رواية لأجلها الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"
الفصل التاسع والخمسون
المنزل الذي امتلأ بضجيج وصخب الأصوات الصادرة من الكبار والصغار تجعله ساحة من الدفء الأسرِيّ والمشاكسات اللذيذة بين جميع الحاضرين، مهما حدث من مناوشات أو مشاحنات لا تفسد روعة اللحظة الجميلة لذلك اليوم الرائع؛ اليوم السابع للمولود الجديد أو "السبوع" كما يطلق عليه.
وقد استقر "صغير العائلة" في الغربال، وسط دائرة من الصغار المتلهفين، وكأنه ملك متوج على عرش من الخوص، بينما كانت حسنية تمسك بـ "يد الهون" وتدق بقوة محسوبة، مطلقة وصاياها الشهيرة: "اسمع كلام أبوك، متسمعش كلام أمك.. متسمعش كلام أم أبوك، متسمعش كلام أم أمك".
ـ طب بالمرة كمان عمه حمزة، إشمعنى هو يعني؟
هتفت بها مزيونة الجالسة بجوارها في الوسط توزع على الأطفال الهدايا المغلفة والمخصصة لتلك المناسبة، لتقارعها منى وتزيد من المرح:
ـ ولما ميسمعش كلام عمه حمزة، هيسمع كلام مين يا بت؟ ولا أنتي عندك اعتراض على كبير ناسه؟
ـ وه.. عايزة تدخليني في أشكال مع أخوكي يا منى؟ لا يا عم هو انا قده؟ طب عنه الواد ما سمع كلمتي.
قالتها مزيونة لتضج الصالة بالضحك من شقيقات منى وحسنية التي تابعت في دق الهون، تُسمع الصغير الوصايا ولا تنسى أن تشاكس البقية أيضاً.
وفي زاوية قريبة وسط ضجيج الأطفال وترديدهم للأغاني التراثية، كانت ليلى غارقة في فرحة طفولية لم تستطع إخفاءها، وهي تشاهد ما يحدث مع صغيرها، وتصفق بحماس كأنها واحدة من الصغار، تتشارك لحظاتها النادرة.
بينما منى لا تكف عن إطلاق التعليقات الساخرة، وهي تراقب المشهد بعين ناقدة لا تخلو من المحبة، وهي تمازح شقيقها معاذ والد الطفل، الذي كان يدور مع الأطفال ويغني غير آبهٍ بصورته أمام نساء العائلة التي كانت تضحك من أفعاله.
حتى إذا توقفت والدته، انتهز الفرصة ليخطفه من يدها وهي تخرجه من الغربال، قائلاً بلهفة:
ـ ولدي حبيبي.. ألحق أشبع منه، قبل ما يجي خطاف العيال!
قصد بالأخير شقيقه حمزة الذي كان غائباً في ذلك الوقت لأمر هام، فعلقت اعتماد التي كانت تعطي ابنة شقيقتها هديتها:
ـ أيوه يا معاذ، دا ممكن في أي وقت يجي ويستولي عليه.
ـ حبيب أبوه... والله ما يحصل إيه؟ ما هيقدر ياخده مني النهاردة.
قالها معاذ بتملك، في مشهد يثير الضحك، وقد خدمه الحظ اليوم لانشغال حمزة في منزل عمه بالمناسبة الضرورية المقامة به اليوم، والتي تستلزم حضوره، ليترك له الساحة الخالية فيستمتع بدفء صغيره.
......................
وفي الجهة الأخرى؛
وقد حضر اليوم ليس بصفته كبير العائلة أو الصداقة فقط، بل هو الواجب الذي يفرض على الإنسان أن يتحمل مسؤوليته في تلك المناسبات، رغم كل الخلافات الأزلية بينها وبينه، إلا أنه لا يملك إلا أن يقف بجوارها حتى ولو على حساب صديقه الذي لم يعد يضمن رد فعله بعد أن تحول الأمر برأسه للانتقام منها.
لم يكن احتفالاً بمعنى الاحتفال، فقد حضر اليوم مع العريس لعقد قرانه من "هالة" عدد قليل من أصدقائه في الشرطة وزوج من أعمامه فقط، حتى النساء لم يأتِ منهن إلا خالة واحدة مع اثنتين من زوجات الأعمام؛ فهم المتبقون من عائلته وقد توفي والداه منذ وقت طويل.
