رواية ابو دراع الفصل الخامس 5 - بقلم شهيرة عبد الحميد
وصلنا السطوح لقينا عشة فيها باب خشبي كبير مقفول بقفل،
الجارد الـ معانا فضل يزق في الباب بكتفه مقدرش يفتحه
قام سعد مطلع سلاحىه وكسر القفل
ودخلت انا وسعد أول اتنين
علشان نلاقي منظر ولا في الخيال!!....
اوضة كلها خشب وخردة وكراكيب وزبالة كتير كأنها اوضة متفتحش من سنين، وريحتها بشعة بشكل لا يوصف.
وعلى الشمال مربع من الخوص يشبه عشش محاوطة الطيور رغم أن مفيش أصوات لوجود اي طير هنا!!
الاوضة ريحتها كانت تشبه القبور
والنفس فيها يقبض القلب
لوهلة افتكرنا أن السفاح ده بيضلنا ومفيش حاجة في الاوضة دي، لحد ما سعد قرب من العشة الصغيرة وقالنا "اقفوا هنا هبص على حاجة".
نزل سعد بنص جسمه يبص جوا العشة
وفجأة لقيناه وقع على ضهره وبياخد أنفاسه بالعافية وهو بيتنفض كأنه اتكهرب!
جريت عليه أنا والمعلم رشوان والجارد نسنده ونشوف في ايه، لقينا منظر مستحيل انسان يتخيله.
جثتين...
ايوا جثتين
جثة متحللة على مرتبة قطن ومطبوعة فيها من شدة العفن
وجثة سليمان مرمية جنبه
لكن...
لكن جثة سليمان سليمة
لسه بملامحه وهدومه الـ ظهرلي بيها
عرفته من الوهلة الأولى
المعلم رشوان متحملش المنظر ووقع من طوله
والجارد شاله على كتفه ونزل بيه
لكن أنا وسعد فضلنا واقفين متسمرين مكانا
مش قادرين نقرب ولا قادرين نهرب
سعد كان باصص لصاحب عمره وهو مقهور ومش قادر يقف على رجله
وأنا عيني مبعدتش عنه لحظة
اول مرة اتمعن في شخص كده
اول مرة اشوف سليمان ابو دم خفيف وبيخوفني في منظر مستحيل يتمحي من ذاكرتي ما حييت.
جثة سليمان كانت غريبة
نايم ومستسلم جنب الجثة المتحللة
بس بينزف ولسه في دم بيخرج من رجله ودراعه!!
"هو مش المفروض الميت ميننزفش؟ خصوصًا لو مات من تسع شهور !"
ده كان السؤال الـ قولته بصوت مسموع لسعد،
وكأن سعد ماكنش شايف حاجة والحزن عمى عينه
وفجأة بدأ يركز وقالي "ده صحيح بينزف! سليمان حي؟"
جري عليه وحط راسه عند قلبه، سمع فيه نبض ضعيف اوي!!
شاله سعد على كتفه، ونزلنا نجري بيه على مستشفى
يمكن يكون له عُمر جديد ونقدر نلحقه زي ما لحقني هو.
في المستشفى دخل سليمان عمليات
والمعلم رشوان دخل العناية
كانت لحظات قاسية وصعبة واحنا منتظرين خبر فراق حد فيهم.
لحد ما خرج الدكتور من غرفة عمليات سليمان وقالنا أن حالته بدأت تستقر، وان الجرح الـ في أيده ورجله كان مفتوح اكتر من مرة كأن كان في شخص بيحاول يعجزه وفقد دم كتير وعلى اثره دخل في غيبوبة مش عارفين ممكن يفوق منها امته.
بس الحمد لله
سليمان مازال حي يزرق
استأذن سعد من الممرضة، ودخل بلغ المعلم رشوان أن ابنه لسه موجود وعلى أعتاب أنه يفوق من غيبوبته، ومن الخبر ده تاني يوم المعلم كان واقف على باب اوضة ابنه منتظره بلهفة أب استرد اغلى ما يملك.
