رواية عشق بين حنايا الروح الفصل الرابع 4 - بقلم نورهان العشري
طية الروح الرابعة
أعلم جيدًا شعور أن يُطفِئك الشخص الذي كنت أنت السبب في توهجه، أن يتحول الضوء الذي منحته له يومًا إلى ظُلمة يتركك فيها وحيدًا. فالضربات التي تأتي ممن أحييتهم بقلبك تكون أشد وقعًا وأبلغ أثرًا.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
نظر يوسف بتعب إلى والدته، ثم انتقلت نظراته إلى كاميليا التي كانت تجلس على الكرسي بجانبها. كانت حالتها سيئة بالقدر الذي جعل قلبه يرق كثيرًا عند رؤيتها بتلك الحال، لكنه يجب أن يُصحّح الأوضاع جميعها ويكشف كل الأسرار التي كانت تؤرقه كثيرًا في الفترة الماضية وتُعكّر صفو حياتهم.
أجاب والدته قائلًا:
ـ هحكيلِك. يوم حادثة عمي مراد لما الدكتور طلب منا نقل دم، روحت أنا وكاميليا، وأخذوا مني كمية وطلبوا تاني بعدها.
صفية بتذكر:
ـ أيوه فعلاً، جات الممرضة هنا وطلبت من نيفين إنها تيجي هي كمان عشان تتبرع، ونيفين داخت وقتها وأخدوها للدكتور يطمنوا عليها.
يوسف بهدوء:
ـ بالظبط، وأحنا راجعين أنا وكاميليا بعد ما اتبرعت هي كمان بالدم، الدكتور نادى عليا، سبت كاميليا وروحت له.
عودة إلى وقت سابق
الطبيب باحترام:
ـ اتفضل يا يوسف بيه.
يوسف باستفهام:
ـ خير يا دكتور؟
ـ كنت عايز أتكلم معاك في موضوع مهم.
ـ اتفضل.
ـ الآنسة نيفين للأسف ما تقدرش تنقل دم لمراد بيه.
يوسف بلامبالاة:
ـ طب تمام، مفيش مشكلة، أنا هانقله أنا وكاميليا مراتي. كلنا فصيلتنا واحدة.
الطبيب بإحراج:
ـ بصراحة مش هو ده اللي كنت عايز أقوله لحضرتك. دي مقدمة لحاجات تانية !
قطّب يوسف جبينه وقال باستفهام:
ـ حاجات زي إيه؟
ـ زي مثلًا السبب إنها مش هتقدر تنقل له دم.
يوسف بتهكم:
ـ و إيه السبب اللي يمنعها تتبرع لأبوها بالدم؟
ـ الآنسة نيفين عندها السكر.
يوسف بصدمة:
ـ سُكر؟! إزاي الكلام ده؟ احنا مفيش حد عندنا في العيلة كلها عنده السكر أبدًا.
الطبيب بعملية:
ـ مش شرط إن السكر يكون وراثي، أحيانًا بيكون نتيجة زعل شديد أو فرح شديد، أو نتيجة مرض تاني.
يوسف بنفاد صبر:
ـ مش فاهم تقصد إيه يا دكتور؟ ياريت تتكلم بوضوح أكتر من كده.
الطبيب بتوتر:
ـ الآنسة نيفين عندها مرض وراثي اسمه التليف الكيسي. وده مرض تقدمي بيصيب الرئتين وممكن يسبب مضاعفات، وكمان بيزود فرصة الإصابة بمرض السكري. هو طبعًا مش السبب الأساسي، لكن بيكون عامل مساعد.
يوسف باستفهام:
ـ طب وده فيه خطر على حياتها؟
الطبيب بنفي:
ـ لا مش للدرجة. بس الفكرة إن التليف الكيسي ده مرض وراثي بيصيب الطفل لو كان الأب أو الأم حاملين لنفس الجين المعيب، وفي الحالة دي الطفل بيكون حامل للجين بس، إنما ما تظهرش عليه أعراض. لكن لو ظهرت عليه أعراض، ده معناه إن الأب والأم حاملين لنفس الجين ويؤسفني أقولك إن مراد بيه غير حامل للجين ده.
يوسف بعدم فهم:
ـ إنت لخبطتني يا دكتور إنت عايز تقول إيه؟
الطبيب بتأكيد:
ـ عايز أقول إن نيفين ظهر عليها أعراض المرض ده، وعمل لها التهابات في الرئة، وكان عامل كبير إنها يجيلها السكر، وده معناه إن مراد بيه ووالدة نيفين المفروض يكونوا حاملين لنفس الجين عشان تظهر عليها الأعراض، ومراد بيه غير حامل للجين ده.
هب يوسف من مكانه وقد وصله ما يرمي إليه الطبيب، فقال بجزع:
ـ إنت تقصد…
قاطعه الطبيب قائلًا:
ـ بالظبط. نيفين مش بنت مراد بيه!
يوسف بغضب:
ـ دكتور! إنت واعي للي إنت بتقوله؟
الطبيب بهدوء:
ـ أنا واعي كويس قوي وعارف أنا بقول إيه.
يوسف بشك:
ـ وأتأكد إزاي من كلامك ده؟
ـ هنفترض إن كلامي معاك بنسبة ٩٩٪… وعشان الواحد في المية ده، أنا بقول نعمل تحليل DNA، و وقتها تتأكد.