الاجتماع كان بداخل "المندرة" ليتم عقد القران بها، يحضره من جانب العروس والدها وابن عمها حمزة وعدد من رجال العائلة. الصورة تبدو طبيعية والفرحة برزانة، فقط تخترق الأجواء أصوات الزغاريد التي تطلقها النساء.
ـ مبروك يا كمال.... ربنا يجعلها جوازة العمر إن شاء الله.
تلك الكلمات التي تفوه بها حمزة، كانت تخرج بصعوبة الموقف الذي وُضع به؛ لا يدري إن كان عليه أن يفرح لصديقه الذي سوف يتزوج من ابنة عمه وحب عمره وزوجة شقيقه سابقاً...، أو يحذر منه... مشاعر مختلفة تموج بداخله، ومع ذلك كان واقفاً وصامداً، يؤدي واجبه على أكمل وجه.
أما كمال والذي بدا أنه متفهم لحالته، فقد تلقى تهنئته بحرارة يطمئنه أنه مهما كانت صعوبة الحياة مع تلك المتمردة التي أصبحت رسمياً على اسمه منذ لحظات، فهو كفيل بترويضها... أو الإغداق عليها بالسعادة إن هي اختارت الطريق السليم معه.
.............................
أما في داخل غرفتها التي التزمت فيها ولم تخرج للنساء الحاضرات من أجل تهنئتها وإبداء المباركة لها سوى عدة دقائق، لتعود إليها سريعاً.
تتأمل نفسها الآن في المرآة، بتلك الزينة التي وضعت على وجهها من فتاة محترفة في ذلك المجال، أتت من أجل تلك المناسبة التي لم ترتدِ لها الأبيض، بل اكتفت بفستان حريري يصلح للسهرات، لونه زيتي قاتم بغرض ألا يكون معبراً عن فرح داخلها، ومع ذلك كان رائعاً على بشرتها البيضاء التي انعكس عليها ليزيدها بهاءً.
تغمرها حالة من التشتت لا يمكن وصفها؛ لا هي بقادرة على إخراج ما في قلبها ورفض الاستمرار في تلك المهزلة، ولا هي بقادرة على إزاحة أفكار وهواجس تقتلها. يمنعها كبرياء ذاتها التي وجدت فرصتها بزواجها من رجل له وضعه وهيبته أمام عائلتها وأبناء عمومتها، بعد أن اهتزت صورتها بسبب القضية والسجن الذي لم تشعر حتى الآن أنها خرجت منه، وكيف يحدث وسجانها قد أصبح زوجها وهو من بيده مفتاح حريتها؟
فُتح باب الغرفة فجأة لتطل منه شقيقتها "إسراء" تخاطبها بمرح:
ـ إيه يا جميل، أنتي لسة برضو متنشنة ومتوترة؟ خبر إيه يا هالة، دي مش أول جوازة ليكي يا خيتي؟
تبسمت الأخيرة ضاحكة بخجل أوصل ما تقصده بوضوح، لتناظرها الأخرى دون أن تستجيب لمزحتها، ثم تحدثت:
ـ لو على المعنى اللي تقصديه فبالنسبالي العكس هو الصحيح، أنا في جوازتي الأولى مكنتش خايفة نهائي، كنت داخلة بقلب قوي وخجل البنات دا مكنتش أعرفه نهائي، أما في الجوازة دي.....
توقفت تتنهد بثقل ثم استطردت:
ـ اللي جوايا معرفاش أفسر له اسم، إن كان خوف ولا تردد ولا رغبة جوايا أن أهرب ومكملش، أنا أصلاً ندمانة إني وافقت.
تمتمت شقيقتها برعب وهي تقترب منها، لتجذبها من ذراعها وتجلسها:
ـ وه وه وه، إيه الكلام اللي يودي في داهية ده؟ الظاهر أن الحريم اللي برا نشوكي عين، طبيعي والله، أنا قلبي حدثني..... تعالي بقى أنا لازم أقرالك.
لم تعارضها، وتركت نفسها بين يديها، تحوطها بقراءة القرآن والأدعية الحافظة، لعلها تخفف عنها قليلاً، أو تريح رأسها المتعب بازدحام الأفكار داخله. حتى إذا انتهت سألتها:
ـ أمال البنات فين؟
أجابتها إسراء وهي تعتدل عن الفراش:
ـ ما أنتي عارفة، البنات مكنش ينفع يحضروا النهاردة، حمد لله عندهم أسبوع ابن عمهم ينشغلوا فيه.
