رواية هل من سبيل للغفران الفصل السادس 6 - بقلم نورهان العشري

 رواية هل من سبيل للغفران الفصل السادس 6 - بقلم نورهان العشري

عادةً لا تكتفي الحياة بإعطائنا الدروس، ولا تقتصر على صفعنا لنستفيق من سُبات الوهم؛ بل أحيانًا تضعنا وجهًا لوجه أمام أفعالنا، لتجعلنا نتذوق الشعور ذاته الذي أذقناه لغيرنا. فيستنكر القلب هذا الألم الجارف الذي يجيش به، غير مُدرك أن ما يحدث ليس قسوةً أو تجبر، بل عدالةٌ سماوية لا تخطئ. فالحياة تُخبئ لكلٌ منا نصيبًا من كأس الألم الذي سقى به غيره، لندرك أن كل فعلٍ نُقدِم عليه يترك أثرٍا سيِرد إلينا ذات يوم وإن طال الزمن. وكلما ظن الإنسان أنه في مأمنٍ من الحساب أو أنه أفلت من العذاب، يشد القدر الخِناق أكثر و يبدع في تذكيره بأن ميزان العدل لا يختل ولا يميل لأحد، ليكسره من نفس الموضع الذي كسر به غيره وأن الوجع الذي تجاهله يومًا، و أدار له ظهره سيقف أمامه يومًا ما بذات الثقل، والألم، و أن الذنوب لا تُمحى بل تؤجل، و أن وقت الحساب حين يأتي لا يرحم أحد.
نورهان العشري ✍️ 
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ أنتِ تعرفيه منين يا شروق!
هكذا استفهم راجي بنبرة جافة وعينيه تطلقان حمم مشتعلة تجاة عمر الغاضب حد الجحيم، وهو يرى هذا الرجل يقف بالقرب منها، بل ويُطالبها بمعرفة من هو بالنسبة إليها؟!
كان هناك صراعًا مريعًا بين كلا الرجُلين، و خاصةً عمر الذي لازال قلبه العاصي يزعم امتلاكه لها، فالأنانية كانت تُعمي عينيه عن حقيقة أنها لم تعد شيئًا خاصًا به، لتسقط صخرة إنكارها له فوق قلبه حين قالت بجمود:
ـ الدكتور عمر الوتيدي. معرفة قديمة!
و كأن للحروف أسنان حامية نهشت صدره بضراوة حتى كاد ألمها أن يقتله، فهي لم تذكر قرابتها به أو حتى أنها كانت زوجته إلهذا الحد لا تُعطي لكل هذه الأشياء قيمة! 
و فجأة اهتاج كبرياء قلبه لتنطلق الكلمات من بين شفتيه كالرصاص حين قال:
ـ شروق بنت عمتي، و كانت مراتي. ياريت تروح تشوف شغلك.
احتلت الصدمة ملامح راجي لثوان قبل أن تتحول الى غضب حين حادثه عمر بهذه الطريقة ليقترب منه وهو يهتف بجفاء:
ـ أنت بتتكلم كدا ليه؟ 
التمعت عيني عمر بالشراسة فقد كان يريد الفتك به منذ المرة الماضية التي رآها برفقته وقد جاءت الفرصة ليقترب وهو يزمجر بحدة:
ـ اتكلم زي مانا عايز..
ارتعبت من هذه المواجهة التي كانت ستنقلب إلى معركة طاحنة لو لم تتدخل قائلة بحزم:
ـ من فضلكوا ميصحش كدا. ايه اللي أنتوا بتعملوه دا! 
راجي بحدة:
ـ أنتِ عايزة تستني معاه؟
جن جنون عمر من استفهامه ليهتف بشراسة:
ـ و أنت مالك انت؟ بقولك بنت عمتي و مراتي..
خرجت الكلمة الأخيرة من شفتيه دون أن يلحظ لتبترها حروف شروق الصارمة:
ـ كنت.. أنا كنت مراتك، و أنت قولت كدا من شوية، و لو سمحت استناني في العربية لحد ما ارجعلك.
في هذه اللحظة ود لو يحطم رأسها على حديثها الذي أصاب تلك النقطة الحساسة داخل قلبه، والتي لم يستطِع مواجهتها يومًا. نقطة تحمل حروف اسمها المطبوع بداخله بحروف من نار، ولكنه لم يملك الجرأة يومًا على المواجهة، ولا يعرف كيف السبيل لمحوها من داخله؟ فقط يغار كالمجنون الذي لا يملك حتى حق الصراخ للتعبير عن ألمه.
استقل سيارته، وهو يحاول التنفيس عن نيرانه التي تأكل صدره من الداخل حين رآها تقف معه و ملامحها تحمل اعتذار أو ربما توسل، وهذا الوغد يقف أمامها يناقشها، فقد كان هذا المشهد و كأنه وقود بصري يغني نيرانه بقوة، فأخذ يعِد إلى العشرة حتى لا يذهب و يقوم بسفك دمائه أمام عينيها، ولكن القدر تلطف به حين رآها تتوجه إليه، وهو لايزال واقفًا يطالعه بأعيُن لا تخفي الغضب بل تُعلنه جهرةً في تحدي صريح لثباته، ليجذب صوتها انتباهه حين فتحت الباب وهي تقول:
ـ مش هينفع نتكلم…
ـ اركبي..
هكذا بتر حديثها، فحالته كانت خطرة، ولا تحتمل أستفزاز آخر، وقد كانت مجبرة على طاعته حتى لا يحدث كارثة لتركب السيارة بجانبه، تنوي أن تخبره بأنه لا يوجد حديث بينهم، ولكنه لم يُمهلها الوقت لذلك إذ انطلق بالسيارة كالبرق الذي خطف أنظار راجي الغاضب بقوة، وقد شعر عمر بالانتشاء للحظات، وهو يشاهد ملامحه المشتعلة بصورة خاطفة في المرآة الجانبية لينتشله من متعته اللحظية صراخ شروق الغاصب:
ـ أنت أتجننت! مين قالك اني عايزة أروح معاك في مكان ؟
عمر بانفعال:
ـ أنتِ تخرسي مش عايز اسمع صوتك!
كلماته أثارت غضبها بشدة لتهتف بحدة:
ـ وقف العربية دي. أنا مش هروح معاك في أي حتة.
عمر بجفاء:
ـ هنقف في مكان ينفع نقف فيه. في كلام لازم نقوله.
استدعت كل ذرة هدوء تمتلكها، وقد قررت تلقينه درسًا قاسيًا ولكن على طريقتها لذا لجأت للصمت إلى أن توقف بالسيارة على جنب الرصيف وهو يحاول التنفيس عن هذا الغضب الهائل بداخله لكي لا يؤثر على تفكيره، و لكن صمتها كان مُثير للإستفزاز خاصةً وهي تنظر أمامها تترفع عن النظر إليه لتمر دقائق، قبل أن يقطع هذا الصمت صوتها الحاد حين قالت:
ـ اتمنى لو هديت تقول الكلمتين اللي عايز تقولهم عشان أنا مش فاضية!
هل تأمره؟ أم تقصد إثارة حنقه أكثر؟ و الحقيقة أن الإجابة كانت الإثنين معًا لتنجح في جعله يصل إلى حافة الجنون الذي جعله يصرخ بغضب مسعور:
ـ و كمان ليكِ عين تتكلمي كدا! ازاي الراجل دا يسألك عني وتنكري اللي كان بيننا!
شعرت برغبة مُلحة في الضحك على حديثه، ولكنها بدلًا عن ذلك اختارت الهدوء و النيل من كبرياءه بأقسى الطرق لتلتفت ناظره إليه بعينين تسخر من وجعه و نبرة رغمًا عن هدوئها ولكنها تحمل تقريعًا بين طياتها:
ـ اذا كنت أنت وانا مراتك و على اسمك أنكرت انتسابي ليك! عايزني أنا بعد ما أطلقت منك و نسيت اني كنت مراتك أصلًا أعلن دا! بأي منطق!
أتدري ذلك السهم الذي غرزته في قلبي ذات يوم!  لم أنزعه ولم أداوي جرحه، بل تركت سُمه يسري في دمي لا لأموت به. بل لأجعلك تتذوق منه اليوم قطرة قطرة حتى تعلم أن الاحتراق لا يكون بالنيران فقط.
كان هذا حديث عينيها التي خاطبت عينيه لترى كم أن الأمر مؤلم حد الفزع بالنسبة إليه ليندفع استفهامًا موجعًا من بين حنايا صدره
ـ هل شعرت بمثل هذا الألم حين لم أُعلِن انتمائها لي؟!
ـ أنا عارفة قد ايه الموضوع مؤلم، و خصوصًا لما تكون مش متوقع دا. بس صدقني في الأول بس. اسمع من مجرب، ودلوقتي قولي كنت عايز أيه عشان أنا مش فاضية.
هكذا تحدثت شروق بنبرة لامُبالية ليتبدد الألم للحظات ويتحول إلى دهشة عارمة اجتاحت ملامحه، وهو ينظر إلى البساطة التي تتحدث بها، وكأن الأمر عاديًا لم يترك بها أثر! فهل حقًا نسيته كما قالت! 
ـ عندك حق. كنت عايز اتكلم معاكِ بخصوص جدتك.
هكذا تحدث بنبرة مُتحشرجة لم يستطِع كبح الألم بها لتُجيبه بنبرة ثابتة كان يحسُدها عليها:
ـ مالها! 
ـ ازاي تقعدي كل المدة دي متسأليش عنها؟!
هكذا تحدث عمر باستفهام يحمل عتبًا صريحًا تجاهلته حين قالت بجمود:
ـ عشان مش هنتفق، وهنزعل من بعض. بالإضافة لأن البيت دا انا خرجت منه ومش ناوية ادخله تاني!
عمر بسخرية مريرة:
ـ ياااه! للدرجادي كارهة البيت! على ما افتكر أن زي ما في ذكريات وحشة كان في بردو ذكريات حلوة.
شروق بنبرة هادئة:
ـ على حسب أنت مفهومك أيه عن الذكريات الحلوة! و عمومًا ذكرياته بحلوها أو مُرها مجرد ذكريات. انما أنا مش حابة اتعامل مع حد هناك. في حاجة تانية هتتكلم فيها! 
استشاط غضبًا من حديثها ليهتف بحدة:
ـ أيه الغربة كلتك اوي كدا و عايزة ترجعي؟ 
شروق باختصار:
ـ عندي شغل و مش فاضية! 
عمر بسخرية:
ـ و الشغل دا مهم اوي لدرجة أنك مش قادرة تتحملي نص ساعة على ما تتكلم! 
شروق بملل:
ـ طب ما تتكلم و تقول اللي عندك. بدل ما احنا بنضيع وقت كدا!
لم يعُد عقله يحتمل برودها و تهكمها و ثباتها أمامه بينما هو يعاني من نوبات غيرة و شوق و غضب ينهشون بصدره حتى لم يعُد باستطاعته الصمت أكثر ليصرخ بملء فمه وهو يقوم بهزها من ذراعيها بعُنف:
ـ أنتِ بتتكلمي عادي كدا ازاي؟ أنتِ ناسية احنا كان بينا ايه! أنتِ كنتي في يوم من الأيام بتنامي في حضني.
كانت تتوقع ثورته التي أثلجت صدرها الذي لايزال يئن من فرط الوجع الذي تسبب لها به، ولكنها كانت حربها بينه وبين غروره الذي أقسمت أن تخسف به الأرض لتصرخ بقسوة وهي تنتزع نفسها من بين يديه:
ـ أيوا نسيت. نسيت ومش عايزة افتكر ولا لحظة من الماضي، و تحديداً غلطتي في ارتباطي بيك. 
بهتت ملامحه حين سمع كلماتها ليهتف باستنكار جريح:
ـ غلطتك!
شروق بقسوة:
ـ أيوا غلطتي. 
نجحت في إهانة غروره و النيل من كبريائه وقلبه في آنٍ واحد ليقرر لملمة الباقي من كرامته ليقول بنبرة جريحة ولكنها جافة:
ـ عندك حق. هي غلطة فعلا. 