يوسف بتصميم:
ـ تمام اعمله. نتيجته بتظهر بعد قد إيه؟
ـ في خلال ٣ أيام.
يوسف بحدة:
ـ قبل كده. لازم تظهر قبل كده! والحقيقة لازم تبان. عشان لو الكلام ده صح. يا ويلهم مني!
الطبيب بتفهم:
ـ أنا هحاول أعمل كل جهدي وأجبلك النتيجة في أقرب وقت. أحنا أخدت عينة منها وإن شاء الله مش هطول عليك.
عودة للوقت الحالي
يوسف بتعب:
ـ وفعلًا الدكتور عمل الاختبار وطلعت مش بنت عمي مراد. و أنا كان لازم أتأكد إذا كانت نيفين تعرف ده ولا لا.. عشان كده طلبت منك إنتِ وروفان تعملوا تمثيلية على سميرة بأن نيفين كشفت لي مخططها مع كاميليا، ولما كانت نيفين عندي في المكتب، عرفتها إن مراد هيموت وإنها لازم تساعدني أكشف اللي عمل فيه كده، وفي الوقت اللي كانت عندي فيه، كان مازن دخل الفيلا وقدر يزرع كاميرا مراقبة في أوضة نيفين. لأني كنت واثق إن بعد ما سميرة تسمع الكلام بتاعك إنتِ وروفان هتواجه بيه نيفين، والباقي انتوا سمعتوه وشفتوه.
كانت الدهشة والصمت يخيمان على الجميع، فما حدث وما وقع على مسامعهم ليس بالهين أبدًا. ما زالت العقول عاجزة عن الاستيعاب، والقلوب تشعر بالحزن والألم لما وقع من ظلم على زهرة وابنتها التي كانت تنظر أمامها بعينين تقطران ألمًا. فما حدث مع والدتها سابقًا أكبر من قدرة احتمال البشر. كل ذلك الألم الذي كانت تشعر به لا شيء بجانب المعاناة التي عاشتها والدتها.
تنبهت كاميليا لاقتراب مراد منها، الذي كان فؤاده ينزف ألمًا على حال ابنته وعلى ما حدث معها، وعلى ما سمعته أيضًا عمّا حدث مع والدتها. لم يكن هينًا، فظل يبحث داخل نفسه عن أي كلمات قد يستطيع بها مواساتها فلم يجد، ولا يعرف كيف يطلب منها السماح، فجرمه أكبر من أن يستطيع قلبه احتواءه، فلم يستطع سوى أن يقول بنبرة مكسورة حزينة:
ـ أنا عارف إن كل اعتذارات الدنيا مش هتكفي وجعِك دلوقتي. بس أنا طمعان في قلبك الطيب الحنين إنه يسامحني.
تنهدت كاميليا قبل أن تُطلق ضحكة باهتة ساخرة، ثم قالت بنبرة متحكمة حزينة:
ـ أسامحك؟! ويا ترى عايزني أسامحك على إيه؟! أسامحك على العذاب اللي سببته لأمي من يوم ما عرفتها؟ ولا على اغتـ…
لم يستطع لسانها نطق تلك الكلمة أبدًا، فانهمرت الدموع من عينيها وقالت بنبرة متألمة
ـ أسامحك إنك سبتها تتعذب بسببهم لحد ما ماتت، وسابتني ليهم يسمموا حياتي وإنت واقف تتفرج.
قالت كلماتها الأخيرة صارخة وهي تهبّ واقفة، وقد فقدت كل ذرة تعقّل لديها. تكالبت عليها كل أوجاعها، ولم يعد في قلبها متسع لاحتمال المزيد. فهبّ مراد هو الآخر ليرد عليها، فقاطعه يوسف قائلًا بخشونة:
ـ اهدي يا كاميليا، ووطي صوتك. عمو مراد مكنش يعرف أي حاجة من دي!
تدخلت صفية لتهدئة الوضع، فربتت على كتف كاميليا بحنان وهي تقول:
ـ اهدي يا بنتي. وصلي على النبي هو معقول يعني هيبقى عارف ويسيبهم يعملوا فيكِ كده؟
تدخلت روفان بإندفاع قائلة:
ـ كاميليا من حقها تفهم يا ماما، وإحنا كمان. منين كاميليا بنته وهو ما يعرفش؟! ومنين قالولنا إنه مات وطلع عايش؟! بصراحة أي حد مكانها له حق يتجنن..
نظرة واحدة من يوسف أخرستها، فزاد غضب كاميليا التي قالت بحدة:
ـ إيه؟! زعلان قوي إنها بتدافع عني؟!
يوسف بصرامة:
ـ صوتِك ما يعلاش، وتسكتي لحد ما تعرفي حصل إيه؟
آلمتها نبرته في الحديث معها وظهر ذلك على ملامح وجهها، فغضب يوسف من نفسه ومن حدته معها، وعاتبه قلبه بشدة. لكن الموقف كان على صفيحٍ ساخن، وأخطاؤها الكثيرة كانت لا تزال أمام عينيه، فلم يتجاوز غضبه منها بعد. لذا قال بلهجة حادة بعض الشيء:
ـ عمي مراد ما كانش في غيبوبة زي ما إنتوا كنتوا فاكرين. عمي مراد فاق بعدها بتلات أيام، وطلب يشوفني، وحكالي بعدها عن اللي حصل من سميرة وإن نيفين هي اللي كشفتها.
