رواية صياد النايا الحانا الفصل الرابع 4 - بقلم اية العربي
بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيموَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وكُن مِنَ السَاجِدِينْ واِعْبُد رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينْ .اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين وأهل السودان وسائر بلاد المسلمين ، اللهمكن لهم عونا اللهم إنا لا نملك لهم إلا الدعاء فانصرهم وثبتهم ووحد صفوفهم يارب العالمينالفصل الرابع من رواية ❤♡♡صيّاد النـايـا * آل حـانَـا *♡♡❤ بقلم آية العربي(ماتنسوش التفاعل على الفصل يا غاليين الرواية تستاهل وانتوا طيبين وكلكوا كرم)العدو يجعلك أقوى ، فلا يتذوق طعم النجاح مَن لا عدو له .عدوٌ غامض يجب أن تبصره دون أن تراه ، وعدو ظاهر وهو أكثرهم قربًا لقلبك ، لأنك ستصبح المتحكم في وضع الحدود بينكما ، فهل أنت على استعداد أن تزيل هذه الحدود وتخطو نحوه خطوة جسورة ليراك عن قرب !!!آية العربي❈-❈-❈كانت تغط في نومها حينما اقتحم شقيقها غرفتها بخفوت وأسرع يوقظها ، فتحت عيناها تطالعه بنعاس وحينما وجدته يئن انتفضت تحدق به حتى لمحت دماءه فشهقت فأشار لها بألا تصدر صوتًا ونطق :- في رصاصة في رچلي ، ولازمًا تخرچيها .وضعت كفها على فمها في صدمة ثم تساءلت وهي تترجل وتتفحص قدمه :- عملت إيـــــــــه يا أيوب ؟ ومين اللي عمل فيك إكده ؟ وحنطلعها كيف دي ؟نطق وهو يتألم ويتمنى في آن :- حارس ولد عبد الوهاب ضرب عليا رصاصة بعد ما ضربت عمار في صدره ، ادعي نسمع خبره بكرة الصبح وماينجيش منيها.لم تعش الفرحة المنتظرة نسبةً لجرح شقيقها المتألم ، فنظرت له لبرهة ثم أسرعت تبحث عن رباطٍ لتمنع نزيفه ثم اعتدلت تطالعه بملامح متجهمة فنطق متعجبًا من بين أنينه :- مفرحتيش يعني ، جرالك إيه عاد ؟لم تحسب حساب اليوم التالي للانتقام ، دومًا كانت تُغيّب عن عقلها هذا التفكير ، فقط كل ما تريده هو دفن عمار تحت الورى كما دُفن شقيفها الغالي ، لذا نطقت معنفة بتخبط :- افرح كيف وانت راچع متصاب ! ورايح تخلص عليه وسط حراسته ؟ افرض كانوا صفوك ؟ مش جولت لي في راسك خطة ؟قلب عينيه بضيق ثم لوح بيده يقول بثقل وأنين :- طب روحي شوفي أي حاچة نطلع بيها الرصاصة دي جبل ما جدي يصحى .نظرت له بغيظ ونطقت موبخة :- أي حاچة كيف ؟ هي إزازة عاد ؟ أني رايحة أنادي يونس .لم يعلق فألمه بات يشتد بينما هي التقطت حجابها وتحركت مسرعة نحو الخارج تتمتم بضيق وتفكر ، هل بالفعل قتله ؟ هل سيُشفى غليلهم بعد كل تلك السنوات ؟ تنهدت بتمني وخطت نحو غرفة يونس ابن عمها بملامح متجهمة وطرقت الباب بخفوت لتوقظه وتشركه في الأمر ، فهو الوحيد هنا الذي سيسعفها في هذا الوقت ، لذا فهي مجبرة على ذلك .طرقت بابه وانتظرت ففتح يطالعها بنعاس مستفهمًا ومتعجبًا من مجيئها في هذا الوقت :- خير يا فرحة ؟ في حاچة ؟نظرت له بريبة دامت لثانتين قبل أن تنظر حولها ثم عادت تردف بخفوت :- أيوب اتصاب في رچله بطلجة وبتنزف دلوك ، لازما نتصرف جبل ما چدي يصحى .