رواية عشق بين حنايا الروح الفصل الخامس 5 - بقلم نورهان العشري

 رواية عشق بين حنايا الروح الفصل الخامس 5 - بقلم نورهان العشري

طية الروح الخامسة 💗 " عشق بين حنايا الروح" 
امنحني الأمان، و افعل ما تشاء.
جملةٌ دونتُها في دفتري ذات ليلة، وكنت على يقين تام بأن الأمان هو الهدية الأثمن التي قد يمنحني إياها أحدهم ذات يوم، فليس في الحياة ما يوازي أن تغفو امرأة وقلبها مستقر، مطمئنة إلى أن خلفها جدارًا لا تُفلِت شقوقه شيئًا من الألم ليتسرب إلى روحها، وأجمل ما في هذا الجدار. أن يكون رجلًا يعرف كيف يزرع الدفء في عروقها، وكيف يُهديء ارتجاف قلبها بكلمة، وكيف يهبها في منتصف كانون صيفًا دافئًا تستكين إليه، وتتنفس من خلاله، وتستعيد معه قدرتها على الطمأنينة من جديد.
نورهان العشري ✍️ 
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان علي ينظر بتوتر إلى مراد الجالس بجانبه في السيارة وهو لا يدري ماذا عليه أن يفعل، وآخذت التساؤلات تزداد بداخله؛ فهل يمكن أن يعرف مراد بحقيقة انتساب ناهد إلى عائلتهم؟ هل يعلم بعلاقة أخيه السابقة بها؟ وعند هذا السؤال تذكر حديثه الصادم مع ناهد.
عودة إلى وقت سابق
ناهد بألم:
ـ رائد يبقى ابن عامر الحسيني.
علي بصدمة: 
ـ إيه؟ ابن مين؟ إيه يا خالتي، هي الضربة قصرت على دماغك ولا إيه؟
زجرته فاطمة بغضب وقالت بحدة:
ـ بس يا واد انت! عيب تكلم خالتك بالأسلوب دا.
علي ساخرًا:
ـ أنتِ مش سامعاها بتقولك إيه؟
ـ كل اللي بتقوله دا حقيقي، وأبوك كمان كان شاهد على عقد جوازهم. اسمع للآخر عشان تفهم.
لم يستوعب علي حديث والدته، لتأتي ناهد وتقول بلهجة متألمة: 
ـأنا عارفة إنك هتتصدم من كلامي، وخصوصًا إني معنديش دليل عليه. بس صدقني أنا ما بكذبش. أنا اتجوزت عامر لمدة ست شهور، وللأسف طلقني قبل ما يعرف إني حامل منه.
صمت علي لبضع ثوانٍ قبل أن يقول بهدوء ينافي الضجيج الذي يسيطر على عقله: 
ـ لا بصي، اركني الدليل على جنب دلوقتي وفهّميني كل حاجة حصلت عشان لو فعلًا اللي انتي بتقوليه دا حقيقة يبقى لازم نلحق الكارثة قبل ما تحصل.
ناهد بذعر:
ـ كارثة إيه؟؟ أوعي تقولي إن في خطر على ابني. لا، مش هستحمل أخسره هو كمان.
علي محاولًا تهدئتها: 
ـ اهدِي شوية، و إن شاء الله مفيش حاجة تحصل. بس ياريت تحكيلي كل حاجة وأنا هتصرف.
نظرت ناهد إلى فاطمة بحزن، ومن ثم وجّهت أنظارها إلى الجهة الأخرى وهي تسترجع ذكرياتها مع حبيبها الأول والأخير والتي انتهت بمأساة لكليهما، وبعد ثوانٍ من الصمت تحدثت أخيرًا بنبرة خافتة:
ـ بعد ما خلصت دراستي كان عندي طموح كبير إني أحقق ذاتي وأعمل لنفسي مستقبل، وكمان كنت عايزة أساعد بابا عشان ظروفنا المادية كانت صعبة خصوصًا بعد تعب ماما.
فاطمة بشجن:
ـ الله يرحمهم اللتنين.
أمنت على دعائها قبل أن تُتابع بنبرة مُتألمة
ـ  بالرغم من رفض بابا القاطع إلا إنه رضخ لرغبتي في الآخر، ومن دون الدخول في تفاصيل مش مهمة الظروف ساعدتني واشتغلت في شركة الحسيني وأثبتت كفاءتي، وفي الفترة دي مشوفتش عامر كتير، يعني مرتين أو تلاتة، بس كنت بسمع عنه كتير قوي: قد إيه هو وسيم بس قاسي وصعب ومغرور وغيره. قعدت حوالي شهرين، وبعد كدا شاءت الظروف إني أتقابل معاه ونتكلم كمان.
رفرفت برموشها وهي تستحضر ملامحه الوسيمة في عقلها و تتذكر كيف وقعت في غرام ذلك المغرور القاسي والذي للآن لم تستطع أن تتخطى عشقه، وتابعت بابتسامة باهتة:
ـ تقريبًا كانت قصتنا نموذج للحب من أول نظرة بيني وبينه، بس طبعًا كنا بنكابر، لحد ما جه اليوم اللي اعترفلي فيه إنه بيحبني وعايز يرتبط بيا، وحكالي عن حياته وحكيت له عن حياتي، وكان زي مصباح علاء الدين اللي حلّي لي كل مشاكلي وسدد ديون بابا اللي أخدها بسبب علاج ماما. وقررنا فعلًا إننا نتجوز بس ماما، لكن تممنا جوازنا بعد الأربعين بتاعها، عامر قرر إننا نتجوز من غير فرح، و كتبنا الكتاب، وسافر تاني يوم على القاهرة عشان ظروف مستعجلة، فضلت أسبوع معرفش عنه حاجه، لحد ما رجع.
ترقرق الدمع في مقلتيها قبل أن تقول بحزن
 ـ بس للأسف صدمني أكبر صدمة في حياتي كلها.  طلب مني نتقابل في الشقة اللي جابها لي عشان نتجوز فيها، وفعلاً روحت هناك طايرة من الفرحة اللي ماتت لما قالي إنه  اتجوز في القاهرة واحدة اسمها صفية بنت رجل أعمال صاحب أبوه.