ـ بس أنا وحشوني ونفسي أشوفهم دلوك.
تفوهت بها بلهجة متصلبة أصابت شقيقتها بالتوتر، لتسارع بتهدئتها:
ـ هالة يا حبيبتي، افتكري أن البنات مش مع حد غريب، واد عمك مفيش أحن منه، دا كفاية إنه طول الفترة اللي فاتت سايبهم معاكي تشبعي منهم رغم تعلقه الشديد بيهم، دا غير أن مرته بت حلال وأنت أكتر واحدة عارفة كدة، يعني مش محتاجة أطمنك عليهم.
بنظرة مشتتة صارت تناظرها بعجز، داخلها حديث كثير ولا تعرف التعبير عنه، تتمنى الخروج إليهما، نافضة عن رأسها فكرة الارتباط بأحد آخر غير أبيهما، ها هي تدفع أكبر ثمن لأخطائها بفراقها عنهما.
صوت طرق قوي على الباب جعل الاثنتين تلتفتان نحو مدخل الغرفة، يطل منه والدها بغبطة تعتلي قسمات وجهه:
ـ ياللا يا هالة عشان تروحي مع جوزك سيادة الظابط.
أغمضت عينيها بإرهاق ويأس، لقد حُسم أمرها وقُضي الأمر ولا مفر أو رجوع.
..............................
وعودة إلى المنزل الكبير؛
وقد كان خليفة منشغلاً بنفخ البلالين الملونة، يوزعها على ابنتيه بالتساوي، كل واحدة تمسك بيدها أكثر من واحدة ولا تكتفي، تركضان حوله بضحكات صاخبة، وهو يشاركهما المرح بمداعبته لكل واحدة تقترب منه لتتناول بالونتها، رغم انشغال عقله بالقادم وما قد يؤثر على شخصية كل منهما بزواج والدتهما، ولكنه أمر لابد منه وشرعه الخالق، إذن لابد من بذل المزيد من الجهد في رعايتهما.
لمسة دافئة على فخذه تلقاها من زوجته الحنون تقطع حبل شروده، ليلتف بعينيه إليها، فتبادله بنظرة تحمل مزيجاً من العطف والوعد، قائلة بصوت خفيض:
ـ ماتشيلش هم يا خليفة.. البنات دول في عينيا، أمهم ربنا ما يحرمهم منها، لكن أوعدك أنا عمري ما أقصر معاهم، اطمن عليهم طول ما أنا موجودة.
لم يظهر القلق الذي كانت تتوقعه، بل رسم على وجهه ابتسامة هادئة، وبنبرة واثقة يملؤها العزم رد عليها:
ـ مش محتاج وعد منك يا اعتماد عشان أنا عارف ومتأكد منك، زي ما أنا كمان عارف نفسي، أكيد ربنا هيعيني ويساعدني عليهم وأنتي معايا،..... وأمهم.... إن شاء الله هي كمان يصلح لها حالها، عشان متزودش الحمل عليا لو استمرت في جنانها.....
قال الأخيرة بتنهيدة خرجت من عمق صدره، بتضرع إلى الخالق أن يحدث ما يتمناه.
.......................
داخل شرفة غرفته، وقد كان يتلقى المكالمة الهاتفية الهامة، يستمع إلى محدثته من الجهة الأخرى بصبر لا يخلو من غيظ وضجر وهو يناقشها:
ـ فاهمك طبعاً يا آنسة مريم وعارف إن معاكي حق، بس حضرتك أنا مكنش ينفع أرجع ومراتي لسة....
ـ لسة إيه يا معاذ؟ مراتك دلوقتي عدى عليها أسبوع، دا غير أيام الغياب اللي سبقت ولادتها، ولا أنا لازم أفكرك إن إحنا شركة خاصة يا معاذ؟
ـ يا ستي عارف إنها خاصة بس كمان أنا مغلطتش، لا كان ينفع أسيب مرتي على وش ولادة، ولا ينفع أمشي من غير ما أحضر سبوعه.
كان حاداً في كلماته، حتى شعر هو بخطئه حين جاء ردها بصمت دام لحظات، قبل أن تقطعه بنبرة هادئة تمتص غضبه:
ـ والسبوع خلص يا معاذ، بعد ما اطمنت على مراتك، عندك سبب تاني يخليك تأجل؟
زفر أنفاسه يمسح بكفه على صفحة وجهه، يستعيد هدوءه، وقد شعر بالذنب حين انفعل عليها ولم تبادله الرد بغضب رغم خطئه، وهذا ما يستغربه.
