رواية صياد النايا الحانا الفصل الخامس 5 - بقلم اية العربي

 رواية صياد النايا الحانا الفصل الخامس 5 - بقلم اية العربي

بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وكُن مِنَ السَاجِدِينْ واِعْبُد رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينْ .
اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين وأهل السودان وسائر بلاد المسلمين ، اللهم
كن لهم عونا اللهم إنا لا نملك لهم إلا الدعاء فانصرهم وثبتهم ووحد صفوفهم يارب العالمين
الفصل الخامس من رواية ❤♡♡صيّاد النـايـا * آل حـانَـا *♡♡❤ بقلم آية العربي.
هل جربت من قبل شعور الخذلان؟
لاتخبرني عن الوجع إن شُفيت
ولا تحدثي عن الذكريات إن تجاوزتها
فأنا مازلت عالقة بين هذا وذاك،وجاء الخذلان قاطعًا رباط نجاتي الوحيد.
بقلم آية العربي
❈-❈-❈
فلاش باك
قبل يومين
جلس عمار أمام والده في مكتبه بعدما ناداه ليتحدث إليه.
سأله عبد الوهاب يستشيره ليعلم ماذا هم بفاعلون :
- دلوك يا عمار إحنا هنجعد مع الحوامدية ونعمل مچلس صُلح على أي أساس ؟ لازمًا نكون رايحين ومعانا قربان جوى يخليهم يحطوا يدهم في يدنا، ونوجف مسألة الدم دي يا ولدي.
صمت الأب لبرهة يفكر وعينيه على ابنه الشارد الذي ينكس رأسه ويشبك كفيه كأنه يفكر،ليسترسل بترقب :
- أيوب مش ماحيوجفش إكدة بسهولة، وإني خابر زين إن موضوع الحراسة ده مبجاش على كيفك، والحنوانة ماحيجبلوش دية ولا كفن حيبرد نارهم.
نهض الأب من خلف مكتبه وبدأ يخطو خطوات ثابتة ويفكر، ما يجول في خاطره يدرك جيدًا إن ابنه سيرفضه جملةً وتفصيلًا، لذا أوصد أمامه جميع الأبواب التي يمكن أن يدخل منها.
ولكنه لا يدرك أن عمار يقف أمام ذلك الباب منذ أن رآها في أرضها وتحدته، منذ أن رأى نظرة الكره والقوة في مقلتيها وهي لا تنزاح من عقله، منذ أن انتشل خنجرها وهو يفكر بها، تشبه فرسة جامحة تحتاج لخيال ماهر يروضها وحينها سينتهي عذابه وتهدأ الصراعات القائمة على حياته، لذا تنفس بقوة يستدعي شجاعته لينطق بهذا القرار الذي يعلم يقينًا أن عواقبه ليست لينة وليست صلبة بل مشتعلة بنيران الكره والغضب والخوف، ولكن هذا هو القرار الأقرب لقلبه وعقله ومنطقه، لذا نطق يرفع رأسه يحدق بوالده الذي يواليه ظهره :
- النسب يا بوي، القربان هو إني اتچوز بنت الحوامدية، فرحة اخت مؤمن.
تصلب جسد عبد الوهاب فظنها عمار صدمة كلماته، وبالفعل هي كانت كذلك ولكنها صدمة تلاقي أفكارهما سويًا، لتصطدم مخاوفه مع قرار ابنه بين جدران الغرفة الأربعة لذا التفت عبد الوهاب يطالع عمار بثقب فوجد نظرته ثابتة يوميء مستطردًا :
- هو دِه الحل اللي ممكن الحاچ زيدان يجبل به، وهنجطع أي محاولة لأيوب، وننهي بجى العداوة دي وعمتي منصورة تتحرر من حصارهم ليها طول الخمس سنين دول .
اتجه عبد الوهاب يعود لمكتبه وجلس يطالع ابنه ويتساءل بترقب :
- وانت عندك استعداد تتچوز بتهم؟ خد بالك زين، أخت مؤمن مهياش غلبانة، دي واخدة عهد على نفسها اليوم اللي هتتجتل فيه هيكون يوم چوازها ، إنت كدة نهيت التار وفتحت حرب تانية على نفسك يا عمار، فكر زين.
برغم أن هذه الفكرة التي أتفقا عقليهما عليها إلا أنه يجب أن يكن صريحًا مع نفسه ومع ابنه الذي أردف بتروٍ بعد تفكير وتعمق في جمع التوقعات :
- اللي رمانا على المُر يا بوي، إحنا هنجول اللي عندينا ولو ربنا يسر الأمور يبجى يا أهلًا بالمعارك، ولو ماتيسرتش نبجى ساعتها ندور على حل تاني، أو يجتلوني ونخلص من الحكاية الماسخة دي.
نطقها باستهانة يبتسم أمام أعين والده الذي لن يضحي به مهما حدث لذا أردف عبد الوهاب بنبرة صلدة :
- اللي يرش أولادي بالمية أرشه بالدم، أني طيب مع الطيب، بس ربنا يكفينا شر الحليم إذا غضب، علشان إكدة أنا رايد الموضوع ده يتحل لإن لو ماحُصلش هتبجى نار واتفتحت ع الكل .
أومأ عمار مطمئنًا ومتباهيًا باحتواء عائلته له بينما استرسل عبد الوهاب بحذر :
- لو ده جرارك يبجى على بركة الله يا ولدي، بس الحوار ده هيبجى بيناتنا لحد يوم المجلس، لا امك ولا اخواتك حيعرفوا بيه.
يدرك السبب جيدًا وهذا ما يفضله لذا أومأ دون نقاش يردف :
- تمام يا حاچ، توكلنا على الله .
عودة للحاضر.
القى عمار بالقنبلة الموقوتة وسط المجلس لتصعق فرحة في الأعلى وتنظر حولها لوجوه النساء بعدم استيعاب كأنها تتأكد من واقعها وواقع ما سمعته، بينما هب أيوب يستند على عكازه وينهض صائحًا :
- أنتوا باين عليكوا مچانين، نسب إيه اللي بتتحدتوا عنيه؟
نهض حسان يحاول إسكات أيوب قبل أن يغضب الجد منه قائلًا من بين أسنانه :
- أجعد ياولد أخوي مايصحش إكدة .