مراد بحزن مرير
ـ كنت مفكر أنها بنتي و قلبها عليا اتاريها بتخطط عشان تتخلص من سميرة .
تابع يوسف سرد ما حدث من أحداث حين قال
ـ في الوقت دا أنا كنت عارف إن نيفين مش بنته، وقلتله اللي حصل منها مع كاميليا، وهو وقتها ربط الأحداث ببعضها، وحكالي عن موضوعه مع طنط زهرة، وطلب مني نعمل لكاميليا تحليل DNA لأنه شبه متأكد إنها بنته.
كان يطالعها وهو يقول جملته الأخيرة ولكنها تجاوزت نظراته و التفتت للجهة الأخرى ليستطرد قائلًا بخشونة
ـ ولما طلعت نتيجة التحليل واتأكدنا إنها بنته، كنت وقتها عرفت إن نيفين عارفة حقيقتها، و فهمته كل حاجة، وعملنا عليكوا الفيلم دا عشان نكشفهم، وكمان لأن عشيق سميرة كان بعت حد حاول يقتل عمو مراد، ودا كنا متوقعينه، وكان لازم ننيمهم ونحسسهم إنهم نجحوا في اللي بيعملوه عشان نعرف نعاقبهم كويس.
صفية باستنكار:
ـ طب ما هي سميرة هربت، هتعاقبوها إزاي؟
تدخل أدهم بنفاد صبر:
ـ دا شغلنا يا ماما. المهم دلوقتي إن كاميليا حقها رجعلها، وعرفت إنها مش لوحدها، وإن حواليها عيلة بتحبها، وليها أب كمان مستعد يضحي بحياته عشان خاطرها.
قال أدهم جملته الأخيرة وهو ينظر إلى كاميليا نظرة ذات مغزى، فنظرت إليه بتهكم وقالت بنبرة حزينة:
ـ كاميليا أبوها وأمها ماتوا من سنين. دا اللي أنا أعرفه واللي مش عايزة أعرف غيره.
مراد بقهر:
ـ لا أبوكي عايش، ما ماتش. بعترف إني غلطت، بس كنت ضحية للُعبة قذرة اتعملت عليّا، وإلا كان زمانا متجوزين أنا وزهرة وعايشين مع بعض زي الناس كلها. لو كنت أعرف إنها حامل عمري ما كنت طلقتها بس أحمد الله يرحمه كان أناني، واحتفظ بيكِ وبزهرة ليه لوحده.
كاميليا بانفعال:
ـ كلكوا أنانيين مش هو بس. كلكوا مستعدين تدوسوا حتى على اللي بتحبوهم، وما بيفرقش معاكوا حد! كلكوا ولاد رحيم الحسيني، وشاربين قسوته، لا بترحموا حي ولا ميت. أنا مش عايزاكوا ولا عايزة أكون منكوا. انتوا معدومين القلب والإحساس. أنا بكرهكوا.
كانت كاميليا تتحدث بانفعالٍ وقهر جعل الدموع تندفع من مقلتيها بغزارة، وكانت عيناها تتنقل بين مراد وأدهم ويوسف الذي سرعان ما امتدت يداه تطوقانها بحنو، فصارت تبكي بحرقة بين أحضانه. نظر إليها مراد بألم، وصفية وروفان بشفقة، فتحدث أدهم إلى مراد بلهجة خفيضة بعد أن أمسك برسغه وتحركا معًا عدة خطوات:
ـ معلش يا عمو مراد. اللي هي عرفته النهارده ما كانش سهل. اعذرها واديها وقتها.
هز مراد رأسه بقلة حيلة، فاقتربت منه روفان تمسك بيده بحنان، فقال أدهم:
ـ ماما. روحي إنتِ وروفان مع عمو مراد، وأنا هطمنكوا لو في جديد. وخليها هي مع يوسف.
صفية بانصياع لحديث أدهم:
ـ ماشي يا أدهم. طمنونا يا ابني لو في جديد. يلا يا روفان يلا يا مراد.
ذهب الجميع وخلفهم أدهم، وتركوا كاميليا التي ما زالت ترتجف بفعل البكاء بين أحضان يوسف الذي كان يمرر يده فوق شعرها لحنان، محاولًا تهدئتها وهو يقول بحنان:
ـ هششش. أنا جنبِك، اهدي.
ظلت على هذه الحال لعدة دقائق تبكي ضعفها ومعاناتها وصدمتها وماضي والدتها المؤلم، وأخذت جميع المواقف تُعرض أمام عينيها حتى ذلك اليوم بالمشفى. وما إن تذكرت فعلته معها وتخليه عنها بتلك الصورة المُهينة حتى ثار جنونها، وقامت بدفعه بحدّة أصابته بالذهول، خاصة وهي تقول بغضب:
ـ إنت مش قلت إنك هتطلّقني! بتحضني كده ليه؟ أوعى تفكر تلمسني تاني!
