن!
كارما بتهديد:
ـ دول المعادين الثابتين ليها يا روحي، اقلم نفسك بقى على كده، واعمل حسابك إنها ممكن تطلّع لك في أي وقت تاني في اليوم تنكّد عليك. كل ده راجع ليك.
مازن بتهكّم:
ـ وده إزاي إن شاء الله؟!
كارما بلهجة تحمل شيئًا من التهديد المبطن:
ـ بإنك متزعلنيش خالص، وإلا وقتها تستحمل هرموناتي بقى!
مازن بسخرية:
ـ لأ وعليّ إيه. ربنا يكفينا شرها.
كارما بنبرة رقيقة:
ـ كده إنت حبيبي. نِجي بقى للمهم. قولي كنت غايب عني طول المدة اللي فاتت دي بتعمل إيه؟
زفر مازن بيأس، فقد علم أنها لن تهدأ قبل أن تعرف ما يخفيه عنها، لذا قرر أنه لا مفر أمامه سوى الحديث، فقال باستسلام:
ـ هحكيلِك و أمري لله.
****************
نظرت فاطمة إلى كاميليا بغضب حاولت كتمه فقالت بنفاد صبر:
ـ ممكن نتكلم بصراحة وتِحكيلي كل حاجة من البداية؟
نظرت كاميليا حولها بضياع، وأخذت تنظر إلى ملامح الناس حولها في ذلك المقهى وكأنها تستمد منهم الشجاعة كي تتحدث إلى خالتها، التي قالت تحثها على الحديث:
ـ أنا جبتِك هنا بعيد عن البيت وعن كل اللي هناك عشان تتكلمي براحتك. ممكن بقى تتكلمي؟ ولا هتقعدي تتلفتي حواليكي كده كتير؟
كاميليا بخفوت:
ـ حاضر، هحكيلِك كل حاجة. بس الأول ممكن تقولّيلي إنتِ عرفتي إزاي اللي حصل؟
أخذت فاطمة نفسًا طويلًا قبل أن تُجيبها:
ـ مراد اللي جالي وقالي.
عودة إلى وقتٍ سابق
نظرت فاطمة إلى علي بارتباك عندما أخبرها بأن مراد ينتظرها بالأسفل وقالت باستفهام:
ـ مراد الحسيني! وده عايزني في إيه؟
ـ معرفش. بيقول عايزك ضروري! وتقريبًا شكلها حاجة تخص كاميليا.
ارتسم القلق فوق ملامحها من ذكر اسم ابنة أختها، فهبت من مجلسها وقالت بلهفة:
ـ طب أنا هنزل أشوفه عايز إيه، وإنت ماتقلقش، ناهد نايمة، وحتى لو صحيت هي عمرها ما هتنزل تحت عشان جدّك ما إنت عارف.
علي بحيرة:
ـ أنا حاسس إن جدي عدى حوار إنها مامت واحد صاحبي وتعبانة، فجبتهّا تقعد عندنا شوية على ما يرجع من السفر لكن مبلّعوش وما اتكلمش عشان ما يحرجنيش.
فاطمة بتعب:
ـ وأنا كمان حاسة بكده. بس ده وضع مؤقت لحد ما نشوف هنعمل إيه. إلا قولي مفيش أخبار عن ابنها ده؟
علي بسخط:
ـ للأسف مفيش. حتى اللي اسمه عابد ده لسه برضه ماعرفتش أي حاجة عنه بس ماتقلقيش، أنا مش ساكت. المهم دلوقتي تنزلي تشوفي اللي مستنّيكِ تحت ده.
ـ آه صح. تعالي ننزل نشوف في إيه.
وبالفعل توجهت فاطمة للأسفل فوجدت مراد الذي كان ينتظرها على أحر من الجمر. وفور أن شاهدته تزاحمت الذكريات برأسها عن أختها الراحلة وقصة عشقهما التي كان الفشل حليفها، فتنهدت بألم قبل أن تتقدم منه، فمد يده يصافحها فبادلته، ثم دعته للجلوس وقالت بتحفظ:
ـ أهلا يا مراد بيه. إزيك.
مراد بعتاب:
ـ مراد بس يا فاطمة. ملهاش لازمة بيه دي. إحنا في يوم من الأيام كنا أهل برضه.
تنهدت فاطمة قبل أن تقول بشجن:
ـ فعلا. كنا أهل يا مراد. تشرب إيه؟
مراد بهدوء:
ـ مش هشرب حاجة يا فاطمة. أنا مش ضيف. أنا جايلِك في موضوع مهم، فهستأذن حضرة الظابط يسيبنا لوحدنا شوية.
لم ترُق الفكرة لعلي، الذي غضب من طلب مراد، لكنه أخفى ذلك عندما طلبت منه فاطمة بذوق:
ـ بعد اذنك يا علي ممكن تسيبنا لوحدنا شوية؟
وافق علي على مضض، فلم يتفوه بحرف، بل هز رأسه وانصرف تاركًا المكان، فنظرت فاطمة إلى مراد قائلة بنفاد صبر:
ـ ممكن تقولي في إيه يا مراد؟ عشان أنا قلقت.
شعر مراد بالارتباك للحظات قبل أن يقول:
ـ أنا هدخل في الموضوع على طول. أتمنى إنك تسمعيني للآخر من غير ما تقاطعيني.
ـ مش هقاطعك. قول بقى، وقعت قلبي.
مراد بارتباك:
ـ هحكيلِك. بس قبل ما أحكيلِك عايزِك تعرفي إني ماحبتش في حياتي حد قد زهرة.
فاطمة بنفاد صبر:
ـ في إيه يا مراد؟
قصّ عليها مراد ما حدث منذ ذلك اليوم المشؤوم بينه وبين شقيقتها، مرورًا بما حدث بينه وبين سميرة، وبينه وبين يوسف، وما حدث منذ لحظات أمامهم جميعًا. وانتهى سرده للحوار بتلك الجملة التي خرجت من أعماق فؤاده بألم ولوعة:
ـ أنا عارف إني أحقر إنسان في الدنيا على اللي عملته في حبيبتي وفي بنتي بس أقسم بالله العذاب اللي شُفته بعد كده ما يقدر بشر يتحمله. أنا من أول يوم سبتها فيه وأنا بتعاقب لحد دلوقتي.
كان الحديث يقع على مسامع فاطمة وقع الصاعقة، فكيف مرّت شقيقتها الصغيرة البريئة بكل ذلك الألم والعذاب وحدها؟! كيف احتملت كل هذا دون أن تشارك به أحد؟! ومن بعدها ابنتها التي لم تستطع التفوّه بحرف خوفًا على سمعة والدتها بالرغم من ضغطهم الكبير عليها…
اعتصر الألم فؤادها وهي تنظر إليه، لا تعلم ماذا تقول؛ هل تعنفه وتفرغ طاقات الغضب الكامنة خلف صدمتها وحزنها؟ أم تشفق على ذلك المصير الأسود الذي تلقّاه عقابًا على جريمته، والذي لا يزال يتجرعه حتى الآن برفض ابنته القاطع له؟
لم تعرف ماذا تقول أو تفعل، حتى تحدث هو قائلًا بانهزام ويأس:
ـ أنا عارف إنك كرهتيني، ويمكن مش طايقة تبصي في وشي، وأنا أستاهل. بس كاميليا تستاهل بعد كل العذاب ده إنها تحس إنها مش يتيمة، وإن ليها أب مستعد يضحي بحياته عشان خاطرها.
