رواية لأجلها الفصل الستون 60 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
الفصل الستون
مع تباشير الفجر الأولى، نزلت "ليلى" درجات السلم متوجهة مباشرة نحو الجناح الذي تسكن به والدتها مع حمزة، لتطرق الباب متوقعة استيقاظ أحدهما على الأقل لصلاة الفجر.
وبالفعل لم تنتظر سوى لحظات حتى فتحت لها والدتها تحدثها بجزع:
ـ وه يا ليلى، إيه منزلك دلوك من شقتك يا حزينة؟ مش خايفة لا تاخدي برد؟ وولدك كيف سبتيه لوحده فوق؟
ـ يا أمة أنا.....
لم تكمل العبارة حتى خرج إليها حمزة هو الآخر فزعاً بعدما انتبه على صوت زوجته:
ـ ده أنا كدّبت وداني لما سمعت، نازلة في الفجر ليه يا ليلى؟
جاء الرد هذه المرة، ولكن من جهة أخرى:
ـ أنا اللي منزلها يا بوي، وواقف بالعيل قدامكم أها.
التفت الجميع نحو السلم، وعلى إحدى عتباته، حيث يقف معاذ حاملاً طفله، وما إن وقعت عيناه عليه حمزة حتى انتفض نحوه بانفعال:
ـ يخرب بطنك، إحنا خايفين على الكبيرة وأنت نازل بالصغير، ثم....... أنت لابس هدومك الخروج ليه؟ أنت طالع دلوك يا واد؟
تكلفت ليلى بالرد عنه:
ـ ما إحنا نازلينكم عشان كدة، معاذ طلبوه في الشغل، ودلوك هو مسافر، وعشان ميتعبش في المواصلات، جيت أطلب مفتاح العربية منك يا عم حمزة.
ـ وهيسوق هو لوحده كمان؟
خرج التساؤل من خليفة الذي سمع بالصدفة أثناء صعوده الدرج بعد عودته من صلاة الفجر، ليردف موجهاً حديثه إلى معاذ:
ـ ادي الواد لأمه وتعالى هطلع أنا بيك، في شنط تانية غير اللي جنبك دي؟
أشار خليفة في الأخيرة نحو الحقيبة التي كانت موضوعة بجواره على إحدى العتبات، فنفى معاذ بهزة بسيطة من رأسه، يقول بصوت خرج كالهمس:
ـ لأ هي دي وحدها....
أثار مشهده اهتمام الأربعة، وقد انصب تركيزه فقط على طفله الذي كان يحتضنه، يغرس قُبلاته على جبينه الصغير وكأنه يستمد منه زاداً يصبره على الابتعاد عنه.
الأمر الذي دفع حمزة لمشاكسته:
ـ ما خلاص يا أخوي، داير بوس في العيل الصغير لما هتنكده، سيب الواد ينام، ولا أقولك هات أخده أنا.
قالها حمزة وقد اقترب ليتناوله منه إلا أن معاذاً ابتعد بالطفل عنه:
ـ سيبه في يدي شوية كمان يا حمزة، عايز أشبع منه.
ـ وه عاد.. شغل الأبهات المستجدين، هو وكلة هتاكلها يا واد؟!
هتف بها حمزة ليثير ضحكات الثلاثة؛ ليلى ووالدتها وخليفة الذي أشار له بيده، وهو يحاول الاتصال بالهاتف في اليد الأخرى:
ـ براحة يا عم الخبرة، اصبر عليه شوية ده أول فرحته برضه، حتى على ما أخلص أنا مكالمتي مع اعتماد وأديها خبر.
ـ واعتماد أهي بحالها قدامك.
جاء قول المذكورة وهي تنزل من طابقها والهاتف يدوي بيدها بصوت النغمة المخصصة لها، حتى توقفت بضغطة من خليفة صاحب الاتصال، منتبهاً لها وهي تتابع:
ـ أنا طلعت على صوتكم، خير إن شاء الله، تروح على شغلك وتيجي بألف سلامة يا معاذ، أمي تحت زمانها سمعت هي كمان، عشان تسلم عليها بالمرة.
أومأ لها معاذ ليرد بصوت ثقيل، ثم يعطي طفله إلى حمزة، يهم بالذهاب مع شقيقه الأوسط، يجبر قدميه على التحرك وترك زوجته وطفله من أجل العمل.