تجهمت ملامحه وتبخر نعاسه يستفسر :- اتصاب كيف ؟ ليكون عمل عملة سودة على دماغه ؟لوت فمها ونطقت بعجالة وهي تحثه على الحركة :- تعالى معايا شوفه الأول يا يونس وبعدين ابجى اعمل فيه اللي إنت رايده .أسرع يتحرك معها ويستغفر ربه من أفعال ابن عمه الصبيانية الذي لن يهدأ حتى يفتعل المصائب .دلف الغرفة ينظر نحوه ليجده في حالة يرثى لها ، لذا أسرع يتفحص قدمه وحينها نهض نظر إلى فرحة قائلًا بتهكم منهما :- لازمًا طبيب ، خليكي كاتمة النزيف وأني هروح أچيب الدكتور ، ومش چدي بس اللي حيعرف ، ده النچع كله حيعرف بسبب غباء أخوكي .قالها موبخًا وتحرك يغادر الغرفة ووقفت تنظر لشقيقها الذي أصبح متعرقًا بشدة والآه تخرج من فمه مكتومة لذا أسرعت تحضر رباط آخر وانحنت تلفه على ساقه وتعقده بقوة كي تهدئ من سرعة النزيف وهي تتساءل بصمتٍ ظاهري وصخب داخلي ، ماذا سيحدث الآن ؟❈-❈-❈لم تمر ساعة إلاّ واجتمعت العائلة بأكملها في المشفى عدا مهران الذي مازال في رحلته ، دلف عمار غرفة العمليات على الفور ، وجميعهم يقفون ينتظرون خروجه ، وبالطبع أشدهم حزنًا كانت صابحة التي تنتحب وتميل على زوجها قائلة بعدما أكد لهما علي أن الفاعل هو أيوب آل حامد :- شوفلك حل يا عبد الوهاب، أني ماجدراش اتحمل نار ولدي ، اتصرف وانهي التار ده بأي تمن ، لو طلبوا أروح أحب على يدهم ورچليهم أني موافجة ، بس ولدي يرتاح من الهم ده ، مش مكفيهم عمره اللي بيضيع وهو مراضيش يكمل حياته كيف الخلج ، اللي بيُحصُل ده حرام .ربت على كتفها ونطق بنبرة قوية وتعهد :- وحدي الله يا أم مهران ، يخرچ بس عمار بالسلامة وهيبجى لينا حديت تاني مع الحاج زيدان ، لازمًا يوجف ولد ولده عند حده .تحدث جابر بنبرة هجومية غاضبة :- هيوجفه بعد ما يموت أخوي ؟ وعلى إيه مانا أروح أطخه عيارين في نص راسه أجيب أجله وخلصنا .رفع عبد الوهاب نظره يحدجه بحدة ونطق موبخًا :- بلاش حديت مالوش عازة ، مش وجتك انت التاني ، ماتخلنيش أجول يا خسارة العلام فيك ، هنحل مشاكلنا بالجتل إياك !صمت جابر ولف وجهه للجهة الأخرى يكظم غضبه ، فالتفت عبد الوهاب للجهة المعاكسة ليجد ابنته تقف بعيدًا ، باكية تحتضن نفسها بذراعيها ، تنظر لهما وبرغم ذلك تبتعد عنهما ، وكل ما يشغل عقلها هو شقيقها عمار لذا نطق يوجه حديثه لابنه :- روح شوف اختك وطمنها .التفت جابر تلقائيًا ينظر نحو شقيقته فوجدها في حالة يرثى لها ،ترتعش وتبكي بنحيب ، لذا تقدم منها وتنفس بعمقٍ ليهدئ من نفسه حتى وصل لها وحاوط كتفها يردف بحنانٍ مستتر يناقض نبرته وغضبه القائمان :- متخافيش عاد ، عمر الشجي بجي ، هيبجى زين وهيطلع دلوك .طالعته لثوانٍ ثم نطقت بتلعثم وهي تجاهد للتحكم في رعشتها :- أني حلمت باللي حُصل يا چابر ، شوفت عمار وهو بينضرب بالنار من يومين ومارضيتش احكي لحد واصل ، أني خايفة جوي يا چابر .احتواها بحنين وشرد يفكر بعد تنهيدة قوية ثم نظر نحو غرفة العمليات يتمنى لو يخرج منها أي أحد ويطمئنهم لتهدأ أفئدتهم على عمار ، ولكنه تعهد لو أصاب شقيقه مكروه ستعاقب عائلة آل حامد جميعها .