عند ذكر اسمها شعرت بوخز في قلبها فقالت بألم:
ـ وهي فين دلوقتي؟
مراد بحزن:
ـ نايمة في أوضة زهرة صفية طلبت مننا نسيبها تستوعب صدمتها وتاخد وقتها، وبعد كده نشوف هنعمل إيه. وعشان كده جيتلك. إنتِ الوحيدة اللي تقدري تتكلمي معاها وتفهميها.
فاطمة بغضب:
ـ أتكلم معاها؟ أقول لها إيه؟! أحكيلها عن مدى السوء اللي إنتوا فيه؟! أقول لها إن حظك الزفت وقعك إنتِ وأمك مع ناس لا بترحم ولا بتسيب رحمة ربنا تنزل؟! عايزني أقول لها إيه بالظبط؟ ده أبوكي يا كاميليا اللي عاش عمره كله جنبك من غير ما يحس ولا يفهم إنك بنته! يالا روحي اجري اترمي في حضنه، واحمدي ربنا إنك ماطلّعتيش يتيمة أم وأب! ما تقولي عايزني أقول لها إيه!
مراد بندم وألم يسيطران على جميع ملامحه:
ـ لا مش عايزِك تقوليلها أي حاجة من دي. أنا بس عايزِك تعرفيها إني مستعد أدفع عمري كله وأشوفها سعيدة ومبسوطة، وإني لو رجع بيا الزمن كان الموت عندي أهون من إني أفرّط فيها هي وأمها. قوليلها إني طول عمري بتمنى إنها كانت تكون بنتي أنا مش هحلفلك، بس ربنا شايف وعارف اللي في قلبي.
اختتم مراد جملته تزامنًا مع هروب دمعة من طرف عينيه، سرعان ما مسحها، وقام بالتوجه إلى باب غرفة الصالون. فأوقفه نداء فاطمة، التي آلمتها كلماته وشعرت بمدى صدقها، فلم يطاوعها قلبها أن ترده بهذا الشكل، خاصة وهي تعلم مدى حقارة تلك المرأة المسماة بسميرة، فأوقفته قائلة:
ـ استنى يا مراد.
التفت مراد بلهفة قائلًا بأمل:
ـ إيه؟ قررتي تساعديني؟
فاطمة بتحفظ:
ـ أنا هعمل اللي في مصلحة كاميليا.
عودة للوقت الحالي
كاميليا مستنكرة بلهجة بغضب:
ـ خالتو، أنتِ عايزاني أسامحه بعد كل اللي عمله ده؟
فاطمة بهدوء:
ـ اللي عمله ده بينه وبين زهرة الله يرحمها. هو أذاها هي، وعند الله تجتمع الخصوم. عارفة معنى الكلمة دي ولا لا؟
كاميليا بحزن:
ـ عارفة، بس دي أمي، ومن حقي أزعل عشانها وأتوجّع على كل اللي مَرّت بيه.
ـ طبعًا من حقك، محدش قالك لا. بس كمان هو أبوكي.. مراد شاف عذاب محدش يتحمله يا كاميليا. أنتِ متخيّلة تعيشي مع الإنسان اللي بتحبيه في بيت واحد وهو مِلْك لغيرك!! عارفة كان إحساسه إيه؟ ماشي هو غلط، بس هو اتلعب بيه، وكلنا بشر ومحدش فينا معصوم من الخطأ. مراد ما اتخيّرش يبعد عنكوا و هو اختار إنه يبعد؟ لا، مراد اتفرض عليه البعد ده، وأحمد الله يرحمه كان أناني، ما حاولش أبدًا يصلّح أو يكون حلقة وصل بينهم. لا، ده قوّى زهرة على اللي في دماغها. مراد غلط ومفيش مبرر في الدنيا لغلطه ده، بس هو في النهاية راجل، وأي حد مكانه كان هيتجنن.
كاميليا بألم ممزوج بدموعها:
ـ معقول مكنش عنده ذرة ثقة فيها تخليه يصدّق كلامها؟ أو حتى يديها فرصة تدافع عن نفسها؟
فاطمة بتعقّل:
ـ الغضب وحش يا كاميليا، بيعمي الإنسان عن الصح حتى لو واضح زي الشمس. الإنسان ما يخليش غضبه يتحكم فيه، وخصوصًا لو كانت الحاجات دي تخص ناس بنحبهم وروحنا متعلقة بيهم. نديهم وندي نفسنا المساحة إننا نستوعبهم. الحب الحقيقي مش سهل نقابله في حياتنا يا حبيبتي، وفي ناس ما بتقابلوش أصلًا. عشان كده لما يجي ما نفرّطش فيه بسهولة.
كلماتها أصابت قلبها في الصميم، فهي في كل مرة تختبرها الحياة تختار أن تضحي بعشقها حتى وإن كانت أسبابها قوية، فخطؤها كبير هكذا أخبرها قلبها وعقلها أيضًا. فقالت بتعب:
ـ طب لما نغلط في حق الناس اللي بنحبهم عشان بنخاف عليهم يا خالتو، يبقى إيه الحل؟ نخليهم يسامحوا ويغفروا إزاي؟
فاطمة باستفهام:
ـ نفسِك تاخدي فرصة عشان تكفّري عن خطأك في حقّه، صح؟
كاميليا بلهفة:
ـ نفسي يا خالتو. كل مرة بيكون واقف في ضهري وبيّدعمني، وأنا كل مرة بخذله، وبيكون أول حاجة أتخلى عنها. يمكن ده من حبي، بس والله غصب عني. هو ما بيقولش إنه زعلان مني، بس عينيه بتقول كتير. فيها كمية عتاب رهيبة يتوجّع قلبي كلما أشوفها.
فاطمة بحكمة:
ـ هو ده بالضبط اللي مراد نفسه فيه. إنه ياخد منك فرصة يصلّح بيها غلطه غير المقصود برضه. هقولك حاجة يا كاميليا: حاولي تسامحي وتبتدي حياتك من جديد، عشان أنتِ فعلًا اتولدتي من جديد. وبالنسبة ليوسف، فهقولك كلمتين تحطيهم حلقة في ودنك: يوسف قلبه معاكِ. نقطة ضعفه أنتِ، ودي حاجة في صالحِك، بس في نفس الوقت كرامته مجروحة منك، من تفريطك فيه بسهولة أياً كانت أسبابك، ومن ضعفك وانهزامك قدام أسبابك دي. يوسف لازم يشوفك حد يستاهل حبّه الكبير ده. عايزِك تبقي في ضهره زي ما هو على طول في ضهرك. عايز بنت قوية يقدر يحارب بيها كل الشياطين اللي حواليه، مش عايز انك تكوني نقطة ضعفه اللي بيتحارّب بيها. يوسف مش شخص عادي، دا كبير عيلته، عيلة كاملة بتتسند عليه، وهو بيتسند عليكِ انتِ. فهمتي ولا لسه؟
كاميليا بانفعال:
ـ ماشي فهمت وعرفت غلطتي، بس هو كمان غلط في حقي. ده مضّاني على تنازل عن أملاك بابا أحمد كلها من غير ما أعرف.
فاطمة بحدّة:
ـ وسيادتك عرفتي منين؟
كاميليا بتخاذل:
ـ عرفت من نيفين.