..........................
في الفيوم، وتحديداً داخل إحدى المستشفيات العامة للمحافظة..
هناك، فوق أحد مقاعد الانتظار المعدنية القاسية، انحنى جسد "عطوة" الذي غلبه النعاس بعد سهر طال ليالٍ، كان يغفو ورأسه مائل نحو صدره، بثيابه التي لم يغيرها منذ يومين.
يخيم السكون على ممر المستشفى البارد في ذلك الوقت المبكر من الصباح، إلا من طنين رتيب لأجهزة المراقبة المنبعث من خلف الأبواب الزجاجية لغرفة العناية المركزة.
تسللت هي بخطوات وئيدة، تحمل في يدها كيساً صغيراً تفوح منه رائحة الخبز الطازج حتى وصلت إليه، ثم وقفت تتأمله للحظات، ومزيج من الشعور بالذنب والامتنان يعتصر قلبها؛ فهذا الرجل الذي دخل حياتها منذ فترة قصيرة، بات يحمل أثقالها كأنها قدره المحتوم. ألا يكفي تحمله مخاطرة مساعدته لها في الهروب من براثن "عرفان"، لتأتي به إلى هنا كي يتحمل معها مرض والدها الذي ألمّ به بعد فترة لم تتجاوز الشهر بعد زواجهم، حتى أيقنت داخلها أنها "نحس" عليه.
ـ عطوة..
هتفت منادية، تضع يدها على كتفه برفق، كأنها تخشى إيقاظ تعبه، تعيد الكرة بهمس حنون:
ـ عطوة.. يا عطوة.. قوم يا حبيبي، الصبح شقشق، وأنت ضهرك أكيد مش حاسس بيه من التعب، عطوووة!
فزع عند الأخيرة، مستيقظاً بتيه:
ـ إيه؟ فيه إيه؟ الحاج جراله حاجة؟ الدكتور خرج ولا لسه؟
بلمسة رقيقة بيدها على عظام صدره صارت نورا تطمئنه:
ـ اهدا يا حبيبي، مفيش حاجة والله.. الحالة مستقرة والحمد لله، الدكتور من شوية طمني، أنا بس قلت أجيبلك لقمة تقويك، أكيد هلكان جوع بعد شندلة امبارح.
تنفس "عطوة" الصعداء، ومسح وجهه بكفيه كأنه يطرد ما تبقى من نوم، ثم نظر إلى الممر الخالي وعاد ببصره إليها:
ـ لا أنا الحمد لله مش جعان.. المهم طمنيني على أمك لساها تعبانة برضه؟
ـ وكمان هتشيل هم أمي!
غمغمت بها نورا تغالب دموعها وهي تفتح كيس الطعام مردفة:
ـ أمي كل اللي عندها دور إنفلونزا تقيل شوية لكن أكيد هتخف منه إن شاء الله، المهم أنت.... مش عارفة ليه حظك جاي معايا كدة؟ ده إحنا لسه يا دوب بنقول يا هادي في جوازنا، بدل ما نخرج ونتهنى، بقيت مرمي في المستشفيات وشايل همي وهم أبويا.. وأمي اللي واخدة دور برد تقيل، ده غير مصيبتي القديمة اللي أنت عارفها بهروبي من عرفان....... أنت شيلت شيلة تقيلة قوي يا عطوة، وتعبت معانا تعب محدش يعمله غير الأصيل.
ـ أصيل!
رددها عطوة، يبتسم ابتسامة باهتة، يردف بسخرية:
ـ طب خليها في سرك، لو سمعك حد من بلدنا هيستلمك تريقة، وبصراحة هيبقى عنده حق، عشان أنا عمري ما كنت أصيل مع حد، من يوم ما اتولدت وأنا واخد الندالة منهج!
ـ طب ومستندلتش معايا ليه؟ اشمعنى أنا وأهلي تعمل معانا كدة؟
اعتدل بجذعه متوجهاً بجلسته نحوها يجيب بصراحة تامة:
ـ عشان أنتِ وأهلك شفتوني زين رغم كل عيوبي، وأنتِ بالذات يا نورا حسستيني إني بني آدم وليّ حق إني أحِب وأتحب. يمكن شايفة وقفتي معاكي في تعب أبوكي جميلة، لكنك عمرك ما هتعرفي حجم جميلك عليّ، خلتيني أحس إني إنسان حقيقي.. وزي ما شفت الهنا والسعد معاكي في أيام العسل، حق عليّ كمان أشيل عنك همك.