شروق بجمود:
ـ عشان كدا لازم تنساها زي مانا نسيتها.
لم يستطِع احتمال هذه الهزيمة النكراء أمامها لذا هتف بنبرة ساخرة قاسية:
ـ لا مانا كمان نسيتها. دانا حتى اطمنت أن أنتِ كمان نستيها. عشان محسش بأي تأنيب ضمير من ناحيتك.
لم يكُن الجرح شيئًا جديدًا منه، فقد قتلها في الماضي فهي يُحييها الآن! لذا تجاوزت عن ألمها وقالت ببساطة:
ـ لا اطمن من ناحيتي أوي. انا زي الفل. 
استرعت جملتها الأخيرة انتباهه لتُبحر عينيه على ملامحها الجميلة، و هيئتها التي رغمًا عن كل شيء أيقظت الحنين بداخله ليتذكر أنه بيوم من الأيام كان السبب الوحيد في توهجها و الآن أصبح وهج جمالها يخطف العيون ولكن بدونه.
ـ مانا شايف انك زي الفل.
لم تُعير كلماته أي انتباه إنما قامت بفتح باب السيارة تنوي المغادرة، فهناك قلباً بداخلها يئن من فرط الوجع، الذي حاولت كبحه كثيرًا ليتساقط من عينيها بغزارة وهي توقف أحد سيارات الأجرة لتستقلها دون أن تُعيره أي التفاتة.
اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقربه، وإن كان قريباً فيسره، وإن كان قليلاً فكثره، وإن كان كثيراً فبارك لي فيه"،  ♥️
★★★★★★★★
توقف النبض بأوردته حين رآها تقف على الحافة في أعلى قمة للمبنى ومعها أحد الرجال ليصرخ الآخر في الأسفل يحذرها من مغبة الوقوع من الأعلى، و عينيه تكاد تخرج من محجريها من شدة الفزع، ليُطلِق نفسًا قويًا من داخله حين وجدها تتراجع بعض خطوات للخلف، فلم يكُن عقله قادرًا على تخيل هذا المشهد وهي تهوى من فوق.
ـ هي المجنونة دي بتعمل أيه فوق؟ 
هكذا تحدث كمال غاضبًا إلى أحد المهندسين الذين يقفون معه ليُجيبه أحدهم:
ـ مدام آسيا تبع راجي بيه، و جاية بتعاين آخر التطورات، و على فكرة دي مش أول مرة تيجي هنا. كمان هي جريئة و مبيهمهاش. 
وهل لا يعلم! هكذا دار استفهام ساخر بداخله، فهو أكثر من يعلم عن مدى جرأتها. فقد كانت سبباً آخر بالأضافة للكثير من الأسباب التي أسقطته في فخ عشقها! 
كانت عينيه لازالت تحيط بها للحد الذي جعل قلبها يبتهج رغمًا عنها، فقد تقصدت جذب انتباهه أو لنقل استدعاء جميع شعوره تجاهها عن طريق القلق، و لكن بطريقة تبدو غير مقصودة.
مر بعض الوقت لتنتهي من تدوين كل التطورات في الموقع وسط نظرات مُختلسة من جانبه وكذلك كانت هي ليحين وقت المغادرة، فأخذت تعبث في هاتفها لتطلب أحد السيارات لتقلها إلى الشركة ولكن كانت الشبكة سيئة للغاية في الموقع، فاقترب منها أحد العاملين، ليسألها عن سبب انتظارها، و في هذه الأثناء كانت عيني كمال تطالعها بتمعُن من خلف نظارته السوداء، فقد بدت نحيلة عن السابق، على الرغم من أن ملامحها احتفظت بجمالها إلى حد كبير، و كذلك استطالت خصلات شعرها أكثر، وكم كان هذا يُعطيها جمالًا فوق جمالها ولكن من نوعًا آخر خربش صندوق الذكريات التي حاول دفنها في أعماقه ليتفادى نوبات الحنين العاتية، ولكنها الآن تستيقظ و بقوة، مُعلنه حالة الطوارئ داخله ليقوم بالالتفات إلى الجهة الآخرى ليبدأ الحديث مع أحد المهندسين عن تفاصيل البناء و مواقع الأقسام، ولكن كما هي العادة وجودها يفرض نفسه بقوة على عالمه، ليسمع اسمها في جملة أشعلت جذوة الغضب بداخله:
ـ أنا هوصل مدام آسيا للشركة.
استدار ينظر إلى صاحب الصوت ليقول بجفاء:
ـ في مشكلة ولا ايه؟
أجابه الرجل:
ـ لا يا كمال بيه؟ دي مدام آسيا بتحاول تطلب أوبر عشان يوصلها للشركة بس هنا مفيش شبكة. بس أنا هوصلها. أنا كدا كدا رايح هناك.
لا يعلم لما افلتت تلك الكلمات من شفتيه حين قال بصرامة:
ـ أنا هوصلكوا أنتوا الاتنين. اسبقني على العربية.
القى التحية على العاملين في الموقع وهو يتوجه إلى سيارته في أنتظار آسيا التي انتشى قلبها حين علمت بأنه سيقلهم إلى الشركة، وقد أيقنت بأنه فعل ذلك كونه لن يقبل أن تركب السيارة وحدها مع رجل غريب وقد كانت مُصيبة، فهو إن كان يمقت الاعتراف بهذا الشيء ولكنه كالغبي لازال يشعر بالغيرة عليها، ولكنه ينوي أن يحاول جاهدًا للتخلص من بقاياها التي لازالت عالقة بقلبه.. هكذا اقنع نفسه وهو يقود السيارة وهي إلى جانبه، و الرجل يستقل المقعد الخلفي، ليعم الصمت أرجاء السيارة إلى أن جاء رنين هاتفها لتُجيب على راجي:
ـ أيوا يا مستر راجي. أنا في الطريق للشركة.
راجي بحدة:
ـ عندنا اجتماع في شركة الوتيدي. روحي على هناك.
آسيا بارتباك:
ـ طيب هاجي على الشركة و نروح كلنا سوى..
راجي بنفاذ صبر:
ـ مفيش وقت. روحي على هناك.
آسيا باختصار:
ـ تمام.
كلمتها المعتادة، ولكن كان وقعها على قلبه مُغايرًا فقد ذكرته بمشاعر جاهد كثيرًا لأخفائها، ولكن صوتها المُرتبك انتشله من الهاوية حين قالت:
ـ أنا ممكن انزل على أي جنب! 
كمال بفضول لم يفلح في كبحه:
ـ لسه قدامنا شوية على ما توصل الشركة؟
احتارت بماذا تُجيبه، فعلى الرغم من كونها تتمنى أن تظل إلى جواره حتى ولو قضت عمرها غارقة في الصمت، ولكن كان يجب الحديث لتقول بخفوت:
ـ عارفة. بس مستر راجي مش في الشركة. عندنا ميتينج بره وانا هقابله على هناك.
كمال باقتضاب:
ـ و الميتينج دا فين؟ 
آسيا بجمود:
ـ في شركتكوا.
يا لسخرية القدر، فقد كان يهرب من هذا الاجتماع حتى لا يلتقي بها، ولكن انتهى به الحال وهي إلى جانبه و في سيارته، ولكنه تجاوز عن أفكاره وقال بجفاء:
ـ خليكِ. هوصلك.
تحدث الرجل من الخلف:
ـ طيب أنا طريقي غير طريقكوا. ممكن أنزل على جنب؟
صف كمال السيارة جانبًا حتى يترجل منها، ثم تابع طريقه إلى شركتهم بصمت كان يعج بالكثير من الأصوات الداخلية داخل كلًا منهما. فقد كان قلبه يتمنى لو يعانقها ولو لمرةٍ واحدة يحيا على ذكراها الباقي من عمره، وقد كانت هذه أمنية قلبها الذي يبغي الاعتذار لمائة مرة أن تطلب الأمر، فقط من أجل لحظة دفء واحدة بين حنايا صدره. ولكنها كانت تعلم باستحالة هذا الأمر ليبدأ الألم بالزحف إلى جسدها لتستدير تطالع جانب وجهه الجامد بشوق يتجلى بنظراتها التي شعر بها. لتبدأ الخيانة الداخلية من قلبه الجريح الذي يشتهي جرعة مخدر واحدة ليسكن ألمه ولو قليلًا، ولكن حتى لو أودى به الأمر إلى موته، فلن يلتفت إليها أبدًا، فهي لا تستحق منه سوى التجاهل، وقد كان يُبدع به.
حاولت إخراج الكلمات من فمها ولكنها تأبى ذلك تريد أن تبدأ بالحديث، وترتعب من فكرة الرفض تتمنى لو يُعطيها إلتفاته واحدة تمهد الطريق لاعتذارها ولكن لا شيء سوى تجاهل مؤلم قررت هي التجاوز عنه حين قالت بنبرة مُتحشرجة:
ـ كمال.
ظاهريًا بدا وكأنه لم يسمع ندائها، ولكنه داخليًا استقر صوتها في منتصف قلبه الذي كان يتألم كحالها حين لم تجد منه إي إجابة، فحاولت قمع العبرات التي كانت تُهدد بالانفجار في أي لحظة، فهذا ليس وقد الضعف، فلابد من استغلال هذه الفرصة الذهبية لكونها معه لذا تحدثت بنبرة ثابتة بعض الشيء:
ـ كمال احنا لازم نتكلم.
للمرة الثانية التي يتجاهلها، فشعرت باليأس الذي تحول الى حزن حين وجدت مبنى الشركة يلوح أمامها لذا هتفت بنبرة حادة بعض الشيء:
ـ أيوا و بعدين يعني! 
للمرة الثالثة التي يتجاهلها، وقد أيقظ حمية الغضب بداخلها خاصةً حين وجدته يصف السيارة ويقوم بإطفاء المحرك استعدادًا لمغادرة السيارة، ليتجمد بمكانه حين مدت يدها وقامت بانتزاع مفتاح السيارة وهي تناظره بتحدٍ و عناد ليهتف بحدة:
ـ أيه دا؟ 
آسيا بأنفاس متلاحقة و تحدٍ يتجلى بوضوح في نظراتها:
ـ قولتلك عايزين نتكلم. 
أغضبه عنادها و الأكثر شعوره بالاشتياق إليها بتلك الطريقة، فمنذ أن استقلت السيارة بجانبه، و عبأت رائحتها المكان وهو يجاهد شوقه و حنينه و عشقه وكبريائه معًا، وقد كان تحديها هذا يوقظ مشاعر كثيرة بداخله ظن أنه قتلها، ولكنها كانت تتوارى خلف الجراح النازفة.
ـ كلمي نفسك بقى..
هكذا تحدث بقسوة قبل أن يستدير ينوي المغادرة ولكنها باغتته حين مدت يدها تمسك بذراعه لتمنعه من تركها ليستدير ناظرًا إليها بصدمة من فعلتها الجريئة! ليجد نفسه على مقربة كبيرة منها ومن ملامحها التي يعشق و أنفاسها التي كانت دافئة بالقدر الذي يمكنها من إذابة جبال الثلج الذي بناها حول قلبه، كانت لحظة خاطفة تنحى بها كل شيء جانبًا، و أبحرت عيني كلًا منهما فوق ملامح الآخر بشوق لم يفلحان في إخفائه وقد كانت هذه اللحظة بمثابة خيانة قاسية لكبريائه الذي انتفض مُهتاجّا حين سمعها تهمس قائلة:
ـ كمال.
و كأن كلمتها كانت ناقوس تنبيه جعله يجذب يده من بين يديها وهو يقول بقسوة:
ـ متكرريش اللي عملتيه دا تاني! 
أجفلتها قسوته و حدته في نزع يده من يدها لتتراجع إلى الخلف بحزنٍ طغى على ملامحها ولكنها حاولت صبغ نبرتها بالثبات حين قالت:
ـ تمام. بس احنا لازم نتكلم.