ـ ماشي يا آنسة مريم، إن شاء الله أكون بكرة في الشركة.
أتى ردها برقة تفاجئه:
ـ أوكيه يا معاذ، على العموم أنا برضو مقدرة لهفتك وفرحتك بالبيبي، ألف مبروك يا سيدي.
اضطر أمام لطفها إلا أن يرد باعتذار:
ـ الله يبارك فيكي وأنا آسف لو انفعلت في ردي.
........................
أنهى المكالمة واتجه إلى زوجته التي كانت تشاهد التلفاز، ينظر إلى "التخت" الفارغ من الطفل يبحث عنه بعينيه سائلاً:
ـ مؤيد فين؟ وديتي الواد فين يا ليلى؟
ضحكت الأخيرة تسخر من لهفته:
ـ سربته يلعب مع العيال، مش في الأوضة معانا يبقى خدته أمي يا معاذ....
ـ وحمزة!
صاح يضيف عليها بانفعال:
ـ أمك وحمزة يا ليلى! يعني هيشبط فيه وهيقعد معاهم بالساعات.
قالها بانفعال أثار انتباه ليلى لتلطف معه:
ـ صلي على النبي يا معاذ، هي أمي ولا حمزة إيه؟ ما الاتنين واحد وفرحانين بيه.
تمتم بإرهاق يسقط على التخت بجوارها:
ـ أيوه بس أنا عاوز ألحق أشبع منه، وحمزة مش مديني فرصة.
ـ تاني برضو هيقولي حمزة!
غمغمت بها ثم اقتربت تلتصق به وتشاكسه:
ـ بقيتوا زي الديوك وبتتخانقوا على الواد، طب خليك أنت العاقل وصبر نفسك، هو أصلاً كلها كام شهر ويجي "النونو" بتاعهم يا معاذ، وساعتها كل واحد يلعب بالنونو بتاعه...
تحولت ملامحه من العبوس إلى المرح، يستوعب كلماتها وتبسيطها الأمر بطرافة جعلته يضمها إليه بذراعه، يقبل رأسها قائلاً بابتسامة:
ـ أنتي كمان يا أم النونو عايز أشبع منك ومش هاين عليا أسيبك، طقت في دماغي أفضها من الشغل الزفت ده، بلا سفر بلا هم.
رفعت رأسها إليه تردد بدهشة:
ـ تسيب شغلك في الشركة يا معاذ وأنت بتحقق ذاتك وممكن تبقى حاجة مهمة عشان صعبان عليك تفوت النونو ومرتك؟ دا أنت بنفسك ياما حكيت لي عن حلمك اللي اتحقق بالشغل في الشركة الكبيرة والفرصة العظيمة، ولا هتنسى وعدك ليا إننا هنحقق طموحنا مع بعض، أنا في جامعتي وأنت في شغلك كمهندس؟
أومأ موافقاً ورأسه تعج بالأفكار، لا يعرف كيف يعبر عما يشعر به من عدم ارتياح أصبح يلازمه في ذلك العمل؛ المرأة التي ترأسه، بالإضافة إلى ظهور "روان" تلك الحية التي كانت تخدع الجميع بصورتها اللامعة.
ليطرد من صدره تنهيدة مشبعة بحيرته، ويعود إلى ضمها مرة أخرى يلتمس منها الدفء والاحتواء، حتى صرخت بين ذراعيه:
ـ آه، براحة يا معاذ بلاش تضغط بدراعك كدة، أنا عضمي كله واجعني ومش مستحملة أصلاً.
ردد خلفها بسخرية:
ـ عضمك كله! وأنتي فيكي عضم أصلاً؟
اشتعلت عينا القطط خاصتها خلف تلميحه، لتهجم عليه بقبضتيها:
ـ أمال يعني كائن رخو قدامك؟ أنا ست نفسة دلوك يا بني آدم، خلي عندك دم ومتعصبنيش..... آه أديك وجعت لي إيدي كمان.
ضحك يقبل قبضتيها التي كانت تضربه ثم قبّل وجنتيها:
ـ سلامة يدك وعضمك يا حلوة، بهزر معاكي يا لولة، متبقيش حمقية، باه عليكي.
.........................