توقفت ناهد قليلًا وحاولت السيطرة على عبراتها التي لم تتوقف بل زادت أكثر عندما قالت بألم
ـ كانت أكبر صدمة اتعرضت لها في حياتي. في الأول، ماكنتش مصدقاه، بس شكله وطريقته أكدوا لي صدق كلامه. اتخانقت معاه و فضلت أعيط وطلبت منه يطلقني، في الأول كان ساكت، بس أول ما جبت سيرة الطلاق لقيت جبل الجليد انهار، وقعد يحلف لي إنه بيعشقني وإنه اتفرض عليه الجوازة دي بسبب أبوه اللي ماكنش يقدر يقوله لا.
كان الألم الذي يتجلى بوضوح فوق محياها يصف كم كانت تلك اللحظات مروعة، و لكن القادم كان أكثر ترويعًا منها تابعت بأسى
ـ حلف لي كتير إنه ملمسهاش ولا قرب منها، دا حتى قال لها إنه متجوزني وهي تفهمت كدا واتفقوا إنهم يفضلوا سنة كدا وبعدين يطلقوا، ووقتها يقدر يفاتح والده ويقوله على جوازنا. انهرت، وانهارت كل أحلامي معايا، بس هو فضل جنبي وفضل يحلف لي إنه عمره قلبه ما دق لغيري وإنه مقدرش يقولي عشان ميخسرنيش، وقُصاد حبه الكبير ليا وقلبي اللي بيعشقه خسرت، وقبلت بالوضع دا، وفضل قلبي يقنعني إنه بيحبني أنا، ولو ما كانش بيحبني ماكنش اتجوزني، كان هيتسلى بيا يومين ويسيبني. بس هو قال لي إنه اتجوزني قبلها عشان ميجرحنيش بإني أبقى زوجة تانية.
أخذت المحرمة الورقية التي مدتها لها فاطمة لتمحي عبراتها وهي لازالت ترتجف من التأثر لتُتابع بحرقة
ـ ولإني كنت بعشقه، كنت بغير عليه من الهوا الطاير، ماكنتش برضى أخليه ينزل القاهرة أبدًا، ولو راح ما يباتش حتى، وهو ماكنش بيعترض، وعشت معاه أجمل أيام حياتي. ست شهور كانوا زي الحلم اللي للأسف انتهى بكابوس!
علي باستفهام 
ـ ليه؟ 
ناهد بجفاء
ـ نسيت أقولك إن عامر كان له صاحب اسمه محمود نصار كان أقرب واحد ليه في الدنيا. صاحب عمره 
استوقفها علي قائلًا بدهشة:
ـ دا اللي هو المفروض أبو رائد!
أجابته ناهد بهدوء: 
ـ أيوه. محمود كان أقرب حد لعامر، وكان الشاهد التاني على عقد جوازنا. لما كان عامر يسافر كان بيوصي محمود عليّا، ومحمود كان كويس جدًا، وكان بينفذ وصية صاحبه، وعمره ما رفع حتى عينه فيّا. ماكانش فيه غير عيب واحد. أخوه راغب، ودا بقى الشيطان بذاته. كان بيكره علاقة عامر ومحمود جدًا، وحاول قبل كدا يلعب في الحسابات بتاعت الشركة بحكم إن دا كان شغل محمود عشان يخلي عامر يقلب على محمود، بس عامر كان فاهمه كويس وطرده بره الشركة، وكانت دي بداية اللعنة.
على بترقب 
ـ ازاي ؟ 
ناهد بنبرة جافة 
ـ راغب دا كان دايمًا بيعاكسني قبل ما أرتبط بعامر وماكنتش بعتبره ولما عرف إني ارتبطت بعامر زوّد رخامته معايا، واشتكيته لمحمود عشان خفت على عامر منه خصوصًا إن عامر كان بيغير عليا بجنون، ومحمود وعدني إنه هيوقفه عند حده، وفعلاً بعد فترة ما شوفتوش، لحد ما في يوم تعبت وروحت كشفت، والدكتورة قالت لي إني حامل.
شهقت ابتسامة حانية الوجع المرتسم على ملامحها وهي تُتابع بلوعة
ـ فرحة الدنيا ماكنتش سيعاني، بس كان في مناقصة مهمة لشركة عامر، وكان عامر ضامن المناقصة دي لأنه كان حاطط سعر محدش يتوقعه، وكالعادة كان بيشيل الورق عندي في الشقة، فقلت لازم أعمله مفاجأة بمناسبة حملي، واستنيت يوم المناقصة بالليل، وجهزت عشا رومانسي، وقلت نحتفل بالخبرين، وفضلت مستنياه طول الليل لحد ما الفجر أذن، ولقيته داخل من الباب. عمري ما هنسى شكله وقتها ولا نظرته ليا.
ارتجف جسدها تأرّا بذكرياتها المريرة و نظراته التي لازالت تذكرها حد الوجع
ـ جريت عشان آخده في حضني بعد ما كنت هموت من القلق عليه، بس صدمني لما زقني على الأرض وقال لي إني خاينة
أخفضت رأسها وهي تُتابع بخزي
ـ قال كلام كتير مفيش داعي أكرر اللي قاله. كل دا وأنا معرفش عملت إيه! قعدت أهدي فيه وأقوله أنا عملت إيه لكل دا، ماكنش بيرد عليا، كان مشغول بيدور على حاجة في مكتبه. جريت عليه ووقفته عن اللي كان بيعمله وقلت له: قولي أنا عملت إيه؟؟ ضربني بالقلم على وشي وقال لي: خنتيني أنتِ والكلب محمود. بس أنا هدفعكوا التمن غالي قوي!