نهرها قائلًا بجفاء:
ـ مفيش كلام بيننا.
عاندته قائلة:
ـ في. 
ضاق ذرعًا من عنادها ليهتف بصرامة:
ـ مش عايز اسمعه.
أمطرت عينيها بغزارة وهي تهتف بنبرة يفوح منها رائحة القهر: 
ـ بس الموضوع مش متعلق برغبتك أنت وبس! 
زعزعت عبراتها أوصال قلبه، ولكنه قمع تأثره بين حناياه ليقول باستنكار غاضب:
ـ ايه هتخليني اسمعك غصب عني!
آسيا باندفاع: 
ـ لو لزم الأمر أه.
كمال بسخرية: 
ـ أنتِ جايبة البجاحة دي منين؟!
آلمتها إهانته ولكنها ترى في عينيه بوضوح كم تأذى حتى ولو حاول ارتداء قناع القسوة و التجاهل لذا كفكفت عبراتها وهي تقول بنبرة مّتحشرجة:
ـ يمكن تبانلك بجاحة. بس دا حق انت دوست عليه و حرمتني منه سنة كاملة.
لم يفلح في ردع الدهشة التي سيطرت على ملامحه و نبرته حين قال:
ـ نعم! أنا عملت كدا! 
آسيا بلهفة و نبرة تتضور وجعًا:
ـ أيوا عملت.
لم يكُن ينقصه سوى أن تعلق عليه أحمال وزرها لذا ضحك بسخرية قائلًا:
ـ مش مستبعد منك أي حاجة و اعرفي انك مهما قولتي مفيش حاجه هتتغير، و عمري ما هيكون في حاجة تجمعنا تاني في يوم من الأيام!
كانت إهانة قاتلة و رفض صريح حتى وإن كانت تستحقه ولكنه آلمها حد الموت، فباغتته حين قالت بنبرة رغم الألم الذي يجيش بها إلا أنها كانت قوية:
ـ ومين قالك اني عايزة حاجة تجمعنا تاني! و لا مين قالك إن الكلام اللي عندي دا محاولة مني أننا نرجع!
ارتفع أحد حاجبيه بسخرية تجلت في نبرته حين قال:
ـ تصدقي شوقتيني اني اعرف الكلام اللي عندك! لا فعلًا أثرتي فضولي لدرجة اني حسيت اني عايز اسمعه.
تزاحمت العبرات في مقلتيها و تقلصت ملامحها بألم جعل نبرتها ترتجف حين قالت:
ـ أنا عارفة أني غلطت في حقك. بس انت غلطت في حقي من قبلها بكتير. و مش انت لوحدك انت و اختك و بنت أختك.
ضاق ذرعًا من هذا السبب الذي تُعلِق عليه كل شيء حتى الخيانة لذا هتف باحتقار:
ـ أنتِ و أختي و بنت أختي متفرقوش عن بعض حاجة!
لم تحتمل أن يضعها في كفة واحدة معهم لذا صرخت بألم:
ـ لا نفرق. أنا عمري ما كنت شبههم. على الأقل عمري ما اتجبرت على اللي أقل مني. 
لم يعُد يستطِع الاحتمال ولا تجاهل ألمه أكثر، فقام برفع يده و هوى فوق خدها بصفعة قاسية وهو يهتف كالأسد الجريح:
ـ بطلي كذب وحجج ملهاش لازمة. أنا وقفت قدام الناس كلها عشانك، و محدش فيهم كان يقدر يقرب منك طول ما أنا جنبك، بس أنتِ خاينة…
وكأن قلبها من نال الصفعة وليس خدها، كانت مؤلمة و قاسية و آثارها مروعة على سائر كيانها، فرفعت نظراتها تطالعه بأعيُن مصدومة حزينة يتشعب الخذلان بجوانبها، فلو كان فعل هذا قبل أن يغادرها بهذه الطريقة لكانت رغم الألم تقبلت، ولكنها يعاقبها بقسوة بعد أن صفعها بطلاقه لها لذا لم يعد أمامها مفر من لملمة كبريائها الجريح و شتات قلبها لتهتف بنبرة تئن ألمًا و حسرة:
ـ أنا عمري ما كنت خاينة، ودا اللي مخليني بتكلم معاك دلوقتي. رؤوف ابن عمي و بس، و الفويس اللي سمعته دا كان في نص الحقيقة، ولو عايز تعرف الباقي دور عليه و اسمعه. عن اذنك.
غادرته بعد ما ألقت بارود كلماتها الذي تفجر بصدره، مُحدثًا غضب كبير مُضافًا إليه ذنب عظيم فيما فعله معها! فلم يتخيل أن يضرب إمرأة في حياته، وخاصةً هي.. 
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ♥️
★★★★★★★★★
ـ حمد لله على السلامة يا ريس.
هكذا تحدث يزيد مع ياسر معانقًا إياه بشوق على الرغم من أنه ذهب لزيارته عدة مرات ولكنه يفتقده كثيرًا
ـ الله يسلمك يا يزيد طمني عليك.
يزيد باقتضاب:
ـ الحمد لله اني متجلطتش لحد دلوقتي. حمد لله على السلامة يا غنى.
غنى بخفوت:
ـ الله يسلمك.
تبادل كلًا من يزيد و ياسر النظرات ليقول يزيد باختصار:
ـ هستناكوا بره عشان نروح المستشفى سوى.
خرج يزيد ليقترب ياسر من غنى التي كانت المشاعر تعصف بها كورقة خريفية تتقاذفها الرياح بكل الاتجاهات لتستقر بين حنايا صدره ملجأها الآمن مُلقيه بكل هذا الثُقل الذي يرسو فوق قلبها فجاءت نبرتها خائفة مرتجفة وهي تقول:
ـ أنا خايفة أوي يا ياسر..
شدد من احتوائها ويديه تربتان بحنو فوق خصلات شعرها قبل أن يقول بنبرة حانية:
ـ مينفعش تخافي وانا جنبك.
أطلقت تنهيدة قوية استقرت في منتصف قلبه ليتابع بطمأنه:
ـ أنا جنبك على طول، ومحدش في الدنيا يقدر يبعدني عنك، ولا يقرب حتى منك و أنتِ في حضني. لازم تفهمي كدا. 
تراجعت إلى الخلف تنظر إلى داخل عينيه تستمد منها القوة ليقترب منها و يكوب وجهها بين يديه ليُتابع بنبرة عاشقة:
ـ اوعي تنسي إنك مرات الريس ياسر الوتيدي.
غنى بنبرة مُتحشرجة:
ـ انسى ازاي و دي أحسن حاجة حصلتلي في حياتي!
رغمًا عنه انساق خلف عشقًا هائل يجيش بصدره لأجلها، و فقد كل ذرة تعقُل لديه ليقترب منها للمرة الأولى منذ سفرهم ويهوى فوق ثغرها بتمهُل قاتل حتى لا يُخيفها، ليرتشف نبيذ العشق من فوق ضفتي التوت خاصتها، وياله من شعور رائع حُرٌم منه طوال سنة يخشى الاقتراب من حدودها حتى لا تفزع ولكنها الآن كانت هادئة ساكنة تتلقى حبه دون تململ. أو خوف وعلى الرغم من ذلك لم يُريد أن يُطيل في الأمر حتى لا يأتي بنتائج عكسية ليتراجع عنها بأنفاس مقطوعة من فرط التأثر، فوجدها تغلق عينيها وكأنها كانت غائبة عن الوعي ليستغل الفرصة و يقوم بإسناد جبهته على خاصتها وهو يقول من بين أنفاسه المحمومة:
ـ بحبك يا غُريبة. 
كان جسدها ساكنًا دون خوف. تشعر بأنها في عالمٍ غريب عن هذا العالم الموحش. عالم لا يوجد به سوى هو و عشقه الضاري لها، فقد كانت تحتاج إليه بشكل جعل كل شيء بها يسكن بين يديه، تحتاج إلى الإطمئنان أكثر بأنه إلى جانبها و أنها آمنة إلى جانبه، ولكنها كانت خجلة بعض الشيء لذا همست بخفوت:
ـ وأنا كمان.
خبط قوي على باب المنزل جعلها تنتفض بين يديه ثم أتى صوت يزيد الحانق من الخارج:
ـ يا ريس. قربت يجيلي ضربة شمس ما تيالا بقى.
كان يطحن ضروسه من فرط الغضب الذي تجلى في نبرته حين قال:
ـ اطلع اخلص عليه ولا اعمل في ايه الحمار دا؟ 
ابتسمت غنى بخفوت وهي تقول:
ـ يالا عشان منتأخرش. أنا قلقانة على بابا أوي.
قادها إلى الخارج فقد وصلوا لتوهم إلى بيت والده في الحارة، ليتركوا أغراضهم هناك قبل أن يتوجهوا إلى المشفى، وقد عزم ياسر هذه المرة على المواجهة، والتي سيُنهيها حتمًا لصالحهم.
ترجلوا من السيارة و تبعوا يزيد الى حيث يرقد والدها، لتقع عينيها على والدتها التي كانت جالسة على أحد المقاعد تبكي بصمت، و بجانبها خالتها رضا، فشعرت غنى بنبضات قلبها تتسارع مما جعل جسدها يرتجف لتصب ارتجافتها بين كفه الذي يحتضن كفها ليُشدد عليه كدعمٍ صامت كانت بحاجة إليه. لتقف في مواجهة والدتها التي ما أن رأتها حتى هبت من مقعدها وهي تقول بعدم تصديق:
ـ غنى…
القى ياسر التحية قائلًا:
ـ السلام عليكم. عم مرزوق عامل أيه دلوقتي ؟
تفرقت نظرات صابرين ما بينه و بين غنى الصامتة والتي بدت عينيها جامدة و ملامحها كذلك لتُجيبه رضا بنحيب:
ـ حالته لا تسُر عدو ولا حبيب.. 
اندفعت الكلمات قلقة من فم غنى حين قالت:
ـ يعني ايه؟ ما تفهمينا!
صابرين بعتب:
ـ لسه فاكرة أن ليكِ أب تسألي عليه يا غنى! 
كادت أن تصرخ في هذه اللحظة و لكن يد ياسر التي ضغطت عليها أوقفتها عن الحديث ليتولى الإجابة هو قائلًا بجمود:
ـ غنى سافرت مع جوزها زيها زي اي واحدة بتتجوز. مش بردو يا حاجة رضا اي ست بتتجوز بيكون مكانها جنب جوزها! 
رضا على مضض:
ـ أيوا كلامك مظبوط. بس يعني…..
قاطعها ياسر بجفاء:
ـ مبسش. محدش يوجه كلمة لمراتي. غنى مغلطتش في حاجة، ولا تتلام على حاجة، وأول ما عرفت أن والدها تعبان جت تشوفها على طول. 
لوت صابرين فمها قبل أن تتوجه إلى مقعدها مرة آخرى وهي تقول بتهكم:
ـ وهي هتبقى محتجانا بعد كدا!
حاوط ياسر كتف غنى بذراعه وهو يقول بخفوت:
ـ متركزيش. كبري دماغك.
قام يزيد بحلب أحد المقاعد لتجلس غنى فوقه قبل أن يتمتم بجانب أذن ياسر:
ـ عليا النعمة لو البومة دي حماتي لكنت هبدتها بوكس طبقتلها بوزها اللي طوله شبرين دا.
حاول ياسر قمع ابتسامته قبل أن يقول باستفهام:
ـ عايز اشوف الدكتور و اعرف حالته ايه؟ 
التفت ناظرًا الى غنى التي رأت القلق في عينيه، فقالت بطمأنة:
ـ روح معاه متقلقش عليا. أنا كويسة. 
تدخل يزيد موضحًا:
ـ الدكتور في الدور اللي تحتينا مش هنتأخر.
اومأت غنى برأسها ليقول ياسر بحنو:
ـ مش هتأخر. هجيب الدكتور وهاجي عشان يطمنك عليه.
ـ مستنياك..
هكذا تحدثت قبل أن يسير ياسر بجانب يزيد و يهبطون الدرج إلى الطابق السُفلي و إذا به يصطدم بهيام التي تحدثت بسخرية:
ـ و أخيرًا الريس رجع! ياااه. دا مرزوق الفران طلع له سعر واحنا منعرفش! 