لا تعرف أتفرح بكلماته أو تبتئس على حال رجل مثله، ولد من أصل طيب ورجل غني لكن طلاق والدته "الغريبة" جعلته ينشأ منبوذاً بين عائلته، حتى حينما ورث الأموال لم يجد الاحترام نظراً لتاريخه السيئ بسبب تربيته غير السوية.... عجباً!
ـ خد يا عطوة كل السندوتشات ولا خد من العيش المسكر اللي جيباه من الفرن، سخن ويستاهل تحلي بيه خشمك اللي بيقول كلام حلو زيك، يا حلو أنت.
قالتها بفكاهة جعلته يضحك ويتناول منها دون تردد، فمن هذا الذي يستطيع رفض تلك الدعوة الجميلة من امرأة رائعة الجمال مثلها، وتزيد عليه بالتدليل الذي لم يجده إلا من والدته وهو صغير؟
ـ وكمان خلتيني حلو يا نورا! والله أنتِ تستاهلي عمري كله فداكي.
.........................
دخل خليفة إلى جناحه بخطوات هادئة بعدما اطمأن على إيصال شقيقه، لفت نظره الهدوء السائد في المكان، والحركة الوحيدة تأتي من غرفة صغيراته، رغم أن هذا وقت حضورهن الدراسي.
إذن لا يتبقى إلا زوجته العزيزة، أيعقل أنها لم تذهب إلى عملها أيضاً؟
جاءته الإجابة سريعاً حين وجدها ترتب أسرّتهما، معطية ظهرها له وهي تتحرك ببطء ويبدو عليها التعب الواضح، حتى أنها لم تنتبه إليه حين دلف إليها، وتسلل بهدوء حين وصل ليطوقها من خصرها بذراعيه، فانتفضت شاهقة بوجل، ليسارع بطمأنتها:
ـ اهدي يا قلب خليفة، أنا هو مش حد غيره.
وضعت يدها على موضع قلبها تلتقط أنفاسها بابتسامة، إلا أن شعور الدوار الذي لازمها منذ الصباح بسبب الحمل -والذي جعلها تفضل البقاء في المنزل اليوم- عاد ليداهمها فجأة فاهتزت في وقفتها، ليتلقفها بين ذراعيه ثم يجلسها على التخت خلفها قائلاً بحنو:
ـ إيه الحكاية؟ أنتِ هتخوفيني عليكي ولا إيه؟
عادت تهديه ابتسامة مطمئنة:
ـ يا عم وتخاف ليه بس؟ ما دي أعراض حمل ومعروفة يعني على الحريم، ولا أنت أول مرة تشوف؟
أسند رأسها فوق كتفه يجيبها:
ـ لاه، مش تايه عن الحاجات اللي بتحصل للحريم في الشهور دي، بس أنتِ تختلفي عنهم كلهم، أنا أتحمل على الدنيا كلها إلا أنتِ.
بامتنان يغمرها، رفعت كف يده إلى فمها تقبلها في تعبير واضح عن اعتزازها بقوله:
ـ ربنا ما يحرمني منك يا خليفة يا نصيبي الحلو.
ضمها أكثر يشدد بكلماته:
ـ ويخليكي ليا يا قلب خليفة، بس أنا حاسك متغيرة يا اعتماد، وكأن اللي بيكي مش بس تعب، حد مزعلك؟
لم ترد، فعاد يكرر السؤال بصيغة أخرى:
ـ حد خربط معاكي بخصوص أمهم؟
ـ لا يا خليفة، دول ملايكة ربنا يخليهم، بكلمتين بيتراضوا، والبركة فيك قايم بالواجب في إنك بتتفاهم معاهم بطريقتك، الموضوع ميخصهمش أساساً.
ـ أومال إيه طيب؟ قولي على اللي تاعبك يا اعتماد؟
أخرجت من صدرها تنهيدة مثقلة لتخيم لحظة من الصمت قبل أن تتشجع وتخبره:
ـ أختي رغد يا خليفة، حساها غريبة ولا مخبية عني حاجة.