نفض عمه واسترسل بهياج غير مباليًا بشيءٍ فهو لن يسمح لهم بهذا النسب مهما يكن :
- اللي بيجوله ده ماحيحصلش يا چدي، اللي بينا وبينهم دم مش نسب، وأني مستحيل أجبل اختي تتزوج من جاتل أخوها .
نظر له الجد بحده وانتظر الجميع إسكاته من قبله، ولكنه لم يبُح بشيء لذا التفت أيوب إلى عمه بغضبٍ وتقدم من جده يتابع بشرٍ حينما ظن أن زيدان يستمع إليه :
- بأي منطج وعجل يا چدي؟ اللي بينا وبيهم عداوة ليوم الدين، ولو ع النسب إحنا نرچعلهم أختهم ونجطع العِرج ده.
فاض كيل كلٍ من يونس وحسان الذي وقف بدوره ولم يستطع كظم غيظه كإبنه بل صاح في ابن أخيه يردف بحدة :
- أيـــــــــوب، الزم حدك .
دب الجد بعصاه الأرض وسط نظرات عائلة آل حانا، وترقب الجميع، وصدمة فرحة التي أفقدتها النطق، ليرفع رأسه نحو عمار ويردف بصرامة كممت أفواه الجميع :
- وأني موافج ، ماعيزش أسمع صوت حد واصل.
نظر في عيني عمار واسترسل بمغزى :
- طلبت يد بنتنا، واحنا وافجنا، وادي يدي اتمتدت للصُلح .
مد يده يعرضها على عمار ، لذا أشار له عبد الوهاب ليفعل وعلى محياه رسمت معالم الفرحة بهذا النصر العظيم، كان يعلم أن زيدان يريد صلحًا على عكس حفيديه، يتنفس بعمق وارتياح بينما ينظر مهران لشقيقه جابر بتعجب، فكيف سيتزوج عمار من امرأة تريد قتله؟
أما عمار فخطى يتقدم من زيدان وانحنى يحتوي يده بين كفه ويقبلها ليعلو صوت الرجال وتنهال طلقات الفرحة التي تمنت فرحة لو أنها استهدفتها جميعها وأودت بها صريعة بدلًا عن هذا الكابوس الذي تعيشه، لا تصدق أن قاتل أخاها طلب يدها للتو، وأن جدها قرر تزويجها من أكثر رجلٍ تكرهه على هذه البسيطة.
حدج أيوب عمار بنظرة حادة كادت أن تُفجر مقلتيه من شدتها، ونظر حوله لوجوه الجميع وهو يرى مباركتهم تنزل على جسده كسوطٍ لاسع، ولم يحتمل أن يظل هنا أكثر لذا اندفع يغادر القصر ويترك الجميع ليراه زيدان ويشير إلى يونس أن يتبعه .
بينما رفع عمار رأسه تلقائيًا فالتقت عيناه بها، تقفن النساء حولها تطلقن الزغاريد وهي لا تسمعهن ولا تراهن، بل سلطت أنظارها عليه في تحدٍ مرير وضاقت الدنيا بها واسودت من حولها، لتشعر أنها لم تعد بين بشرٍ بل تقف في غرفة مظلمة لا ترى منها شيء سوا وجههُ،ولا تسمع من حولها صوت سوى آهات شقيقها مؤمن .
ولكنها لن تكون فرحة مادام هو حيٌ يرزق، ستفعلها، حسنًا ليكن هذا العَقد لعنةً عليه لذا حينما راودتها هذه الفكرة ابتسمت في وجهه بتناقض سافر جعله يدرك أنها تدخر له كرهًا خالصًا لن ينفك عنه بسهولة .
❈-❈-❈
جالسًا على الأريكة في غرفته مع زوجته التي تدلـله وتفرك له حبات الرمان في كأسٍ زجاجي، ثم مدت يدها تناوله إياه قائلة بغنجٍ :
- وانت ماروحتش وياهم ليه يا راچح؟ اختك ولاء خلعتني،بتجول انهم ممكن يخلصوا على عمار وسط الرچالة.
تناول راچح ملعقتي رمان بتمزج ثم نظر لها ولخصلاتها الغجرية بهيام ونطق وهو في قمة نشوته :
- أروح معاهم وأسيب الجمر بردك؟ سيبك من عمار وتاره وتعالي چاري إهنة.
تركت مافي يدها وانتشلت مناديل ورقية تجفف كفيها ثم تحركت تلتصق به قائلة بمغزى :
- أصل اختك ولاء جالت لو موضوع التار ده اتحل صُوح هتفرح جوي.
استرسلت وهي تميل على أذنه تفشي سرها :
- أصلها بتحبه جوي، وكانت رايداه من زمان، بتجول إنه زي أبوه، ولولا موضوع التار ده كان زمانها مرته .
تجهم وجه راجح وغضب من شقيقته،فقد اعتاد أن لا حقوق لهما، والحب ليس من الخيارات المطروحة أمامهما ، وإبداء الرأي والمشاورة لم يخلق لمثلهما ، لذا هاج منفعلًا :
- هي جالتلك إكدة؟ نهارنا مش فايت.
نهض قاصدًا تعنيفها ولكنها أسرعت توقفه وتردف بدلال يصيب هدفه دومًا :
- اهدى يا راچح هتروح تُضربها يعني وتجول عني إني ولعت الدنيا بيناتكوا؟ أني بعرفك اللي فيها علشان أبوك رايد إكدة، وبعدين دي حاچة تفرحك، فكر زين، اخواتك التنين متجوزين أولاد كَبير النچع كله، إنت المستفاد.