فاطمة بغضب:
ـ تبقي غبية ولسه ما فهمتيش حاجة! هي نيفين قلبها عليكِ أوي عشان تقولك؟ ومع ذلك هفترض إن كلامها صح، حضرتك هتعملي إيه؟ هتروحي تجري تغضبي وتزعلي، ومش بعيد كمان تهربي عشان عمل كده؟ ولا تبقي ست ناضجة وواعية وبتفهم وتروحي تقعدي مع جوزك تحكيله وتفهمي منه حصل إيه؟ وبقولك للمرة التانية ‘تحكيله’ مش ‘تتّهميه!
كلمات فاطمة هذّبت تفكيرها إلى الحد الذي جعلها تشعر بالندم الشديد على غضبها منه، فقالت بخجل:
ـ أنا عارفة إني غلطت كتير، بس أنا مكنتش فاهمة، وكنت بندفع في تصرفاتي والله. أنا بحبه أكتر من أي حد في الدنيا.
فاطمة بتحفيز:
ـ الكلام ده ما يتقالليش أنا، ده يتقاله هو. اللي طالع عينه معاكِ ده له حق كبير أوي عندك، وجه الوقت إنه ياخد زي ما بيدي يا بنتي. فكري في كلامي وشوفي قلبك هيودّيكي فين.
كاميليا وقد أخذت قرارها، فقالت بحزم:
ـ وأنا فكرت وقررت هعمل إيه. ربنا ما يحرمني منك يا خالتو، متعرفيش أنا كنت محتاجة أتكلم قد إيه.. أنا كنت زي اللي غرقان ومش عارف يرسى على بر، عمالة أتخبط يمين وشمال ومش عارفة الصح فين. يا ريتك كنتي موجودة من زمان.
اختتمت جملتها وقامت بالارتماء بين أحضان فاطمة التي استقبلتها بحب وقلب يحوي جميع مشاعر الأمومة تجاهها، فبادلتها العناق بأقوى منه قبل أن تقول بحنان:
ـ ربنا يفرّح قلبك يا بنتي، ويجبر بخاطرك، ويهدي لك قلبه، ويصلّح ما بينكوا.
أخذت كاميليا تردد تلك الدعوة كثيرًا وهي في طريقها، وتدعو الله أن يستجيب لها، فأكثر أمانيها الآن هو غفرانه…
*************
كان ينظر إلى تلك الأوراق التي بين يديه بانتباه، إلى أن جاءه ذلك الطرق على الباب، فأمر الطارق بالدخول، لينتبه إلى ذلك الذي كان يتقدّم بهدوء وابتسامة بسيطة على شفتيه تُخفي الكثير من التناقضات. فبادره يوسف بالحديث بسخرية:
ـ أهلا بالواطي اللي خالع وسابنا غرقانين هنا!
رائد باعتذار كاذب:
ـ أسف يا يوسف، بس الست دي هي اللي ربتني بعد وفاة أهلي، ومكنش ينفع أعرف إنها تعبانة ومروحش أطّمن عليها.
يوسف بجمود:
ـ لا طبعًا واجب، وهي عاملة إيه دلوقتي؟
رائد بهدوء:
ـ أحسن، الحمد لله. المهم طمني، وضع الشركة عامل إيه دلوقتي؟ أنا كنت بتابع مع أدهم بالتليفون.
يوسف بتهكم:
ـ ومادام بتتابع يبقى عارف الوضع.. مش محتاج أشرحهولك.
شعر رائد بتهكم يوسف، فاعتدل في جلسته وقال بارتباك:
ـ لا يعني مكنش بيقولي كل حاجة.. فجيت عشان أفهم منك.
زفر يوسف بتعب قائلًا بيأس:
ـ للأسف الوضع سيّئ جدًا. بحاول أجمع أكبر قدر من السيولة عشان أقدر أقنع الألمان نتمّم الصفقة، وياخدوا الفلوس على دفعات.
رائد باستفهام:
ـ وقدرت تقنعهم؟
يوسف بجمود.:
ـ مبدئيًا آه، سمعتنا هي اللي خلتهم يوافقوا. بس طبعًا هما ميعرفوش الوضع الحالي للشركة، وعندي أمل إني أقدر أقف على رجلي قبل معاد الدفعة التانية.
رائد بتأثر زائف:
ـ موقف صعب، بس إن شاء الله نعديه. طب إيه الخطوة الجاية؟
ـ اعمل حسابك إنك آخر الأسبوع هتكون هناك في ألمانيا عشان نِمضي معاهم العقود.. انت هتسافر تظبط الدنيا، وأنا هاجي بعدك بيومين على ما الأجواء تهدى هنا.
رائد بجمود على عكس تضارب المشاعر بداخله:
ـ لله يكون في عونك يا يوسف، حملك كبير. أدهم حكالي على اللي حصل، وبصراحة أنا مشفق على عمي مراد. مش سهل عليه اللي حصل ده.
يوسف بتعب:
ـ كلنا مكنش سهل علينا، بس اللي حصل حصل.
رائد بتخابث:
ـ طب وهتعملوا إيه دلوقتي؟ أقصد مع سميرة ونيفين؟
يوسف بهدوء:
ـ سميرة هربت طبعًا، راحت على عشيقها! ونيفين. كاميليا قامت معاها بالواجب ومشيت هي كمان.
دق قلب رائد بخوف عند ذكر عشيق سميرة، فاعتدل في جلسته قبل أن يقول بتحفّظ:
ـ ويا ترى عمو مراد يعرف عشيقها ده؟
يوسف بتهكم:
ـ ده إحنا كلنا. طلع نعرفه ده عشرة قديمة!
ارتبك رائد وحاول إخفاء ارتباكه:
ـ إيه ده! معقول؟!
يوسف بسخرية:
ـ معقول قوي، واحد من اللي كنا بنعطف عليهم زمان، بس طلع كلب وعض الإيد اللي اتمدّت له هو وأخوه.
كان رائد يغلي من الداخل بفعل الغضب من كلمات يوسف المهينة لوالده، لكنه تجاوز ما يشعر به بصعوبة بالغة، وهو يقول بغضب يغلفه التهكم:
ـ أخس عليه! دا أنتوا طول عمركوا بتعطفوا على الناس وبتساعدوهم.
يوسف بلامبالاة:
ـ كل واحد وله يوم، وهو لعب مع اللي أكبر منه، يبقى يستحمل اللي هيجراله.
اعتدل في جلسته و تحفزت نبرته حين تايع
ـ المهم سيبك من ده، أنا عايزك تشوفلي سكرتيرة كويسة بدل المصيبة اللي برا دي. مش فاهمة حاجة خالص، والست هند مشيت فجأة عشان تتجوز! وما ادتنيش وقت حتى أجيب لها واحدة تدربها.
عند ذكر هند، كان السبب الذي رحلت لأجله كالخنجر المسموم الذي غُرز في منتصف قلبه، فهبّ من مقعده قائلًا بأنفاس مقطوعة:
ـ بتقول إيه؟ مين دي اللي مشيت عشان تتجوز؟!
نظر إليه يوسف باندهاش قبل أن يقول بخشونة:
ـ مشيت وسابت استقالتها، ومعاها جواب بتقول فيه إنها متأسفة وإنها مضطرة تسيب الشغل عشان هتتجوز، وكل حاجة جت بسرعة ما لحقتش تبلغنا، وشوية هري كتير كده ما ركزتش فيه.
كانت دقات قلبه تتسارع بجنون حتى سمع صداها في أذنيه من شدة الألم، فقال بلهجة مهزوزة بعض الشيء:
ـ الجواب ده فين؟
يوسف باستفهام:
ـ في حاجة يا رائد؟
حاول رائد رسم القوة والثبات على ملامحه قدر الإمكان حين قال:
ـ لا أبدًا، بس كنت حابب أشوف الجواب لو لسه موجود.