❈-❈-❈جلس نوح خلف مكتبه ينظم محاضراته في غرفته ، انشغل عقله بتلك الفتاة الصامتة ، لا تحاول بأي شكل التودد أو التقرب منه على عكس غيرها ، ولكن نظراتها تكشف أمرها .في النهاية هو مُعلم ، تعامل مع طالبات غيرها ويعلم كيف تفكرن وتتعاملن ، لذا يؤكد أنها مختلفة ، خجولة في زمن قل فيه الحياء ، يجد نفسه دومًا رغمًا عنه منجذبًا إليها ويفكر بها .لقد تعهد ألا يرتبط إلا بعدما يطمئن على شقيقته ، ومع مشاعره هذه يخشى أن يصبح أنانيًا ، ويخشى إن لم يفعل فتذهب تلك النادرة من بين يديه .هي تمتلك الصفات التي يريدها ، وحينما تحرى عنها وعن عائلتها تأكد أنهم أُناسٌ ذوو خلق ، حتى حينما تحضر مع الطلبة دروس الأونلاين تكون كنسمة مرت خفيفة أنعشت روحه وغادرت دون أن تصدر صوتًا .تنهد بحرارة لينتبه على طرقات على باب غرفته فسمح بالدخول لتدخل ريم تطالعه بابتسامة وهي تتجه وتجلس أمامه قائلة بتوتر بدا على ملامحها :- كنت عايزة أسألك عن حاچة .ولاها اهتمامه وتكتف يعيد ظهره للوراء تاركًا ما في يده وأومأ لها ينطق بترقب :- اتفضلي .نظفت حلقها ثم نطقت بتروٍ ظاهري :- إنت تعرف عيلة آل حانا كويس ؟قطب جبينه متعجبًا وعاد يستند بكفيه على مكتبه ويرنو منها قليلًا مستفهمًا :- اشمعنى يا ريم ؟ بتسألي عنهم ليه ؟هزت كتفيها وأبعدت أنظارها تجيب :- أصل فيه شاب چه عندنا في الشركة وبيقول إنه ابن الحاچ عبد الوهاب آل حانا ، كان عايز يقابل مستر معتز ويتكلم معاه عن حاچة في الشغل ، تقريبًا عايزه يساعده لإنه ناوي يفتح شركة برمچة ، طبعًا مستر معتز مكانش موچود بس لما كلمته وقلتله حسيته اضايق چدًا على عكس ما التاني ده حكالي انهم اصحاب وكده ، حتى معتز طلب مني أخلى الأمن يمنعوه يدخل الشركة تاني ، فأنا استغربت وقلت اسألك لو تعرفهم عن قرب ، لإن أنا اللي أعرفه عنهم إنهم ناس كويسين چدًا .شرد نوح يفكر قليلًا يحك ذقنه ثم مط شفتيه يجيب :- أنا أعرف مهران و عمار واسمع عنهم كل خير ، بس چابر ده أكيد أخوهم التالت اللي كان مسافر ، الصراحة ماعرفوش ، يمكن فيه بينه وبين معتز تاتش ولا حاچة ، إنتِ شاغلة بالك ليه يا ريم ؟ اعملي كيف ما معتز قال وخلاص ، هو حر .استندت على المكتب تجيبه بعفويتها مستنكرة ما يقوله :- إزاي يعني يا نوح ؟ إنت تعرف عني اكده ؟ واحد طالب مساعدتنا ولسة بيبدأ طريقه وبيفتح شغل جديد ليه ، إزاي مانساعدوش ؟ لعلمك دي مش أصول الصعايدة واصل .يعلمها جيدًا ويعلم حماسها تجاه أي شيء متعلق بالبرمجة ، تحب أن تعطي طاقةً مضاعفة وتستكشف المزيد في هذا المجال ، وتعشق مساعدة الغير ومد يد العون في ما تستطيع فعله ، ولكن هذه الصفات أحيانًا توقعها في مشاكل لذا نطق وهو يباغتها بنظرات محذرة :- وافرضي وقعتي نفسك في مشاكل ؟ مالك إنتِ ومال مساعدته؟ هو طلب من معتز مش منك، ماتعرفيش تخليكي في حالك أبدًا !طالعته بعتاب ونطقت بعبوس زائف :- إنت غلطان على فكرة يا نوح ، أنا في حالي چدًا ، وعلشان كده أنا چيت اسألك عنه الأول ، لو يعني حد كويس ورايد مساعدة يبقى ليه لاء ؟ نساعده وكله بثوابه .