قالتها وهي تملس على صدره فزفر يستغفر وعاد يجلس مكانه يفكر، لذا عادت تجاوره وتنتشل حبة موزٍ تقشرها وتمدها ليأكلها ففعل فاسترسلت باستفهام :
- وبعدين فيها إيه لما تحبه؟ ماني جعدت أحبك 3 سنين، من وأني عندي 15 سنة وانت شاغلني وكنت ورايا في الروحة والچاية، ولا هو حلال ليك وحرام ليها؟
نطق بنبرة ذكورية ترعرع عليها :
- أيوة حلال ليا وحرام ليها يا رانيا واتظبطي معايا، أني راچل اعمل اللي رايده ، لولا إنه ابن عمي ومننا فينا أنا كنت رحت كسرت نفوخها دلوك .
نظرت له بتعجب ولكنها تجاوزت ولم تتعمق في جملته حيث قلة الخبرة وصغر السن والاعتياد حسب عادات النچع.
لتتساءل بترقب عائدة لدلالها عليه :
- طب انت هترچع شغلك أمتى؟ وافتكر إنك واعدني بشهر عسل ولحد دلوك ماطلعتش برا الجصر.
لف يده حول خصرها ودنى يقبل وجنتها ويردف بهيام متأثرًا بها :
- وهو فيه أحلى من جعدتنا دلوك؟ واخدين راحتنا ع الآخر أهو وبناكل فاكهة في عز الضهر ولا حد يجدر يزعچنا.
تأفأفت بضجر ونطقت تبتعد عنه :
- لاء يا راچح الحديت ده مايلدش عليا ، أني رايدة أسافر وياك كيف ماوعدتني .
كاد أن يتحدث ولكن قاطعه طرقات على بابه فعلت نبرته يتساءل بضيق :
- مين؟
نطقت ولاء بغيظ :
- بزيادة عليك إكدة ياخوي انزل بجى شوف مصلحتك جربت تنبت ، وجول لرانيا تيچي تجعد ويايا أني زهجت .
غضب ونهض يتجه نحو الباب ويفتحه ليجدها تقف تطالعه بتجهم ولم تبالِ بغضبه بل استرسلت تتكتف :
- أبوك وصاني أجولك تنزل تُجَف مع العمال اللي بيچمعوا المحصول دلوك، ولو جه ولجاك لساتك لازج في أوضتك هيخلي ليلتك طين، وصُح إنت زودتها جوي.
احتد عليها وكاد أن يمد يده ويصفع كتفها ولكنها ابتعدت فصاح :
- ازودها ولا أنجصها انتِ مالك ومالي يا بومة؟ ورانيا مين اللي إنتِ عوزاها تيچي تجعد وياكي؟ طب إيه رأيك بجى أنا حخليها تجطع علاجتها بيكي،لاجل ما تزهجي بحج .
نطقت بنبرة درامية متعمدة ألا تظهر حزنها من كلامته :
- تعملها، مانت من زمان شايل جلبك وحاطط مكانه صخر، بس ولا يهمني، ماحتمسكنيش من يدي اللي بتوچعني بردك يا ابن أبوي،هو أني يعني حغلب!
التفتت تغادر برأسٍ مرفوعة لتستفزه ولكنه نطق يبصق كلماته ليغتال انتصارها :
- خليكي إكدة كيف البومة، وابجي جابليني لو حد عبرك بلسانك اللي عايز الجطع ده، ومتتأمليش في بيت عمك، بعد اختك ماحيجبلوش ياخدوكي لو عملتي اللالي .
ولكنها ليست نهاد لتتأثر بكلماته، تتقن جيدًا التظاهر باللا مبالاة برغم أنها تعاني داخليًا، لتلتفت له وتطالعه بنظرة تحدي ثاقبة وتنطق قبل أن تكمل خطواتها نحو الأسفل :
- بكرة نشوف.
❈-❈-❈
تجلسن ثلاثتهن في بهو المنزل، تحاول نوارة تهدأة والدتها القلقة حيث قالت وهي تخرج إحدى المنامات من حقيبة ورقية وتعرضها عليها :
- اتفرچي على دي بجى ياما، چبت منها 3 ألوان، شوفي ناعمة كيف!
التقطتها صابحة منها تتفحصها، لتبتسم وهي تتحسس خامتها حيث بالفعل النعومة المطلقة التي تجعلها تشعر بالاسترخاء لذا نطقت تنسج هيأتها وتنشغل معها :
- هتبجى زينة عليكي جوي يابتي، ماتجومي تچربيها إكدة وأشوفها عليكي!
ابتسمت نوارة بتورد ونظرت إلى نهاد التي نطقت بترقب وشيئًا من الغيرة :
- وأني كمان يامرت عمي چبت زييها بس تفصيلة تانية، شوفيها إكدة وجوليلي رأيك.
مدت يدها تتناول منامتها التي تشبه ملمس الأولى لتبتسم صابحة لها، ربما تدرك مشاعر الغيرة التي تظهر عند تعاملهم مع نوارة ولكنها تتقبلها وتتفهم سببها، بل أنها تحب نهاد وتحب طيبتها، ولأنها تدرك جيدًا أنها تحب مهران وهذا كافٍ بالنسبةِ لها، فهي أمٍ تعهدت ألا تمارس سلطة الحماة على أي زوجة إبن تمارس العشق لزوجها، الأهم بالنسبة لها أن يظل أولادها سعداء، نعم تدرك أن مهران يتمرد ولكنها ترى أيضًا المجهود المبذول من قبل نهاد لإرضائه .
نطقت صابحة بنبرة مماثلة منفرجة :
- لاء ماينفعنيش الحديت دي، أنا رايدة أشوفهم عليكوا، جوموا غيروهم وفرّچوني زين جبل ما الرچالة يرچعوا.
أسرعت نهاد تنهض متمنية أن تنال إعجاب مهران كما حال صابحة،لتردف وهي تتحرك باتجاه غرفتها :
- أني هطلع أغيرها وأشوف حمزة وچاية.
تحركت وسط تعجب نوارة التي نهضت تحمل أغراضها وتردف بهدوء يخفي خمولها :
- وأني حدخل أرص الحاچات دي ياما،عن اذنك.