تعالت شهقاتها وهي تتابع بنبرة مُحترقة
ـ لقيته مطلع سلاحه وماشي. اتجننت، واترميت تحت رجليه أعيط وأقول له: لا! متعملش كدا، أرجوك اسمعني. مش هسيبك تخلص عليه ولا تضيع نفسك، وعند الكلمة دي وقف، وبص لي بمنتهى الألم والغضب وقال لي: للدرجة دي خايفة عليه؟. انتوا تستاهلوا بعض! ورمى عليا يمين الطلاق وخرج، وماشفتوش تاني.
اقتربت فاطمة تحتضنها وهي تقول بحزن
ـ اهدي يا ناهد. بلاش تعملي في نفسك كدا
تجاهلت حديث فاطمة لتتابع وهي تبكي بحرقة
ـ  من كتر الصدمة لساني اتعقد، مفوقتش غير وهو بيقفل الباب وماشي. أنا كنت خايفة عليه هو، مش عايزاه يضيع نفسه. بس هو فهم كلامي غلط. معرفش إيه اللي وصله كل دا. أنا عمري ما خنته ولا حتى فكرت. دا أنا قبلت أبقى في الوضع دا ويبقى ليا ضُرة عشان بحبه. يمكن دا ذنبها، بس أنا إيه ذنبي؟ أنا حبيته قوي، لا دا أنا عشقته وهو كمان كان بيحبني. هي اللي اتفرضت عليه. ماكنتش أقدر أسيبه يروح لها. ماكنتش أقدر أتخيل إنه يكون معاها أصلًا ولا يشوفها. غصب عني. عارفة إني ظلمتها وغلطت في حقها بس والله ماكنتش أقصد. الحب دا أكتر حاجة بتذل في الدنيا دي. بيخليك تقبل بحاجات عمرك ما كنت تتخيل إنك تعيشها أو تبقى جزء من حياتك. بيخليك تتنازل حتى عن أبسط أحلامك. كل حاجة مش مهمة قصاد إنك تبقي مع اللي بتحبيه، ودا كان أقصى أحلامي. إني أعيش معاه وفي حضنه.
أخذت فاطمة تربت فوق ظهرها، وسرعان ما ارتمت ناهد بين أحضانها تنتفض من شدة البكاء الذي ذلك الوجع الكامن بقلبها مما أثار الشفقة في قلب علي تجاهها، فقد كان الألم يقطر من بين كلماتها، لذا أعطاها كامل الوقت لتهدأ، قبل أن يقول محاولًا المزاح معها:
ـ خلصتي كل الدموع ولا في حاجة تانية؟ ولا أنتِ عشان عنيكي بتبقي حلوة وأنتِ زعلانة يعني هتفضلي زعلانة كدا على طول؟ لا بصي، أنا شاب في سن خطر، وأنتِ بصراحة مُزة، ومش هقدر أقاوم أكتر من كدا، هضعف على طول.
ابتسامة باهتة خرجت من جوف الوجع الكامن بصدرها، قبل أن تمازحها فاطمة هي الأخرى قائلة: 
ـ والله عندك حق يا واد يا علي، دا الزمن لا راح عليكِ ولا جه، لسه حلوة زي ما أنتِ.
اتسعت ابتسامة ناهد وقالت بنبرة مبحوحة:
ـ يااه يا فاطمة. لسه دمِّك خفيف زي ما إنتي، وابنك طالعلك، واخد طيبتك وحنانك وخِفّة دمِّك.
علي مُداعبًا:
ـ لا دا أنا كُلِّي مزايا خدي بالك. يومين كمان في قصر الأشباح دا وهنقلِّبها مسخرة، وبُكرة أفكرك.
ابتسمت ناهد وفاطمة أيضًا على مزاح علي الذي قال بلهجة حانية:
ـ عايزِك تهدي وتفتكري إنك وسط أهلك، وإننا كلنا جنبك. يعني متخافيش من حاجة، ولما تحسّي إنك قادرة تتكلمي ابعتيلي.
قاطعته ناهد بلهفة:
ـ لا أنا محتاجة أتكلم قوي، وكمان عايزة أطمن على رائد. رائد قضى عمره كله في وهم الانتقام اللي عيشه فيه راغب. منه لله.
علي بهدوء:
ـ أنا سامعك. كمّلي وبعد كدا نشوف هنعمل إيه.
أخذت ناهد نفسًا عميقًا قبل أن تكمل حديثها وتابعت:
ـ مش قادرة أوصفلك حالتي كانت عاملة إزاي بعد اللي حصل دا، وخصوصًا إني روحت الشركة كذا مرة أحاول أقابله بس معرفتش، فأخدت قراري إني لازم أسافرله القاهرة، وفعلاً سافرت. ولما سألت عليه قالولي إنه مسافر يقضي شهر العسل مع مراته. طبعًا إنت أكيد متخيّل كنت عاملة إزاي.
زفرت بتعب قبل أن تتابع
ـ ورجعت إسكندرية تاني، ورجعت مضايقات الزِّفت راغب دا ليا. بس كنت بشوفه يمكن في الشهر مرة ولا اتنين، وفي كل مرة كان يحاول يقولي إنه بيحبني، وإنه عارف إني اتطلقت من عامر، وإنه مستعد يتجوزني بعد شهور عدتي، وكنت دايمًا بصُدّه واتخانق معاه.
علي باستفهام
ـ طب و محمود؟
أجابته بخفوت
ـ طول الوقت دا مَشُفتش محمود، لحد ما في يوم كنت في الشقة بلم حاجتي عشان أروح بيت بابا. لقيته جاي بيسألني حصل إيه؟ قولتله: أنا اللي المفروض أسألك!
فاجأني لما قالي: أنه معرفش حاجة و أن عامر طرده من الشركة وبعتله رسالة مع الأمن بيقولهم: أنه ميدخلش أي مكان له علاقة بعيلة الحسيني، وقعد يدوّر عليه ومش عارف يوصله. حكيتله على اللي حصل معايا، وإنه للأسف مسافر يقضي شهر العسل مع مراته. حسيته مش عارف يواسيني ولا يواسي نفسه. وطلب يوصلني لبيت بابا، وفعلاً بقي يجي يزورني كل فترة.