وفي جناح حمزة الذي عاد بعد انتهاء الاحتفال الصغير وذهاب ابنة عمه مع زوجها كمال إلى منزل الزوجية بالمحافظة، توجه مباشرة نحو غرفة نومه، وما إن شرع بفتح بابها حتى أتاه صوت مزيونة بتحذير:
ـ اقفل على طول يا حمزة، لا الواد ياخد برد.
انتبه الآخر أنها تبدل ملابس الطفل، ليسارع في غلق الباب مباشرة متوجهاً إليهما:
ـ نقفل بالضبة والمفتاح كمان، أهم حاجة مؤيد باشا.
وصل إلى التخت ليجلس من الناحية الأخرى بجوار الطفل، يتابعها وهي تلبسه باقي الملابس برقة متناهية لم تؤثر في الطفل وهو نائم أو توقظه، فتابع هامساً:
ـ تبارك الرحمن، الواد شكله كل يوم بيتغير عن اليوم اللي قبله.
تبسمت تحمله إلى كتفها، لتحكم "اللفة" التي تلفه بها بعد الانتهاء، فتضمه إليها بحنو شديد قائلة:
ـ عندك حق، بس هو برضه واخد من مواصفات أمه كتير قوي، أولها العيون الملونة اللي هي وراثاها من أبوها، أخيراً لقينا حاجة حلوة من عرفان!
ابتسامة مزيونة تحولت لضحكة واسعة حين رأت العبوس يعتلي ملامح وجه زوجها الذي لا يخفي غيرته حتى من فرد كريه إليها مثل عرفان.
ـ إيه يا حمزة؟ قلبت وشك ليه؟ ليكون مش عاجبك كمان الكلام عن مؤيد باشا؟
امتدت يده إليها يتناول الطفل منها قائلاً بامتعاض:
ـ والله أنتي عارفة زين سبب قلبة وشي وقرفي كمان، قال خدنا منه حاجة حلوة قال! هو الدب ده فيه من الحِلى أصلاً؟
توقف ونزل بعينيه نحو الصغير بحجره يتأمله بانبهار:
ـ دا اسمه مؤيد معاذ حمادة القناوي، يعني مرجلة أبوه وهيبة عمه، ومأصل عن جده حمادة القناوي. يمكن خد من بوز الإخص لون العينين، مع إن دي مش مضمونة لأنها جايز جداً تتغير، أما بقى عن باقي الصفات والجينات فكلها واخدها من عيلته، عيلة الرجالة...
وما إن أنهى كلماته حتى صدح صراخ الصغير بحجره، ليرفعه بين ذراعيه يهدهده ويسخر:
ـ وه وه، وأنا اللي بقول عليك راجل؟ أخص عليك يا واض تكسفني!
ضحكت مزيونة لتفتح كفيها إليه، فتجبره على إعادته إليها، وما إن سكن بحضنها حتى هدأ وتوقف، ليصيح به حمزة:
ـ يا ابن الكلب بتنصرها عليا؟ حجري أنا فيه شوك ياض؟
همست مزيونة تنهره بعتب:
ـ أخص عليك يا حمزة، متشتمهوش، ولا تشتم أبوه لا يزعل.
ـ وه يا ست الحنينة!
تمتم منصباً أبصاره عليها بدهشة، فتابعت برقة غير آبهة بسخريته:
ـ أيوه يا حمزة أنا مبهزرش، دا غالي عليا يمكن أكتر من ليلى كمان، طب هتصدقني لما أقولك إني بجرب معاه إحساس الأمومة من أول وجديد؟
توقفت ثم أردفت بصدق عما تشعر به:
ـ والله زي ما بقولك، ليلى لما اتولدت زمان أنا كنت صغيرة قوي ودايماً كنت تعبانة في رعايتها، أمي الله يرحمها تقريباً هي اللي كانت قايمة برعايتها بشكل كامل؛ هي تشيلها وهي اللي تسبحها وهي تهشكها، أنا يدوب كنت برضعها ولو شلتها "هبابة" يبقى زين قوي.
تأثر حمزة وتركها تتحدث دون أن يقاطعها، فقد تأكد لديه أن زوجته قد تعافت بالفعل من عقدها القديمة، لتتذكر ما فاتها من لحظات جميلة مع طفلتها لم تتمتع بها بسبب ما تعرضت له، وقد آن الأوان أن تستعيد تلك اللحظات....