نطقت صابحة بترقب وهي تتبع ابنتها بنظراتها :
- يعني ماحتوريهانيش بردك؟
ابتسمت لوالدتها التي تحفظها ونطقت بخجلٍ :
- هبجى أفرچك عليها وجت تاني، أصل أني رايدة أنام ساعة ولا حاچة.
نظرت صابحة لها بريبة فحالة ابنتها لا تسرها، وفي كل مرة ينتابها الشك تستغفر وتشجع صغيرتها على الالتزام بصلاتها وأذكارها،لتتنفس بعمقٍ وتشير لها قائلة بتحفز:
- تعالي أجعدي چاري إهنة إما أرجيكي .
تراجعت نوارة للخلف ترفض رقيتها بل حاول التملص تردف بعدما زادت نسبة صداعها :
- لما اصحى بجى ياما،وبعدين هو إنتِ كل ماتشوفيني هترجيني عاد؟ مين اللي هيحسدني؟هو حد بيشوفني من أساسه؟ده حتى الچامعة بطلت أروحها،ماتحطيش الحديت دي في راسك يا حاچة صابحة.
تحركت بعدها تحت نظرات والدتها القلقة ولكنها تدرك أن ابنتها تتعامل مع حالتها بتهاون مفرط.
أما هي فيتملكها الشك منذ أن أخبرها زوجها بوصف الطبيب لحالة ابنتها وأنها لا تعاني سوى من كثرة التفكير والتوتر .
في خضم انشغالها بحالة ابنتها سمعت صوت الرجال يعودون فهبت واقفة تتحرك نحو باب القصر وفتحت لتطمئن وتقر عينيها بأولادها.
رأتهم يترجلون من السيارة ويسبقهم والدهم فتسائلت بنبرة عالية :
- عملتوا إيه يا حاچ عبده؟ طمنوني أني جاعدة على أعصابي .
يدرك جيدًا أن ما ستسمعه لن تقبل به لذا نطق بتريث :
- اصبري علينا يا أم مهران لما ناخد نفسنا .
سلطت عينيها على ابنها عمار الذي يطرق رأسه ويرفض مواجهتها بنظراته،بينما تقدم مهران يدخل قبلهما ويصعد لغرفته ليبدل ثيابه ويسرع نحو الشركة،أما جابر فتحرك نحو الحديقة الخلفية ليجري اتصالًا ما .
نظرت لزوجها وهو يدخل ويتجه يجلس على مقعده الذي يحتل وسط المجلس واتجه عمار يجاوره بتوتر، لتتحرك وتجلس قبالتهما وتصيح بعلو :
- چهزوا الوكل يا رتيبة .
قالتها وعينيها توزع نظرات ثاقبة بين زوجها وولدها لتستطرد متسائلة :
- عملتوا إيه؟طمنوني؟
رفع عمار رأسه وثبت أنظاره عليها ينطق بثبات ظاهري :
- تم الصُلح ياما،وطلبت يد بنتهم فرحة للچواز .
دبت كفها في صدرها تصيح بصدمة :
- يا مُري .
❈-❈-❈
في الخارج وقف جابر ينتظر ردها على اتصاله، لم تجب في المرة الأولى ، لذا ابتسم يهز رأسه استنكارًا ثم كرر الاتصال لتجيبه بعدها قائلة بنبرة رسمية بحتة :
- مساء الخير يا فندم، مع حضرتك ريم البسيوني سكرتيرة مكتب مستر معتز النعماني، هو بيبلغك إنه في انتظارك .
ابتسم بمكر وصوب نظراته المتحدية نحو اللا شيء يجيبها بنبرة رجولية رصينة مؤثرة يبرر لها :
- مساء الورد والياسمين يا أنسة ريم، حجك عليا إنتِ رنيتي وأني كنت مع العيلة في مكان عام ماعرفتش أرد عليكي وجتها.
ابتسمت ولانت ملامحها وشيئًا ما داخلها عفا عنه لذا نطقت مبتسمة بنبرة لينة :
- حصل خير، تقدر تيچي تقابل مستر معتز كمان ساعة .
نظر في ساعة يده ونطق مرحبًا بنبرة خبيثة :
- هاچي طبعًا، أني كنت مستني اتصالك ده، كمان ساعة وهكون عندك بإذن الله.
أومأت تردف بهدوء :
- في انتظارك .
أغلق معها وتحرك مسرعًا نحو الداخل ليبدل ثيابه ويذهب إليها .
حينما دلف وجد والدته حزينة ومتعجبة وغاضبة في آن، تطالعهم باستنكار كيف طلبوا هذا الطلب، وعبد الوهاب يحاول إقناعها قائلًا :
- هي دي الحاچة الوحيدة اللي زيدان جبل بيها ووجفنا التار يا صابحة، ماعيزش بجى حديت كتير .
نطقت باستنكار وخوفٍ :
- كيف يعني يا عبده؟ إنت چبتله حية تنام في حضنه؟ يعني أني كان نفسي أفرح بولدي واچوزه تجوم تطلبله أكتر واحدة بتكره ونفسها تموته؟ بأي عَجل ده يعني؟
طالعها بنظرات لائمة وكاد أن يتحد ولكن عمار أسرع يردف بتروٍ :
- ياما ده قراري لحالي، النسب هو الحل الوحيد، وبعدين متخافيش على ولدك جوي إكدة، إنتِ خابرة زين إني ماحسمحش لحرمة تجتلني، ولا عنديكي شك؟
تنفست بعمقٍ ونظرت لهما وهي تهتز توترًا وقلقًا ثم التفتت تلمح جابر وهو يمر بلا مبالاة فصاحت توبخه وتلقي بغضبها عليه :
- وانت بتتسحب إكدة ورايح على فين؟ تلاجيك كنت عارف ومخبي عني، ماشي يا چابر حسابك معايا بعدين .
توقف مكانه وطالعها مستنكرًا يصيح :
- اللا؟ وأني مالي ياما؟ ماعندك ولدك أهو اللي فاجئنا كلياتنا هناك، أني طالع أغير خلجاتي علشان عندي مشوار مهم.