اومأ يوسف برأسه قبل أن يفتح أدراجه، فوجد ذلك المظروف الذي يخصّها، فسلمه إلى رائد الذي التقطه بلهفة غير مقصودة. ليفتحه بأنامل مضطربة، ويُصطدم مما قرأه ولأن الخط بالفعل يعود إليها، شعر بتسارع أنفاسه ونفور عروق رقبته بفعل الغضب والغيرة والألم. حاول قدر الإمكان إخفاء حالته قبل أن يرفع عينيه إلى تلك العينين اللتين كانتَ تنظران إليه بصفاء لا يعكس أي شيء، ثم ارتسمت ابتسامة هادئة على محيّاه قبل أن يقول:
ـ من الواضح إن العشق طايلك يا صاحبي وأنا معرفش.
رائد بنبرة مهتزة قليلًا:
ـ مفيش الكلام ده.. أنا بس استغربت.
ابتسم يوسف قبل أن يقول بتهكم:
ـ وأنا هعمل نفسي مصدقك.. نفّذ اللي قلتلك عليه عشان اللي جاي مفيهوش هزار، ومحتاج مننا تركيز.
هز رائد رأسه بهدوء قبل أن يقول بجمود:
ـ أنا هروح المصنع أشوف الدنيا هناك فيها إيه، ولو في جديد هكلمك.
يوسف بلامبالاة:
ـ تمام.
خرج رائد من الغرفة بأنفاس مقطوعة وقلب يشتعل غضبًا وألمًا، وهو ينظر إلى الأوراق في يديه، يودّ لو يمزّق صاحبتها إربًا جراء فعلتها. لذا قام بإجراء ذلك الاتصال الذي لم يقل فيه سوى تلك الجملة:
ـ عايز أعرف مكانها.
فأجابه الطرف الآخر بشرّ:
ـ اعتبر نفسك عرفته.
**************
كان يتابع بعض الأشياء على جهاز اللاب توب الخاص به، وقد أمر سكرتيرته بأن تمنع عنه أي اتصال أو مقابلة لكي يتفرغ لما يقوم به، والذي كان يأخذ حيزًا كبيرًا من انتباهه، فلم يلتفت للطرق على الباب، والذي زاد للحد الذي أغضبه، فقال بحدة دون أن يحيد بعينيه عمّا يقوم به:
ـ أنا مش قلتلك متدخّليش عليا حد.
ارتعبت كاميليا من حدته في الحديث فقالت بخفوت:
ـ ولا حتى أنا!
كان يتابع بعض الأشياء على جهاز اللاب توب الخاص به، وقد أمر سكرتيرته بأن تمنع عنه أي اتصال أو مقابلة لكي يتفرغ لما يقوم به، والذي كان يأخذ حيزًا كبيرًا من انتباهه، فلم يلتفت للطرق على الباب، والذي زاد للحد الذي أغضبه، فقال بحدة دون أن يحيد بعينيه عمّا يقوم به:
ـ أنا مش قلتلك متدخّليش عليا حد.
ارتعبت كاميليا من حدته في الحديث فقالت بخفوت:
ـ ولا حتى أنا!
انتشرت رائحة عطرها الخاص في المكان لتصل إلى قلبه أولًا، ثم صوتها الهادئ الخائف من غضبه، فأصاب وجدانه في الصميم ليلتفت ناظرًا إليها، فسلبت حواسه بتلك الهيئة الملائكية و العينين الناعستين اللتين لطالما أرقَتا لياليه من فرط الشوق، ولكنه استطاع وببراعة إخفاء كل هذا خلف مظهره البارد وصوته الحاد وهو يقول:
ـ تعالي يا كاميليا.
تقدمت كاميليا بخوف وترقّب، تقدّم قدم وتؤخّر الثانية، إلى أن وصلت إلى ذلك المقعد أمام مكتبه وقالت بخفوت:
ـ ممكن أقعد؟
يوسف بفظاظة:
ـ مش محتاجة تستأذني..
جلست كاميليا وأخذت تبلع ريقها بصعوبة، فقد تبخرت كل تلك الكلمات والمقدمات التي ظلت طوال الطريق تعدّها، فنظراته ومظهره الهادئ البارد لا يشجعانها إطلاقًا، وزاد عليهما كلمته التي أربكتها أكثر:
ـ سامعِك يا كاميليا، اتكلمي ولا إنتِ جاية هنا عشان تسكتي؟
غضبت كاميليا من لهجته وحديثه غير المشجع، فنظرت إليه بحدة قبل أن تقول بغضب مكبوت:
ـ والله هتكلم. بس آخد نفسي يعني!
رفع يوسف إحدى حاجبيه وقال بلامبالاة:
ـ وماله؟ خُدي نفسك براحتك.
قال جملته والتفت إلى الحاسوب أمامه ليكمل ما كان يفعله، فزاد ذلك من غضبها فقالت بانفعال:
ـ لو مشغول آجّيلك وقت تاني!
نظر يوسف إليها فقال ببرود:
ـ طبعًا انفعالك دا عشان إنتِ مش عارفة تبدئي منين.. ومستنية مني أبدأ أنا زي كل مرة..
أصابت كلماته الحقيقة ككل مرة، ولكنها أبت الاعتراف فقالت بحدة طفيفة:
ـ لا طبعًا.. أنا متضايقة عشان انت مش مدّيني اهتمام!
نظر إليها يوسف بهدوء ومن ثم حوَّل أنظاره إلى شاشة الحاسوب مرة ثانية وهو يقول بفظاظة:
ـ لو عايزة تقولي حاجة يا كاميليا أنا سامعِك، ولو ما عندِكيش اللي تقوليه فياريت تتفضلي عشان إنتِ كدا معطلاني.
انطلت حيلته عليها، فقد نجحت كلماته في إشعال فتيل غضبها، فهبت من مقعدها قائلة بغضب:
ـ تمام أوي! وأنا ميرضنيش إني أعطّلك. هما كلمتين جايّة أقولهم لك وهمشي على طول. آه أنا غلطانة ومتسرّعة وكمان غبية، بس أنا أبدًا مش ضعيفة زي ما انتوا كلكوا مفكّرين! ولا أنا كان سهل عليّا أضحي بيك! أنا اخترت أمشي عشان مهينكش، عشان ما تسمعش كلمة وحشة بسببي.. مقدرتش أحطك في حرب بين عقلك وقلبك اللي انت كنت واثق إنه هيختارني..
يوسف بهدوء:
ـ وتفتكري لما هربتي مكنتيش بتهينيني!؟ وفي رأيك كدا كلام إيه ممكن راجل يسمعه أوحش من إن مراته هربت وسابته؟
للمرة التي لا تعرف عددها كان محقًا في حديثه، فلم تستطع إجابته، ليقوم هو بمتابعة الحديث بقلب متألم وملامح جامدة ونبرة هادئة عكس نزيف روحه:
ـ أقولك أنا ليه هربتي؟ هربتي عشانك. عشان ما شوفكيش في صورة وحشة، وبرضه دا من حقك، مش هلومِك عليه. كانت كل الظروف ضدك فهربتي. نيجي بقى لبعد ما رجعتي؛ كام مرة سألتك هربتي ليه ما جاوبتيش!؟ وبرضه هديكي عذرك.