ـ حاجة إيه بالظبط؟
ردد بها متسائلاً باهتمام، لتعود إلى حيرتها وتخبره:
ـ ما هو ده اللي شاغلني يا خليفة، دي أختي اللي ربيتها على يدي، البت فيها حاجة مش مريحاني، ولما بسألها بتنكر وتقول إنها تمام، ودي مش عوايدها.
قطب جبينه قليلاً بتفكير قبل أن يحسم الأمر:
ـ خلاص سيبي الموضوع ده عليّ وأنا هعرف مالها، بس أنتِ متشليش هم.
تبسمت تضم خصره، ليشدد هو بضمتها ويقبل أعلى رأسها:
ـ أنا عمري ما أخاف ولا أشيل هم طول ما أنت معايا يا خليفة، ربنا يخليك ليا.
..........................
أمام مرآتها، وقفت تتأمل نفسها والآثار التي خلفتها المعركة الضارية مع ذلك "البربري" على عنقها وبعض الأجزاء المكشوفة من المنامة التي ترتديها.
نعم، بربري.. هذا هو الوصف الحقيقي له!
لقد جعلها تشعر وكأنها تتزوج لأول مرة، فرض عليها مشاعر لم تخضها رغم سنين زواجها السابق. أيعقل أنه كان بمثل هذه الهمجية مع زوجاته السابقات؟ إذن لا عجب من أنه لم يُعمّر مع أيٍّ منهما.
ـ حلوووة!
دوت الكلمة تجفلها من شرودها لتلتفت نحو مصدر الصوت عند مدخل الباب، لتجده متكئاً على إطاره بكتفه، واقفاً بميل وعلى شفتيه ابتسامة عابثة، يضيف بغمزة بطرف عينه:
ـ وجامدددة!
أنهى جملته ضاحكاً ليزيد من استفزازها، حتى ودت أن تلقي عليه بزجاجة العطر التي كانت أمامها لتهشم وجهه الجميل هذا الذي يفتخر به، ولكنها للأسف لا تضمن العواقب مع مجنون مثله.
زفرت بقلة حيلة تلتفت عنه، كاتمة غضبها داخلها، لتتناول علبة كريم الترطيب وتدهن منها على ذراعيها ووجهها، لتلهي نفسها عنه، ولكنها تفاجأت حين رأت انعكاس وجهه خلفها، فخرجت منها شهقة قطعتها فجأة حتى لا تعطيه فرصة السخرية منها، إلا أنها لم تكن تعرف أنها أثارت تسليته أكثر.
ـ إيه يا هالة؟ مش واخدة بالك إني بتكلم معاكي!
التقت عيناها بخاصتيه عبر المرآة لتهديه ابتسامة صفراء قائلة بضيق مكشوف:
ـ معلش، أصل مشغولة زي ما أنت شايف.
ـ آه، ما هو واضح.
تمتم بها وجلجلت ضحكته من جديد، فلم تحتمل المزيد منه، لتحرك شارعة في الذهاب إلا أنه أوقفها ممسكاً بمرفقها:
ـ استني عندك.....
ناظرته بغيظ صامتة، ليستطرد هو:
ـ عايز أقولك إني انبسطت أوي امبارح، وتقريباً دي أحلى ليلة عدت عليّ من سنين كتير.
ـ أما أنا بقى فدي أسوأ ليلـ..... آه!
تأوهت قاطعة جملتها مجبرة، وقد حطت كفه تقبض على وجنتيها بضغطة قوية، يهدر محذراً بخفوت:
ـ بلاش قلة أدبك كدة من أول يوم عشان مقلبش عليكي..... وحكاية الليالي دي بالذات إياكي تجيبي سيرتها، عشان أنا مش هقبل مقارنة ولا حتى تلميح إنك كنتِ متجوزة واحد غيري من أصله!
طالعته بذهول وعدم تصديق، حتى إذا تركها عقبت على ما تفوه به:
ـ على أساس إن ده بقى هينفي إني كنت متجوزة؟ طب ده أنا كمان مخلفة بدل العيل اتنين!