تحرك يستأنف طريقه لتصيح مجددًا بتوبيخ بينما عينيها مسلطة على عمار الذي لا تحتمل توبيخه :
- لا رايح ولا چاي غير لما نتغدا، جبتولي الضغط يا أولاد الحنانوة.
استغفر عبد الوهاب بينما سرق جابر خطواته متجاهلًا، لينهض عمار ويتجه إليها وجلس يحتويها ويسترسل بنبرة لينة حنونة ممازحة كعادته :
- أني راضي ذمتك، إنتِ مصدجة إن فيه واحدة تجدر تدخل الجصر دي وتجتلني وانتِ موچودة؟
التفتت تحدجه لتلمح شيئًا من السعادة يحتل نظراته، تلك السعادة التي انطفأت من عينيه لسنوات، السعادة التي تجبرها على التمهل لذا مطت شفتيها تستغفر وتلف وجهها عنه ثم عادت مجددًا تردف بنبرة خافتة لينة متناقضة لنبرتها منذ قليل :
- جبل ما تفكر حتكون روحها في يدي، بس دي هتبجى مرتك يا ولدي، هتنام جارك في سرير واحد وهتجبى أجربلك مني، لازما أخاف يا عمار.
رسم كلامها في عقله فكونت لوحة شرد ينظر لها للحظات قبل أن يبتسم وينطق بيقين :
- سبيها على الله، اللي ربنا كاتبهولنا هنشوفه مهما حُصل، ماتزعليش نفسك بجى علشان ضغطك .
استطاع أن يجعلها تتراخى وتتخلى عن غضبها لينظر لها عبد الوهاب باستنكار قائلًا بغيرة واضحة :
- هديتي دلوك؟ كن مابجاش ليا معزة في جلبك بعد ما الواد ده أخدها كلياتها،أني جايم أشوف بتي حبيبتي .
قالها وهو ينهض ليستفزها فنطقت بنبرة عشقٍ وغيرة تتوارى بين جدران هدوءها :
- بتك بتغير خلجاتها ماتروحش دلوك، تعالى جاري علشان رتيبة حتچهز الوكل أهو.
ابتسم وعاد يجلس ويتحمحم وينظر نحو عمار نظرات ذات مغزى والآخر شرد يفكر في أمره وما هو مقبلًا عليه
❈-❈-❈
في غرفة مهران .
كان يقف أمام المرآة يهندم حاله ليذهب لشركته ، استيقظ صغيره وأصدر صوتًا فالتفت يطالعه ويبتسم ثم تحرك نحوه ودنى يقبله وينطق ممازحًا وهو يميل عليه ويناغشه :
- كل ده نوم يا راچل؟ مش تجوم بدري عاد وتشوف مصلحتك كيف أبوك؟ يالا فوج إكدة وانزل علشان تاكل وتاچي معايا الشركة .
ابتسم الصغير ونالت إعجابه كلمات والده ومداعبته له ورفع يده يشبكها في أنفه فحاول مهران التملص مبتسمًا ونجح ينهض ليجد أمامه نهاد خرجت لتوها من الحمام، ترتدي منامة حريرية ابتعاتها خصيصًا له بتوصية من نوارة، لونها كريمي، تنساب بنعومة بالغة لتكشف عن ذراعيها ومقدمة صدرها، وعصجت خصلاتها على شكل ذيل حصان فباتت تشبه المهرة البيضاء .
وقفت أمامه تحدق في عينيه التي تتفحصها وسألته بابتسامة وهي تخطو نحوه بدلال :
- إيه رأيك؟ اشتريتها النهاردة، وفيه كمان غيرها، حفرچك عليهم بعد دي.
كانت بالفعل جميلة، ناعمة، متوردة، تنتظر منه حبًا، ومتعطشة لرأيه لذا ابتسم ونطق بصدق يحاول أن يبدو متوازنًا :
- چميلة جوي، لايجة عليكي صُح .
ابتسمت ونظرت لصغيرها الذي يمكث في مهده وينشغل مع الكرات المعلقة أمامه لذا عادت تحدق بزوجها وتضع كفيها على قلبه قائلة بنبرة حالمة والحب يفيض من مقلتيها :
- كنت عارفة أنها حتعچبك، خليك إهنة النهاردة، ماتروحش الشركة.
تحمحم يحاول التحرر من سطوة حبها، تناقض داخلي بين عقله ومشاعره لذا نطق معتذرًا :
- لازمًا أروح النهاردة، ماينفعش أني وعمار مانروحش .
حزنت ولكنها لم تبدِ ذلك بل ابتسمت توميء وابتعدت تتساءل حينما تذكرت:
- صُح عملتوا إيه عند الحوامدية؟
برغم تعجبه من نسيانها لهذا الأمر ولكنه يدرك طباعها لذا أجابها وهو يلتفت ويستل ساعته يرتديها :
- عمار طلب يد بنتهم، وتم الصُلح.
شهقت ونطقت بتعجب :
- وه؟ كيف ده؟ حيتچوز فرحة؟
التفت يطالعها ويوميء بصمت ولم يشاركها رأيه أو تعجبه لتستطرد بضيق :
- معجول؟ فرحة بنت الحوامدة تدخل جصر آل حانا؟
رفع نظره يطالعها بترقب وكاد أن يستفهم مقصدها ولكن صدح هاتفه باتصالٍ فالتقطه ونظر ليجده رقمًا لمجهول ففتح الخط يجيب :
- ألو؟
أجابته تيا بنبرة حماسية :
- مساء الخير، أستاذ مهران آل حانا؟
بدى الشرود على ملامحه ونطق مستفهمًا :
- أيوة مين؟
أجابته بانفراج :
- أنا تيا بدران، اتقابلنا على المركب ؟ إنت نسيتني ولا إيه؟
نظر إلى نهاد التي تترقب بنظراتها لذا نطق بهدوء يخفي توتره :
- أيوة اتفضلي!