أجابها بنبرة ثاقبة وتحذير دون ضغطٍ :- طيب أنا معرفوش يا ريم ، والأفضل تعملي اللي معتز قالك عليه ومالكيش صالح بالحوار ده ، هو لو عايز مساعدة يقدر يطلب من كذا حد غير معتز ، وبس كده .زفرت ثم أومأت بهدوء تخفي خلفه شغفها في معرفة تفاصيل عن چابر الذي منذ ذلك اللقاء وهو يشغل عقلها حتى جعلها تبحث عن وسائل تواصله وأخباره ، خاصة بعد رفض وضيق معتز من زيارته ، أخذها فضولها لمعرفة الكثير عنه وحينما فشلت ووجدته يغلق جميع حساباته جاءت لتسأل شقيقها ، ولكنها ستعلم ، لن تبقى ريم البسيوني إن لم تبحث عنه وتعلم الكثير .ناداها شقيقها مترقبًا بقلقٍ :- سرحتي في إيه يا بنت أخوكي ؟نظرت له وابتسمت تنهض وتردف :- ولا حاچة ، هروح أعمل فنچانين قهوة وارچع ارغي معاك ، چهز حالك وخد حباية الصداع .قالتها وضحكت تتحرك للخارج بعفوية وجلس يتتبعها بنظراته ويهز رأسه بقلة حيلة والقلق لم يتركه من ناحيتها ، فهو المسؤول عن سلامتها وسلامة والدته ويجب أن يكون واعيًا لكل شيء يحدث .هو يتخذها صديقة ، واعتادت هي على ذلك كما اعتادت على السهر معه وشرب القهوة والثرثرة بعدما تنام والدتها ، نوح بالنسبة لها عالمها الصغير ..❈-❈-❈ذهب الجميع إلى المشفى وظلت هي بمفردها مع صغيرها في القصر .زوجها في رحلته ، حتى إن وُجد فمن المؤكد ستعيش الشعور ذاته ، الوحدة ، والعُزلة .وقفت تنظر من النافذة ، وصغيرها ينام بعدما تناول طعامه ، تواصلت معهم للتو وأخبروها أن عمار بخير حيث أخبرهم الطبيب بذلك .تقلب هاتفها بين يديها وتفكر ؛ هل تخبر زوجها بهذا الخبر ؟ هو لا يعلم بما حدث مع شقيقه ومن المؤكد لن يخبره أحد ولكنها تشتهي سماع صوته والتحدث إليه ، لتتخذ من هذا الحادث سببًا وتخبره ، فهو في كل الأحوال سيعلم .ابتسمت بألمٍ ساخر ، فهي تبحث عن سببٍ لتهاتف زوجها ، هذه ليست الحياة التي كانت تتمناها ، ولكن جفاؤه أرغمها على ذلك .عبثت بهاتفها وطلبت رقمه وهاتفته فلم يجب .حاولت مرةً أخرى فأجاب بنعاس يتساءل بقلقٍ نظرًا لغرابة اتصالها به في هذا الوقت :- ألو ؟ خير يا نهاد ؟ حُصل حاچة ؟تنفست ونطقت بتوتر :- إنت كويس ؟زفر بضيق وأجابها وهو يفرك عينيه :- كويس ، إنتِ متصلة علشان إكده ؟آلمتها نبرته فتنهدت تجيبه بانفعال خافت :- عمار اتصاب وفي المستشفى والعيلة كلياتها عنده ، جُولت أعرفك باللي حُصل .نطق مستفهمًا بفزع بعدما صفعه الخبر :- اتصاب كيف ؟ وهو عامل إيه ؟ طمنيني ؟حاولت تهدئته ونطقت بتناقض :- اهدى ماتجلجش هو كويس دلوك ، أني كلمتهم وطمَّنوني ، بس هو إنت لسة جدامك كتير ؟مسح على وجهه يستغفر ثم أردف مختصرًا بقلق :- حاچي الصبح يا نهاد ، اجفلي دلوك علشان اتحدت وياهم .أغلق قبل أن تجيبه وأسرع يهاتف والده ليطمئن على شقيقه ، وجلست هي على مؤخرة الفراش تفكر ، هل ستظل تتسول منه الحب هكذا ؟ إلى متى ستشعر أنها ليست ذات قيمة لديه ؟ إلى متى سيظل يعاملها بهذا الجفاء ؟ ماذا عليها أن تفعل لتستحوذ على حبه واهتمامه ؟...❈-❈-❈في قصر آل حامدتمدد أيوب على فراشه بعدما نجح الطبيب في استخراج الطلقة من ساقه ، ينظر إلى جده الذي استيقظ ووقف يستند على عصاه ويحدجه بغضبٍ حاد ، بينما تقف عند رأسه فرحة بشكلٍ متوتر تحاول إخفاءه بتكتفها ونظرتها الثاقبة .