كان بيصلي في المستشفى بصوت بكاء وحمد بيخلينا كلنا نبكي معاه.
سعد كان متابع الجاردات أنهم يتحفظوا على عم ممدوح في مخزن خاص بيهم لحين عودتنا.
وانا كمان رجعت بيتي بلغت بابا بكل شيء مريت بيه، وانضم لينا في المستشفى من وقت للتاني يطمن على المعلم رشوان وسليمان.
بس واضح أن موضوع سليمان هيطول حبتين
لأن فات اسبوع ومفيش جديد!
لسه زي ماهو في الغيبوبة ومش حاسس بشيء.
وفي يوم المعلم رشوان تعب شوية
ضغط عليه سعد أنه يرجعه البيت يرتاح وانا وهو نقعد ننتظر مع سليمان بداله.
كانت حوالي الساعة عشرة بليل، بابا قالي خليكي في المستشفى معاهم ولما اخلص شغلي هاجي اخدك واطمن عليه.
كان سرير سليمان في نص الغرفة وسط الأجهزة
وانا قاعدة على يمينه
وسعد على شماله في مقاعد خاصة للمرافقين.
سألني سعد سؤال حيرني أنا شخصياً "هو ليه سليمان ظهرلك أنتي بذات بروحه! يعني ليه مقدرش يجيلي أنا مثلًا ويعرفني".
الموضوع بالنسبالي كان فعلًا غريب، معرفش لأن روحه في العمارة مثلًا ولا لسبب تاني.. سكت شوية وقولتله "يمكن لأنه بيحبني زي ما قولت!"
حسيت ملامح سعد اتغيرت للغضب شوية وقالي "يعني بيكرهني أنا ؟"
سمعنا صوت انفاس تشبه الضحكة الصامتة وسطنا!!
بصينا ناحية سليمان لقينا وشه مبتسم!!
ده معناه انه سمعنا؟
وسمع اني قولت بيحبني!
بدل ما افرح بخبر رجوعه لقيت نفسي بقول "ينهار ازرق، ده فاق"
وهنا بسمة سليمان كان ظاهرة اكتر
وبدأ يفتح عيونه وهو بيبص لسعد وبيقوله "دي هبلة ياعم بتتكلم معاها ليه".
محدش فينا كان مصدق أن سليمان اخيرًا استرد وعيه
وبقا قادر يتكلم معانا ويهزر
محستش بفرحة زي دي في قلبي قبل كده
عمري ما حسيت بمعنى الفقد غير لما قابلته
بلغنا المعلم رشوان الخبر
ورجع على المستشفى هو وبابا والدنيا اتملت فرحة وبهجة من جديد.
سليمان كان عنده اسئلة كتير
كأنه كان عايش في سجن ميعرفش حاجة عن العالم الخارجي
لما عرف أن بقاله تسع شهور محبوس في اوضة السطوح ماكنش مصدق أنه مازال موجود واتكتلبه عمر جديد.
لما قدر يستجمع نفسه اكتر
قعدنا نسمع قصته
علشان نعرف هو إزاي وقع في أيد ممدوح، وليه سابه عايش مخلصش عليه من اول يوم.
سليمان بدأ يحكي وقال:
"لما والدي بعتني القاهرة اخلص إتفاقية على بضاعة جديدة ناس رشحتها، كانوا هما الـ حجزولي السكن ده كأستضافة عندهم في القاهرة، بس ماكنتش اعرف اني هسىكن مع سفىاح مجنون بيتلذذ بعذاب الـ قصاده.. أنا كنت برجع السكن عادي، واتصاحبت على ابن ممدوح، كان شاب محترم جدًا جدًا صادفته كام مرة وساعدني يعرفني حاجات في المنطقة، بس كان واضح أن بين الشاب ده وأبوه مشاكل كبيرة، لأني كنت بسمعهم كل يوم بليل بيزعقوا قصاد بعض.. وفي مرة لقيت "عصام" ده طالعلي وفي حالة غضب رهيبة، لما سألته حصل ايه قالي أن عم ممدوح مد أيده عليه، وأنه خلاص مش متحمل القرف الـ بيشوفه في بيته من يوم ما اتولد وعايز يمشي ويستقل بنفسه، لما لقيته شاب محترم كده مش راضي عن أخطاء والده قررت اساعده، وقولتله "خليك معايا هنا في السكن ولما اسافر المحلة هاخدك معايا اشوفلك شغلانة كويسة تبدأ بيها"، بس ماكنتش اعرف ان أبوه بيتصنت علينا..