أحبطها بنبرته ولكنها نطقت بنبرة بدت منكسرة :
- أنا عرفت مكان عيلتي، بس بصراحة خوفت أروح لهم لوحدي، قلت يعني لو ممكن تيجي معايا؟
علا الاستنكار أساريره وتفاجأ من طلبها لذا تحمحم ونطق ليتحرر من نظرات نهاد ومن طلبها المفاجيء :
- معلش هكلمك وجت تاني .
أغلق معها ودس الهاتف في جيبه ثم تحرك نحو صغيره يقبله واعتدل ينظر إلى نهاد التي وقفت تسأله بترقب نظرًا لاعتيادها على اتصالات من هذا النوع :
- مين دي يا مهران؟
نطق يوضح دون النظر لها ويدعي انشغاله بجمع أغراضه :
- دي بنت أمريكية تبع الفوچ السياحي، أبوها الله يرحمه كان من إهنة ولما مات نزلت تسأل عنيهم وكانت محتاچة مساعدة لإنها صغيرة وماتعرفش حاچة إهنة .
أومأت تفكر ولكنه استرسل بعدما جمع أغراضه :
- لو احتچتوا حاچة كلموني .
نطقها وأسرع يغادر وترك عقلها منشغلًا بهذا الاتصال .
❈-❈-❈
انتهت المحاضرات
وقفت مودة تفكر مرارًا وتكرارًا هل تذهب إليه وتستفهم منه نقطةً ما لم تفهمها بشكلٍ جيد، أم لا تفعل خوفًا من ظنها تتودد إليه كما تفعلن الأخريات؟
هي لا تحب أن توضع في هذا القالب ولكنها بالفعل لم تستوعب إحدى النقاط الهامة، وربما شيئًا ما بداخلها يشتهي التحدث معه ولكن شهوتها مغلفة بالخجل والقلق .
أوقفنه مجموعة من الفتيات عن عمدٍ، تتحدثن معه، بينما هو جاد وثابت يوضح لهن بجدية ما جئن للسؤال عنه.
لمحها تخطو باتجاهه على غير عادة، فتشتت تفكيره ولم يعد يشرح بشكلٍ جيد، لذا تحمحم وأردف بهدوء ثابت :
- كفاية كدة يا بنات، بكرة هعيد شرح الجزء ده تاني.
أومأن بإحباط ولكنهن ابتعدن عنه تضحكن بلا سببٍ، بينما هي شعرت بالتردد بعدما اقتربت لذا حاولت الهرب لكنه أوقفها يتساءل بترقب :
- أنسة مودّة؟ كنت عايزة تسألي عن حاچة؟
توقفت تطالعه وعم التورد ملامحها وأسرعت تنطق بتوترٍ وهي تشير على مدونتها، ظنًا منها أنها تخفيه عنه :
- أيوة فيه، الجزء ده مافهمتوش قوي، حضرتك تقصد إن طبيعة الوعي مرتبطة ببداية الحياة؟
لا إراديًا وجد نفسه يسبح في عينيها الزيتونية أثناء سؤالها وحينما توقفت ورفعت أنظارها له توترت أنظاره وتحمحم يجيب برسمية :
- أنا عارف إن الموضوع معقد شوية والشرح يطول في المسألة دي علشان كدة بكرة بإذن الله هعيد شرح الچزء ده تاني، ماتقلقيش.
أومأت وشعرت بشيءٍ من الحنان في نبرته، لذا ابتسمت بخفة بينما تكاثرت الأقاويل من حولهما من قبل زميلاتها اللاتي نظرن لهما بغيظٍ وغيرة، كادت أن تشكره وتتحرك ولكنها لمحت سيارة تعلمها جيدًا تتوقف أمام الجامعة ويطل من نافذتها شقيقها يحدجها بنظرة استكشافية قبل أن تتجهم ملامحه، لذا تملكتها الريبة ونطقت بتوتر وهي تسرع خطاها نحو السيارة :
- تمام، عن اذنك.
لمح تبديل لون وجهها وأدرك ريبتها لذا التفت ليجدها تسرع وتستقل سيارة أحدهم الذي بدوره تحدث إليها بطريقة فجة وأدار المحرك وانطلق، ليدرك أن هناك شيئًا ما يحدث خلف الأقنعة، ومن المؤكد أنها تواجه مشكلةً ما، ثم راوده سؤالاً جعله يطيل مدة توقفه ليثبت لمن حوله اهتمامه بها، ترى من هذا الشاب الذي استقلت سيارته؟ولماذا ارتابت هكذا؟؟
❈-❈-❈
بعد أن عادت من جامعتها، وانتهت مهتمها الأولى بالتودد إلى الدكتور نوح، ها هي تخطو داخل قصر خالها عبد الوهاب لترى جابر وتتودد إليه .
كانوا قد انتهوا للتو من تناول غدائهم وتحرك جابر مسرعًا ليلحق بلقائه المنتظر، لذا حينما فتح الباب كاد أن يصطدم بها فشهقت وابتسمت حينما وقعت عينيها عليه تردف بنبرة ممازحة :
- حاسب يا ولد خالي، واخد في وشك كيف الجطر ليه إكدة؟
توقف يبتسم ويتفحصها، نعم إنها سجود ابنة عمته، تغيرت ملامحها وبالفعل كبرت عن آخر مرةٍ رآها قبل سفره، باتت أكثر اهتمامًا بذاتها لذا ابتسم لها ونطق بتلاعب وهو يضع كفيه في بنطاله :
- سچود؟ ماعرفتكيش يا بنت، كبرتي واحلويتي.
ضحكت بتباهٍ ونطقت وهي تتوسط خصرها :
- طول عمري زينة يا ولد خالي بس إنت اللي نسيت.
اعتدلت تسترسل باهتمام ظاهري :
- إنت عامل إيه؟ وأخبار روسيا إيه؟ عرفت تتعامل مع چوها يا ولد الصعيد؟
نظر في ساعة يده ليوقن إنه سيتأخر وهذا مالا يريده لذا عاد إليها وابتسم يردف بتملق وهو يتحرك من جوارها :
- لاء الحديت ده ماينفعش دلوك، إنتِ تدخلي تجعدي من الحاچة صابحة وتستنيني لما أرچع، ورايا مشوار مهم حخلصه وراچع علطول .