ـ أنا معرفتش ليلى غير بعد ما ماتت أمي، وبرغم إن ربنا قدرني وعرفت أشيل مسؤوليتها زين، إلا إني بعد ما شلت ولدها حبيب ستّه الباشا اللي في حضني ده، بقيت حاسة إن أنا اللي أمه، وليلى أكنها كانت أختي الصغيرة و.... أوعى تقول عليا مجنونة يا حمزة!
سمع منها وصدحت منه ضحكة عالية جلجلت في أرجاء الغرفة حتى أثارت استياءها، إلا أنه أوضح لها أخيراً:
ـ المشكلة إنك لسة مفهمتيش إن الكلام ده بالعكس يفرحني مش يجعلني أستغربك. افتكري يا مزيونة إنك كنتِ رافضة مبدأ الجواز بيا من أصله، ثم عدم اقتناعك إن يبقى في ما بينا خلفة، قبل ما ربنا يريد من عنده ويتفضل علينا. معنى كدة إن قلبك انفتح للخلفة والعيال، لما إحساسك وصل لكدة مع واد بنتك، أشحال بقى اللي هينزل من بطنك؟ دا هتعملي معاه إيه بس؟
صمتت تستوعب كلماته، يبدو أن بها شيئاً من الحقيقة، أو الحقيقة نفسها؛ لقد انفتح قلبها على مصراعيه لمؤيد. تستنشق رائحته كالمسك يتغلغل في رئتيها، والطفل الذي يسكن أحشاءها الآن تستشعر كل نبضة منه بإحساس لا تجد له وصفاً.
...............................
وصلنا.
تلك كانت الكلمة التي تفوه بها بعد أن توقف بالسيارة أمام بناية راقية في المدينة التي أُسست حديثاً في المحافظة، لتناسب فئة معينة من الأشخاص ممن لديهم القدرة المالية لذلك.
حي هادئ، أمام كل بناية مساحة واسعة وأشجار تميزها، نظافة ورقي يناسبان وضعه؛ وضع الرائد كمال، رجل الأمن والنظام.
ـ إيه يا هالة مش ناوية تنزلي؟
ها هو للمرة الثانية يتحدث معها بلطف تستعجبه، يعاملها بصورة طبيعية كأنها بالفعل عروس، وهي لم تعد تميز الآن إن كان ما تمر به حقيقة أو كابوساً تترجى نهايته، أو هروباً ليتها تجد الفرصة إليه.
ـ تحبي أشيلك يا هالة؟
ـ لا أنا نازلة أهوه.
هتفت بها فور أن فاجأها باقترابه منها، لتنتفض مترجلة أمام عينيه المتصيدتين، فضحك بخفوت يتبعها هو الآخر، ليتلقاه حارس العقار ويحمل عنه الأشياء التي أخرجها من حقيبة السيارة؛ أطعمة وحلوى ومشروبات أتى بها من منزل أهل العروس سيراً على العادات والتقاليد.
ثم صار الرجل يسبقهما وهو خلفه يسير بخطوات متأنية، فباغتها بالقبض على كف يدها يسحبها معه بدون أي كلمة حتى، لم تملك إلا الاستجابة لسحبه، يخمد ارتجاف يدها داخل براح كفه الكبيرة بضغطة واحدة.
حتى إذا وصلا إلى منزل الزوجية في الطابق الثاني، دعاها بعد خروج حارس العقار الذي وضع الأشياء في المطبخ بإشارة من يده أن تلج قبله.
تحركت آلياً تخطو خطوتها الأولى داخل الشقة، استقبلتها رائحة النظافة المبالغ فيها، أثاث جديد لم يُستخدم بعد كما ترى أمامها. جالت بنظراتها في أرجاء الصالة؛ كل شيء في مكانه الصحيح، اللوحات معلقة بزوايا هندسية دقيقة، والسجاد مفروش بمحاذاة الأثاث بشكل يثير الرهبة لا الراحة. كل قطعة موضوعة في مكانها المضبوط ومرتبة بعناية تثير الاستفزاز، ليس ما اعتادت عليه، هذا منزل غريب عنها.... ورجل غريب عنها لا تحمل له وداً ولا محبة سوى أنه رد لها كرامتها وكبرياء ذاتها. ما هذا الذي فعلته بنفسها؟ كم تتمنى إطلاق العنان لقدميها والهروب!