علي باستفهام
ـ و راغب كان فين؟ 
ـ  كان موجود بيحاول يضايقني بردو بس زود العيار أوي، فحكيت لمحمود بس في اليوم دا كان شكله متغيّر، سألته: في إيه؟ مكنش راضي يقولي، وبعد ضغط مني، قال إنه قابل عامر، وإنهم اتخانقوا سوى، وإنه قاله إني كنت في حياته مجرد تسلية وبس، دا كمان قاله أنه كان بيشفق عليا زي ما عمل معاه، وشغله في شركته،  وإننا منلَقش بيه لا أنا أليق أكون مراته، ولا هو يليق يكون صاحبه.
ودا كان تاني خنجر يِغرزه في قلبي. بعد ما عرفت إن مراته حامل
فاطمة بتأثر
ـ يا حبيبتي يا ناهد. 
ناهد بابتسامة هزيلة
ـ في الوقت دا، وبكل الوجع اللي جوايا. قررت إني أنساه وأربي ابني لوحدي. وكنت في عز شهور الوحم، وكان التعب باين عليا. ولما محمود سألني قولتله إني حامل، وحلفته إنه ميجبش سيرة لحد، و بعد فترة لقيت محمود جاي بيقولي إنه عايز يتجوزني، وإنه مستعد يكتب ابني باسمه، ولأني كنت عايزة أنتقم من عامر، ومن حبي وضعفي قدامه وافقت. وكمان أخلص من مضايقات راغب اللي مبتنتهيش.
علي بسخرية:
ـ تخلصي من رائد تقومي تتجوزي اخوه !
ناهد بأسى:
ـ عندك حق. محمود في الوقت دا أسس شركة صغيرة باسمه وحط فيها مبلغ كان محوِّشه وأنا وافقت أبتدي معاه من الصفر. وقولت: مش هعيش على ذِكرى حد رماني.
وفعلاً اتجوزنا وسافرت معاه.
عودة للوقت الحالي 
توقفت سيارة علي أمام باب القصر ومعه مراد الذي كان ينتظر لقاءه مع فاطمة على أحر من الجمر، فهي الوحيدة التي تستطيع أن ترقّق قلب ابنته ولو قليلًا، وتساعده في استرجاعها. لذا قرر أن يأخذ تلك الخطوة ويخبرها بكل ما حدث.
وبالفعل دخل مراد مع علي إلى القصر، وتوجه علي رأسًا إلى غرفة والدته ليخبرها بأن مراد معه بالأسفل.
فوجدها تُصلّي، وما إن أنهت صلاتها حتى قال بلهفة:
ـ ماما. مراد الحسيني تحت ومصمِّم يتكلم معاكِ
★★★
أخذ يوسف ينظر بصدمة سرعان ما تحولت إلى شفقة وحزن كبيران عند رؤيتها ممددة على فراش والدتها، تنام بعمق وقد قامت بفرد جميع أثوابها وملابسها حولها، وأيضًا ذلك العطر الخاص بها والذي من الواضح أنها نثرت منه الكثير؛ فقد كانت الغرفة معبّأة به.
تألم قلبه كثيرًا من رؤيتها بهذا الشكل؛ فقد كانت كالطفل الصغير الذي نام من كثرة البكاء على والدته الراحلة التي فارقته دون سابق إنذار، فقام يوسف بالاقتراب منها بقلب يملؤه اللوعة والألم، ليُزيل بعضًا من ملابس زهرة التي كانت تملأ السرير حولها، وقام بالاتكاء على مرفقه ينظر إليها بنظرات عاشقة حد النخاع، مُمرِّرًا يديه فوق ملامح وجهها المُحمرّ بفعل البكاء وجفونها المتورمة التي قبّلها برِقّة وكأنه يعتذر إليها عن قسوة هذا العالم المليء بالسيّئين والذي أبدًا لا يرحم الأنقياء مثلها.
ثم انتقلت قبلاته إلى خديها مرورًا بأنفها، لينظر إلى شفتيها الشهية التي تُغوي القديس، فقام بنثر ورودًا حانية، رقيقة، عاشقة على زاوية فمها، وأسند جبينه فوق جبينها مطوقّا خصرها بذراعه قائلًا بلهجة حزينة متألمة:
ـ أسف، لو أنا السبب إنك تبقي ضعيفة ومهزومة كدا فأنا آسف مليون مرة، مش مرة واحدة.
سحب نفسًا عميقًا من رائحتها العذبة داخل رئتيه المُشتاقة لعبيرها وتابع بصوت مختنق:
ـ حُبي ليكي كبير قوي يا كاميليا. حب ميعرفش يعني إيه منطق ولا عقل. كنت فاكر إني بقوّيكي وأنا جنبك بس طلع العكس، وأنا اللي سبب ضعفِك.
مراد أنفه بأنفها يجاهد تلك العبرات التي أثقلت جفونه وهو يقول بنبرة مُتحقنة بالألم
ـ أوحش حاجة في الدنيا إنك تكون سبب أذيّة لشخص انت بتخاف عليه من الهوا الطاير، وإن مصلحته تكون في بُعده عنك. شفتي عذاب في الدنيا كدا!
غافلته دمعة هاربة ضاقت ذرعًا بألمه لتسقط فوق جبهتها تتلوها قبلة حانية في نفس المكان قبل أن يقوم لجذب رأسها ليضعه فوق ذارعه، ثم عدل من وضعيّة نومه الذي حتمًا سيجافيه لليالي طويلة في بُعدها عنه، ولأول مرة بحياته سيقف مكتوف الأيدي أمام غيابها؛ فتلك المرة خطؤها فاق حدود المسموح به.