لُوهلة صُدِم يوسف من تحولها المفاجئ، لكن سرعان ما تدارك صدمته عندما نطقت بتلك الكلمات التي ذكرته بأخطائها العديدة، لذا قال بغضب وحدّة:
ـ صوتك ما يعلاش وإنتي بتكلميني. عايزة تطلقي؟ حاضر من عنيا. مضايقة أوي إني خدتك في حضني؟ حقك عليا، ها، يا ترى ليكِ طلبات تانية؟ ولا كده خلاص؟
صمت لثوان قبل أن يُقرر السخرية من أفعالها الحمقاء التي تقف سدًا منيعًا بينهم
ـ ولا أقولك! ابقي اكتبيهم لي في جواب هما كمان أصلك بتحبي الجوابات أوي!
نزل حديثه كالصاعقة على مسامعها، فارتعشت شفتاها وزاغت نظراتها، وعلا تنفسها من مغزى كلماته، فلم تستطع الحديث إثر لهجته الحادة وهو يوجه أوامره لأدهم القادم من خلفها:
ـ روح وصلها البيت، وقابلني عالشركة، و وابقي هاتلها مصاصة تتلهي فيها لحد ما أجيب لها المأذون وأنا جاي، ما هي الهانم ما بقاش على لسانها إلا الطلاق!
ـ ماذا؟ هل سخر منها للتو؟ بعد كل ما حدث وما تعرضت له من ضغوطات وأزمات؟ يسخر منها بهذه الطريقة بدل أن يراضيها و يخبرها إنها أغلى شيء في هذه الحياة!
هكذا كانت تظن أنه سيفعل، لكن رد فعله كان أكثر من صادم ومهين بالنسبة لها، أو هكذا صوره لها غضبها الجامح، ولكنه لم يمهلها فرصة للحديث، بل توجه إلى غرفة جده صافقًا الباب خلفه.
نظرت إليه بقلبٍ ينفطر ألمًا، فاقترب منها أدهم قائلاً بنفاد صبر:
ـ أنا بقول نخلع، عشان إحنا فاضلنا تكة ونقابل الوحش، وأنتِ بصراحة دوستي جامد يا كاميليا. ما تتكيش على صبره قوي كده. يوسف عمره ما صبر على حد قدك معرفش إنتِ إزاي مش عارفة تتعاملي معاه لحد دلوقتي؟
كاميليا بغضب وانفعال:
ـ أنا برضو اللي مش عارفة أتعامل معاه؟!
أدهم بهدوء:
ـ بلاش غضبك يسيطر عليكِ. يوسف عمل كل اللي عمله دا عشان يجيب حقك، ويكسرهم كلهم قدامك. إنتِ ما تعرفيش عمل إيه مع نيفين وإنتِ في المستشفى وسيادتك أول ما فتحتي عنيكي طلبتي الطلاق!
نظرت كاميليا إلى الأرض وقد شعرت بأنه على حق، فما همت أن تتحدث حتى قال أدهم:
ـ تعالي نتكلم في العربية وإحنا مروحين، عشان لو خرج ولقانا لسه هنا هيطلع غضبه عليا، وأنا غلبان وعايز أفرح بشبابي، وما إن لاح شبح ابتسامة فوق شفتيها حتى قال أدهم وهو في طريقه للخارج وهي بجانبه:
ـ اه بالله عليكِ فُكيها كده وافردي بوزِك دا، أبو كآبة أهلك يا شيخة دا إنتوا عيلة نكد!
ضحكة خافتة غافلت ذلك جوف الوجع الكامن بداخلها، واستقلت السيارة بجانبه وهي تفكر في حديثه، وبعد دقائق من التفكير المرهق تحدثت بحزن قائلة:
ـ هو أنا طلبت الطلاق ليه؟ ما هو عشانه، عشان محدش يعايره بيا ولا يقوله كلمة وحشة بسببي. دا جزائي يعني؟
أدهم بحنق:
ـ آه، جزائكِ. عشان هو ما طلبش منك دا. بأي حق تقرري عنه؟! هو واحد بيحبك وغاوي تعب يا ستي. بتحلقي عليه ليه؟ سيبيه ياخد قراره بنفسه. هو مش عيل صغير، دا شحط طوله مترين! إنتِ اللي بتاخدي القرارات عنه دي حاجة تغيظ والله!
كاميليا بانفعال:
ـ أنا بردو! أمال هو بيعمل إيه! دا بيتحكم في الهوا اللي بتنفسه!
أدهم بتهكم:
ـ تصدقي فعلاً هو غلطان، وبعدين ما هو كل ما يسيبك بتبوظي الدنيا، وكل ما تتزنقي تسبيله جواب وتمشي! إيه حكاية الجوابات في عيلتكوا أنا عايز أفهم!
كاميليا بتوتر:
ـ أعمل إيه؟! ما أنا بخاف أواجهه. إنت بتشوفه بيكون عامل إزاي في غضبه!
أدهم بسخرية:
ـ آ إنتِ هتقوليلي على غضبه! سيادتِك تحضري الوحش، وإحنا اللي نلبسه! وما أقولكيش آخر فسادة ليكِ عمل فينا إيه؟ وهديناه إزاي!
كاميليا بحزن:
ـ والله يا أدهم ما أقصد أنا بحبه أوي، ومقدرش أعيش من غيره، ودا أكتر سبب بيخليني أتصرف بغباء.