ويقف يونس يجاور والده حسان الذي نطق موبخًا :- استفدت إيه دلوك ؟ عاچبك إكدة لما رجلك عچزت ؟ هتعجل ميتا يا ولدي وتحترم الكبار والعيلة ؟لف وجهه عن عمه بضيق فاندفع يونس يغادر الغرفة غير متقبلٍ لأفعاله ، بينما دلفت منصورة بملامح مطمئنة الآن ، بعدما تلقت الخبر بصدمة وخوف خشيةً من إصابة ابن شقيقها بسوء واشتعال نيران الحرب بين العائلتين .تفحصها زيدان وتساءل بترقب :- ولد أخوكي عايش ؟طالعته بصدمة فكيف علم باتصالها برتيبة ؟ لقد تعهدت ألا تتواصل مع أحدٍ من عائلتها ولكن يبدو أن فرحتها بنجاته تجلت على ملامحها وهو يعلمها جيدًا لذا نظرت أرضًا ونطقت بصدق :- عايش يابا الحچ ، جولت اكلم رتيبة واسألها وجالت إنه بخير .لم يعلق عليها ، بل نظر إلى وجهي حفيديه ليجد الغضب والحقد اعتلا ملامحهما وخاصةً فرحة التي نطقت بعدما تخلت عن توترها تتمتم :- يتحرج في چهنم إن شالله .نطق الجد بصرامة معهودة :- من إهنة ورايح مافيش سلاح هيبجى في يدك ، وهتمشي كيف الحريم في النچع ، وهيبجى وراك حراسة كيف ولد الحنانوة ، ومش علشان يأمنوك والحديت الفارغ ده ، دول علشان يراجبوك ، عشان إنت كل مرة أثج فيك وأجول أيوب بجى راچل صُح تطلع عيل مش جد ثجتي .جحظ بصدمة ونطق معترضًا بضيق :- كيف دي يا چدي ؟ اللي بتجوله ده مايرضيش حد واصل .صاح الجد يرفع عصاه ويشهرها أمامه قائلًا بقسوة :- اكتم ماسمعش نفسك ، مابقاش ناجص غيرك تجولي إيه يصح وإيه مايصحش .بالفعل التزم أيوب الصمت الذي كاد أن يفجره نسبةً لشدة الغضب بينما نظر زيدان إلى فرحة ونطق مستفسرًا بنظرة ثاقبة ونبرة لا تبشر بالخير لها :- كان عنديكي خبر باللي عمله ؟توغلتها حزمة من التوتر والخوف ، ولكنها تتقن التظاهر بالجسارة ، لذا نطقت بفمٍ ممتلئ بكلمات الغل وأعصاب وجهٍ مشدودة :- عندي ولا ماعنديش يا چدي ، في الآخر ولد الحنانوة عايش وأخوي هو اللي رچله عچزت ، وانت فرضت علينا العقاب صُح كاننا ارتكبنا خطيئة ، مع إن ده تارنا وشرفنا .نظرته جعلتها تدرك أنها تجاوزت حدها معه لذا اكتفى بذلك ونطق بنبرة حادة ثاقبة :- الحوامدة شرفهم في كلمتهم يابنت على ، أبوكي اللي يرحمه مكانش بيخرچ عن طوعي واصل ، بس يظهر إن الغلط عندي ، ومن إهنة وچاي حعدله .تحرك يغادر الغرفة بينما نظرت منصورة لزوجها ونطقت حينما أدركت أنهما غير مرغوبٍ بهما :- يالا يا أبو يونس عشان تلحج صلاة الفچر .غادرا وتركاهما ينظران لبعضهما وكلٍ منهما يحمل من الهم والغضب ما يكفي النجع بأكمله ..❈-❈-❈بعد مرور عدة أيامتجلس صابحة في بهو القصر الواسع .تجاور عمار الذي يحمل ذراعه الأيسر ، تحاول معه كي يتناول الحساء الذي أعدته له قائلة باستنكار من رفضه :- ياولدي كني بتحايل على عيل صغير ! طب دوجه لأول ولو ماعچبكش وجتها جول لا .تناول كفها يقبله ثم أردف مراوغًا بإطراء مبالغ يخفي حزنه :- أني خايف أدوقه لاجل ما اخلصه كله ، وأني متوكد إنه حيعجبني جوي بس وحياة صابحة عندي ماليا نفس ، خلاص بجى عاد .