السبيل السادس ج٢❤️‍🔥

عادةً لا تكتفي الحياة بإعطائنا الدروس، ولا تقتصر على صفعنا لنستفيق من سُبات الوهم؛ بل أحيانًا تضعنا وجهًا لوجه أمام أفعالنا، لتجعلنا نتذوق الشعور ذاته الذي أذقناه لغيرنا. فيستنكر القلب هذا الألم الجارف الذي يجيش به، غير مُدرك أن ما يحدث ليس قسوةً أو تجبر، بل عدالةٌ سماوية لا تخطئ. فالحياة تُخبئ لكلٌ منا نصيبًا من كأس الألم الذي سقى به غيره، لندرك أن كل فعلٍ نُقدِم عليه يترك أثرٍا سيِرد إلينا ذات يوم وإن طال الزمن. وكلما ظن الإنسان أنه في مأمنٍ من الحساب أو أنه أفلت من العذاب، يشد القدر الخِناق أكثر و يبدع في تذكيره بأن ميزان العدل لا يختل ولا يميل لأحد، ليكسره من نفس الموضع الذي كسر به غيره وأن الوجع الذي تجاهله يومًا، و أدار له ظهره سيقف أمامه يومًا ما بذات الثقل، والألم، و أن الذنوب لا تُمحى بل تؤجل، و أن وقت الحساب حين يأتي لا يرحم أحد.

نورهان العشري ✍️ 

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

حان وقت المواجهة التي كان يبغضها قلبه ولكنها لم تترك له فرصة واحدة لكي يتفاداها بل وقفت أمامه بملامح مُكفهرة و عينين تحملان الضدين معًا الحب و القسوة العتب والغضب ولكنه لن يصمت بعد اليوم لذا قال بجفاء:

ـ الناس مش بتتقاس بسعرها. بتتقاس بمقامتها، و أبو غنى مقامه في السما. يالا يا يزيد.

قال جملته الأخيرة وهو يُنظر إلى يزيد ثم تجاهلها ينوي التوجه إلى غرفة الطبيب لتوقفه يدها وهي تقبض على خاصته وتقول بنبرة مغلولة من فرط الألم:

ـ وأنا يا ريس! مقامي فين عندك؟ 

كانت العبرات تتلئلئ في مقلتيها و ملامحها تحكي مقدار وجعها و غضبها لكن ألمه كان يفوق كل شيء لذا قال بعتب قاسي:

ـ قبل ما تدبحيني ولا بعدها يا هيام!

كان استفهامًا مؤلمًا اخترق أعماق قلبها لتنتفض قائلة بشراسة:

ـ مش أنا اللي عملت كدا. أنا اتحرقت عشانك. مستحملتش بهدلت أمها فيك. ولا كلامها عنك. لو هي كانت بتحبك بجد مكنتش هتصدق فيك حاجة. 

رغمًا عنه اندفع يقبض فوق يدها الممسكة بيده وهو يهتف بنبرة تئن من فرط الوجع:

ـ أنتِ مصدقة نفسك! مصدقة كلامك! أنتِ بعتي واحدة تقولهم انها حامل مني في الحرام. فاهمة يعني ايه الكلام دا ولا لا؟! 

أمطرت عينيها بغزارة وهي تقول بألم:

ـ فاهمة. بس أنا غصب عني اتوجعت. حسيت اني عايزة ابعدهم عنك بأي طريقة. خوفت عليك. رضا دي قالتلي أنها هتسمك أو هتبلغ عنك لو مبعدتش عن بنتها! 

ياسر بخيبة أمل:

ـ عذر أقبح من ذنب! الكلام دا تعمليه مع عيل صغير. مش مع راجل أنتِ مربياه و عرفاه كويس.

هيام بلهفة:

ـ الكويس انك لسه فاكر اني ربيتك لحد ما بقيت راجل. يعني مفيش حد في الدنيا دي أبقى عندك مني.

ياسر بنبرة يفوح منها رائحة الألم:

ـ كنتِ كدا. الوحيدة اللي كنت بترمي في حضنها و أعيط.  لحد ما عرفت أن أنتِ اللي طعنتيني في ضهري..

هيام بغل:

ـ قصدك لحد ما جت السنيورة و بقالك حضن تاني غيري..

تدخل يزيد الذي لاحظ نظرات الناس من حولهم ليقول بجمود:

ـ كفاية كدا. دا لا وقته ولا مكانه. بعدين نبقى نشوف الكلام دا.

ناظرته هيام بسخرية مريرة تجلت في نبرتها حين قالت:

ـ وأنت يا بيه! أيه اتبريت مني أنت كمان! ولا خلاص لقيت حد يغنيك عني!

يزيد بجفاء وهو يُشيح بنظره إلى الجهة الآخرى:

ـ والله خايف أرد عليكِ تمدي إيدك عليا قدام الناس.

توسعت عيني ياسر من كلمات يزيد ليلتفت ناظرًا إليها قائلًا باستنكار:

ـ أيه ؟

هيام بحدة:

ـ لما يقل أدبه عليا مفروض اعمل ايه يا ريس! اقف اطاطي للعيل الصغير لحد ما يمد هو إيده عليا ولا اعمل ايه؟ 

كان الأمر مؤسفًا بالنسبة إليه، ليحاول كظم غضبه وهو يقول بنبرة خشنة:

ـ مش وقته الكلام دا. احنا في مستشفى. 

هيام بتقريع وهي تمحي عبراتها:

ـ أنت معرفتش! ماهو أنا جاية اجري على المستشفى عشان اشوف اخواتي اللي رموني، و لا فيهم حد بيسأل عني.

بلغ الغضب مبلغه داخله ليهتف بصرامة:

ـ اعمليلك قفلة يا هيام. 

ابتلعت باقي حديثها ولكن الغضب كان يتماوج في عينيها يُهدد بأن القادم لن يكون جيد ليتركها ياسر و يتوجه برفقة يزيد الى غرفة الطبيب، ولأن نيران الغضب لم تخمد بعد! قررت أن تحرق من تسبب في حرمانها من أشقائها لذا توجهت إلى الأعلى وهي تسأل أحد الممرضات عن غرفة مرزوق لتدلها عليها، فتوجهت إلى هناك.

ـ شوفتي يا رضا. مرزوق اللي كان بيمشي يقول للأرض اتهدي ما عليكِ قدي رقد ازاي و سابني زي التايهة مش عارفة اعمل أيه ولا أروح لمين؟!

هكذا تحدثت صابرين وهي تبكي بحرقة على صدر رضا شقيقتها التي قالت تواسيها:

ـ وحدي الله يا صابرين. بكرة يخف ويقوم ويبقى زي الفل. 

صابرين بنواح:

ـ يا خسارة. يا ريتني قولتله روح اتجوز و جيبلك الواد اللي نفسك فيه. كان زمانه سانده و واقف في ضهره. بدل ما هو يا حبة عيني مالوش لا عيل ولا تيل! 

ناظرتها غنى بخيبة أمل كبيرة، فهي لا تراها من الأساس، ولطالما عانت من هذا الأمر و كونها فتاة، فهي بلا قيمة لدرجة أنها تتمنى لو تركت زوجها يتزوج عليها لينجب ولدًا ماذا عنها؟! 

ـ متقوليش كدا يا صابرين ياختي، وبعدين ماهي غنى أهي و جوزها اسم الله عليه موجودين جنبك في ايه وحدي الله.

صابرين بنبرة مُتحشرجة:

ـ لا إله إلا الله. كل واحد اختار الله يعينه على حاله. احنا اترمينا ياختي، وطلعنا وحشين. لا تربية شفعت ولا حنية نفعت!

عند هذا الحد هبت غنى من مجلسها وهي تهتف بقهر:

ـ حنية! هي فين الحنية دي يا ماما! دا أنتِ حتى مخدتنيش في حضنك وقولتيلي وحشتيني! دانتِ طول عمرك محسساني أني هم عايزة تخلصي منه!

صابرين بانفعال:

ـ  و أنا بردو اللي طردك من بيتي و قولتلك أنا بكرهك صح! 

اخفضت غنى رأسها وهي تقول بنبرة حزينة:

ـ مش أنتِ اللي كنتِ عايزة تحرميني تاني من ياسر! مش كفاية اللي حصلي قبل كدا! هو أنا مبصعبش عليكِ!

صابرين بنبرة لينة:

ـ مين قالك انك مش صعبانه عليا! هو انا كنت بعمل كل دا عشان مين! ماهو عشانك. أنتِ بس اللي أي حاجة أمك بتعملها بتبقى تقيلة على قلبك! بكرة أموت و ترتاحي.

غنى بلهفة:

ـ بعد الشر عنك. متقوليش كدا.

أشارت لها رضا حتى تأتي و تجلس بجانب صابرين التي كانت تبكي لتقوم غنى بمد يدها لتربت فوق كتفها وهي تقول بخفوت:

ـ متعيطيش يا ماما لو ليا خاطر عندك!

صابرين بحزن:

ـ أنا بعيط من الخوف على أبوكي. لو سابني و راح هيبقالي مين؟!

غنى بلهفة:

ـ بعد الشر عنه. متقوليش كدا ابوس إيدك أنا مش متحملة، وبعدين أنتِ مش لوحدك انا موجوده أهو.

داخليًا هناك جرح غائر داخلها لم يلتئم بعد ولكنها لا تحتمل أن ترى والدتها في هذه الحالة لتُنحي ألمها جانبًا، و تقوم بمحاوطتها بذراعيها وهي تبكي تارة على وجعها و تارة على والدها الذي حتى وأن لم يكُن حنونًا يومًا، فقلبها يحمل له الكثير من الحب.

ـ ياختي أيه الحنية دي! بتطبطبي عليها و بتواسيها! دا المشكلة طلعت من عند هيام بقى!

انتفض جسد غنى حين سمعت صوت هيام التي كانت تقف خلفهم تناظرهم بأعيُن يكتظ بها الغضب مما جعل غنى تهتف بجفاء:

ـ أنتِ عايزة أيه؟؟

هيام بتهكم غاضب:

ـ وهعوز منكوا أيه؟! أنتوا اللي خدتوا الغالي و خلعتوه من حضني. بعد ما كان كخة و ميلقش! لكن لما الجدع ربنا كرمه و بقى ريس قد الدنيا. أحلو صح يا رضا ! 