لما سمع أن ابنه بقا عنده الشخص الـ يعتمد ويتسند عليه، انتقم منه ومني.
رجعت من برا في يوم ملقتش عصام في الشقة، قولت يمكن نزل مشوار كده ولا كده بس مرجعش لآخر الليل
جه في دماغي أنه اتصالح مع أبوه خلاص، ونزلت علشان اطمن عليه، لقيت عم ممدوح تعبان وفي حالة وحشة.
ساعدته وقعدت اتكلم معاه
وشربنا الشاي سوا
وده الـ خلاني أفقد الوعي فجأة
وصحيت لقيت نفسي نايم في عشة جنب جثة عصام المقتول
وأيدي ورجلي مش قادر احركهم ولا اتحكم فيهم.
ودخل عليا عم ممدوح يومها قعد يضحك زي المجنون وقالي "مش انت وعدته تسنده وتخلي بالك منه، خليك جنبه بقا على طول.. اهو تونسه وتخلي عينك عليه".
كان انسان مش طبيعي
مينفعش يتقال عليه انسان عمومًا
عافرت كتير
كنت بزحف على ضهري واقعد اخبط على الباب يمكن حد يسمعني وينجدني
بس شبه اعتدت الحياة لما يأست
كنت كل ما بسترد صحتي بيجي ممدوح يكمل عليا من جديد علشان يضمن أنه هيفضل يتحكم فيا ويعذبني اكبر وقت ممكن.
دخلت في حالات اغماء كتير بسبب تحلل جثة عصام جنبي
وكنت بقوم الاقي ممدوح سايبلي اكل متعفن جنبي بالايام
كنت بغصب على نفسي وباكل منه
يمكن يجي الوقت الـ يحس بوجودي شخص.
لحد ما في مرة فوقت على وجع لا يحتمل
لقيت ممدوح بيقطع في رجلي وقافل بوقي بقماشة علشان ميطلعليش صوت
عافرت بكل قوتي معاه
بس ماكنش فيا صحة ولا حيل اقاومه
غبت عن الوعي المرادي مدة طويلة
لدرجة اني افتكرت نفسي خلاص ميت وأنها كانت اخر نظرة ليا في الدنيا
ممدوح كان بيزود في التعذيب تقريبًا لما سكنت شيرين، علشان معملش اي صوت وتحس بوجودي، زي ما كان بيعمل مع اي وصول أي ساكن جديد.
انتهى سليمان من كلامه
والكل مش قادر يستوعب قصته
معقول في أب يعمل في إبنه كده!
وكل ده علشان خرج عن طوعه ورفض عيشته؟
المعلم رشوان خد سعد وقال لسليمان أنه هيروح يسلم ممدوح للحكومه بايده بعد ما يشفي غليله فيه.
ومبقاش غيري انا وبابا الـ نام من تعبه على الكرسي.
فضلت قاعدة ببص لسليمان وانا مش مصدقة أنه قدر يعيش بعد كل العذاب الـ اتعرضله.
قربت من سريره شوية بعد ما خدت قرار اني لازم أسأله اهم سؤال لسه ملوش معنى "اشمعنا ظهرتلي أنا!! وازاي كنت بتخلع ايدك ورجلك، وهل كنت دريان وانت بتعمل ده ولا مش فاكر الـ حصل؟".
بس سليمان كان وراه لغز مش مفهوم بيخفيه ورا ابتسامته وقالي إجابة مختصرة بس عميقة "عصام كان صاحب جدع".
•تابع الفصل التالي "رواية ابو دراع" اضغط على اسم الرواية