استطاع جعلها تتحمس وتردف وهي ترفع يدها وتتلمس كتفه تدفعه بخفه في حركة بدت تلقائية :
- تمام تمام، روح انت الحج مشوارك وأني مستنياك إهنة .
ابتسم لها وتحرك وحينما التفتت تبدلت ملامحه وظهرت معالم الضيق على وجهه وهو يستقل سيارته ويغادر مسرعًا إلى شركة معتز النعماني.
يدرك جيدًا أنها أتت بتوصية من والدتها، وبالطبع لن تفلحا ولكنه سيتسلى قليلًا..
❈-❈-❈
عاد مرغمًا إلى القصر بعدما أجبره يونس على العودة، بقلة حيلةٍ وعجزٍ دلف يجر معه أذناب الحقد والغل التي لم تفلح في تحقيق انتقامه .
كان قد ودّع الجد عائلته ودلف للتو إلى القصر هو الآخر، لذا اتجه يجلس على أريكته ونظر في وجهي حفيديه، يجاوره حسان ومنصورة التي التزمت الصمت وقررت أن تتابع فقط لترى عواقب ما حدث وهي على يقين أن فرحة لن تهدأ .
وبالفعل لم تعد فرحة تحتمل الصبر، مر عليها أكثر من ساعةٍ احترق قلبها فيها حتى بات رمادًا ثم تبخر الرماد بفعل عاصفة ما قيل ، لا تعلم كيف تحكمت في غضبها أمام مباركات النساء، ولم تتفوه ببنت شفة إلى الآن وكظمت حقدها لذا بصقت مافي جبعتها من كرهٍ وحرقةٍ وألمٍ ودموعٍ فقالت :
- إزاي يا چدي تحكم عليا حكم زي دي؟ جدرت تعمل إكدة فيا كيف ؟ داني كنت بجول اليوم اللي هاخد بتاري من عمار فيه هو يوم كتب كتابي، تجوم توافج على زواچي منيه؟ ياريتك كنت طلعت طبنجتك وخلصت عليا جبل ما اسمع اللي سمعته دي .
صمت الجد يطرق رأسه ينتظر انتهائهما من حديثهما حيث يدرك أن أيوب سيتحدث وبالفعل نطق بحرقة ونيران غضبه تتفاقم :
- إنت حرجتنا يا چدي، ولعت النار في جتتنا واحنا واجفين وخليته يفرح بدل ما الحزن يعم نچعهم كيف ما الحزن غيم علينا من وجت ما اتجتل مؤمن .
لم يراعي وجود منصورة بينهم، بل يدعس على خاطرها بالقوة سواءً كان متعمدًا أو عن جهلٍ، ليسترسل بغلظة :
- إنت رضيتهم على حسابنا انا واختي، فكرك اكدة مش حنخرچ من تحت طوعك؟ إنت إكدة ماحلتهاش يا چدي إنت عجدتها عن لوّل بكتير .
تكتفت فرحة تنتظر حديثه والدموع معلقة في مقلتيها، تدرك جيدًا أنه لن يغير قرارًا اتخذه بين الرجال، ولكنها تريد تفسيرًا لذلك ومن ثم سترى هل تحرق قلوب آل حانا فقط، أم تحرق قلوب الجميع مثلما فعلوا معها؟
رفع الجد رأسه عاليًا ونظر لحفيده يردف بهدوء شديد :
- خلصت حديتك يا ولد علي؟ ولا لسة حداك تهديد تاني تهدد بيه چدك؟
لم يجبه أيوب بل صمت يستمع إليه وهو يتابع :
- عتفكروا إن جلوبكم من لحم ودم وإحنا جلوبنا حديد! لساتكم صغيرين جوي ومافهمينش حاچة واصل، وخداكم الحماجة وكل اللي عتفكروا فيه إنكوا تجتلوه وترتاحوا بعد إكدة، عايزين تفتحوا علينا لعنة التار مرة تانية واحنا بنحاول نشفى منيها، ياخسارة العلام والتربية الزينة.
نظر أيوب نحو شقيقته التي لم تتزعزع ولم تتأثر بكلمات جدها بل تنتظر تفسير أكبر ومنطق يقنع عقلها المنغلق عن كيف تتزوج بقاتل شقيقها؟ لذا حدجها زيدان بنظرة ثاقبة ونطق بمغزى :
- الجلوب المحروقة يابتي مابيطيبهاش الدم، بيطيبها الجُرب والعشرة، ولو انتِ خابرة چدك صُح حتعرفي إن قراري ده مهواش علشان روح ولد الحنانوة، ده علشانك إنتِ، ومش حتحدت كتير بس بكرة تجولي جدي كان معاه حج.
ابتسمت حتى كادت ابتسامتها أن تشق فمها من شدتها ولم تكن سوى ابتسامة كرهٍ ونفور وهي تنطق بتحدٍ وثبات وتوعد بعدما فهمت مغزى حديثه :
- تمام يا چدي، حديتك صُوح، وكلمتك سيف على رجبتي، ماحيشفيش جلبي المحروج غير الجُرب من ولد الحنانوة، ومافيش أجرب من إني أبجى مرته، ووجتها هرجعلك إهنة واجولك كان معاك حج، وهثبتلك إن جلبي ارتاح .
تبادلا النظرات الثاقبة والمتحدية، بينما تهاوى قلب منصورة من توعد فرحة، ونظرت لزوجها استنجادًا فنطق بنوعٍ من التهدأة :
- وحدي الله يابنتي وبلاش غضبك يعميكي عن حياتك ومتسجبلك عاد، آن الآوان بجى ترچعي فرحة بتاعة زمان لاجل ما مؤمن يرتاح في جبره .
التفتت تنظر نحو عمها الذي تدرك جيدًا أنه يراعي مشاعر زوجته لأبعد حدٍ لذا أومأت مرارًا ونطقت بتأكيد :
- ماتجلجش يا عمي، هيرتاح جريب جوي.
عادت تنظر إلى جدها ونطقت قبل أن تتحرك نحو غرفتها :
- عن اذنك يا چدي .