التمع وهج الأمل في عينيها ولكن سرعان ما انمحى حين سمعته يقول
ـ بس قلبك الموجوع دا محسّش ولا مرة قد إيه كان قلبي موجوع هو كمان! وأنا كل ما أمشيلِك خطوة. تبعدي ألف!! ما لمستيش ولا مرة وقع كلمة (الطلاق) عليّا كانت بتبقى عاملة إزاي؟! كل مرة أسهل حاجة عندك تبعدي عني بحجة إنك بتحبّيني!
قاطعته كاميليا بألم ودموع حارقة:
ـ حِجة يا يوسف!
يوسف بنبرة متألمة طحنت عظامها:
ـ للأسف. هي حِجة يا كاميليا. الحب إنك تأمني وتسلّمي. إنك توصلي لأقصى مراحل الأمان اللي لو كنتِ وصلتي له معايا مكنتيش فكرتي لحظة واحدة تهربي وتسيبيني.
كاميليا بألم جراء كلماته القاتلة:
ـ بس أنا حبيتك أكتر من نفسي.
يوسف بنبرة تحمل أثر القهر كما تحمل الندبة أثر السكين:
ـ وأنا ولا مرة قلتلك بحبك. أنا كنت بقولك بعشقك! الحب دا حاجة كانت قليلة أوي على اللي في قلبي ليكِ، وبرضه بعدها طلبتي الطلاق! تممت جوازنا بالرغم من كل حاجة عشان بس تحسّي إنتِ عندي إيه.. وإنتِ مفيش بردو!
أكمل بنبرة مُتهدجة و كأن القهر يعتصر حروفه قبل أن تُقال:
ـ عارفة؟ أنا مفيش حاجة تثبتلك إني بحبك ما عملتهاش، وإنتِ ولا إنتِ هنا. حتى وإنتِ جرحاني مقدرتش غير إني أكون في ضهرك، وسبت نيفين تمشي عشان ماكسرش كلمتك قدام حد.
كاميليا بغضب من حديثه الذي اعتبرته غير منصف لعشقها له:
ـ ما انت برضه كذبت عليّا ومضّيتني على تنازل عن حقي في ورث بابا أحمد! وقبل ما تقول حاجة. أنا مش فارقلي فلوس، بس اتوجعت إنك عملت كدا من غير ما أعرف! كنت قولي! لو كنت طلبت روحي مكنتش هقولك لا! ليه عملت كدا من غير ما تعرفني!؟
نظر إليها يوسف بألم شديد، ولكنه قال بتهكم:
ـ يوسف وحش وأخد حقك يا حرام.. صح؟ مفكرتيش لحظة واحدة أنا ممكن أكون عملت كدا ليه!
كاميليا بنبرة ضعيفة مبحوحة:
ـ أكيد لمصلحتي. بس ما قلتليش.
يوسف بجفاء:
ـ مقدرتش أقولك وقتها إن جدي هدّدني إنه يحرمني من كل حاجة لو ارتبطت بيكِ.. عشان كان فاكر إنك مش بنت ابنه! وعشان كرامتي وكرامتك مضّيتك من غير ما تعرفي على التنازل، ومضّيت أنا كمان، وروّحت قولتله: لا أنا ولا مراتي عايزين منك حاجة!
صدمة قوية سقطت على قلبها أولًا، فكيف أنه تنازل عن كل شيء من أجلها قبل أن يجعلها تتنازل هي؟ ليصدمها أكثر قائلًا بحدة:
ـ قبلت إني أشتغل زيّي زي الغريب في ملكي مقابل إن محدّش يعرف سرك دا. شفتي أنا كنت وحش معاكِ قد إيه؟
توالت الصدمات عليها للحد الذي جعلها عاجزة عن النطق، لينظر إليها بجمود لأول مرة تراه بعينيه قبل أن يقول بفظاظة:
ـ ساكتة ليه؟ ولا المرادي مش هتلاقي حِجة عشان تطلبي مني الطلاق! عمومًا أنا هوفّر عليكِ، وهنفّذلك طلبك.
رفعت رأسها بلهفة و عينيها تتوسلانه ألا يفعل لتصدم و لأول مرة بالجفاء الذي يطل من عينيه و نبرته الحادة حين قال
ـ كاميليا أنت…
لم يستطع إكمال جملته إثر تلك الصرخة الغاضبة التي خرجت من جوف الوجع الكامن بداخلها، وهي تقول بنبرة صارخة:
ـ لاااا. أرجوك ما تقولهاش. أرجوك لا يا يوسف!
كانت كلماتها ورجاؤها له يدميان قلبه للحد الذي كاد يجعله يندفع تجاهها ليعتصرها بين ذراعيه ليقتصّ منها بسبب كل هذا الوجع الذي يكاد يفتك بقلبه والذي لا يستطيع تجاوزه أبدًا. لتأتي كلماتها التالية فتشق قلبه إلى نصفين:
ـ أوعي تنطقها يا يوسف. لو هييجي اليوم اللي قلبك يطاوعك فيه وتقولها لي. أرجوك موتني قبلها. أهون عليّا بكتير إني أعيش لحظة وأنا مش على اسمك.
أنهت حديثها وتوجهت إلى الباب بقلب ينفطر ألمًا، ثم توقفت ويدها على مقبض الباب، لتلتفت إليه بعينين تقطران ألمًا وقالت بصدق:
ـ أنا بحبك أوي، وعمري ما حبيت ولا هحب حد قدّك.
نظر إليها بعينين جامدتين تخفيان جيدًا ذلك الألم الناتج عن جراحه النازفة، وحاول بصعوبة السيطرة على قلبه الذي ينفطر ألمًا لرؤيتها بهذا الشكل، فظل لثوانٍ قد تكون طويلة إلى أن شعرت باليأس من إجابته، فقامت بإدارة مقبض الباب وخرجت مهرولة إلى الخارج تسبقها دمعاتها، فلم تستطع سماع تلك الصرخة الغاضبة المتألمة التي خرجت من جوفه، وصوت التحطيم الذي كان نتيجة أنه قام بقلب المكتب أمامه بكل ما يمتلك من قوة تضاعفت بفعل الغضب الممزوج بحزن كبير، حتى إنه صار يتحرك في الغرفة بلا هَدْي كنمر جريح غير قادر على السيطرة على ألمه أو غضبه، فظل لدقائق على هذه الحالة قبل أن يتجه إلى هاتفه المُلقى على الأرض ويقوم باتصال ما، ثم قام بعدها بتحطيم هاتفه إلى أشلاء تشبه أشلاء قلبه الذي تمزق بفعل ذلك العشق الغاشم الذي تسلّط على قلبه فأنهَاه.
كانت تنظر أمامها بعينين يتساقط منهما الدمع كالأنهار، وما إن أوشكت أن تتجاوز بوابة الشركة العملاقة حتى سمعت ذلك النداء خلفها، فانتبهت إليه لتستدير ترى ماذا هناك، فقال لها الحارس:
ـ أنا آسف يا هانم، بس يوسف بيه أمر ما تخرجيش غير لما السواق ييجي ياخدِك، وأنا كلمته وخلال دقايق هيكون هنا.
لا تعرف: أَتفرح لاهتمامه بها وبسلامتها، أم تحزن على غبائها الذي أوصلها معه إلى تلك النقطة؟!