هبت رضا واقفة وهي تناظر هيام بكُره لم تخلو منه لهجتها حين قالت:

ـ جاية ليه يا هيام ؟ ولا تكونيش جاية تشمتي في المرض!

اقتربت هيام وهي تقول بغل:

ـ جاية أشوف أخويا ابن أمي و أبويا اللي لهفته بتك، وقلبته على أخته اللي ربته واللي هي في مقام أمه.

غنى بصدمة:

ـ أنا قلبته عليكِ! كلام ايه دا؟!

هيام بانفعال:

ـ أيوا قلبتيه عليا. اخويا طول عمره ماشي تحت طوعي مبعدش غني و عارضني غير بسببك و بسبب وسوستك له زي الشيطان! 

بهتت ملامح غنى من اتهامات هيام الباطلة لتهتف بانفعال:

ـ يعني مبعدش عنك عشان خربتيله حياته وفرقتي بينا وبعتي واحدة تتبلى عليه! بعد عنك عشان وسوسة غنى الوحشة اللي يوم ما اتكسرت اترمت في حضنك. 

قالت جملتها الأخيرة بنبرة جريحة لتهتاج العبرات في مقلتي هيام مرة أخرى فصاحت بألم:

ـ و أنا اتقهرت عشانك. روحتي أنتِ عملتي أيه؟ وقعتي بيني وبين أخويا. و كرهتيه فيا و خدتيه و مشيتي. بدل ما تعقليه و تقوليله أختك اللي ربتك، و كل دا وأنتِ عارفة أن اللي خلاني عملت كدا المحروسة أمك.

صاحت رضا من خلف غنى:

ـ أمها مالها ياختي! أنتِ جاية ترمي بلاكي علينا ولا أيه! وبعدين انا كنت خايفة على سمعة بنتي. مش روحت شوهت سمعتها زي ما أنتِ عملتي في أخوكي، وبعتي واحدة تتبلى عليه.

جن جنون هيام من حديث رضا لتهتف صارخة:

ـ قطع لسانك يا حية أنتِ! مبقاش ألا أنتوا يا خدامين اللي هتتطاولوا على أسيادكوا. دانا أدوسك بجزمتي. 

لم تستطِع غنى احتمال تلك الإهانة في حق والدتها لتندفع صارخة:

ـ اخرسي و احترمي نفسك. 

ـ غنى….

كان هذا صوت ياسر الصارخ من خلفهم ليجعلها تتجمد في مكانها بل و تبتلع باقي كلماتها خاصةً وهي تراه يقترب و الغضب يكاد ينفجر في عينيه لتلتفت هيام قائلة بسخرية:

ـ تعالى يا ريس شوف أختك وهي بتتهزق من المحروسة مراتك! 

ناظرته غنى بترقب يحمل الخوف في طياته لتجده يقترب ليقف بينهن، ومن الواضح أنه لم يستمع سوى لجملتها الأخيرة فحسب، لتحاول شرح الأمر، ولكنه رفع كفه أمام وجهها لكي لا تتحدث، ليباغتها حين قال بنبرة صارمة:

ـ اعتذري لهيام يا غنى..

تفجرت كلماته في الوسط لتقلبه رأسًا على عقب، فقد توقفت عليه جميع الأعيُن بذهول و دهشة حتى هيام التي لم تتخيل بأقصى أحلامها أن يطلب من غنى الاعتذار لها لتلتفت وتناظر الأخيرة بتشفي، قبل أن تلتفت ناظرة إلى ياسر بتحدي حين سمعت غنى تقول بنبرة لا روح بها:

ـ ياسر..

صابرين بحدة:

ـ تعتذر لمين! دي بهدلتنا و هزقتنا! شايفة يا ست غنى البيه اللي بعتينا عشانه بيدوس عليكِ بجزمته قدامنا ازاي!

لم يلتفت ياسر لحديث صابرين إنما ناظر غنى بتحذير وهو يقول بصرامة:

ـ سمعتي أنا قولت أيه؟!

لم تكُن مجرد كلمات بل كان اختبارًا لثقة لطالما كانت مفقودة بينهم، وبالرغم من الألم الذي يجيش بداخلها و الإحساس بالقهر الذي يتبلور في عينيها ولكنها أطاعته لتلتفت إلى هيام قائلة بحروف مُرتجفة:

ـ أنا أسفة يا هيام..

اندهشت هيام كونها أطاعته، ولم يُفرحها الاعتذار كثيرًا على العكس جعلها تميز من الغضب، ونظرات النصر في عيني ياسر كانت خير دليل، ولكنه فاق جميع توقعات الجميع حين مد يده يجذب كف غنى لينحني واضعًا قُبلة دافئة فوقه ثم رفع رأسه وهو يناظرها بحُب تجلى في نبرته حين قال:

ـ وانا كمان أسف ليكِ يا ست البنات. حقك على راسي.

أنهى جملته و اقترب يلثم جبينها بحنو، ولكن هذه المرة كانت الصدمة مروعة حد اندفاع الشهقات من أفواه الجميع، ليُتابع وعينيه لازالت في حديث خاص مع عينيها:

ـ حقك عليا يا حماتي. أنتوا أحسن ناس في الدنيا، و مقامكوا عندي عالي. و أم حماده كانت محتاجة تعرف دا و خلاص عرفته.

كانت كلماته كشاحنة ثقيلة سحقت هيام أسفل عجلاتها لتهتف دون وعي:

ـ بتعتذرلها قدامنا يا ياسر! دا انت عمرك ما عملتها من يوم ما اتولدت.

مد يده يُحيط بكتف غنى التي كانت نبضاتها تضرب حدود صدرها بعُنف من فرط الصدمة التي اجتاحتها ليلتفت هو ناظرًا إلى هيام وهو يقول بفخر:

ـ مانا معملتهاش مع أي حد. دي غنى.

شدد من احتواء غنى وهو. يتابع بجفاء:

ـ واجبك وصل يا أم حمادة. تقدري تروحي.. وصلها يا يزيد..

قال جملته الأخيرة وهو ينظر إلى يزيد الذي لم يُعجبه الموقف برمته، وقد كان الغضب يتفجر بأوردته مما جعله يهتف بقسوة وهو يمسك رسغ هيام:

ـ يالا يا هيام عشان نمشي.

كانت عيني هيام في عتاب قاسي صريح مع عيني ياسر و الاستنكار لازال يُخيم على ملامحها ليجرها يزيد خلفه وهو يهتف بحدة:

ـ بقولك يالا نروح..

غادرت هيام بملامح لا تُحسد عليها تاركة خلفها غنى التي كانت تناظره غير مُصدقة لما حدث منذ لحظات لتجد في عينيه اعتذار كبير و امتنان أكبر لتهمس بخفوت:

ـ ياسر..

مد يده يُعيد خصلتها خلف أذنها وهو يقول بخفوت:

ـ لينا بيت لما نروح نتكلم فيه..

أهدته ابتسامة عذبة لا تعرف هل كانت شكرًا كونه أعاد لها كرامتها و كرامة أهلها المهدورة، أو أنها ابتسامة عشق لرجل تلخصت به جميع مقومات الرجولة في عينيها. الشيء الوحيد الذي تعرفه بأنها تعشقه حد الجنون.

ـ الحاج مرزوق محتاج نقل كلية في أسرع وقت، وانا اتكلمت مع الدكاترة هنا وبدأنا ندور على مُتبرع وان شاء الله نلاقي على طول.

هكذا تحدث ياسر وهو ينظر إلى صابرين التي هتفت بعويل:

ـ طب ودي هنجيب فلوسها منين! 

ياسر بطمأنة:

ـ متقلقيش من أي حاجة ربك هيفرجها أن شاء الله.

تدخلت غنى قائلة بلهفة:

ـ طب مانا فلوسي موجودة. أقصد الفلوس اللي خدتها من رأفت بعد ما….

بترت جملتها حين شاهدت نظرات ياسر الجحيمية وهو يلتفت إليها لتُدرك مدى غباء ما تفوهت به ليحاول بصعوبة ابتلاع جمرات غضبه حتى لا يقوم بصفعها بقوة على هذا الهُراء الذي خرج من فمها فقام بتوجيه حديثه إلى صابرين التي كانت لا تقل خوفًا من ابنتها قائلًا بجفاء:

ـ العملية هتتعمل بإذن الله، و أنتِ متشيليش هم حاجة.. 

صابرين بلهفة:

ـ كتر خيرك ياخويا. ربنا ما يحرمنا منك.

لم يكترث لكلماتها بل التفت قابضًا على رسغ غنى بقوة مؤلمة وهو يجرها خلفه قائلاً بنبرة قاسية:

ـ يالا عشان نروح..

( كان نفسي يلسعها قلمين على وشها بس خوفت تلسعوني أنتوا بلوك يطلع من نافوخي😂😂)

اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال" ♥️

★★★★★★★★★

كان يقف أمام النافذة في غرفة مكتبه يود لو أنه يُلقي بنفسه معها مُرحبًا بالموت الذي كان هو الشيء الوحيد القادر على تخليصه من ألمه، و عشقه المسموم الذي يسري بأوردته كداء ليس له دواء، فهاهو يعاني الأمرين مع قلب يُعنفه على تلك الصفعة التي آلمته قبل أن تؤلمها. على النقيض عقله الذي كان يستعرض ألمه طوال الفترة الماضية، و ما شعر به جراء خيانتها، للحد الذي جعل العبرات تتساقط من مقلتيه، وهو يتذكر مشهدها وهي تقف أمام هذا الرجل تبكي و تعاتبه مما جعل الألم ينهش بصدره حتى لم يعُد في مقدوره احتماله. ليقوم بضرب زجاج النافذة بقبضته فتتحطم إلى أشلاء تمامًا كما تحطم قلبه.

 تساقطت الدماء من يده جراء هذه الجروح التي نالت منها، ولكنه لم يتألم، فقد كان ينظر إليها بقسوة وكأنه يعاقبها كونها تجرأت عليها، و آلمتها. يعانده قلبه رغم جرحه لأجلها!

ليقف للمرة التي لا يعرف عددها وهو يهمس بهذا الاستفهام المؤلم:

ـ ازاي قدرتي تعملي فيا كدا، وانا بحبك كل الحب دا ؟! ازاي يا آسيا ازاي؟!

انفتح باب الغرفة من خلفه ليتفاجيء خالد بهذا الزجاج المُتناثر و هذه الدماء التي تغطيها ليهتف بصدمة:

ـ كمال..

التفت كمال يناظر أخيه بأعيُن تفجرت بها الحمم المُشتعلة التي تتساقط منها جمرات تحرق خديه لا عبرات، ليقترب منه بلهفة تجلت في نبرته حين قال:

ـ حصل أيه؟ 

رفع كمال يده الغارقة في الدماء وهو يقول بنبرة مُتحشرجة:

ـ مكتفتش بعقاب الدنيا ليا فتقريبًا بعاقب نفسي. ! 

قام خالد بتفحص جروح يده ثم تناول بعض المحارم الورقية ليضعها فوق جراحه وهو يكتم غيظه بصعوبة، ثم توجه إلى الهاتف ليطلب صندوق إسعافات أولية من مديرة المكتب التي جلبتها على الفور ليصدمها منظر الغرفة ولكن نظرات خالد الصارمة جعلتها تبتلع استفهامها و تغادر بصمت ليقوم خالد بتضميد جراحه بصمت قطعه بعد دقائق وهو يقول بجمود:

ـ أيه اللي حصل؟ 

ـ محصلش. 