أدهم باستنكار:
ـ وعشان بتحبيه بمناسبة ومن غير مناسبة بتطلبي الطلاق؟! يا كاميليا ما ينفعش كده! إنتِ لو حطيتي نفسك مكانه، وكل حاجة يقولك: هطلّقك هتزعلي، وتحسي إنه بايعك صح ولا أنا غلطان؟
كاميليا بإذعان:
ـ صح بس.
قاطَعها أدهم قائلاً بحزم:
ـ ما بسش يا كاميليا. أنا مقدر ظروفك واللي إنتِ فيه ومريتي بيه. بس لو بتحبي يوسف صح صلحي غلطك معاه، وخليه يحس إنك جديرة بيه فعلاً وإنك مش عيلة صغيرة أي حد يقولها كلمتين تجري تعيط. يوسف فعلاً جايب آخره.
كاميليا بحزن:
ـ عندك حق.
**************
كانت كارما تنظر إلى ساعتها بغضب، فهي تجلس منذ نصف ساعة تنتظر وصوله على أحر من الجمر، وها هو يتأخر عليها كل هذا الوقت بعد أن تركها لمدة عشرة أيام متواصلة دون خبر. يأتي الآن ويتركها تنتظر دون أي احترام لمشاعرها، وما أن همت بالمغادرة حتى فوجئت بذلك الطبيب الذي أتى يجلس أمامها دون استئذان، فنظرت إليه باشمئزاز وغضب ثم قالت بحدة:
ـ إيه قلة الذوق دي؟ أنا أذنتلك لك تقعد؟
نظر إليها رامي بتوتر وقال بندم:
ـ أنا آسف يا آنسة كارما، بس في كلمتين لازم أقولهم لك وهامشي على طول.. مش هاخد من وقتك كتير.
كارما بامتعاض:
ـ بسرعة لو سمحت عشان ماعنديش وقت..
تحمحم رامي وقال بهدوء:
ـ حاضر. أولًا عايز أعتذر لك وأعتذر لوالدتك ولغرام عالغلط الكبير اللي غلطته في حقها.. أنا والله ماكنتش أقصد بس الزفت اللي اسمه أدهم ده استفزني أوي وو
قاطعته كارما بغضب وقالت بحدة:
ـ أنا مش عايزة مبررات سخيفة مش هقبلها. أدهم مقلكش تغلط في ناس ماشُفناش منهم حاجة وحشة.
رامي بغضب:
ـ مقاليش بس استفزّني. أصلًا وجوده حواليها من البداية مستفزني، وكمان كرامتي وجعتني بعد ما غرام فسخت خطوبتما بالطريقة دي.
نظرت إليه كارما بسخرية ثم قالت:
ـ البداية؟ تعال نرجع للبداية كده.. انت كنت من الأول عارف إن أدهم وغرام بينهم حاجة ومع ذلك اتقدمت لها، وبرضه لما خطبتها حسيت إنها مش ميالة ليك وكنت عايز تستمر معاها، يبقى ماتجيش تقول كرامتي! عشان محدش داس على كرامتك غيرك لما قبلت تبقى طرف تالت في العلاقة.
أصابت كارما عمق الحقيقة، فشعر بالخجل من الموقف الذي أقحم نفسه فيه ومن تلك المنافسة الغبية التي لم تضف إليه بل أخذت من كرامته. لكن جاء حديث كارما التالي كالقلم الذي تلقاه ليعيده إلى صوابه:
ـ كلنا بنغلط يا دكتور رامي، وغرام غلطت، بس غرام عيلة وطايشة. لكن انت كبير، وغلطة الكبير كبيرة أوي، وأعتقد إنك عرفت معنى كلامي إيه.
رامي بارتباك:
ـ عندك حق. أنا بكرر اعتذاري، وأوعدك إني مش هحاول أقرب من غرام تاني. وشكرًا إنك سمعِتيني. عن إذنك.
ما إن أنهى رامي حديثه حتى فوجئ بذلك الذي انقض فوقه وهو يقول بغضب جحيمي:
ـ ده أنا هخليك تعتذر باقي عمرك يا روح أمك.
★★★★★★
وصل أدهم إلى القصر، وترجلت كاميليا من السيارة بعد أن تمتمت ببعض عبارات الشكر وتوجهت إلى الداخل. فما إن خطت قدمها بضع خطوات حتى تذكرت كل تلك الأحداث السابقة وما علمته عن معاناة والدتها، حتى زارت مخيلتها بعض من مقتطفات الماضي وهي تستمع إلى تعنيف والدتها بسبب وبغير سبب، وتلك الدموع التي كانت دائمًا في عينيها والتي تدحرجت الآن من مقلتي كاميليا حزنًا ووجعًا. مع كل خطوة كانت تخطوها كانت تشعر وكأن هناك يدًا من حديد تقبض على صدرها، ولأول مرة في حياتها كانت تخطو تلك الخطوة. فتوجهت إلى غرفة جدها وأخذت ما تريده، ثم اتجهت إلى ذلك النظر الذي كانت تتمنى لو تخطو إليه منذ رحيل والدتها، لكن تلك القوة المتجبرة الكامنة في سكان ذلك القصر كانت تمنعها من التفكير حتى، ولكن اليوم لن يستطيع أحد منعها من الاقتراب من غرفة والدتها، واضعة المفتاح في القفل، لتشاهدها صفية من بعيد بقلب يقطر ألمًا وهي تفتح الباب على مصراعيه وتدخل إلى غرفة بها نسيم عذب يحمل رائحة كانت تتمنى لو يعود الزمن بها للحظات حتى تستمتع باستنشاقها وتمتلئ رئتيها بذلك العبير الرائع الخاص بوالدتها التي لطالما كانت رقيقة ناعمة كالورود التي تهواها وتقوم برعايتها.