في الصباح تململت كاميليا في نومتها وأخذت تنظر إلى سقف الغرفة الغريبة عنها تمامًا، ثم استندت على مرفقيها تنظر حولها، وفجأة تزاحمت الذكريات بعقلها وتذكرت أحداث البارحة وحتى ذلك الحلم الجميل الذي كان هو بطله، ورائحته العذبة التي لازالت عالقة بأنفها، ودفء ذراعيه الذي مازال يغمرها. كل هذه الأشياء جعلتها تجزم بأنه كان هنا، نعم هكذا أخبرها قلبها وهو حتمًا لن يخطئ بشأنه.
أخذت تنظر حولها بحزن حتى وصلت إلى صورة والدها المزعوم وبجانبه والدتها الجميلة، فقامت بالتقاطتها لتمرر إصبعها فوق ملامح والدتها، وللمرة الأولى لم تتساقط عبراتها، بل ابتسمت بهدوء قائلة بحنان: 
ـ نامي وارتاحي في قبرِك يا ماما، حقك خلاص رجعلك. ربنا جابلك حقك قدّام الناس كلها وأولهم اللي ظلموكي. كان نفسي تكوني موجودة بس أنا عارفة إنك في مكان أجمل دلوقتي، و اطمني عليّا، أنا قوية زي ما انتِ كنتِ عايزاني. حتى لو هربت ومشيت وماواجهتش، فده مش ضعف مني، أنا كنت خايفة عليكِ أوي ومكنتش هستحمل حد يشوه صورتك. أنا بس حبيت قووي وفضّلت اللي بحبهم على نفسي.. أنا لو كنت ضعيفة زي ما هما مفكرين مكنش زماني عايشة دلوقتي. أنا عارفة إنك حاسة بيا وإن روحك حواليا، عشان كده بقولك الكلام ده. بس اطمني، مش هخاف تاني ولا ههرب تاني، وهحارب عشان أحافظ على كل حاجة حلوة لسه باقيالي.
اختتمت كاميليا حديثها وقامت بوضع قبلة فوق ملامح والدتها، ونظرت إلى أحمد بتيه قبل أن تقول بألم: 
ـ مش عارفة أزعل منك ولا أشكرك. بس في كل الأحوال أنا بحبك أوي.
وضعت كاميليا الصورة في مكانها وعدّلت من صورتها في المرآة ثم خرجت متوجهة إلى غرفتها، ولكن عند مرورها بغرفة أدهم سمعت أدهم يتحدث بانفعال:
ـ وبعدين يعني يا ماما، هقولك إيه! أهي مرزوعة في البدروم لحد ما نشوف يوسف ناوي يعمل معاها إيه.
صَفيّة بغضب: 
ـ إحنا مش عايزين مشاكل يا أدهم. كفاية تترمي في الشارع ده جزاتها، لكن انكوا تسبوها كده يبقى ناويين على نية وحشة، وبعدين كاميليا خدت حقها خلاص، يوسف عايز إيه تاني؟
أدهم بملل: 
ـ حاضر يا حبيبتي، أوعدك إن الموضوع ده هيتحل في أقرب وقت..ممكن تسيبيني بقى ألبس عشان نازل ورايا شغل مهم.
عند هذه النقطة لمعت عينا كاميليا وقالت بتصميم: 
ـ حق كاميليا المرادي هي اللي هتاخده. مش حد تاني.
وبالفعل توجهت كاميليا إلى وجهتها واقتحمت غرفة نيفين، وأخذت تنظر حولها بغضب، ثم قامت بفتح الخزانة وجمعت ملابس نيفين وتوجهت إلى الخارج وأخذت تنادي على الخادمة قائلة بصوت جهوري: 
ـ دادا شريفة.. يا دادا شريفة!
هرولت شريفة وتبعها جميع الخدم، فصُدموا من مظهر كاميليا التي ألقت بالملابس من الأعلى قائلة بأمر: 
ـ ارمي الزبالة دي برا باب القصر.
خرج أدهم وصفية على صوت كاميليا العالي، واندَهشوا مما يروه دون أن يتفوه أحدهم بحرف واحد، فقد كان الموقف صادمًا خاصة عندما أفرغت كاميليا جميع أغراض نيفين في الأسفل وقام الخدم بحملهم إلى الخارج، وتوجهت إلى أدهم قائلة بحدة: 
ـ مفتاح البدروم معاك؟
أدهم محاولًا تهدئتها: 
ـ كاميليا، وبطّلي جنان. هتعملي أي؟
كاميليا بغضب: 
ـ أدهم لو سمحت عايزة مفتاح البدروم، وأنا عارفة هحل أموري إزاي.
أوشك أدهم على الحديث، ولكن قاطعته صفية التي قامت بجلب المفتاح من جيبه وأعطته لكاميليا قائلة بتشجيع:
 ـ المفتاح أهوه.. خدي حقك وارتاحي وريحينا كلنا.
أخذت كاميليا المفتاح منها بابتسامة رضا وقالت بتصميم: "
ـ هيحصل.
ثم انطلقت إلى وجهتها وكلّها عزم على أن تأخذ بثأرها من تلك التي دمّرت حياتها بالكامل. وتبعها أدهم الذي أوقفته صفية قائلة بغضب: 
ـ استنى عندك! رايح فين؟
أدهم بغضب: 
ـ رايح أمنع كارثة إنها تحصل.
صفية بحدة: 
ـ الكارثة إنها تفضل موجودة هنا. سيبها تاخد حقها. كاميليا عارفة هي بتعمل إيه، وأيًّا كان اللي هتعمله فيها أرحم بكتير من اللي بتخططوله 
كان حديث صفية صحيح بنسبة كبيرة، لذا غيّر أدهم وجهته إلى يوسف الذي كان خارجًا لتوه من غرفة المكتب، فوجد الخدم يحملون أغراض شخص ما، فقال باستفهام: 
ـ إيه ده؟
 أتته الإجابة من أدهم الذي قال لاهثًا: 
ـ كاميليا لمت كل هدوم وحاجات نيفين ورمتهم من فوق، وأمرتهم يرموهم برا باب القصر.