★★★★★★★
كانت روفان ترتجف خوفًا من مظهر أدهم الغاضب بشدة، فسقط الهاتف من يدها ليصطدم بالأرضية الرخامية تحتها دون القدرة على النظر إليه، فقد اقترب منها أدهم قائلًا بغضب جنوني:
ـ علي مين؟
ارتجفت رعبًا حتى عجزت عن الحديث، فزاد ارتجافها عند إمساكه برسغها بقوة آلمتها كثيرًا، فأغضبه صمتها أكثر فقال بصراخ:
ـ رُدّي عليا! علي مين؟
ثم خطر بباله فجأة هويته فقال باستهجان غاضب:
ـ أوعي يكون على أخو غرام!
ازدادت روفان ارتجافًا وهي تقول بتلعثم:
ـ أدهم. أرجوك اسمعني. أنا هفهمك.
أدهم بغضب جحيمي:
ـ بتستغفلينا يا روفان؟
روفان بلهفة:
ـ والله أبدًا. أنا هفهمك.
أدهم بصراخ:
ـ اخرسي! وكمان ليكِ عين تتكلمي؟!
جاءت صفية من الخارج على صوت أدهم الغاضب وقالت بقلق ولهفة:
ـ في إيه يا أدهم؟ صوتك جايب آخر البيت! وماسك أختك كده ليه؟!
نظر أدهم باستنكار إلى روفان وقال بخيبة أمل كبيرة:
ـ اسألي الهانم بنتك كانت بتكلم مين ومستغفلانا! وأنا هصفّي حسابي مع الكلب اللي اسمه علي ده!
قال جملته الأخيرة وقام بالدعس بكل قوته على الهاتف الذي تحطم، وانطلق كالسهم ينوي تلقين علي درسًا قاسيًا لتقربه من أخته، ولم يحسب حسابًا لدائرة الزمان التي تدور فتسقي كلَّ ساقٍ بما سقى.
ولم يهتم لكاميليا التي كانت تترجل من السيارة لتشاهد مظهره الغاضب هذا، فأخذت تنادي عليه فلم يجبها، بل انطلق بسيارته كالمجنون.
فاندفعت كاميليا للداخل لمعرفة ماذا حدث، فوجدت روفان ترتجف رعبًا وصفية بجانبها تحاول تهدئتها. فقالت كاميليا بقلق:
ـ إيه؟ في إيه؟
أجابتها صفية بحيرة:
ـ والله يا بنتي ما أنا عارفة! أنا جيت جري على صوت أدهم وهو بيزعق وبيقولي شوفي بنتك بتكلم مين، وطلع يجري زي المجنون زي ما أنتِ شفتي.
نظرت كاميليا إلى روفان التي ساءت حالتها كثيرًا، فنظرت إلى صفية قائلة برجاء:
ـ طب معلش يا طنط، ممكن تخليهم يعملولها كوباية ليمون تهديها شوية؟ وبعدها نبقى نفهم في إيه؟
أطاعتها صفية دون حديث وتوجهت إلى الخارج، مغلقة الباب خلفها، لتندفع روفان إلى أحضان كاميليا وتنفجر في بكاء هستيري قائلة بانهيار:
ـ الحقيتي يا كاميليا. أنا في مصيبة.
فزعت كاميليا من حديثها وقالت محاولة تهدئتها:
ـ بعد الشر! مصيبة إيه؟ اهدي كده وفهميني!
حاولت روفان التماسك قدر الإمكان، وقامت بقص ما حدث على كاميليا التي سقط قلبها رعبًا مما قد يقدم عليه ذلك المجنون، فأخذت تدور حول نفسها وهي تقول بفزع:
ـ يا نهار مش فايت !أخوكي المجنون ده ممكن يعمل مصيبة!
زاد انهيار روفان أكثر فقالت من بين دموعها:
ـ أنا هموت من القلق والرعب يا كاميليا. كده الموضوع ممكن يتقفل بالضبة والمفتاح، ولو أدهم قال ليوسف أنا ممكن أضيع خالص! يوسف ممكن يقتلني!
كاميليا بغضب تلقائي:
ـ بطّلي جنان! هو يوسف قتال قتلة؟! لا طبعًا مش ممكن يأذيكي. المهم، قوليلي المجنون ده قال رايح فين؟
روفان ببكاء:
ـ قال رايح يربّي علي! أنا خايفة يروح عالبيت وتحصل مشكلة بينهم.
عند جملة روفان، أضاءت فكرة جهنمية في عقل كاميليا فقالت بتمني:
ـ طب يا ريت يروح عالبيت.
روفان بدهشة ممزوجة بالغضب:
ـ أنتِ اتجننتي أنتِ التانية؟! بيت إيه اللي عايزاه يروحه؟!
كاميليا وقد أخرجت هاتفها لتجري اتصالًا هاتفيًا، وهي تقول بسخرية:
ـ ياريت تِتلهي بخيبتك وتسْكتي خالص! ألو.غرام! الحقينا، في مصيبة ومحدش هيقدر يلحقها غيرك!
غرام بفزع:
ـ مصيبة إيه يا بنت؟ خضّيتيني!
قصت عليها كاميليا ما حدث، فتصاعد غضب غرام التي وجدتها فرصة لتأخذ بثأرها من ذلك الوسيم المتعجرف الذي أذاقها الويلات باسم الحب، فقالت بحنق:
ـ يا ريت ييجي علي هنا. يبقى جه لقُضاه!
وما كادت تنهي جملتها حتى سمعت صوت احتكاك إطارات سيارة على الأرض بشكل مرعب، فقالت بصوت محارب قد ظفر بفرصته في الانتقام:
ـ متقلقيش يا كاميليا. البيه شَرَّف. اعتبري الموضوع ده خلصان.
توجهت غرام للخارج، ومن حسن حظها ألا أحد في المنزل؛ فوالدتها بالسوق، وكارما بالجامعة، وعليٌّ بالخارج، وجدها عند الطبيب الخاص به.
فتحت باب القصر ووقفت في مواجهته بعد أن صعد درجات القصر بخطوتين، وكان الشرر يتطاير من عينيه، وزاد غضبه عندما رأى تلك النظرات المتشفية في عينيها، فقال بغضب:
ـ أخوكي فين؟
غرام باستفزاز:
ـ أخويا مش هنا. بس أنا موجودة. خير؟ أقدر أعرف مشكلتك؟
أدهم محاولًا عدم الاندفاع خلف استفزازها، فقال بصرامة:
ـ مشكلتي مش معاكِ. أنا عايزه هو!
غرام بسخرية تغلف وجعها الداخلي:
ـ لا إزاي؟! إحنا لو جينا للمشكلة من الأول هنلاقيها عندي أنا!
فهم أدهم المعنى المبطن في حديثها فقال بغضب:
ـ تقـصدي إيه إن شاء الله! أخوكي بيردّهالي؟!
غرام بنبرة تميز من الأسى:
ـ من حسن حظك إنه ما يعرفش باللي حصل، وإلا مكانش زمانك واقف على رجليك دلوقتي. دي الدنيا اللي بتدور وبتدوّق كل واحد من نفس الكأس اللي ذوّقه لغيره.
أدهم بغضب بغضبٍ ملتهب، كأن الشرر يتطاير من عينيه قبل صوته:
ـ خلي بالك من كلامك يا غرام.. مش هسكتلك أكتر من كده.. أختي برّا العك ده كله.
غرام بنبرةٍ مشروخة من الوجع، تحمل في طيّاتها أثر قهر عميق لا يندمل لا يتجلى بوضوح على صفحة وجهها:
ـ عندك حق. أختك غالية وأكبر من إنها تدخل في العك ده. لكن بنات الناس رخيصة أوي، صح؟
سددت كلماتها خنجرًا مسمومًا في قلبه، فأحس بالوجع يتفجر من أعماقه. ليقترب منها وقد استبدت به اللوعة، وضم وجهها بين يديه كما يضم الإنسان آخر ما تبقى من قلبه، وهو يقول بصوتٍ يختنق بالندم والحرقة:
ـ إنتِ عمرك ما كنتِ رخيصة عندي أبدًا.