خطت كاميليا عدة خطوات للداخل، وأخذت تنظر حولها بشوق بلغ ذروته وقلبٍ قد أضناه الوجع والقهر. فتوجهت إلى كل ركن في الغرفة تتلمسه بأناملها وتسقيه بدموعها التي كانت كالأنهار، إلى أن استقرت عند الخزانة التي كانت تحمل رائحة والدتها الحبيبة. فامتدت يداها تمسك ذلك الثوب الربيعي الملون بأزهاره الحمراء الرقيقة التي كانت والدتها تفضل ارتداءه، فقد كانت تشبه البدر عندما ترتديه.
قامت بتقريب الثوب إلى قلبها تستنشق رائحته بعمق وكأنها تملأ روحها من عبيره العذب، وصارت تبكي وتبكي بحرقة وألم. وكان صوت بكائها يتقطع له قلب صفية التي كانت تقف بالخارج تاركة لها المساحة للتعبير عن حزنها واحترام ذكرياتها. وكانت روفان ومراد ينظران إليها عند باب الغرفة بألم وشفقة. وما إن عزم مراد الأمر بأن يدخل إليها حتى أمسكت صفية بيديه تسحبه بعيدًا وهي تقول:
ـ سيبها يا مراد. خليها لوحدها، هي محتاجة دا.
مراد بانصياع
ـ أنا عارف بس قلبي واجعني عليها.
صفية بأسى
ـ كلنا قلبنا واجعنا عليها. بس لازم تاخد وقتها وتستجمع نفسها.
تدخلت روفان في الحديث بغضب:
ـ يعني نسبها تموت نفسها من الزعل والحزن يا ماما؟!
صفية بحدة:
ـ بعد الشرّ عنها. كاميليا قوية ولازم تكتشف ده بنفسها وتقدر تقف على رجليها لوحدها.
روفان بسخرية:
ـوهي في الحالة دي! ماظنش. أنا هكلم يوسف ييجي وهو اللي هيقدر يخرجها من اللي هي فيه.
صفية بغضب وصرامة:
ـ إياكِ يا روفان تكلميه وإلا هتشوفي هاعمل فيكِ إيه. سيبوا البنت تساعد نفسها شوية.
روفان بغيظ مكتوم:
ـاللي تشوفيه يا ماما.. عن إذنك.
هبطت روفان من على الدرج وهي ترغي وتزبد من شدة الغضب، إلى أن خرجت إلى الحديقة وجلست على الأرجوحة وشبكت ذراعيها بغضب طفولي وهي تنظر أمامها غير مبالية بذلك الذي كان في طريقه إلى باب القصر، فوجد ملاكه الغاضب ، والذي كان وكأن السماء أرسلته في هذا الوقت ليوفر عليه عناء البحث عن الحجج والأعذار الواهية، فتوجه إليها فوجدها غاضبة بشدة وتتفوه بأشياء غريبة جعلت الابتسامة تشق طريقها إلى شفتيه، فاقترب منها وانحنى بجانب رأسها قائلًا بلهجة خافتة مداعِبة:
ـ القمر بتاعي مين مزعله؟
ما إن سمعت روفان صوته حتى هبت من مكانها لتصدم من حقيقة وجوده التي جعلت دقات قلبها تدق بعنف من كلماته الممزوجة بأنفاسه العطرة التي داعبت أسفل عنقها منذ لحظات، فخرجت الكلمات من شفتيها بتلقائية أضحكته:
ـ انت هنا بجد ولا انت عفريت ولا إيه؟!
صُدِم علي من حديثها وأطلق ضحكة جميلة جعلتها تنظر إليه ببلاهة من كتلة الوسامة تلك، والذي لاحظ نظراتها إليه فقال ممازحًا:
ـ عفريت! بقى أنا عمال أحضر بقالي أسبوع إني أقابلك عشان أول ما تشوفيني تقولي عليّا عفريت! أمال أنا أقول عليكِ إيه!
حاولت روفان لملمة شتات نفسها بصعوبة وقد تذكرت موقفه وما حدث في المشفى، فحاولت السيطرة على دقات قلبها الهادرة وارتدت قناع القوة الواهية وهي تقول بغضب:
ـ هو في حد ينط لحد كده ويخضه بالطريقة دي؟ وبعدين إيه أقول عليكِ إيه دي؟ شايفني إيه قدامك؟
علي بنبرة عاشقة:
ـ جِنّية..
روفان باستنكار:
ـ جنّية !
تقدم علي منها خطوتين بل أن يغازلها بلهجة خافتة مثيرة:
ـ جنّية جميلة خطفت قلبي من أول يوم شفتها فيه وهي لسه بضفاير، وخلته يقعد السنين دي كلها مش شايف حد غيرها، لحد ما قابلها تاني ويومها حس إنه أخيرًا اتقابل مع نصه التاني، وحلف عليا يومها ما يسكنه حد غيرها، وهو اللي جابني لحد هنا عشان أعترف لك.
