رواية حريم الباشا الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
كانت رزان واقفة على البلاطة كتمثال، عضلاتها مشدودة، لا تجرؤ حتى على بلع ريقها.
فارس الناطوري كان يتحرك حولها ببطء، خطواته محسوبة، كأنه يقيس المسافة بينها وبين خوفها،وقف خلفها تمامًا، دون أن يلمسها.
قال بهدوء مريب:
— القصر ده يا رزان… مش محتاج ناس ذكية قوي، محتاج ناس مطيعة
هزّت رأسها بسرعة،— حاضر يا باشا
ابتسم، تلك الابتسامة التي لا تطمئن أحدًا
ليكى كام سنه شغاله يا رزان داخل القصر ؟
_عشر سنين يا باشا
عشر سنين ومعرفتيش ان الباشا مش بيسمح لأى شخض يضحك او يسخر منه
وقبل ان ترد رزان صفعها الباشا صفعه جعلت جسمها يهتز
اعتبرى دا تحذير يا رزان
همست رزان حاضر يا باشا حاضر مش هتتكرر تانى
جلس فارس الناطورى على المقعد الوثير ونفخ داخن سيجاره
بكره الصبح تروحى بيت مليكه ،هتقوليلها ان اسمها اتكتب فى كشف الخدم ،وأن مفيش فلوس غير لما تقدم القهوة كل يوم
هتعترض وتثور وترفض ،مش هتعملى حاجه، هتسيبى الظرف إلى فيه آجرة القهوه على الترابيزه وتقولى كلمه واحده بكره الصبح تكونى عند الباشا.
حاضر اوامرك يا باشا ،تقدرى تمشى، شدت رزان قدميها المتعبه من الوقوف فى انكسار
ثم أغلقت الباب خلفها ونزلت درجات السلم وهو تهمس يعنى مليكه دى فيها مختلف عن اى بنت دخلت القصر ؟
لكنها تعرف أن الباشا لديه نظره أعمق لن تفهمها حتى لو حاولت وان مزاجية الباشا غير متعلقه بمعايير الجمال الفارغه بل على قدر الطاعه المقدم.
بعد اختفائها من الغرفه رفع فارس الناطورى اللوحه على الحامل، اللوحه دى لم تكمل هتبقى هايلة ممكن شارك بيها فى معرض باريس او جنوة
ضغط على جهاز الاستريو فارت موسيقى تارتينى ،الصول الصغير والناى ،خرج فارس الناطورى إلى الشرفه تلتهمه مشاعر مختلطة ،تسريع النسق لا يرضيه ،فى الخارج كانت اغصان الأشجار تؤدى رقصتها تحت شماء ضبابيه ونسمات هواء لعوبه ،الحديقه دى عايزه تتغير، انا مش بحب العشب الأخضر يملى المكان كده ،فين زهور حبة الملكه والغار وجوز الحريه وباترينكا ؟ رزان دى مهلمه جدا لكن مش بقدر استغنى عنها ،انها تحفظ مزاجيتى جيدا وتفهمها ،لمح تالين تعبر بوابة القصر ،همس بضيق هو دا وقتك دلوقتى ؟ كانت تسير مترنحه حتى ان فارس الناطورى همس لو باباها الوزير شافها بالشكل ده ممكن تجراله حاجه
سمع صوت طرق الباب همس ادخلى يا رزان
دخلت روان بسرعه، تالين هنا
بلا مبلاه قال شفتها
اوامرك طيب يا باشا؟
اصرفيها يا رزان مفيش دماغ
بخجل وحذر قالت روان انت عارف تالين يا باشا دماغها ناشفه ومهما اقول مش هتسمع
رفع فارس الناطورى ايده ،هو انا انكتب على اكون استبن ؟
كل واحده تتخان او حبيبها يسبها تيجى تجرى ناحيتى ؟
مفيش وقت يا باشا اعمل ايه ؟
اصرفيها يا رزان ولو رفضت لبسيها لبس الخدم وخليها توقع
فتحت رزان فمها، تعرف أن الباشا متهور لكن ليس لهذا الحد
متأكد يا باشا ؟
فتح فارس عيونه بغضب وفهمت رزان الرساله
مش عايز دوشه، وافقت خليها تيجى رفضت اصرفيها بالقوة
لازم تتعلم ان كل حاجه وليها تمن فى قصر فارس الناطورى
بعد دقائق سمع فارس الناطورى صراخ قادم من الطابق الأرضى
سحق عقب سيجارته ونزل درجات السلم
فيه ايه؟
رفعت تالين وجهها، تعالى شوف الخدامه بتاعتك بتقول إيه ؟
دى اتجننت خالص يا فوفه