هكذا تحدث كمال باقتضاب ليحذره خالد بنبرة حادة:

ـ كمال.. 

هب كمال من مجلسه وهو يهتف بنبرة محترقة:

ـ مش عايز أشوفها أبدًا، ولا حتى صدفة. أنا هربت عشان انسى مقدرتش اتحمل و مش قادر اتحمل تبقى قدامي.

دار حول نفسه كالأسد الجريح وهو يقول بنبرة يفوح منها القهر:

ـ صوتها، دموعها، بيدبحوني . و من ناحية تانية كل ما افتكر شكلها وهي واقفة بتكلمه احس بنار بتاكل فيا. 

التفت ناظرًا إلى خالد وهو يصيح بألم مُثقل بالعبرات الغزيرة:

ـ أنا بكرهها يا خالد. بكرهها. 

هب خالد من مكانه وهو يتألم بقوة لما ألم بشقيقه ليهتف قائلًا:

ـ اهدى يا كمال.

كان كمال في عالمًا آخر، وكأنه لازال واقفًا عند هذه اللحظة التي اُغتيلت بها حياته معها و انهارت بها أحلامه دفعةً واحدة لتتهدل أكتافه ويخفض رأسه وهو يقول بنبرة جريحة:

ـ أنا نفسي اكرهها. هتعمل فيا أيه اكتر من كدا عشان أكرهها! و بردو مكرهتهاش. عملت فيا كل حاجة تخلي اي راجل يكره بس انا مكرهتهاش!

خرجت جملته الأخيرة بنبرة صارخة توحي بمقدار ما يشعر به ليقرر خالد الحديث رغمًا عن اعتراضه ليقول بنبرة خشنة:

ـ كفاية تعذب في نفسك بقى و افهم آسيا مش خاينة. 

زأر بشراسة:

ـ  لا خاينة! راحتله ولا لا؟!

خالد بحدة:

ـ ماشي راحتله تتكلم معاه. بس في كل الأحوال دا مش راجل غريب. دا ابن عمها…

قاطعه كمال بانفعال:

ـ كان بيحبها وهي كانت عارفة ولا لا! 

كان مُحقًا، ولكنه أراد تخفيف هذا الثقل الذي يحمله حين قال بمهادنة:

ـ عارفة و غلطانة.  بس مش يمكن..

قاطعه للمرة الثانية حين هتف بقسوة:

ـ من غير يمكن يا خالد. متبررلهاش عشان تريحني. و اوعي تقولي حاجة تخليني في حيرة ألعن من اللي أنا فيها. الحاجة الوحيدة اللي هتطفي ناري أنها تكون فعلًا مراحتلوش. 

خالد بغضب:

ـ مش هبرر بس في أسباب لازم نتناقش فيها، و خلي بالك انا لحد دلوقتي مش راضي افرض عليك تسمع اللي حصل عايزها تيجي منك عشان تقدر تستوعب كلامي.

كمال بنبرة تئن وجعًا:

ـ أنا للأسف عارف اللي حصل. تخيل اني ندمان عشان شوفت تسجيل الكاميرا. كان هيبقى عندي شك أن ميرهان بتكذب. انا حتى روحت شوفته عشان مبقاش ظالمها. 

تساقطت العبرات بغزارة من عينيه وهو يتابع بقهر:

ـ اتجاهلت كل اللي سمعته و اللي يجرح اي راجل، و جريت عشان أعرف هي راحتله ولا لا؟ 

كان يرى عمق جرحه، و مدى صدق مبرراته لكل هذا الألم والغضب الذي يشعر به، لذا أراد جذبه إلى نقطة آخرى حين قال:

ـ اركن الموضوع دا على جنب وخلينا نتكلم عن موضوع الفويس اللي أنت سمعته. 

كمال بمرارة:

ـ تعرف بالرغم من اني اتوجعت لما سمعته. بس عشان بحبها كان ممكن أسامحها أنها اتجوزتني لمجرد أنها تنتقم مني زي ما قالت لميرهان. كان ممكن أسامحها لو هي اتجوزتني حتى عشان فلوسي. لكن أنها تدوس عليا و تروح لراجل كان بيحبها تعاتبه.

خالد بنفاذ صبر:

ـ الله يحرقه هو و زفته في ساعة واحدة!

كمال بأسى:

ـ . العشم واخدها معاه أوي ريحاله تعاتبه ازاي يحط أيده في ايد عدوتها نفس المنطق اللي خلاه يتجرأ ويروحلها يعاتبها يوم فرحها!! 

خالد بتعب:

ـ طيب و أخرتها يا كمال! 

محى عبراته بظهر يده وهو يقول بجفاء:

ـ مش عارف. بس كل اللي اعرفه اني مش عايز أشوفها ولا اقرب منها. مش عايز أأذيها.

خالد باندهاش:

ـ للدرجادي يا كمال!

كمال بمرارة:

ـ أيوا للدرجادي! للأسف هي الوحيدة اللي بتقف بيني و بين عقلي. 

شعر بالشفقة على حال أخيه كثيرًا ليقول بجمود:

ـ ماشي يا كمال. أنا هفصل أي شغل بينك و بينها. بس في كلمتين لازم تسمعهم مني.

ـ كلمتين ايه؟ 

خالد بنبرة ذات مغزى:

ـ احنا بشر. كلنا بنغلط، و ممكن كمان نتجاوز في حق أقرب الناس لينا، و ممكن يوصل بينا الألم لدرجة الموت. وعشان كدا ربنا خلق النسيان. 

كمال بأسى:

ـ واللي مش قادر ينسى؟

خالد بقوة:

ـ يحاول. أنا اتعرضت لأصعب وجع ممكن تتخيله في حياتك. أنا فقدت مراتي وابني. كنت بموت من الألم. بقيت أقول لنفسي ياريت لو سهام ترجع لحظة وانا عمري ما هزعلها ولا هزعل منها أبدًا. بالرغم من أننا كنا بنحب بعض بس كنا دايمًا بنختلف.

كمال بتصحيح:

ـ بتختلفوا مش بتدبحوا بعض. بتفرق!

خالد بنبرة مُتأثرة:

ـ صح. بس عارف؟ أنا دلوقتي بخاف على أشجان من نسمة الهوى. بحاوط عليها زيها زي رنا بالظبط. عشان مش هقدر أعيش لحظة واحدة في الدنيا دي من غيرها. 

كمال بريبة:

ـ أنت تقصد أيه؟ 

لم يتثنى لخالد الإجابة فقد سمعوا طرقًا قوياً على باب الغرفة ليسمح خالد للطارق بالدخول ليتفاجئوا حين وجدوا شروق التي كانت تشعر بالحرج الذي جعل نبرتها مهتزة حين قالت:

ـ مستر خالد معاد الميتينج. أنا قولت استعجل حضرتك احنا هنا بقالنا شوية.

التفت كمال يُعطيها ظهره، ليُجيبها خالد باختصار:

ـ اسبقيني، وانا جاي وراكِ..

نفذت شروق أمره لتخرج وهي تتنفس الصعداء من هذا الموقف المحرج تبحث عن آسيا التي كانت برفقتها في المرحاض لتستمع مديرة مكتب كمال تتحدث إلى أحد الفتيات قائلة:

ـ والله زي ما بقولك كدا. لقيت إزاز الشباك مكسور و ايد كمال بيه بتنزف، و شكله كان غريب، يظهر معيط ولا أيه؟ 

ناظرت آسيا شروق بقلب لهيف جعلها تهرول إلى الأعلى بعقل غير واعي لما هي مقدمة عليه، فقط أرادت الإطمئنان أنه بخير، وياليتها لم تذهب، فقد سمعت حديثه المؤلم مع خالد، ولكن كبريائها أبى عليها أن يخبره خالد بحقيقة مرضها، لكي لا تدعه يتعذب أكثر، وأيضًا لن تقبل أن يُشفِق عليها، لتقوم بالطرق على باب الغرفة تاركة شروق تواجه وحدها لتندفع هي إلى أحد المكاتب الخالية و تجلس فوق الأرضية الرخامية تبكي كما لم تفعل من قبل، فغبائها جعلها تخسر كل هذا الحب الذي كان يتساقط من بين حروفه.

انقضت ساعتين كان كمال يشعر بصداع يشطر رأسه إلى نصفين، فنصب عوده ليتوجه إلى مكان القهوة، فإذا به يجد آسيا تهتف بغضب:

ـ مش فنجان قهوه اللي هيموتني يا شروق. بس ممكن فراق كمال هو اللي يعمل كدا.

"يا رب ترى ضعفي وقلّة حيلتي، فإني ضعيف ذليل متضرع إليك، مستجير بك من كل بلاء، أذهب خوف قلبي. يا عزيز أعزني، ويا كافي أكفني، ويا قوي قوني، ويا لطيف ألطف بي في أموري كلها♥️

★★★★★★★★★

ـ وحشتني اوي يا عُمر..

هكذا تحدثت نبيلة وهي تضم عمر إلى صدرها بشوق بالغ قابله هو بالبرود الذي تجلى في نبرته حين قال:

ـ وأنتِ كمان.

نبيلة بعتب:

ـ بتكلمني من غير نفس ايه كدا يا عمر! دانا امك مش عدوتك يا عمر.

عمر بتعب:

ـ حقك عليا يا ماما مقصدش انا مخنوق شوية.

جذبته من يده بحنو وهي تقول:

ـ طب تعالى أقعد معايا شوية. دانا روحي بترد لما بشوفك. 

لم يستطِع الرفض ليجلس بجانبها على الأريكة لربت على يده بخفه وهي تقول بمُزاح:

ـ أيه رأيك تحط راسك على رجلي العب في شعرك زي ما كنت بعمل وأنت صغير..

ابتسامة ساخرة لونت ملامحه حين تذكر تلك الأوقات حين كانت تفعل ذلك فقط لكي تجعله ينسى أفعالها مع عمته، و أحيانًا كانت تتعلل بأنها تخرج عن شعورها بسبب أفعال جدته معها، ولكنه الآن و رغمًا عن كل شيء كان يحتاج لأي بادرة حنان، فقلبه يؤلمه بقوة لذا لم يُعارض بل فاجئها حين وضع رأسه فوق فخذها ليبتهج قلبها كثيرًا، فقد كانت تتوقع رفضه، فمنذ أن غادر بعد طلاقه لهذه الفتاة لم يأتي البيت سوى مرات محدودة حتى أنها علمت بالتحاقه بهذه القافلة الطبية عن طريق صديقه، لذا حاولت استغلال الفرصة لتهتف بحنو:

ـ يااااه يا عمر. لو تعرف امك بتحبك قد ايه؟ طب دانا من فرحتي يوم ما خلفتك فضلت طول الليل صاحيه ابصلك وبس.

كان عمر شاردًا في تلك الملامح التي انتزعت السلام من عالمه، لذا أجاب باختصار:

ـ والله!

نبيلة بلهفة:

ـ اه والله. أصلك متعرفش انت كنت بالنسبالي أيه! مجيك للدنيا كان أمان بالنسبالي. 

استرعت جملتها الأخيرة انتباه عمر ليقول بسخرية مريرة:

ـ أمان ايه يا ماما! دا بابا تقريبًا مش شايف في الدنيا غيرك. طب سيبي الأمان دا الي محتاجه! 

استفزتها كلماته كثيرًا، ولكن الشيطان الذي يُعشعش بداخل عقلها جعلها تستغل الأمر لصالحها مما جعلها تقول بتخابُث:

ـ باباك بيحبني يا عمر، و اللي بيحب بيضعف قدام حبيبه.

هب عمر من نومته وهو يقول بحدة:

ـ لا أنا مش كدا.