كانت روفان تنظر إليه كالبلهاء، فقد أفقدتها روعة كلماته وعذوبتها السيطرة على نفسها، بل جعلتها تنعزل عن العالم واحتجزتها في عالم وردي لا يوجد أحد به سواه، فقد شعرت بالفراشات تطير في معدتها، وأن قدميها قد أصبحتا رخوتين غير قادرتين على حملها، لتتماسك بصعوبة أمام غزوه الضاري. وقد زحفت حمرة الخجل إلى وجهها وهي تقول له بلهجة خافتة:
ـ يعترف لي بإيه؟
علي بعشق تجلى في نظراته وملامحه:
ـ إنه بيعشقِك.
لم تستطع روفان الحديث للحظات، فأي حديث يمكن أن تقوله؟ فقد كانت تلك اللحظة أروع لحظات حياتها حين أتاها فارسها الوسيم ليختطفها بكلماته الرائعة إلى أرض الأحلام التي لطالما كانت تتمناها معه. فلما لم تجبه، ارتسمت ابتسامة بسيطة فوق شفتيه وقال بلهجة هادئة:
ـ أنا مش مستني منك رد، عشان كلام عينيكِ يكفيني. أنا بس عايزِك تكوني واثقة فيا، وماتخافيش من أي حد وأنا موجود، عشان صدقيني مفيش حاجة في الدنيا تقدر تمنعني عنك غير الموت. أنتِ ليا من زمان أوي، وأنا فعلًا ما صدقت لاقيتِك، وعمري ما هفرط فيكِ أبدًا.
كانت تلك اللحظة أكبر من أحلامها بكثير، لحظة تجاوزت كل حدود الدهشة والفرح؛ حتى شعرت وكأن قلبها يعجز عن احتواء ما اجتاحه من بهجة غامرة. فانهمرت دموعها عفوية، صافية، تتساقط من عينيها كحبات لؤلؤ انفلتت من عقدٍ ثمين. كانت دموع الفرح الأولى التي تلامس روحها بهذا العمق، دموعًا تدرك في اللحظة ذاتها أنها ستظل عالقة في ذاكرة العمر لن تنساها ما حييت، والتي تبعتها ابتسامة عذبة رقيقة صادقة ارتسمت فوق شفتيها وهي تقول برقة:
ـ علي.
ـ بحبّك.
قالها علي بصدق نابع من قلب خَر صريعًا في عشقها وأعلن رايته مستسلمًا لسحرها بكل رحابة صدر، ليتبع اعترافه الرائع بتلك الكلمات التي زعزعت قلبها من مكانه:
ـ حقك عليا إني اتأخرت كل ده عشان أعترف لك باللي جوايا. بس صدقيني، كان نفسي أقولك الكلام ده وإنتِ مراتي عشان يكون من حقي أسمع منك رد. بس معلش، قريب أوي هاسمعه، عشان قريب أوي إن شاء الله هتكوني ليا.
ـ روفان. يا روفان.
لم يتسنَّ لها الرد أو حتى استيعاب معنى كلماته الرائعة، فجاء نداء عمها الذي عينيها تبرق من شدة الذُعر عندما اقترب منها قائلًا بحدّة طفيفة:
ـ أنتِ بتعملي إيه عندك؟ ومين ده؟
توقف مراد للحظة قبل أن يقول باعتذار:
ـ أهلا يا علي. معلش معرفتكش من ضهرك.
علي باحترام:
ـ ولا يهمك يا عمو. حضرتك عامل إيه؟ وصحتك عاملة إيه دلوقتي؟
مراد بذوق:
ـ الحمد لله تمام.
علي باعتذار:
ـ أنا آسف إني جيت من غير معاد. بس كنت عايز يوسف وهو مابيردّش على موبايله، فاضطريت أجي على هنا، وكنت لسه بسأل الآنسة روفان عنه.
مراد بحزن لم يستطع إخفاءه:
ـ يوسف مع بابا في المستشفى. أصله تعبان شوية.
علي بمجاملة:
ـ لا ألف سلامة عليه. ربنا يشفيه. طب تمام، أجيله وقت تاني.
لمعت عينا مراد بفكرة ما فقال بلهفة:
ـ بقولك إيه يا علي. أمك قصدي والدتك في البيت؟
علي بغيظ حاول كتمه:
ـ آه، أمي في البيت، في حاجة؟
مراد بنفي:
ـ لأ مفيش، كنت عايزها في موضوع كده. بقولك إيه، لو مروح خدني معاك.
علي وقد تذكر شيئًا فقال بتوتر:
ـ لأ معلش، أصل ماما في الوقت ده بتكون نايمة، أصلها تعبانة شوية.
مراد بنفي:
ـ لأ نايمة إيه؟ تصحّي! ده موضوع حياة أو موت. تعالى بس، أنا هقولك.
قام مراد بجذب علي من يده، والذي التفت لروفان قائلًا بلهفة، يتبعها غمزته التي جعلت وجنتيها تتلونان بحمرة الخجل:
ـ عن إذنك يا آنسة روفان.
ما إن اختفى علي برفقة عمّها، حتى وضعت روفان يدها فوق قلبها وظلت تدور حول نفسها وهي تقول بأنفاس مقطوعة:
ـ لا قلبي هيقف. مش مصدّقة نفسي. أنا أكيد بحلم. لأ بحلم إيه! دي حقيقة، وأحلى حقيقة كمان. أنا لازم أقول للبِت كاميليا.