نفضت يديه اللتين تحتضنان وجهها وقالت بألم من أعماق قلبٍ مثقوب باللوعة:
ـ اسكت! ما استحملتش أخويا يكلم أختك بالرغم إنه بيحبها، وفكّرت إنه زيك ممكن يغدر ويلعب بيها. بس لأ. علِي الرفاعي راجل وبيتقي الله في بنات الناس بالرغم إن أخته ما لقتش حد يتّقي ربنا فيها، بالعكس، دي الناس نهشت فيها من غير ما يكون عندها لا دين ولا ضمير.
كلماتها الجارحة أدمت فؤاده الذي ينفطر ألمًا وندمًا وعشقًا، وجعلته يقول بنبرة تحمل شيئًا من التوسل:
ـ قوليلي إيه ممكن أعمله عشان أكفّر عن ذنبي ده؟ أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان تصدّقي إني بحبك ومقدّرش أعيش لحظة واحدة بعيد عنك.
غرام بنبرة تضج بالقوة والعنفوان:
ـ لا أقدر! عشان هتعيش باقي عمرك بعيد عني، فأقلم نفسك بقى.
وكأن كلماتها كانت التعويذة التي أخرجت الشيطان القابع داخله، فاقترب منها ناظرًا إليها بجنون تبعه تصميم أربكها:
ـ من غير يمين يا غرام ما هيعدي أسبوع كمان غير وإنتِ مراتي، وهنشوف كلام مين اللي هيمشي! مش إنتِ حضرتِ العفريت؟ استحملي أذاه بقى.
لم يمهلها الوقت للرد، وإنما التفت وتوجه إلى سيارته، لكنه نظر إليها قائلًا بوعيد:
ـ وقولي لأخوكي إن في بينّا حساب هصفّيه. ما يفتكرش اللي حصل ده هيعدّي بالساهل.
اختتم جملته وانطلق بسيارته وهو ينوي تنفيذ قسمه لها في أقرب وقت؛ فقد انفلت زمام الأمور منه، وأيقن أنه لن يستطيع استعادتها بتلك الطريقة، لذا فلتكرهه الآن كما تشاء، فعندما تصبح زوجته سيسقيها عشقًا لن تستطيع الصمود أمامه…
★★★★
كان مازن في طريقه إلى عمله حتى وجد هاتفه يرن معلنًا اتصالًا قادمًا من علي، فأجاب بمزاح:
ـ يا أهلا يا أبو نسب.
فاجأته علي الذي قال بانفعال يشوبه خوف حقيقي على محبوبته، فهو قد استمع إلى حديث أدهم إليها، ولأول مرة في حياته يشعر بالعجز والقهر، فقرر أنه لن يتركها فريسة لهم وسيقلب الدنيا رأسًا على عقب حتى لا تتأذى شعرة منها:
ـ إنت فين يا مازن؟
مازن بقلق:
ـ فيه إيه يا علي؟ حاجة حصلت؟
علي بانفعال:
ـ مش وقته أسئلة، لما أقابلك هقولك! إنت فين؟
مازن بغضب هو الآخر:
ـ علي ما تجنّنيش! قولي إيه؟ حد جرى له حاجة؟ كارما كويسة؟
علي وقد هربت منه كل ذرة صبر، فقال بصياح:
ـ زفتة كويسة ومحدش جرى له حاجة! أنا اللي في مشكلة وعايزك ضروري!
اطمأن قلب مازن قليلًا على محبوبته فقال بهدوء:
ـ أنا رايح (...) إنت فين؟
ـ اركَن على أي جنب، أنا عشر دقايق وهكون عندك.
وبالفعل ما هي إلا دقائق حتى وصل علي، الذي كان يقود بجنون يوازي جنون خوفه عليها، فوجد مازن يقف مستندًا على سيارته، فباغته علي بالحديث مباشرة:
ـ عايزك تيجي معايا بيت الحسيني.
تفاجأ مازن من حديث علي فقال بدهشة:
ـ نعم!! وإنت رايح تعمل إيه في بيت الحسيني؟
علي بحزم:
ـ رايح أخطب روفان!
نظر إليه مازن باندهاش وكأن الورود نبتت فوق رأسه، ثم قال ساخرًا:
ـ تروح تخطب مين يا عنيا!
علي بنفاد صبر:
ـ مش وقت ظرافة يا أهلك! بقولك عايز أروح أخطب روفان الحسيني! هتيجي معايا ولا لأ؟
مازن بانفعال:
ـ هو أنا مرمطون اللي خلّفوك؟ ولا معزة هتسحبها وراك؟! ما تفهّمني فيه إيه الأول؟ وإيه القرار الغريب ده؟ وإنت تعرف روفان منين أصلًا؟
زفر علي بغضب ثم قصّ عليه الموضوع باختصار، لكنه تفاجأ كثيرًا من رد فعل مازن الذي نظر إليه لثوانٍ قبل أن ينفجر في نوبة ضحك هستيرية وهو يقول من بين ضحكاته:
ـ لا ما تقولّيش إنك اتقفشت زي العيال بتوع المدارس! يا نهار أزرق عالضحك!
نظر إليه علي بدهشة سرعان ما تحولت لغضب كبير من هذا المعتوه، فقال بصراخ:
ـ نعم يا روح أمك؟! إنت هتستهبل؟! هو أنا قلتلك نكتة؟ ما تنجز! هتيجي معايا ولا لأ؟
قال مازن من بين ضحكاته:
ـ لا بالله عليك سيبني أضحك شوية. مش مصدّق نفسي والله! سبحان الله، كنت بدعي يجيلك حد رزل يرزل عليك زي ما بترزل عليّا، يقوم ربنا يوقعك في أرزل اتنين في الدنيا: يوسف وأدهم! ياااه، أحمدك وأشكر فضلك يا رب.. طلبتها ونُلتها!
نظر علي إليه بعدم تصديق ثم قال بحنق:
ـ تصدّق إنك متخلّف؟ أنا أقولك عندي مشكلة والدنيا مقلوبة ولازم أتقدّم لها، وده كل اللي فارق معاك؟ والله انا أبقى حمار لو فكرت أديلك أختي!
مازن وشماتة:
ـ لأ، إنت خلاص كلمتك ما عادش فارقة! بص هفهمك. إنت وقعت بين شقّي الرحى زي ما بيقولوا، يعني هيطلع عين أهلك! أساسًا هتلاقي أدهم بيطلّعلك شهادة الوفاة!
علي بغضب:
ـ ولا هو ولا إنت ولا بلدكوا كلها تقدر تعمل فيّا حاجة! أنا علي هاشم الرفاعي يا بابا فوق!
مازن بسخرية:
ـ ده سابقًا. دلوقتي اسمك المرحوم علي هاشم الرفاعي! وأنا عشان صاحبك وأصيل هعملّك حتة خارجة ما حصلتش. أي خدمة يا معلم.
غلى بغضب ونفاد صبر:
ـ ما تنجز يا زفت إنت وتقول حاجة عدلة تتفهم، وبطّل هزارك التقيل دا!
مازن بسخرية:
ـ يا ابني وربنا ما بهزر! دا إنت تركّن أدهم على جنب، دا يوسف لو شمّ خبر هنصلّي عليك العصر في جنينة بيتكوا!