تفاجأ يوسف من فعلتها، لكنها راقت له، فقام أدهم بإلقاء تلك القنبلة في وجهه والتي جعلت الدماء تفور في رأسه: 
ـ وأخدت كمان مفتاح البدروم وراحت عندها، ولما حاولت أمنعها أمّك وقفت لي وقالت لي سيبها تاخد حقها.
لعن يوسف بخفوت وقال بغضب: 
ـوإنت إزاي مجتش تقولي حاجة زي دي!
أدهم بحنق: 
ـ أمال أنا هنا بعمل إيه؟! وبعدين هما عندهم حق، سيبها تعمل اللي هي عايزاه فيها، ومتقلقش. رجالتنا حواليها ومش هتقدر تأذيها.
عندما نطق أدهم جملته الأخيرة كان يوسف يتوجه إلى غرفة المراقبة، وقام بطرد الحراس متوجهًا إلى الشاشة لينظر إلى كاميليا التي ما إن اقتحمت المكان حتى أخذت تنظر حولها تبحث عن نيفين، التي ما إن وقعت عيناها عليها حتى تقدمت بخطى بطيئة متمهلة وهي تناظرها بتشفٍّ قبل أن تقول:
ـ وأخيرًا. أنا وأنتِ لوحدنا. من غير ما يكون في حد بينا تجري تعيّطي له وتكدبي عليه ويحامي لكِ بالباطل.
نظرت نيفين بخوف إلى مظهر كاميليا التي كان الجحيم يرتسم في عينيها، لكنها حاولت إخفاء خوفها تحت قناع السخرية عندما قالت: 
ـإيه؟ القطة المُغمضة جاية برجليها لحد هنا من غير ما يكون وراها حراسة ولا يكون حبيب القلب مستخبي هنا ولا هنا عشان يدافع عنها؟
بادلتها كاميليا السخرية حين قالت: 
ـ لا متقلقيش. القطة المغمضة فتحت وجاية لوحدها. عشان تعرّفِك مقامِك كويس أوي.
نيفين بتهكم: 
ـ إيه التطور الفظيع ده! بتقولي قدامي الكلام ده ومش خايفة كده؟! لا ده أنتِ قلبك جمد أوي.
كاميليا بثقة: 
ـ أنا عمري ما خفت منك يا نيفين. أنا خوفت على اللي ليا منك، لكن لو الموضوع كان عندي أنا لوحدي، كنت دوست عليكي بجزمتي، ولو هنتكلم عن الخوف بقى، فإنتِ أنا اللي طول عمرك بتخافي مني وبتعملي لي ألف حساب. 
ناظرتها نيفين بكُره قابلته كاميليا بالسخرية حين قالت
ـ كنتِ تستني تشوفي أنا هلبس إيه عشان تلبسي اللي أحسن منه. و بتجري تشوفيني هصاحب مين عشان تصاحبي الأحسن، كنتِ بتركزي في كل حاجة أنا بعملها أكتر مني. باكل إيه، بخرج فين، بلبس إيه، بصاحب مين، هدخل كلية إيه، هشتغل فين؟ كل ده عشان تبقي أحسن مني، بس ولا مرة قدرتي حتى تنافسيني.
تجعدت ملامح نيفين بكُره، تجاهلته كاميليا التي قالت باحتقار
ـ  دا حتى و أنا غايبه كنتِ مرعوبة لارجع تاني، دا غير يوسف واللي عملتي عشانه كل دا، عمره ما فكر يبصلك ولا حتى لفتي انتباهه. تعرفي إني مشفقة عليكِ أوي؟ أنتِ قعدتي تجاربي عمرك كله عشان بس تثبتي إنك أحسن مني، وفي الآخر فشلتي. من غير حتى ما أحاول ولو مرة أوقفك عند حدك. حراام.
كانت كلماتها كالخناجر التي أصابت كبد الحقيقة، حقيقة حقدها وغيرتها الشديدة منها، مما أدى إلى انفعالها بصورة كبيرة فقالت بغضب: 
ـ اخرسي! أنا عمري ما غرت منك! أنتِ اللي كنتِ بتغيري مني عشان طول عمري أكتر واحدة محبوبة في البيت، وجدي بيحبني أكتر منك ويفضلني عنك!
قهقهت كاميليا بسخرية من حديثها العاري تمامًا من الصحة ثم قالت بشماتة: 
ـ كالعادة بتكدبي الكدبة وتصدقيها، ومع ذلك هاعتبر إن كلامك صح، هغير منك ليه وأنا عندي يوسف بالدنيا؟! طول عمره وهو غانيني عن الناس كلها. استحالة يا نيفين كان ممكن أغير من حد وأنا معايا واحد زي يوسف.
قالت كاميليا جملتها الأخيرة بصدق، مما جعل نيفين تستشيط غضبًا فقالت بحقد: 
ـ يوسف؟ طب خدي دي بقى يا حلوة! يوسف اللي كان غانيكِ عن الدنيا ده، هو اللي نصب عليكِ وخد فلوسك!
كاميليا باستنكار: 
ـ تقريبًا عقلك فوت ! أنتِ سامعة أنتِ بتقولي إيه؟
نيفين بثقة: 
ـ أيوه سامعة وعارفة ومتأكدة كمان. يوسف مضّاكِ على تنازل عن كل حقوقك في ورث عمي أحمد لأنه كان عارف إنك مش بنته، ولو مش مصدقاني روحي اسأليه.
صفعة قاسية سقطت على قلبها في تلك اللحظة، فتلك النبرة الواثقة التي تتحدث بها نيفين تجعلها تتيقن من صدق حديثها، لكنها آثرت إخفاء شعور الخيبة الذي تملكها في تلك اللحظة وقالت بلهجة صارمة: 
ـ اللي بيني وبين جوزي أنتِ ملكيش فيه. أما دلوقتي فأنا جاية عشان أقولك: اطلعي بره القصر ده ومش عايزة أشوف وشك هنا أبدًا.