رد بلهجة أخف بعض الشيء:
ـ وأنا عمري ما هنكر واقع، أنا بس بحذرك تجيبي سيرة الليالي، ولا حتى تفكري في اللي فات ولا تقارني..... أنتِ دلوقتي مالكيش غيري، أنا وبس اللي جوزك ودنيتك كلها، لازم تدخلي ده في عقلك كويس أوي.
بماذا ستجادله وهو يتحدث بإصرار وكأنه مجنون ومطلوب منها أن تطيعه على جنونه؟ وهي لا ينقصها.
قلبت عينيها بضجر تهم مرة أخرى بالذهاب، إلا أنه منع تحركها ليجذبها أكثر ويدفعها إليه قائلاً بنبرة غير بريئة:
ـ أنا كنت بقولك إني انبسطت، ودي بصراحة أول مرة تحصل مع واحدة أتجوزها.. صباحية مباركة يا عروسة.
ختم قوله بقبلة ناعمة على ثغرها، فزمت هي شفتيها بعجز، تمنع بصعوبة لسانها أن يتفوه بما يضرها، فتابع هو:
ـ أنا قايم مبسوط يبقى أنتِ كمان لازم تكوني مبسوطة، ولذلك أنا ممكن آجي على نفسي وأخرجك.
ـ تيجي على نفسك وتخرجني؟ لا يا سيدي كتر خيرك!
خرجت منها سريعاً وبدون تفكير، ليصعقها هو برده:
ـ خلاص أنتِ حرة، أنا كمان مش عايز أخرج من البيت عشان أشبع منك.
همس بالأخيرة ثم أفلتها من قبضته يأمرها:
ـ يلا بقى بسرعة حضري فطار ولا غدا، أي حاجة من اللي ماليين التلاجة من عمايل حماتي ربنا يخليهالي، أنا راجل عريس ولازم أبرّ نفسي.
وكأنها بدأت تستوعب متأخراً، سألته باستفسار:
ـ هو أنت فعلاً كنت هتخرجني؟
ضحك بتسلية يقرصها على وجنتها بطرفي إصبعيه:
ـ كنت ناوي فعلاً عشان أخرجك تغيري جو، بس أنتِ رفضتي يعني ضيعتِ فرصتك بإيدك، وأنا بصراحة بتلكك عشان أشبع منك يا "لولة".
نزعت يده عن وجنتها منفعلة:
ـ طب وشغلك؟ مش وراك شغل؟
أجابها مبتسماً بخبث وبنظرة ذات مغزى تشملها من أعلى لأسفل:
ـ شغل وأنا النهاردة صباحيتي يا لولة؟ ومع واحدة زيك؟ ده أنا أبقى راجل معنديش نظر...... ناخدلنا كام يوم نشبع من بعض، هو الشغل هيطير يعني؟ ولا القسم مفهوش حد غيري مثلاً يقوم بالواجب؟
اكتنفها الغيظ ممتزجاً بتشتت يطيح بها، لتتراجع عن الرفض:
ـ طب كدة يبقى موافقة نخرج نتفسح.
أمال رأسه بمرح نحوها قائلاً:
ـ وأنا قلتلك إنك ضيعتِ فرصتك يا قلبي، عشان تاخدي بالك المرة الجاية لما لساني يفلت تستغلي وتوافقي فوراً، ولو عايزة الدلع فعلاً يبقى ترضيني.. استوعبتِ بقى يا لولة؟ بسرعة أنا جعت أوي ونفسي آكل عشان أشبع....
قال الأخيرة بغمزة بطرف عينه يرافقها نظرة وقحة جعلتها تنتفض من شرودها، لتحرك وتذهب سريعاً من أمامه تغمرها الحسرة.. ليتها أمسكت لسانها قبل أن تخبره برفضها!
...................
داخل مقر الشركة التي يعمل بها في القاهرة، وقد أتى اليوم ليباشر عمله بعدما قطع إجازته تلبية لطلب استدعائه من قبل الإدارة، ليحضر من بداية اليوم ويعمل باجتهاد وتفانٍ من أجل الإنجاز والسرعة في تحقيق الهدف الذي يصبو إليه.
حتى قطع عليه أحد السعاة عمله يطالبه بالحضور داخل حجرة الاجتماعات لشيء هام. ارتاب معاذ من ذلك الطلب المفاجئ، بالإضافة إلى عدة عوامل أخرى كان يلاحظها منذ قدومه؛ مثل اختفاء زملاء المكتب واحداً تلو الآخر من أمامه، وأحياناً الهمس الذي كان يلاحظه من قبل بعضهم ويتوقف بمجرد انتباههم إليه.