أسرعت خطاها تحت أنظارهم لتلتفت منصورة إلى زيدان وتنطق بقلبٍ منفطر :
- فرحة مهياش هتچيبها لبر يابوي، أني خايفة لنكون عجدناها أكتر .
نظر الجد نحو أيوب الذي باغتها بغضبٍ ثم اندفع نحو غرفته وتركهم ليمد زيدان يده ويربت على كف منصورة قائلًا بنبرة غامضة تحمل طمأنينة وحكمة :
- العبد في التفكير والرب في التدبير يابتي، جولي يارب .
اندفعت داخل غرفتها تغلق الباب وتقف خلفه تضع يدها على قلبها النابض وبكت بحرقة تكتم صوت بكاءها فتحترق بصمتٍ كما اعتادت، حسنًا سيزوجوها منه، فليكن .
❈-❈-❈
يقود سيارته متجهًا إلى الشركة، ضغط على هاتفه المعلق أمامه بعد تفكير يعاود الاتصال بها.
انتظرها لتجيب ثم تحدث عبر السماعة بنبرة رتيبة :
- أنسة تيا، اتفضلي معاكي، كنتِ بتجولي إيه؟
الآن يتحدث بأريحية وهذا ما استشفته تيا لتردف معتذرة :
- أسفة لو كنت كلمتك في وقت مش مناسب بس انت قولتلي لو احتجت مساعدة أكلمك، وانا فعلا ماعرفش حد هنا ومتوترة جدًا وخايفة أروح اقابل عيلة بابا لوحدي .
توغله شعورًا لا يدرك ماهيته، يرحب باتخاذها إياه حماية، لذا نطق بقبول يتساءل
باستفهام :
- ماعنديش أي مانع آچي معاكي، بس إنتِ عرفتي توصليلهم كيف؟
ازدردت ريقها ونطقت :
- شوفت إعلان لدكتور من عيلتي فأخدت الرقم وتواصلت معاه وطلع يعرفهم ودلني عليهم.
أومأ يجيبها بهدوء :
- تمام، شوفي حابة تجابليهم ميتا وأني معاكي، وبإذن الله خير، ماتجلجيش.
ابتسمت بارتياح تجيبه :
- أوكي تمام، متشكرة جدًا .
- العفو .
❈-❈-❈
ترجل أمام شركة معتز وخطى نحوها قاصدًا الدخول ولكن أوقفه رجل الأمن يتساءل بترقب :
- حضرتك أستاذ چابر آل حانا!
أومأ جابر وضيق عينيه يستفسر :
- أيوة؟ خير؟
هز رأسه ونطق معتذرًا :
- أنا آسف، بس استاذ معتز قال ممنوع تدخل الشركة.
أيقن أن معتز يتلاعب معه، لذا حدجه بنظرة حادة ثم ابتعد خطوة للوراء والتقط هاتفه يطلب رقم ريم التي كانت تقف أمام معتز تنتظر سبب طلبه لها بينما هو منشغلًا بمراقبة جابر من خلال كاميرا المراقبة وعلى محياه ابتسامة تشفي وسعادة ومكر .
كان هاتفها فوق مكتبها ولم تسمعه بل نطقت متعجبة :
- مستر معتز؟ حضرتك طلبتني؟ فيه حاچة؟
تحمحم ينظر لها ثم نطق باستفهام ماكر :
- كلمتي الأمن علشان لما چابر آل حانا ييچي؟
تعجبت تجيبه :
- لاء، حضرتك اللي قولت هتكلمهم؟ وهو زمانه على وصول .
أسرع يدعي التقاطه لهاتفه ويردف وهو يطلب رقم فرد الأمن بينما يداه الأخرى تعبث بالحاسوب من أمامه :
- أيوة صح نسيت، أوف ده فعلًا وصل وواقف تحت أهو.
تملكها التوتر فتحفزت وهي تسمعه يطلب من الأمن أن يمرره وأغلق فتحدثت وهي تستعد للتحرك :
- طيب عن اذنك يا مستر معتز أنا هروح استقبله .
تحركت خطوة ولكنه أوقفها يردف بضيق من اهتمامها :
- استني يا ريم، أنا هعمل مكالمة مهمة، خليه يستناني لما أخلص .
نظرت له بتساؤلات ولكنها أومأت وتحركت نحو مكتبها لتستقبل جابر الذي سمح له الأمن بالصعود .
وبالفعل دقائق ووجدته أمامها فابتسمت له ونهضت ترحب به ولكنها وجدته يمد يده فمدت يدها تردف بهدوء يخفي توترها من نظرته التي سلطت عليها :
- أهلًا وسهلًا يا مستر چابر، اتفضل.
جلس يتحمحم ويتساءل بنبرة بدى فيها الانزعاج :
- أنا كنت حمشي لما لجيت الأمن بيجول إن معتز رافض دخولي، ورنيت عليكي اتأكد منك الأول يمكن يكون فيه لخبطة ولا حاچة؟ هو معتز عمل إكدة صُح؟
توترت نظرتها لا تعلم بماذا تجيبه ولكنها في نهاية الأمر أجابته بدبلوماسية :
- أكيد فيه سوء تفاهم ومستر معتز هيوضحلك كل حاچة، بس هو معاه مكالمة ضرورية هيخلصها ويستقبل حضرتك علطول.
أومأ بملامح منزعجة ونطق مجاملًا وهو يعتدل في جلسته :
- ماشي يا أنسة ريم كلامك ع العين والراس، حستنى واشوف ولوني حاسس إن معتز مش مرحب أنه يساعد ولا يمد يده.
سؤاله الخبيث جعلها تطالعه بنظرة عاطفية برغم نبرتها الرسمية المبطنة حينما قالت :
- ماتقلقش، كله خير إن شاء الله .
أومأ مبتسمًا وجلس ينتظر انتهاء مكالمة معتز وهو على يقين أنه سيحصل على مبتغاه بعد قليل ....

•تابع الفصل التالي "رواية صياد النايا الحانا " اضغط على اسم الرواية

تعليقات