شعرت نيفين وكأن صاعقة نزلت من السماء لتضربها في الصميم، وللوهلة الأولى لم تستطع الحديث، ولكن بعد ذلك اعترتها حالة هستيرية جعلتها تقول بجنون: 
ـ أنتِ أكيد مجنونة! أنا عمري ما هخرج من هنا أبدًا!
نظرت كاميليا إليها بسخرية ورفعت إحدى حاجبيها قائلة باستهزاء: 
ـ مجنونة، ومش هتخرجي من هنا أبدًا؟ طب أنا بقى هوريكي الجنان على أصله.
اختتمت كاميليا جملتها وتوجهت للخارج وأخذت تنادي على الحرس الذين جاءوا على الفور ملبّين نداءها، فأمرتهم قائلة:
ـ طلّعوا الزبالة دي برّه، وأوعوا تهوب ناحيّة القصر ده تاني.
وبالفعل نفّذ الحراس أوامر كاميليا، وقاموا بسحب نيفين التي كانت تقاوم بكل ذرة قوة تمتلكها وهي تصيح بغضب:
ـ سيبوني!! محدش هيخرجني من هنا أبدًا!! اوعي إيدك! منك له! أنتِ مين عشان تخرجيني من هنا؟!
نظرت إليها كاميليا بكبرياء وثقة قائلة بكل ما تمتلك من غرور: 
ـ أنا كاميليا مراد الحسيني، ومرات يوسف الحسيني كبير العيلة دي، وبقولك قدامهم كلهم: إحنا ما يشرفناش واحدة زيك تكون وسطينا، وأكيد أنتِ عارفة أقصد إيه بكلامي ده!
كان هذا المشهد على مسمع ومرأى من الجميع، وخاصةً يوسف الذي خرج من غرفة المراقبة عندما وجد الحرس يجرّون نيفين للخارج، وأدهم الذي تبعه، وكان بالمقابل يقف جميع الخدم وبجانبهم صفية وروفان ومراد وفاطمة القادمون من الخارج. فقد كان الذهول يخيم على الجميع؛ فأين تلك الفتاة الرقيقة الناعمة مثل الورود؟ هل هي تلك الماثلة أمامهم بشموخ وتلك النظرات القوية التي لم تهتز أبدًا؟ هل يمكن أن يخلق القهر والألم كل هذا الجبروت؟!
أخرجهم جميعًا من ذهولهم صراخ نيفين التي أفلتت يديها من بين أيدي الحراس مهرولة تجاه يوسف مرتمية تحت أقدامه وهي تقول بتوسل من بين إنهيارها:
ـ أرجوك يا يوسف! متسيبهمش يعملوا فيّا كده. أنا خلاص ندمت على كل اللي عملته، و مش هكرر غلطتي تاني. بس أرجوك سامحني.
كان الجميع في حالة ترقّب من موقف يوسف تجاه هذه التي كانت ترتمي تحت أقدامه، وخاصة تلك التي كانت تنظر إليه نظرات غامضة لا تفصح شيئًا عمّا يدور من قلق بداخلها تعاظم عندما طال صمته الذي بددته نبرته القوية وهو يوجه حديثه إلى الحراس بصوتًا جهوري:
ـ اعمل اللي كاميليا هانم قالت لك عليه، وبعد كده أوامرها تتنفذ على طول من غير ما ترجعولي.
ثم نظر إلى أحدهم نظرة ذات مغزى قبل أن يوجّه أنظاره لأدهم قائلًا بأمر: 
ـ حصّلني عالشركة.
في تلك اللحظة بالذات شعرت كاميليا بعشق جارف لم تشعر به تجاهه في حياتها؛ فإن كانت سابقًا تحبه، فالآن تعشقه، لا. بل لا يوجد شعور في الكون يصف ما تشعر به تجاهه الآن، فهو قد تنحى عن جميع أخطائها وزلاتها جانبًا، معطيًا إياها أجمل وأسمى ما يمكن أن يعطيه رجل لحبيبته: الأمان، الثقة، الدعم، فالأنثى التي تستند على رجل حقيقي لا تستطيع أي قوة في العالم هدمها.
هذا هو تحديدًا ما شعرت به. أنها امتلكت رجلًا يوازي العالم أجمع، رجلًا علا من شأنها وأعطاها الدعم الذي جعلها ولأول مرة في حياتها تقف على أرض صلبة، لا تهتم بمن أمامها، فهي تعلم جيدًا من خلفها، وهذا أكثر ما قد تتمناه الأنثى في رجلها.
اقترب أدهم من كاميليا قائلًا بمزاح: 
ـ كل واحد فينا جواه حسيني صغير بيظهر في المواقف الصح
 أتبع جملته بضحكة كبيرة ثم قال بفخر)
ـ عشرة صفر ليك يا وحش.
ابتسمت كاميليا لأدهم ابتسامة شكر، ثم نظرت حولها فوجدت الجميع ينظر إليها دون التفوه بحرف، إلا فاطمة التي سألتها باندهاش: 
ـ ليه عملتي فيها كده؟
كاميليا بجفاء: 
ـ متبصليش كده يا خالتو. أنا ما ظلمتهاش. أنا بس دوّقتها من نفس الكأس اللي كانت عايزة تدوقهولي، وده منتهى العدل. أما باقي العذاب اللي ورّتهولي، فده ربنا كفيل بيه.
****************
في مكانٍ آخر نجد ذلك الاجتماع المغلق الذي يضم طاولةً مستديرة يجلس حولها أربعة أشخاص: ثلاثة رجال وامرأة، وكان رئيسهم ينظر إلى ذلك الغريب نظرات متفحّصة قبل أن يقول بلهجة باردة (الحوار المفروض بالألماني):
ـ أخبرني ماذا تقصد بحديثك هذا، فأنا لا أحب المقدمات.
نظر إليه رائد برهبة سرعان ما تغلّب عليها، فعليه إتمام مهمته على أكمل وجه، فقال بلهجة ثابتة:
ـ أقصد بأن يوسف الحسيني لن يقدر على سداد تلك الدفعات، فوضعه الحالي شبه مُدمَر، وعاجلًا أم آجلًا سيعلن إفلاسه.