حتى عندما قام بسؤال الرجل "الساعي" عن سبب استدعائه لغرفة الاجتماعات، أخبره الرجل أنه لا يعلم شيئاً، ليضطر في الأخير أن يستجيب للطلب ذاهباً ليستكشف الأمر.
وصل إلى غرفة الاجتماعات الكبيرة، ليفاجأ بعدد كبير من أفراد القسم الذي يعمل به، إن لم يكن أجمعهم، واقفين ورؤوسهم ملتفة نحو مدخل الباب الذي يدلف منه بصمت وترقب يثير الدهشة، حتى إذا تقدم إلى وسط الغرفة بذهوله، تفاجأ بمديرة العمل -أو ابنة مالك الشركة- تخرج له من بين الجمع هاتفة:
ـ حمد لله على السلامة يا معاذ، وألف مبروك على البيبي، متستغربش النهاردة يوم استثنائي عشانك.
تعقد حاجباه بغرابة وعدم استيعاب:
ـ يوم استثنائي عشاني!
تساءل بغمغمة داخل نفسه، قبل أن يباغته هجوم الموظفين بالتهاني والمباركات، واثنتان من الموظفات يقمن بتوزيع قطع الشوكولاتة، حتى هو قد نال نصيبه مثلهم، قبل أن يصدح صوت الآنسة مريم المديرة مرة أخرى:
ـ ده كدة يبقى احتفال البيبي الجديد، أما بقى احتفالنا الثاني والأهم، هو احتفالنا بيك أنت يا معاذ وباللي عملته في الصفقة الأخيرة، واللي بسببها إن شاء الله هتحصل نقلة نوعية للشركة. أينعم أنت مكملتش الاحتفال بالتوقيع عشان السبب اللي كلنا عارفينه دلوقتي، لكن احنا مبننساش مكافأة المجتهد...
أكملت تنادي على مساعدتها، لتأتي إليهما الفتاة حاملة كيس هدايا تبدو عليه الفخامة، لتتناوله منها، وتخرج ساعة راقية عليها علامة تجارية لماركة عالمية.
صعق معاذ أمام هذه المفاجأة غير المتوقعة، الهدية مميزة بالفعل ولكن تلك العلامة التجارية المدونة عليها تثبت -بنظرة واحدة إليها- أنها باهظة الثمن جداً.
تجمد معاذ ولم يعرف كيف يتصرف أمام نظرات زملائه الموظفين نحوه، وكف تلك المرأة ممتدة نحوه بالساعة؛ ماذا عليه أن يفعل؟
ـ معاذ أنت سرحت ولا إيه؟ اتفضل يا بني خد ساعتك.
لم يتحمل فكرة إحراجها بالرفض، فهي امرأة قبل أن تكون مديرة ولا يصح معها فعل شنيع كهذا، ليضطر أن يتقبلها منها وتصدح أصوات التهاني مرة أخرى من باقي الموظفين أمام فرحة مريم وروان التي كانت في زاوية بعيدة إلى حد ما عن معاذ، تشاهد ما يحدث بابتسامة متوسعة والهاتف في يدها تلتقط به الصور.
.........................
"مؤيد باشا يا بلاش، واحد غيره ما ينفعناش.. مؤيد باشا يا بلاش، واحد غيره ما ينفعناش"
تلك الكلمات التي تشبه الأغنية في لحنها، كانت تهمس بها مرددة بسعادة وهي تهبط الدرج بخطوات متزنة، تحمل بين ذراعيها "مؤيد" الصغير ابن ليلى، ملامحها تشع حناناً وكأن الطفل قطعة منها. دخلت الجناح لتجد زوجها غارقاً في تدريس "ريان"، وما إن وقع نظره عليها حتى أشرقت أساريره، وفتح ذراعيه ليستقبل "الباشا الصغير" كما يحلو له تسميته.
ـ البرنس حبيب عمه، هاتي يا أم الغايب هاتي.