زفرت تطالعه باستسلام وأبعدت الحساء عنه تنادي بعلو :- تعالي يا رتيبة خدي الوكل ده ، جلبي على ولدي انفطر وجلب ولدي عليا حجر .قالتها وهي تحدجه بعتاب ليبتسم قائلًا :- ماليش بركة إلا إنتِ يا حاجة فاطمة تعلبة ، أومال أبويا اتأخر ليه ؟تدرك أنه قلق من هذا الأمر المُقبل عليه ، تعلمه جيدًا وتشاركه القلق والتوتر لذا تنفست ونطقت وهي تميل عليه :- إنت چاهز يا ولدي ؟ عيلة الحوامدية ماعيجبلوش دية ، دول كيف الذئاب ، أني خبراهم زين ، ولولا إن نفسي ترتاح ماكنتش جبلت بالمشوار ده واصل ، بس حجول إيه ، لعله خير .شرد يفكر قليلًا وعيناه تنظران للا شيء يتذكر حينما حاولت فرحة قتله ثم عاد يطالعها وينطق :- أني مش خايف من الموت ياما ، أني كنت رايدهم يفهموا اللي حُصل زين ، بس أيوب واخته جواتهم نار جايدة لدرچة خلوني صدجت إنهم صُح والغلط عندي ، مابجتش خابر المفروض اعمل إيه ؟نطقت باستنكار وحدة وهو تلوح بيدها :- لااا ياعمار ماهماش على حج ، هو علشان إنت طيب وحنين وهما صوتهم عالي وعاملين غيغة ، كذبوا الكذبة وصدجوها والناس صدجتهم ، العيلة دي مافيهاش ولد عاجل غير يونس ولد عمتك ، ماتجلجش ، بإذن الله الموضوع ده هيتحل وكفاية بجى لحد إكده .نزل جابر من الأعلى ينظر لهما لينطق بغيرة مفتعلة :- الحاچة صابحة اللي ماخلفتش غير عمار ، طب جولي لخالة رتيبة تصحي الغلبان اللي نايم ده يفطر ولا يشوف شغله ، ينفع إكدة ياما ؟ تفرجي بين ولادك ؟وصل إليهما وجلس معهما فطالعته صابحة باستنكار تردف موبخة :- على رأي المثل ، اللي رايد العسل يتحمل لدعة النحل ، لما أنت وراك شغل تشوفه مانمتش بدري ليه يا ابن بطني ؟ سهران كل يوم مع الشوية المخروبين وراچع نص الليل وترچع تلوم على امك ، فكرك إكدة هتنجح ؟زفر بملل ثم طالعها بعتاب يردف بحزن صناعي :- ليه إكدة بس ياما ؟ ده بدل ما تدعيني ؟ كسرتي بخاطري .صفعت كتفه تصيح :- هتعملهم عليا يا ولد الحنانوة ؟ ياواد دانا خبزاك وعچناك صُح ، أوعاك تفكر إن الكام السنة اللي جعدتهم في روسيا هينسوني عمايلك .نظر لها بنصف عين ثم استنجد بشقيقه الذي يبتسم قائلًا :- ماتتوسط لي عند الحاچة يا أخوي ينوبك ثواب ، ده جلبها وربها راضيين عليكِ ، يابختك .صاحت بحنان مستتر :- رتيبة ، حضري الوكل لچابر ، وماتنسيش كوباية الحليب .التفت يطالعها فوجدها تحدجه فابتسم يميل عليها وينطق بمزاح :- أهي طيبة جلبك دي يا صبوحة اللي مشندلة حالك .- عندك مانع ؟نطقتها بنظرة حادة فابتسم يرفع يديه باستسلام بينما تساءل عمار وهو يبحث بعينيه :- أومال نوارة فين ؟أجابته صابحة بنبرة حنونة تتبدل خصيصًا له :- طلعت السوج هي ونهاد يشتروا شوية طلبات .استرسل يتساءل باهتمام :- وخدو حمزة وياهم ؟هزت صابحة رأسها تردف :- لا ياحبيبي نايم چوة ، زمناته حيصحى .أومأ يزفر لينتبهوا لطرقات الباب تبعها دخول عبد الوهاب ومعه مهران يلقيان السلام ، بينما ينظر الأول إلى ابنه عمار قائلًا :- يالا يا ولدي ، چاهز ؟نهض عمار وتنفس بقوة ثم أومأ يردف بثبات يخفي توتره :- جاهز يابوي ، توكلنا على الله .