من خلفها وقف هو يراقب ظلها المرتجف بتركيز تام، لا يتحرك ولا يصدر ثمة صوت، فقط يراقبها. مشاعره في تلك اللحظة كانت تحمل مزيجاً ساماً ما بين الرغبة العنيفة التي لم تخمد يوماً منذ أن رآها للمرة الأولى قبل سنوات، ولذة الانتصار؛ إنها في الأخير أصبحت ملكه. هنا في مملكته، تحت اسمه، بعد أن أهدرت كبرياءه قديماً برفضها القاطع، دارت بها الأيام لتأتي إليه خاضعة، وليس حباً كما تمنى وحلم كثيراً. ربما هو لا يعجبه ذلك، ولكنه أيضاً لا ينكر نشوة ذلك الإحساس الذي يكتنفه الآن بالحصول عليها...
أغلق الباب الذي ظل واقفاً خلفه لحظات كثيرة منذ دخوله ومراقبته إياها، ليصدر صوتاً قوياً جعلها تجفل ملتفتة نحوه، فالتقت عيناها بعينيه المشتعلتين بالنظر إليها وهو يقول:
ـ نورتي بيتك يا عروسة!
حاولت أن تتماسك أمامه ولا تظهر تأثراً، لكن عينيها كانتا تفضحان شعورها بالضياع والخوف. هو عمل طوال الأيام الفائتة على تغذية ذلك الشعور داخلها نحوه، لا ينكر، لأنه يعلم جيداً أنها لا يصلح معها غير ذلك؛ الطريق معها طويل وهو عزم على النجاح مهما كان الثمن.
تقدم بخطوات بطيئة رتيبة حتى أصبح أمامها، مقابلاً لها تماماً، واضعاً عينيه صوب خاصتيها، لتمر بينهما لحظة من الصمت قبل أن يتحدث بصوت خرج متحشرجاً:
ـ بقولك نورتي بيتك يا عروسة، ولا أنتي مش حاسة إنه بيتك يا هالة؟
وكأن سؤاله اختبار بسيط منه إليها ليحكم على أساس الإجابة، وكالعادة ردت بصلابة تفاجئه رغم خوفها منه:
ـ بصراحة..... لأ.
ماذا كان يتوقع؟ هذه هي هالة التي يعرفها جيداً. ضاقت حدقتاه بغضب مكتوم في تأمل تلك العنيدة برأسها اليابس الذي يحتاج كسراً ليعيد تأهيله من البداية، ثم ومن دون كلمة، طوقها من خصرها بذراعه القوي يلصقها بجسده الصلب، ثم خرج صوته منخفضاً رخيماً ومحملاً بذبذبات قوية تجعل الجدران تهتز:
ـ وماله يا هالة، أنا بقى مهمتي أعرفك كويس إن البيت دا بيتك وملكيش غيره، وعمرك ما هترجعي منه على بيت أهلك غير زيارة....... وأنا....... أنا جوزك وقدرك اللي مفيش منه مهرب..... سمعاااني؟
هتف بالأخيرة يهز جسدها حتى دافعت بصوت مهتز تبرر:
ـ أنا قصدي إن جوازنا متمش بصورة طبيعية، ولا أنت ناسي الاتفاق؟ فعادي يعني لازم آخد وقتي.
بأنفاس ساخنة تلفح بشرتها، رد يجيبها عملياً:
ـ لا مش ناسي يا هالة، ومفيش وقت لسة هتاخديه، لأن أنا هجعله دلوقتي على طول، هخليكي تصدقي إنه جواز بحق وحقيقي وعلى يد مأذون، مش ورقة اتقطعت أصلاً من أول يوم وقعتي عليها.
وقبل أن تستوعب مغزى جملته الأخيرة، باغتها يفصل عنها الإدراك التام بقبلة عاصفة كادت أن تزهق روحها؛ عالم جديد عنها لأول مرة تخطو داخله، عالم يختلط فيه الشغف بالانتقام.
حين تركها أخيراً بالكاد تلتقط أنفاسها، واجهت ظلام عينيه الذي كان يحدق بها بنظرات لم تفهمها، ثم لم يعطها فرصة أخرى للتساؤل، فحملها بين ذراعيه متوجهاً بها إلى غرفته، ليؤكد على ما تفوه به منذ قليل بالأفعال، غير آبهٍ بفزعها الذي تخفيه دائماً بحماقة أقوالها.
..... يتبع
•تابع الفصل التالي "رواية لأجلها" اضغط على اسم الرواية