ضحكت مزيونة تعطيه له، كي يأخذ دوره في مداعبته هو الآخر، وجلست بجوار ريان الذي كان يتابع بارتياح وقد التهى والده عنه في تلك اللحظات، لتباغته مزيونة:
ـ شكلي قطعت عليكم، هاته يا حمزة وخلص مذاكرة لريان....
قاطعها الأخير بلهفة:
ـ لا يا ماما مزيونة إحنا تقريباً خلصنا، خليه يلاعب مؤيد، حبيبي يا مؤيد...
ضحكت مزيونة تأثراً بأسلوبه، فعقب حمزة متوعداً:
ـ آه يا ابن الـ..... طبعاً ما صدقت وجاتلك على الطبطاب عشان تكبّر من المذاكرة وتريح مخك.
أشار ريان بسبابته نحو صدره بمظلومية:
ـ أنا يا بوي؟ ده أنا بس صعبان عليّ تعبك معايا، على العموم هذاكر مع نفسي لحد ما تخلص مع مؤيد.
قالها ريان وانكفأ على الكتاب أمامه، يدّعي المذاكرة في حركة شقية منه فهمت عليها مزيونة، لتزيد من إعجابها بهذا الذكي.
وجه حمزة إليها السؤال:
ـ منزلتش ليلى ليه معاكي تتعشى معانا؟
أجابته مزيونة:
ـ لا ما أنا سبتها تنام وتلحق تريح ساعتين، الواد بيسهرها الليل كله، وهي بنيتي بتهلك منه.
تبسم حمزة مخاطباً الصغير:
ـ طالع واعر زي أبوه وعمامه، فرع القناوي عاد.... يلا خلينا نشبع منه إحنا اللحظة دي.
عقبت مزيونة على قوله:
ـ آه والله ده أنا اتعلقت بيه قوي، مش عارفة بعد ما البت ما "تربعن"، هيجيني قلب إزاي أسيبهم؟ خلينا نقعد هنا يا حمزة بلاها رجعة على بيتنا.
ناظرها حمزة بابتسامة خبيثة وبكلمات تفهم عليها وحدها:
ـ ويعني إحنا بنبني البيت عشان نسيبه! إن كان على ليلى متنسيش إنها هتروح الجامعة يعني الواد هيفضل طول الوقت معاكي، كل واحد أولى بيه بيته يا مزيونة.
صمتت ولم تزد بحديثها حتى لا يخجلها بجرأته أمام ريان الصغير، لأنها تعرف طبعه جيداً في الوقاحة.
في تلك اللحظة، قطع عليها شرودها حين هتف يخطف انتباهها بزهو طفولي:
ـ شوفي يا ماما مزيونة الرسمة لأسرتنا السعيدة.. أنا وأنتِ وبابا والنونو اللي في بطنك.
تطلعت مزيونة نحو الورقة التي سحبها من بين مجموعة الكتب أمامه، لتلتقطها منه وتتأمل بها بانبهار:
ـ الله يا ريان، ده أنت صح.. وأنا ببطني المنفوخة وأبوك بس ده.....
قطعت ضاحكة تعلق على صورة والده:
ـ وه يا ريان، حمزة مطلعه ليه كدة يا ولدي؟ ده أبوك ده ولا "أبو دراع"؟
وقطعت ضاحكة مرة أخرى حتى أثارت غيظ حمزة وهو يطالع الصورة بيدها يوبخ ابنه:
ـ يا ابن الفرطوس، خليتها تضحك على أبوك! أنا مشلفط كدة يا واض؟
دافع ريان بعفويته عن مجهوده في الرسم:
ـ يا بوي ما الميس "تولين" هي اللي قالتلي حاول ترسم تفاصيل والدك.. وسيم وعضلات...
ـ ميس مين؟!
صاحت بها مزيونة وقد تبدلت ملامحها من العبث إلى شيء آخر، وقد اشتعلت رأسها بذكر المذكورة ووصفها لحمزة، الذي وضع همه في مداعبة الصغير يتقي غضب زوجته.. والتي أردفت موجهة تعليماتها لريان:
ـ اسمع يا حبيبي، أنت أبوك أدرى بيه، ارسمه راجل عادي، خربط وشه ولا ارسمه تخين، ولو اتكلمت الميس زفت قولها أمي مزيونة هي اللي قالتلي أرسمه كدة، ولو اعترضت بلغني وأنا اللي هتصرف معاها.. قال وسيم وعضلات قال! هي مالها بشكله أصلاً؟!