أردف جابر وهو ينهض :- خلاص يا خالة رتيبة خلي الفطار بعدين .نهض فطالعه والده بضيق يردف موبخًا :- ماخبرش كيف هتفتح شركة وتبجى مسؤول عن أمن شركات تانية وانت حالك متشندل إكده .ابتسم جابر وتقدم منه حتى وقف أمامه يردف بنظرة تحدٍ لم تقلل من احترامه له :- وحياة محبة الحاچ عبد الوهاب في جلبي بكرة تشوف الشركة دي هتبجى كيف ، ابنك دماغه تتاجل بالدهب يابــــــــــــوي .نظر له بسخرية بينما صفعه مهران على كتفه يردف معترضًا وهو يحثه على التقدم :- مش لما تصحى بدري لوَل ، يالا ياحاچ هنتأخر .تحركوا جميعهم فأوقفتهم رابحة تنطق بتلهف وقلق :- ابجوا طمنوني يا عبده .التفت زوجها ينظر لها بمقلتين مطمئنتين ويردف :- ماتجلجيش يا أم مهران ، إن شاء الله خير .تحركوا يغادرون ليتساءل جابر بترقب أزعج مهران وجعله يزفر بضيق :- عمي حسنين چاي ويانا ؟أومأ عبد الوهاب وهو يستقل سيارته ويوضح :- أيوة چاي هو وولده ، الرچالة اللي چايين ويانا كتير ومستنيينا على الحدود ، يالا عاد .❈-❈-❈عاد معتز من سفرتهواليوم يعود بنشاطه لشركته وعلى وجهه تتجلى ملامح العزيمة للنيل من جابر وسحقه قبل حتى أن ينهض .يعلمه جيدًا ، ويدرك أن مجيئه لشركته ليس لمد يد السلام كما قال ، بل لإشعال فتيل التحدي والحرب ، لذا فهو مستعدٌ له ، بل كان ينتظره منذ أن سافر .رفع سماعة هاتفه وطلب حضور ريم إليه ، فنهضت تتحرك بالفعل نحو مكتبه وطرقت الباب فسمح لها فدلفت تردف برسمية وابتسامة عملية :- اتفضل يا مستر معتز !حدق بها مبتسمًا وتساءل بخبثٍ :- چابر آل حانا حاول يكلمك تاني ؟هزت رأسها بلا تخبره :- لا يا فندم ، هو منتظر مننا اتصال ، أنا بلغته لما ترچع هنكلمه .أومأ مرارًا وشرد لبرهة يفكر ثم ابتسم ونطق :- طب خلاص كلميه ياريم ييچي ونشوف هو عاوز إيه .تعجبت من قبوله بعد رفضه وغضبه حينما أخبرته في الهاتف ، ولكنها تجاوزت تومئ حيث ظنته أعاد تفكيره وقرر مساعدته لذا ابتسمت تجيبه :- تمام أنا حتواصل معاه وابلغه وأقول للأمن يسمحوله .تحمحم يردف بهدوء خبيث :- كلميه إنتِ ياريم وأنا هبلغ الأمن يسيبوه يدخل .أومأت وسألت قبل أن تغادر :- تمام ، في حاچة تانية ؟هز رأسه يردف وهو ينظر في حاسوبه :- لا شكرًا ، اتفضلي .تحركت بالفعل تغادر عائدة إلى مكتبها ثم التقطت هاتفها تتنفس بعمق وقررت مهاتفته .طلبت رقمه وانتظرت بترقب ولا تعلم سبب تسارع نبضها بهذا الشكل ، فما تفعله هو أمرٌ اعتادت عليه ، لما تشعر بقلبها يدق كالطبول ؟التقطت تنهيدة عميقة تنتظره ليجيب ولكنه لم يفعل لذا أغلقت ووضعت الهاتف تتمتم بخفوت وضيق :- براحتك .❈-❈-❈أسواق الأقصر مختلفة عن غيرها ، تمتزج مع قسوة الحجارة ، وعبق التاريخ ، وشموخ الأثار .يغمرها بعض الغموض ، وهذه طبيعة الأجواء هنا ، لذا فالسائح حينما يأتي ينبهر بالتراث قبل المنتج فيصبح على موعدٍ مع جلب الكثير من الأعراض لتظل هذه المدينة عالقةً في ذهنه مهما ابتعد .تسيران في الطرقات تبتاعان الكثير من الأغراض، تجمعهما علاقة أخوة وصداقة منذ أن دلفت نهاد القصر ، ولكن أحيانًا تتخذ نوارة من الصمت سبيلًا ، حيث أنها تخجل من الحديث عما يصيبها خوفًا من نعتها بالمجنونة .