يأس علي من ذلك المجنون، ولكن مهلًا. لقد أتته فكرة كانت هي الحلّ الوحيد لهذا المأزق، فنظر باشمئزاز إلى مازن ثم قال بغضب:
ـ شوف، وحياة أمي، هطلع عين أهلك وأوريك الرزالة على حق. بس انت اصبر عليا!
مازن بعدم تصديق:
ـ دا جزاتي يا ابني عشان بنبّهك؟! أدي آخرة اللي يعمل خير في البلد دي!
علي باستهجان:
ـ خير! أمثالك ما بيعملوش الخير غير بالصدفة. أبو اللي ياخد رأيك في حاجة! أنا عرفت هتصرف إزاي خلاص.
أنهى حديثه وتوجّه إلى سيارته وكلّه عزم على تنفيذ خطّته، فأوقفه مازن الذي شعر بالذنب تجاه صديقه، فقال بصياح:
ـ ولااا! هتعمل إيه يخربيتك؟!
علي بغضب:
ـ ملكش فيه!
مازن بتعقل:
ـ طب استنى هقولك. ما تخلي جدّك يكلّم القِرْش الكبير! دا اللي في إيده ينقذك من بين الحيتان دي!
علي بتفكير:
ـ طب والله فكرة. هو من ناحية وأنا من ناحية.
مازن بتأييد:
ـ أيوه يا ابني! الراجل الكُوبارة دا اللي هيجيب من الآخر، هو والحسيني الكبير مفتريين زي بعض، وهيعرفوا يتفاهموا.
نظر إليه علي بقرف ثم قال بغيظ:
ـ يا أخي نفسي تكمل جملة مفيدة للآخر.يلّا أنا هطير.
وبالفعل انطلق علي وترك مازن، الذي قال بصوت جهوري ليسمعه علي:
ـ اللهم اضرب الظالمين بالظالمين… يا رب خرّجني على خير من بين يأجوج ومأجوج دول اللي أنا وقعت فيهم واتجوز البت دي بقى.
★★★★★★★
حل المساء، وكان البيت هادئًا نوعًا ما. إلا تلك التي كانت تجلس في غرفتها يأكلها القلق وبجانبها صديقتها التي كانت تهوّن عليها قائلة:
ـ خلاص بقى يا روفي، مش هستحمل أشوفِك كده.
روفان بحزن:
ـ هتجنّن يا كاميليا. أدهم من ساعة ما خرج ما رجعش، ومرعوبة لا يقول ليوسف. وقتها هموّت نفسي قبل ما يعرف.
استنكرت كاميليا حديثها وقالت بانفعال كبير:
ـ بعد الشرّ عنك يا زفتة! ما تقوليش كده، وبعدين إنتِ عملتي إيه يعني؟! ما كل البنات بتحب عادي وبتتخطب للي بتحبه! ولا هو حلال ليهم وحرام علينا؟! ولا يمكن عشان احنا ستات نتحرق عادي يعني؟! بصّي. إنتِ تقفي كده رافعة راسك، ولا تتهزّي ولا كإنك عملتي حاجة! إنتِ بني آدمه، وعندك إحساس ومشاعر، ومفيش حد في الدنيا دي يقدر يحاسبِك عليها!
كانت كاميليا تتحدث بانفعال، دون أن ترى تعبيرات وجه روفان التي تغيّرت بدءً من عينيها اللتين جحظتا بفعل الصدمة التي حل محلّها الرعب، وشفتيها اللتين كانتا ترتجفان. ولم تستطع التحدث لتحذير كاميليا، التي ما إن أنهت حديثها حتى تسمرت في مكانها عندما سمعت صوته الهازئ وهو يقول:
ـ روفان. لما تخلّصي مع الفيمينيست كاميليا هانم الحسيني، ابقي اجهزي. أصل في ضيوف جايين كمان شوية."
أنهى حديثه تزامنًا مع التفات كاميليا إليه، والتي كانت تتمنى في تلك اللحظة أن تنشق الأرض وتبتلعها، وما زاد من خجلها هو تلك النظرة الهازئة التي رماها بها، فظلّت لثوانٍ متسمّرة في مكانها حتى بعد خروجه.
اقتربت منها روفان قائلة بلهفة:
ـ كامي. إنتِ كويسة؟
لم تتلق روفان ردًا، فقد كانت كاميليا تحاول استيعاب الموقف، فقامت روفان بإدارتها إليها قائلة بيأس:
ـ كاميليا بالله عليكِ ردي عليا!
كاميليا بصدمة:
ـ هو اتريق عليّا صح!!
روفان بنفاد صبر:
ـ ما أنتِ اللي زوّدتيها! وخدتك الجلالة أوي وعملتيلي فيها رضوى الشربيني! اتفضّلي اشربي بقى.
أنهت نيفين حديثها وأخذت تندب حظها، إلى أن أتت الخادمة لتخبرها بأن الضيوف قد وصلوا، فنظرت إلى كاميليا وقالت باستفهام:
ـ ضيوف إيه دلوقتي؟ ودا وقته؟
لمعت عينا كاميليا من تلك الفكرة التي أتتها فقالت لها بعَجَلة:
ـ بقولك إيه، البسي وأنا هشوف مين تحت و هقولك..
وما إن فتحت كاميليا الباب حتى وجدت صفية أمامها تقول بنبرة ذات مغزى:
ـ روحي غيري هدومك عشان خالتِك تحت وعايزة تشوفك.
تيقنت كاميليا من صواب ظنها وقالت بترقّب:
ـ خالتي مش لوحدها، صح؟
صفية بمكر:
ـ صح. قولي للعروسة تجهز.
لم تستطع كاميليا التحكم في ضحكتها التي خرجت بتلقائية، فصدحت في أرجاء القصر لترتدّ في قلبٍ في هواها عاشقٌ متيم، فأغمض عينيه لوهلة محاولًا السيطرة على دقات قلبه الهادرة من تلك الحورية التي تسكن أعماق فؤاده..
وعلى جانبٍ آخر، هرولت كاميليا تجاه روفان تحتضنها بحبٍ كبير وهي تقول بفرحة لا تسعها:
ـ يا روفيييي. علي تحت! هو وخالتز جايين يخطبووكي!
روفان بصدمة لم تستطع استيعابها:
ـ إيه!
كاميليا بنفاد صبر:
ـ لأ بقولك إيه، مش وقت صدمة! قومي قدّامي عشان أجهزك.
وبالفعل قامت كاميليا بتجهيزها لتبدو كالحوريات في جمالها، وكالفراشات في رقتها، خاصة وهي تهبط السلالم تتدلّل مثل الأميرات، ولا تدري بأنها وكأنها تخطو فوق قلبه المفعم بعشقها، والذي ذكّره مظهرها هذا بذلك اليوم الذي رآها فيه بعد سنوات عديدة ليعلن قلبه وقتها تسليم رايته لطوفان عشقها…
تجمعت العائلة بالكامل، ومن بينهم رحيم الذي أتى من دون سابق إنذار؛ فلم يرد أن يفوّت تلك اللحظة بينهم بالرغم من تعبه، ليقوم هاشم الرفاعي بالنظر إليه قائلًا بوقار:
ـ رحيم.. أنا يشرفني إني أطلب إيد حفيدتك روفان لابني وحفيدي الغالي عليّ.
ـ وأنا مش موافق.!
•تابع الفصل التالي "عشق بين حنايا الروح" اضغط على اسم الرواية