نبيلة بمكر:

ـ بيتهيقلك. أنا شوفتك مع بنت نسمة كنت عامل ازاي؟ دا انت مكنتش شايف حد غيرها، وخايف عليها من الكل زي ما يكون هناكلها. أو دا نفس شعور باباك ناحيتي. 

هب من مكانه يستنكر أن يكُن مثل والده في هذا الأمر تحديدًا، فقد كان هذا في مقدمة الأسباب لهذه الفجوة بينهم لذا هتف بانفعال:

ـ بطلي تهولي المواضيع. شروق وضعها مختلف، و تقريبًا كانت وحدها وسطكوا..

نبيلة بهدوء مدروس:

ـ طب مانا كنت كدا، وأظن انت فاكر جدتك كانت بتعاملني ازاي؟ و بعدين لو دا مزعلك اوي كدا. اطمن أنت اهو طلقتها، و قدامك بدل البنت مليون تختار منهم. 

عمر باستنكار:

ـ لا والله!

نبيلة بمكر:

ـ على فكرة أنا بتكلم بجد. أنت زيي يا عمر. شخصية مابتحبش حد يسيطر عليها أو يتحكم فيها، وعشان كدا اختارت باباك بعقلي، و مندمتش لحظة. أنت كمان محتاج ترتبط بواحدة بتحبك، مش أنت اللي بتحبها.

نهضت من مجلسها تستغل هذا الضياع الذي يبدو على ملامحه وهي تُتابع بنبرة ناعمة كالسُم:

ـ واحدة تليق بيك. تستحق أنها تشيل اسم الدكتور عمر الوتيدي. بنت ناس ، وجميلة و مُطيعة. مستعدة تديلك عينيها. مش العكس.

كانت الكلمات تدور برأسه كالطواحين تعرف طريقها إلى نقاط ضعفه التي تعرفها جيداً ليقول باستفهام:

ـ أنتِ تقصدي أيه؟ 

نبيلة بنبرة لينة:

ـ أقصد أن في مليون بنت تتمناك. بس أنا من وسط المليون دول عايزة واحدة بتحبك عشان تريحك. صدقني الحب دا شقى و ضعف و أنت ميليقش بيك اللتنين..

استدعت كلماتها ذكرى ما حدث صباحًا، و تلك الكلمات المسمومة التي رمته بها وضعفه أمامها ليشعر بألم حاد ينخر عظامه، وهو يتذكر كيف تخلصت من ذكراه بداخلها ليهتف بقسوة:

ـ عندك حق..

ابتهج قلبها كثيرًا لتعمل بمبدأ الطرق على الحديد وهو ساخن فهتفت بحماس:

ـ يبقى متفقين. أنت بس اديني الأوك، وأنا عندي العروسة.

شعر بأنه ينجرف خلف تيار لا يعجبه لذا قال بجمود:

ـ سبيني أفكر..

ـ دكتور عمر سعاد هانم عايزة حضرتك.

هكذا تحدثت أحد الخادمات ليقول عمر باختصار:

ـ قوليلها جاي..

لم يُعطي لها عمر الفرصة للحديث بل تبع الخادمة على الفور و كأنه يهرب من هذه الأفكار المسمومة التي تبثها في عقله ليتوجه إلى سعاد التي كان الغضب يأكلها من الداخل، وحين وقعت عينيها عليه صاحت بسخرية:

ـ أخيرًا البيه شرف! والله تعبت نفسك أنا قولت هتقعد كمان كام شهر على ما تيجي تشوفني عايزة أيه!

عمر بحنق:

ـ نعم! 

سعاد بحدة:

ـ قابلت شروق ؟!

تجاهل هذا الضجيج الذي دوى في قلبه ليقول باختصار:

ـ أيوا. 

ـ و بعدين؟!

عمر بحدة:

ـ ولا قابلين. مش عايزة تدخل هنا تاني، ولا تشوف حد من البيت.

سعاد بانفعال:

ـ عملت أيه فيها وصلتها للدرجة دي؟! كسرتها ولا خنتها ولا عملت فيها ايه؟!

لم يحتمل حديثها ليهتف بقسوة:

ـ عملت فيها زي ما أنتِ عملتي في أمها بالظبط. ابقي لومي على نفسك قبل ما تلوميني.

جرحها في الصميم لتهتف بغضب:

ـ أنا فعلًا بلوم نفسي بس عشان آمنتك عليها في يوم من الأيام. فكرتك هتبقى راجل وتحافظ عليها.

عمر بتحذير:

ـ تيتا. خلي بالك من كلامك!

سعاد بتقريع:

ـ هستنى أيه من ابن نبيلة! بس يا خسارة أنا حتى ابني أسوء منكوا، هتطلع عدل لمين؟! 

عمر بجفاء:

ـ عندك حق. أنا أسوأ منهم. اقفلي الموضوع دا بقى و متفتحيهوش معايا تاني..

سعاد باحتقار:

ـ تصدق نبيلة طلعت أنصح مني، و عرفت تخلي ابنها تحت طوعها. بس يالا ما أنت اصلك شبه أبوك. و بنت نسمة تستحق راجل مش واحد أمه بتحركه..

تولدت بداخله طاقة غضب عارمة جعلته يصرخ كالمجنون:

ـ كفاية بقى. ارحميني. عماله تحمليني في نتايج غلطاتك، وانا اللي مفروض ألم وراكي. دمرتي حياتنا كلنا. 

سعاد بانفعال:

ـ أمك اللي خربت حياتنا. دخلت بيتنا زي الحية و فرقتنا. 

أخذ يهزي كالمحموم:

ـ وأنا هكمل اللي هي بدأته، و ابقي خلي بنت بنتك بقى تنفعك. مش هي خلاص نسيتني، وانا كمان نسيتها وهتجوز ست ستها. يالا ابقي ضيفي دي كمان لعيوبي.

اللهم رب السموات السبع وما أظلت، ورب الأرضين وما أقلت، ورب الشياطين وما أضلت، كن لي جاراً من شر خلقك كلهم ♥️

★★★★★★★★

ـ أيه يا قمر قاعدة لوحدك على طول ليه؟

هكذا تحدثت أحد الفتيات إلى رنا التي كانت تجلس في وقت الاستراحة وحدها على أحد الطاولات لتتفاجيء من هذه الفتاة التي جلست أمامها تناظرها بابتسامة مرحة قابلتها رنا بآخرى مُتحفظة وهي تقول:

ـ عادي. 

الفتاة بمرح:

ـ لا عادي أيه؟ فكي كدا و خلينا نتعرف. أنا سُهيلة وأنتِ ؟

رنا بخفوت:

ـ رنا..

سُهيلة بمُزاح:

ـ يا بنتي علي صوتك مالك خايفة كدا. احنا بقينا أصحاب خلاص. 

ابتسمت رنا بهدوء لتُتابع الفتاة قائلة:

ـ أنا شوفتك في حصة مستر أحمد و حسيت أنك مش فاهمة حاجة منه صح!!

رنا بخفوت:

ـ الصراحة صح. أنا في حاجات كتير فاتتني وهو للأسف مش بيعيد، ومش عارفة بجد اعمل ايه؟!

ابتسمت الفتاة قبل أن تقوم بجلب أحد الكشاكيل من حقيبتها لتقوم بوضعها أمام رنا وهي تقول بمرح:

ـ يالا يا ستي وأدي كل اللي فايتك.

لم تصدق رنا ما رأته لتبتهج ملامحها و ترتسم بسمة جميلة فوق ثغرها وهي تهتف بسعادة:

ـ بجد مش عارفة أشكرك ازاي؟!

سُهيلة بمرح:

ـ مفيش شكر بين الصحاب! مش احنا أصحاب ولا اي؟

رنا بابتسامة جميلة:

ـ طبعًا أصحاب…

اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والقرآن العظيم، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر ♥️

★★★★★★★★★★

ـ ممكن تهدي شوية وتقوليلي حصل ايه عشان تنهاري بالشكل دا؟!

هكذا تحدثت سوزان وهي تحتضن أشجان التي كانت تبكي بحرقة بين ذراعيها لتقول من بين شهقاتها:

ـ أنا كرهت البيت دا وحقيقي مش عايزة ارجعله تاني.

سوزان بحنو:

ـ طب اهدي يا نور عيني وفهميني حصل ايه؟ 

التفتت أشجان تنظر إلى ولدها الذي كان الحزن يلون ملامحه، مما جعل سوزان تلاحظ أن هناك شيء كبير قد حدث لتنادي على الصغير ذو الثماني أعوام وهي تقول بحنو:

ـ أمجد حبيبي تعالى اقولك.

تقدم أمجد منها لتقوم بجلب لوح من الشيكولاته الذي يحبها كثيرًا و أعطتها له وهي تقول بحنو:

ـ شوفت نانا جابتلك ايه؟!

فرح الصغير ولكن ليس كما اعتادت منه لتنظر إلى أشجان التي اخفضت رأسها لتقول سوزان بلُطف:

ـ يالا يا حبيبي روح العب مع اختك..

انصرف الصغير لتهتف سوزان بقلق:

ـ في أيه يا بنتي قلبي وقع في رجلي؟!

أخذت أشجان تقص عليها ماحدث قبل أن تأتي إليها 

عودة إلى ما قبل ساعة من الآن

ـ ياروحي معقول كل الحاجات الحلوة دي في شخص واحد بس؟! لا كدا كتير بصراحة!

هكذا تحدثت نبيلة خلف أشجان التي كانت تقول بسقي أحد ورودها الجميلة في الحديقة التي تطل على غرفتها لتشعر بالخوف يسري في أوردتها حين استمعت إلى صوت نبيلة الساخر خلفها ولكنها حاولت عدم إظهار ذلك لتلتفت إليها وهي تقول بهدوء:

ـ تقصدي أيه مفهمتش؟!

نبيلة بسخرية:

ـ يعني طيبة و حنينة و قلبك رهيف، وحنينة على رنا و بتحبي الورد! مش كل دي حاجات حلوة ولا تكوني بتمثلي زي أختك! 

أغضبها كثيرًا أن تأتي نبيلة على ذكر شقيقتها لتُجيبها بغضب:

ـ لو سمحتي بلاش تجيبي سيرة أختي..

نبيلة بسخرية:

ـ تعرفي بغض النظر عن أن وجودك هنا اكبر غلط حصل في الدنيا، بس أحسن حاجة فيكِ انك حافظة المقامات كويس. يعني بتتكلمي بأدب على عكس الحقيرة التانية!

أشجان بحدة:

ـ مسمحلكيش. اوعي تغلطي في أختي!!

نبيلة بتهكم:

ـ أنا مبغلطش فيها. أنا بوصفها. ماهي اللي تخون جوزها تبقى حقيرة. 

شعرت بالعبرات تلسع مقلتيها ولكنها حاولت قمعها قدر الإمكان لتهتف بنبرة مُتحشرجة:

ـ الحقير بجد هو اللي بيرمي الناس بالباطل، و بيقذف المحصنات من غير اي دليل..

نبيلة بحدة:

ـ وهو لو مفيش دليل كان كمال طلقها ورماها بالشكل دا! و كفاية أن بسببها اخويا مقاطعنا

أشجان بحدة:

ـ اللي بينهم هما بس اللي يعرفوه. ياريت متتكلميش في الموضوع دا تاني.. 

نبيلة بغضب:

ـ مش أنتِ يا بنت الخدامة اللي هتعرفيني اتكلم أقول ايه!