سمع منها ريان واتجه ببصره نحو والده الذي أومأ له كي يطيعها ويتجنب غضب تلك "النمرة":
ـ اسمع منها يا ولدي، واعمل زي ما بتقول.... متبقاش مقفل وتودينا في داهية!
............................
جالساً على طاولة السفرة يأكل من الطعام الذي قامت بتسخينه، يردد مع كل قطعة يتناولها بتلذذ واستمتاع:
ـ اممم يا عيني على صينية البشاميل ولا الرقاق ولا الحمام.. يا حبيبي على الحمام! الست والدتك دي بتفهم أوي يا "لولة"، أكثر حاجة متوصية بيها الحمام، ست بتفهم صحيح.
أما عنها فكانت تشاهده بغيظ مكتوم، تطالع مبالغته في الإطراء على الطعام وكلماته الموحية دون تعليق منها، حتى هتف مخاطباً لها:
ـ ما بتاكليش ليه يا هالة؟ أكل والدتك مش عاجبك؟ أخص...
نفت تردد خلفه بانفعال:
ـ مش معنى إن ماليش نفس يبقى أكل أمي مش عاجبني، وأنا هقعد معاك ليه صحيح؟ أنا قايمة وسيبهالك.
ـ إياكِ تتحركي من مكانك!
خرجت منه بقوة أوقفتها فور أن همت بالتحرك، لتضطر إلى الجلوس مرة أخرى على غير إرادتها، ليردف بعدها بأمر:
ـ إياكِ تعمليها تاني مرة وتقومي وتسبيني على طرابيزة الأكل لوحدي.
ـ حتى لو شبعت أو ماليش نفس؟
ـ حتى لو شبعتِ أو مالكيش نفس يا هالة.. سامعاني؟
وهل تملك إلا الطاعة؟ أغلقت فمها بحنق إذعاناً لأمره حتى تذكرت، فقالت:
ـ صحيح أنا كنت عايزة أسألك.
ـ اسألي يا روحي براحتك.
قالها بطريقته واضعاً قطعة من اللحم داخل فمه حتى استنفرها، ليباغته بسؤالها:
ـ هو أنت فعلاً قطعت الورقة العرفي قبل ما تكتب عليّ؟
رد يجيبها ببساطة:
ـ ومن أول يوم كمان، ما أنا قلتلك امبارح يا قلبي.
عقبت بصدمة:
ـ يعني طول الوقت ده كنت بتهددني بشيء مش موجود؟ طب كنت قولي لما أنت جامد ومش هامك كدة.....
ـ صوتك ميعلاش يا هالة!
قاطعها بحدة لتبتلع اعتراضها وكل الشتائم التي تود أن تمطره بها، ولكن هذا لم يمنعها أن تطالعه بحقد دفين يراه جيداً في عينيها، ليزيد من تسليته:
ـ حاولي تمسكي لسانك ده قبل ما يوديكي في داهية معايا.. أنا لذيذ وجميل يا هالة معاكي لما تبقي أمورة ومطيعة، إنما تنفشي ريشك ولا تتعدي بكلمة واحدة عليّ هتبقي أنتِ اللي جانية على روحك.
توقف فجأة يبدل لهجة الحديث معها:
ـ شفتي؟ أديكي خليتيني أتعصب عليكي حتى في يوم صباحيتنا.. أنا كنت قايم مبسوط يا قلبي، عشان تعرفي إن أنتِ اللي بتجيبيه لنفسك، ده أنا كنت ناوي أخرجك النهاردة.
ـ خلاص اعملها عشان افك عن نفسي !
صرخت بها بقهر لم يعره اهتماماً، ليعود ويذكرها:
ـ ما أنا قلتلك ضيعتِ فرصتك، حاولي بقى الأيام الجاية تصلحي عشان أرضى عنك وأرجع في كلامي.
وختم ضاحكاً ليعود إلى طعامه ممسكاً بفرد حمام يأكل منه وبنظرات ذات مغزى:
ـ اممم ربنا يخليكي ليا يا حماتي يا فاهماني، ده أحلى حمام ده ولا إيه؟
•تابع الفصل التالي "رواية لأجلها" اضغط على اسم الرواية