وما إن اندفعت إلى الداخل حتى تسمرت قبل خطوات من مدخل القصر وقالت بخيبة أمل:
ـ لا كاميليا إيه! دي متنيلة بنيلة فوق! لا أنا مينفعش أسيبها كده. والله لأنا قايلة ليوسف واللي يحصل يحصل..
وبالفعل هاتفت يوسف الذي كان في اجتماع هام في الشركة، والذي كان قد هاتفها قبل أن تصل كاميليا يطلب منها أن تخبره إذا ما تعرضت لأي شيء. فبالرغم من غضبه منها، إلا أن قلبه كان يؤلمه عليها كثيرًا من كل تلك الأشياء التي حدثت مؤخرًا. وما إن وجد رقم روفان على الهاتف حتى رد سريعًا، لتصدمه بما قالته، فقام بإنهاء الاجتماع على الفور متوجهًا إلى القصر، مما جعل أدهم يشتعل غيظًا وغضبًا منه نظرًا لأهمية وخطورة هذا الاجتماع الذي سيتحدد به مصير الشركة التي أصبحت على مشارف الإفلاس إن لم تنجح خطتهم.
قاد يوسف سيارته بسرعة جنونية حتى وصل إلى القصر بوقت قياسي، وترجل منها واندفع إلى الداخل متوجهًا إلى حيث يأخذه قلبه. إليها، وما إن همّ بالوصول إلى مبتغاه حتى امتدت يد صفية تمنعه من الوصول إليها، فنظر إليها يوسف بغضب قائلًا باستفهام:
ـ في إيه؟
صفية بصرامة:
ـ رايح فين؟
يوسف باختصار:
& سؤال معروف إجابته! إيه لازِمته؟!
صفية بهدوء:
ـ ولحد إمتى؟
يوسف بامتعاض:
ـ يعني إيه لحد إمتى؟ مش فاهم؟
صفية بنفاد صبر:
ـ لحد إمتى هتفضل تخليها تعتمد عليك؟ لحد إمتى هتدخل في كل كبيرة وصغيرة تخصها؟ لحد إمتى مش هتسمح لها يبقى ليها شخصية مستقلة؟ هتفضل تظلمها وتمنعها إنها تكبر لحد إمتى؟
تصاعد غضب يوسف كثيرًا من اتهامات والدته المبطنة وقال بحدة:
ـ أنا ظالمها ومانعها من كل ده!! ده جزائي عشان بمارس حقي الطبيعي في حماية مراتي والبنت اللي المفروض تخصني؟! أبقى ظالم في رأيك؟ هو ده الظلم؟!
صفية بحدة مماثلة
ـ آيوه تبقى بتظلمها لما تخليها عاملة زي التايهة من غيرك.. امتى هيبقى ليها شخصية وتعتمِد على نفسها وتبطل الهروب دا اللي إنت بأسلوبك دا السبب فيه؟
يوسف باستهجان
ـ أسلوبي ولا ظلمكوا! كنت أسيبهم يظلموها ويعذبوها زي ما عملوا مع أمها! أسيبهم لحد ما كانوا يموتوها عشان أبقى صح؟!
صفية بغضب
ـ كاميليا قوية بس هي للأسف اعتمادها عليك مخليها مش شايفة دا ولا لمساه.. سيبها تاخد الصدمة اللي بدل ما تموتها تقويها. سيبها تواجه مرة واحدة في حياتها.
يوسف بغضب بلغ ذروته ويأس تملكه
ـ لما أبقى أموت ابقى أسيبها تواجه كل حاجة. إنما أبقى ملعون ألف مرة لو أعرف إنها بتتعذب ومكنش جنبها.
تدخل أدهم الذي وصل للتو قائلًا بتعقل
ـ ماما عندها حق يا يوسف.. كاميليا لازم تقوّى عن كدا شوية، واديك شوفت أي مشكلة أول حاجة بتتنازل عنها انت.
آلمته كلمات أدهم في الصميم، لكنه حاول مُداراة ألمه قدر الإمكان، حتى تدخلت روفان التي قالت بأسف:
ـ للأسف أنا اقتنعت بكلامهم. كاميليا فعلًا شخصيتها ضعيفة ومهزومة ويمكن اللي حصل دا يخليها تقوّى شوية.
نظر يوسف إلى ثلاثتهم وقد اشتعلت الصراعات داخله ونهشت الحيرة جدران قلبه الذي تغلّب عليه أخيرًا، فقال بصرامة وبلهجة لا تقبل الجدال:
ـ محدّش يدخل بيني وبين مراتي. أنا عارف هتعامل معاها إزاي، وإن كنتوا شايفين إن شخصيتها ضعيفة ومش عاجباكوا فهي عاجباني أنا، وأنا هعرف أقوّمها وأقويها إزاي.
صمت لثوان قبل أن يقول بنبرة جافة
ـ ومن هنا ورايح محدش يراجعني في قرار باخده.. اتفضلوا كل واحد على أوضته.
لم ينتظر يوسف سماع كلمة أخرى، بل اندفع بكل ما يعتمل بداخله من ألم وقلق وحزن إلى الداخل ليُصدم مما رآه
•تابع الفصل التالي "عشق بين حنايا الروح" اضغط على اسم الرواية