نفخ الرجل دخان سيجارته قائلًا بلهجة جليدية:
ـ تلك ليست المرة الأولى التي نتعامل فيها مع آل حسيني، ولم يخذلنا أيّ أحدٍ منهم من قبل، فلِمَ عليَّ تصديقك أيها الغريب؟
رائد بنفي:
ـ لست غريبًا ميسيو جاك، فأنت قد رأيتني من قبل.
تحدّثت أنجلينا مساعدة جاك بنبرة ذات مغزًى:
ـ أجل، رأيناك قبلًا مع جو!
جاك بسخرية:
ـ أجل، أنت الصديق الخائن في هذه اللعبة.
رائد بغضبٍ حاول كتمه قدر الإمكان:
ـ لست خائنًا، ولكني أريد المنفعة لكلينا.
جاك بتهكّم:
ـ كل الخونة يقولون الشيء نفسه، ولكن ليس هذا ما يهمني.. هيا أخبرني، ما العرض البديل؟ أم أنك قطعت تلك المسافة فقط لتِحذرني؟!
قال الأخيرة بسخرية، فأجابه رائد بثبات:
ـ هو نفس العرض المتفق عليه مع يوسف الحسيني، لكن سأزود نسبتك. بدلًا من ٣٠٪ إلى ٣٥٪.
حرّك جاك رأسه في حركة استعراضية ليصدر بعدها صوت تقطّق عظام رقبته وهو يقول بتحفّظ:
ـ عرض مغرٍ كثيرًا، ولكن ما الذي يجعلك تقدمه لي؟ لا تقل لي كسب المال، فأنا لا أحب الكذب.
رائد بثبات:
ـ أسبابي تخصّني، والمكسب يخصّك، وهكذا نكون متعادلين.
جاك بسخرية:
ـ أشمّ رائحة انتقامٍ كبير أيها الصديق الصدوق!
قال الأخيرة بتهكّم، ثم أضاف ناظرًا للمرأة:
ـ أليس كذلك يا آنا؟
نظرت إليه أنجلينا لثوانٍ بنظرات يملؤها المكر والدهاء قبل أن تقول:
ـ وأنا أرى بأن عرض هذا الوسيم مناسب تمامًا، أياً كانت الدوافع يا جاك.
رائد بحدّة:
ـ شيء لا يخصك إن كنت صادقًا أم كاذبًا، فأنا أعلم أنك لا يهمّك سوى المال. فأنتم تسلكون كل الطرق، المشروع منها وغير المشروع، للحصول عليه.
هَلَّل جاك بطريقة مسرحية قبل أن يقول بموافقة:
ـ اتفقنا أيها الصديق. أوافق على عرضك، فأنا لا أرفض الربح أبدًا.
★★★★★★
تسلّلت روفان إلى داخل غرفة المكتب وقامت بالرد على الهاتف الذي كان يهتز كثيرًا بين يديها كدقات قلبها الذي كان يرقص ما إن رأت اسمه على شاشة الهاتف، فأجابت برِقّة:
ـ آلو.
علي بمُزاح:
ـ كل دا على ما تردّي؟ إحنا هنبتديها تقلّ من أولها ولا إيه؟
روفان بلهفة:
ـ والله أبدًا، انت فاهم غلط، دا الدنيا عندنا مش مظبوطة بس، ومكنتش عارفة أرد عليك.
علي بسخرية:
ـ أنتِ اتخضّيتي كدا ليه؟! ولو بتتقّلي إيه المشكلة؟ أنتِ براحتك تعملي كل اللي انتِ عايزاه.
روفان بخجل:
ـ علي. بطّل بقى.
علي بحب:
ـ قولي تاني كدا.
اشتعلت وجنتاها خجلًا من حديثه ومداعباته فقالت بخجل:
ـ أقول إيه ؟
علي بحب:
ـ قولي علي تاني.
ـ خلاص بقى.
ـ يا بت قولي بدل ما تلاقيني قدامك، وأنا أصلًا بتلكّك.
روفان بلهفة:
ـ لا، قدّامي إيه؟ انت مجنون؟ الدنيا شايطة من غير حاجة هنا.
علي باستفهام:
ـ ليه؟ حصل إيه؟
روفان بحزن:
ـ دا موضوع يطول شرحه. بس دا العادي في القصر بتاعنا، لو مَرّ يوم علينا من غير كوارث يبقى حاجة غريبة.
علي بنبرة عابثة :
ـ بكرة أخطفِك من القصر دا كله، وأبعدك عن كوارثهم دي كلها، وميبقاش عندِك غير كارثة واحدة بس اسمها علي.
روفان بندفاع:
ـ دي أحلى كارثة في الدنيا.
أوقف علي سيارته في منتصف الطريق وقال بلهفة:
ـ قلتي إيه ؟
روفان وقد غمرها الخجل كليًا من اندفاعها بهذا الشكل، فقالت بلهجة أشبه بالتوسل:
ـ مقولتش حاجة.
علي بحدة مفتعلة:
ـ بِتّ أنتِ! لما أقولك قلتي إيه تقولي على طول. مش هفضل أتحايل عليكِ أنا.
صُدمت روفان من غضبه فقالت بحزن تجلّى في نبرة صوتها:
ـ كدا يا علي؟ انت بتشخط فيّا!
علي بنبرة منفعلة:
ـ يخربيت علي دي اللي بتحبني ورا. أنا كل ما أزَعَّقلك هتقوليلي علي دي؟! لا دانتِ بعزقتي الهيبة خالص، والموضوع دا مش نافع.
ابتسمت روفان على حديثه وقالت برِقّة:
ـ أيوه، هفضل أقولك كل شوية: علي يا علي يا علي.
ـ روفاااان!
انتفضت روفان على هذا صوت أدهم القادم من الخلف و…
" و دي أخرة المرقعة 😂" 

•تابع الفصل التالي "عشق بين حنايا الروح" اضغط على اسم الرواية

تعليقات