مش اسمها خدامه، دى سكرتيرتى واسمها رزان خريجة كلية الألسن وبتتكلم تلت لغات ،ايطالى وفرنسى والمانى دا غير الانجلش
رفعت تالين صوتها مش مهم هتفضل خدامه ،انا عايزاك ترفدها دلوقتى حالآ
مش هيحصل همس فارس ببرود، رزان غاليه عندى اوى
طيب وانا مش غاليه يا فوفه ؟
بتقارنى بخدامه حقيرة ؟ عايزانى البس لبس خدم واعمل قهوه اطلهعالك المكتب ؟
انا تالين بنت مدحت السنجارى اعمل قهوة ؟
ضم فارس قبضته على درابزين السلم ،هتعملى قهوه، وهتلبسى لبس خدم ولو مش عاجبك امشى
ارتفعت نغمات كولان لوبران من مكتبه وصعدت الموسيقى إلى جسده
انت اتجننت يا فارس ؟ فاكر نفسك بتكلم واحده من حريمك ؟
نزل فارس الناطورى السلم واضعا يده فى جيبه، اقترب من تالين المتحديه، عاينها بصمت ثم ابتسم مجرد فتاه تافهه تظن نفسها مركز الكون تخوض كل ليله مغامره جديده وعندما تشعر بالممل تركض اليه اعتادت ان ترى الخوف والانكسار فى عيون الرجال المرتعشين، تذكر مره عندما دخل شقتها الخاصه ووجدها جالسه على الأريكه وساقها ممده فوق ظهر شاب رخيص
لطالما عاملها بأدب واحترام حتى تجرأت وعندما تتجراء يجب أن تعاقب، ان مزاجيته تصرخ داخله ،اكسرها ،شقها
اخضعها ،سمعت تالين انفاسه الساخنه تمر جوار أذنها
البسى لبس الخدم واعمليلى قهوه
مستحيل صرخت تالين بتحدى وغضب
يوه انتى بقا عايزه تضيعى انشكاحى ودندن مع كولان كلمات الاغنيه، ثم مد يده، نفس اليد إلى قرص بها مليكه
استقبلته اذن ناعمه لا تعرف الشقى باهته تكاد ترى من خلالها
ثم فركها، صرخت تالين بتعمل ايه يا مجنون، سيب ودنى دا انا هخلى حياتك جحيم ورحمة آمى لخلى بابا يسحقك
ذى ما عملك
انا محدش عملنى همس فارس الناطورى وهو يجرها من أذنها خلفه ،انا عملت نفسى ودفعت كتير اوى
إلى غرفة الخدم جرها من شعرها واذنها، كانت تالين تصرخ من الوجع، البسى بسرعه
مش هلبس يا فارس مفيش مخلوق يقدر يجبرنى اعمل حاجه مش عايزها
رزان صرخ فارس الناطورى هاتى الكرباج
لف ذراع تالين خلف ضهرها ،رزان الناقمة احضرت السوط بسرعه كأنها كانت مستعده، ناولت السوط لفارس الناطورى
تالين غير مصدقه هتعمل ايه ؟
ابتسم فارس الناطورى واهتز جسده على نغم الموسيقى
انتى الى هتقررى ورمى ملابس الخادمه على الأرض
اختارى
رفعت تالين حاجبها ،انت بتهزر صح ؟ دا مقلب ؟
صفعها السوط برفق على ظهرها لكن بنت الوزير ارتعشت
ووجدت وجه فارس الصارم يلاحقها
همست هاتى يا رزان الهدوم هلبسها
رفع فارس ايده مكانك يا رزان، انزلى هاتى الهدوم بنفسك يا تالين ولوح بالسوط بيده
لوهله كادت تالين ان تصرخ وتطلب المساعده لكن شيء فى عيون فارس اجبرها على التأمل ،صوت داخلى اعجبته اللعبه الجديده لعبه غير معتاده عليها، طيب سيب ايدى هتكسرها
عندما أصبحت حره انحنت على الملابس ،خليك فاكر يا فارس هتدفع التمن كبير اوى ،وضع فارس السيجاره التى اشعلتها رزان من أجله وابتسم ،مش لما يخلص عقابك الأول
غيرى هدومك وهاتى القهوه على المكتب
رزان خليكى واقفه قدام الغرفه اى تلكع قوليلى خلى الهانم تاخد راحتها وهى بتغير هدومها
حشرت تالين نفسها فى ذى الخادمه ودمها يغلى بقا انا تعمل معايا كده يا فارس؟
انت وحتت الخدامه الحقيرة ؟ رغم ذلك عاينت نفسها فى المرآه وأعادت ضبط تسريحتها قبل أن تخرج
كانت رزان اختفت وفارس الناطورى فى الرواق يدخن سيجاره فى يده السوط يلوح به
•تابع الفصل التالي "رواية حريم الباشا" اضغط على اسم الرواية