لم تسعفها الكلمات في الرد، فهي لم تكُن يومًا مما يجيدون إلقاء الكلمات ليس ضعفًا ولكنه احترامًا تربت عليه، و أصبح طبعًا متأصلًا به لذا اكتفت بالقول بنبرة جريحة:

ـ الشغل مش عيب. بس إهانة الناس هو اللي عيب وقلة تربية. عن اذنك..

نبيلة بسخرية:

ـ تعرفي ايه الحاجة اللي مسكتاني عنك لحد دلوقتي ؟!

ـ توقفت أشجان بمكانها تنظر إلى نبيلة التي تابعت بخفوت وعينيها تطلقان سهام الشر:

ـ انك محملتيش لحد دلوقتي. معرفش ايه المانع بصراحة. بس اشكريه. عشان حملك من خالد يعني موتك.

قالت جملتها الأخيرة بجانب أن أشجان التي ارتجف بدنها من حديث تلك الحية لتنتفض بقوة والعبرات تتساقط من مقلتيها وهي تنظر إليها بأعيُن يلتمع بهم الذُعر لتتفاجئ بأمجد الذي كان رأى كل ما حدث ليتقدم يقف بجانب والدته بحماية وهو يقول:

ـ أنتِ بتزعلي ممتي ليه؟ 

تحدثت نبيلة بنعومة وهي تنظر إلى أشجان:

ـ أنا ياروحي! دي ماما دي حبيبتي. طول ماهي شاطرة وبتسمع الكلام هتفضل حبيبتي.

انتهت من سرد ما حدث دون أن تذكر حديث نبيلة عن موضوع الحمل لتهتف سوزان بغضب:

ـ الست دي لازم تتعلم الأدب. هي فاكرة ايه أن محدش هيقفلها أنا لازم اقول لخالد!

أشجان بلهفة:

ـ بالله عليكِ لا. هو لسه متخانق معاها الصبح، ودا اللي خلاها تطلع غلها فيها.

سوزان بحدة:

ـ قصدك خيبتك اللي خليتها تطلع غلها فيكِ. 

أشجان بصدمة:

ـ أنتِ بتقوليلي أنا كدا؟! 

سوزان بغضب:

ـ أيوا بقولك أنتِ كدا. أومال اقول لمين؟! لازم تنشفي شويه و تتعاملي معاهم بالأسلوب اللي يستحقوه. 

ـ أنا برد بالطريقة اللي اتربيت بيها، والوحيدة اللي اعرفها.

سوزان بحدة:

ـ اللي زي دول ميعرفوش الأدب! 

أشجان بانفعال:

ـ أنا بردو معرفش قلة الأدب، وبعدين أنا واثقة أن ربنا هيجيبلي حقي منهم.

كادت أن تتحدث ولكنها لمحت خالد الآت من بعيد لتقول بلهفة:

ـ طب اهدي خالد جه..

على الفور محت عبراتها و هي تهتف بتوسل:

ـ سوزان بالله عليكِ اوعي تجبيله سيرة..

سوزان بإذعان:

ـ حاضر..

رسمت ابتسامة زائفة على ملامحها لتستقبله، ليطوقها بين ذراعيه وهو يقول بخفوت إلى جانب أذنها:

ـ وحشتيني.

نجحت كلمته في إعادة الدماء إلى وجهها قبل أن يصافح سوزان وهو يقول:

ـ مستفردة بمراتي أنتِ على طول..

تمتمت سوزان بتهكم:

ـ استفرد انا بيها أحسن ما يبلعوها هما.

وصل حديثها إلى مسامع خالد، ولكنه لم يُعلِق فقط رأى هذا الإحمرار الذي يغتال ذلك الفيروز الذي يأثره في عيني حبيبته ليقرر المغادرة لمعرفة ما حدث لذا سلم على سوزان و توجه إلى السيارة برفقتها هي والأولاد ليصلوا إلى المنزل بعد وقت ليس بقليل، لتسبقه إلى الأعلى هربًا من مواجهته وهي لازالت تحت تأثير هذه الحالة، ليقوم بتبديل ملابسه و عمل روتينه الليلي ثم توجه إلى الخارج فلم يجدها ليتوجه إلى غرفة الأطفال، وهو يوفر بحنق، فهي دائمًا ما تلجأ للهرب حين تريد أن تخفي عنه شيئًا، ليقرر منحها بعض الوقت 

ـ البطل لسه منامش؟!

هكذا استفهام خالد بحنو وهو يدلف إلى غرفة أمجد الذي ابتهج حين رآه ليقف فوق سريره يهتف بحـب:

ـ بابا خالد.

اقترب خالد يعانقه ثم قام بمداعبته قليلًا ليقهقه الطفل و كذلك خالد الذي كان يشعر بعاطفة أبوية قوية تجاهه هو وشقيقته

ـ قولي يا بطل اليوم كان حلو النهاردة ؟!

هكذا تحدث خالد بعد أن انتهى من اللعب معه لتتغضن ملامح الصغير بحزن تجلى في نبرته حين قال:

ـ اليوم كان حلو قبل ما ماما تعيط.

خالد باستفهام:

ـ وماما عيطت ليه؟

أمجد بخفوت:

ـ أنا خايف أقولك ماما تزعل مني.

حاول خالد طمأنة الصغير قائلًا:

ـ و ماما هتعرف منين انك قولتلي؟ مش احنا اتفقنا أننا رجاله زي بعض و اي كلام بينا محدش يعرفه!

اومأ الصغير بلهفة ثم هتفت بحزن:

ـ ماما زعلت و عيطت النهاردة لما طنط نبيلة قالتلها كلام وحش عنها وعن خالتو آسيا، و راحت كمان عيطت لنانا سوزي.

كاد أن يطحن ضروسه من فرط الغضب وهو يلعن نبيلة بينه وبين نفسه التي لا تكل ولا تمل من تعكير صفو حياتهم ليتوجه إلى الغرفة وهو ينفث النيران من أنفه فوجد أشجان تخرج من غرفة الملابس بعد أن بدلت ملابسها إلى ملابس النوم، ليشعر بتضارب في مشاعره تجاهها، فهو حزين عليها بقدر ماهو غاضب منها، ولكنه نحى الغضب جانبًا حين رآها تتقدم نحوه بخطوات بطيئة ليحتضن خصرها بين يديه وهو يقول بحنو:

ـ حبيبي ماله ؟

حاولت تزييف نبرتها لتبدو عادية حين قالت وهي ترسم ابتسامة باهتة على ملامحها:

ـ ولا حاجة. مالي ؟

خالد بنبرة خشنة:

ـ عيونك الحلوين باين عليهم زعلانين؟ 

أشجان بخفوت:

ـ لا أبدًا مفيش حاجة.

بدأ غضبه في التصاعد من أنكارها الأمر ولكنه اتخذ منحنى الهدوء حين اقترب يضع قبلة دافئة فوق جبهتها قبل أن يتراجع للخلف وهو يقول باستفهام:

ـ أنتِ عيطتي النهاردة ؟!

واصلت نهجها في إخفاء الأمر عنه لتقول بخفوت:

ـ لا يا خالد هعيط لي؟

بدأ غضبه بالظهور على السطح حين قال بحدة طفيفة:

ـ لا يا حبيبة قلب خالد عيطتي فقصّري و قولي في ايه عشان متعصبش.

ارتجف جسدها بين يديه حين سمعت كلماته المُحذرة لتحاول التبسيط من الأمر قائلة:

ـ أبدًا شديت مع نبيلة النهاردة شوية..

خالد باختصار:

ـ كملي.

أشجان بنفاذ صبر:

ـ مفيش يا خالد. بسبب موضوع آسيا و كمال، هي شايفة أن كمال مقاطعهم بسببها فشدينا مع بعض في الكلام.

خالد بغضب مكتوم:

ـ أتمنى تكوني شديتي فعلًا في الكلام مخدتيش في جنابك و سكتِ؟!

غضبت من حديثه لتهتف باستفهام:

ـ هو أنت ليه بتقول كدا؟

خالد بجفاء:

ـ عشان شكلك دا ميوحيش انكوا شديتوا مع بعض في الكلام!

أشجان بنفاذ صبر:

ـ اومال يوحي بأيه بقى أن شاء الله؟

خالد بحدة:

ـ يوحي بانك خدتي على دماغك و سكتِ صح؟!

هبت تدافع عن نفسها قائلة بغضب:

ـ لا مسكتش رديت بس أدب!

خالد بتهكم:

ـ شاطرة. مرتاحة بقى!

تعلم أنه يمقت طريقتها و يظنها ضعف وقد كان هذا الأمر يؤلمها لذا هتفت بانفعال:

ـ أنت عايز ايه يا خالد؟

خالد بغضب و انفعال:

ـ عايزك مرة واحدة تقفي تاخدي حقك، وتردي الكلمة عشرة. عايز الناس كلها تعملك ألف حساب مش عشاني لا دا عشانك أنتِ. نفسي اكون قاعد في شغلي مطمن عليكِ مش عقلي عمال يودي ويجيب و كأني سايب طفلة في البيت.. 

كانت كلماته بقدر ما تحمل من الخوف بقدر ما تحمل من الغضب و الضيق الذي أخذ منحنى آخر بالنسبة إليها لتهتف بنبرة جريحة:

ـ يااه للدرجادي انا عبأ عليك؟!

توسعت عينيه من جملتها التي جعلت الكلمات تندفع مغتاظة من بين شفتيه:

ـ أنتِ بتفهمي ازاي يا أشجان؟!

انهمرت العبرات من مُقلتيها وهي تقول:

ـ لا انا مبفهمش خالص عن اذنك.

أنهت جملتها و توجهت نحو باب الغرفة ولكنه لم يسمح لها بالتقدم أكثر من خطوة واحدة لتجذبها يداه بقوة و تغرسها بين ذراعيه ليحتويها بين يديه وهو يقول بحنو:

ـ هششش خلاص اهدي متزعليش.

حاولت جذب نفسها من بين ذراعيه وهي تهتف من بين عبراتها: 

ـ سيبني لو سمحت.

شدد من احتوائها أكثر وهو يقول بنبرة خشنة:

ـ لا مسمحتش ومش هسمحلك تعيطي بره حضني.

هتفت أشجان بانفعال:

ـ أنا بجد متضايقة يا خالد.

خالد بنبرة مغلولة:

ـ عارف و دا اللي مجنني. ليه تسيبيهم يضايقوكي كدا؟!

تراجعت للخلف وهي تهتف بحدة:

ـ هو انا لازم اكون قليلة الأدب عشان أعجب!

فاجئها حين قال باختصار:

ـ أيوا!

أشجان بصدمة:

ـ خالد.

خالد بنفاذ صبر:

ـ هقولك أيه يعني! هو انا بقولك سبيلهم؟!

أشجان بانفعال:

ـ يعني عايزني اعمل ايه ؟!

خالد بحدة:

ـ اتكلمي وخدي حقك تالت و متلت. متسمحيش لحد يتجاوز في حقك، ولازم تخلي الناس تحترمك و تعملك ألف حساب عشان تعرفي تعيشي وسطهم. انما الضعف دا هيخليهم يدوسوا عليكِ اكتر. دا مفيش واحدة فيهم كانت تقدر تكح مع سهام..

خرج سهم الكلمات من بين شفتيه دون أن يلحظ لتبرق عينيه حين وعى ما تفوه به و الأفظع منه هو وقع ما تفوه به على ملامحها التي بهتت و كأن أحدهم انتزع روحها فجأة ساحبًا الحياة من وجهها لتهتف بنبرة خافتة جريحة:

ـ معلش بقى للأسف انا مش زي سهام. 

•تابع الفصل التالي "رواية هل من سبيل للغفران" اضغط على اسم الرواية

تعليقات