وقفتا أمام دكان أثري يعرض حلى يدوية واكسسوارات تحمل عبق وهوية الفراعنة ، مدت نهاد يدها تتلمس الخواتم ذات الشكل الجذاب ، والتقطت أحدهم تدقق النظر فيه ، خاتم ذو فصٍ أحمر ناري متوهج ، يثير نظرتها نحوه وتشعر بالانجذاب ، ليتحدث البائع بنبرة تسويقية كلاسيكية :- دي اسمه خاتم السعادة ، كل اللي اشتراه بيجول إن بيدي طاجة وجوة لصاحبه بتخليه يحس إنه مبسوط ، والطُرج بتتفتح جدامه ، الحچر اللي فيه ده چايبينه من مجبرة فرعونية مهواش تجليد ، جربي يا ست البنات وهتشوفي إن كلامي صُح.لم تتقبل نوارة حديثه ولا تؤمن به بمقدار ذرة لذا استنفرت فشعرت بصداعٍ يقتحمها لذا نطقت وهي تميل على نهاد :- خلينا نمشي من إهنة يا نهاد دلوك .أوقفتها نهاد تردف بشرود وعقلها منشغلٌ بالخاتم وقدراته المذكورة :- استني بس يانوارة .رفعت أنظارها تتساءل وكل ما يجول في خاطرها استحضار السعادة لحياتها مع مهران :- بكام الخاتم ده ؟ابتسم البائع وأردف يحرك يديه بابتسامة مهنية ماكرة :- هيبجى كَتير عليكي ده يابتي ، أچبلك نوع تاني تشوفيه ؟قالها وهو يستل خاتمًا آخرًا ذو فصٍ أزرق وهجه هادئ بعض الشيء وكاد أن يعرضه عليها ، ولكن لكزتها نوارة مجددًا حيث لم تحب طريقته ونطقت بملامح مشدودة :- نهاد جُلتلّك يالا نمشي .التفتت نهاد تطالعها بتعجب لتجدها عابسة لذا نظرت للرجل ونطقت وهي تناوله الخاتم :- خلاص ياعم شكرًا ، هبجى أمُر عليك وجت تاني .تركت الخاتم في يده وتحركت تغادر مع نوارة ولكنه أسرع يوقفها قائلًا :- وجفي طيب ، حعملك تخفيض .التفتت تشكره مضطرة :- معلش وجت تاني .ولكنه كان لحوحًا فعاد يتحرك نحوهما وفي يده الخاتم قائلًا :- خلاص خديه حلال عليكي وادفعي اللي إنتِ رايداه .هذه المرة التفتت نوارة تطالعه بملامح مكفهرة وصاحت بنبرة غليظة تفاجأ الرجل منها وعاد بخطواته للخلف :- جالتلك وجت تاني ، ارجع مكانك أحسنلك .التفتت تخطو مع نهاد المصدومة من ردة فعلها ، لا تعلم كيف أتتها الجرأة وفعلت هكذا ، هي ذاتها تعجبت من جرأتها ونبرة صوتها ولكنها لا تحب طريقة الإلحاح هذه ، خاصةً حينما شعرت بنهاد تستجيب وتصدق كلماته .لتنطق الأخرى بتعجب وهي تلحق بها :- كبرتيها يا نوارة ، براحة شوي .طالعتها بضيق ونطقت معاتبة :- إنتِ واجفة تفكري في كلامه يا نهاد ؟ خاتم إيه اللي بيچلب السعادة ؟ ده حديت چاهل بتصدجي كيف ؟خجلت نهاد ونطقت توضح بمراوغة :- ماصدجتش حديته بس الخاتم شكله عجبني .تنفست نوارة بعمق وأومأت تتجاهل ما حدث وتبتسم قائلة :- خلاص حُصل خير ، يالا نروّح لإن راسي وچعتني .❈-❈-❈في قصر آل حامدالجميع متأهب بشكلٍ قاسٍالحراس تضاعف عددهم فباتوا يعبؤون حديقة القصر وحدوده ، والجد زيدان وولده وحفيديه وأشقائه وأولادهم اجتمعوا لاستقبال عائلة آل حانا .التأهب الأشد والحزن الكبير كانا من نصيب فرحة التي تقف مع النساء في شرفة علوية كبيرة ، تطل على المجلس الذي سينعقد وتنتظر القرار .تشعر بأن جدها سيتنازل عن الثأر ، وهذا الشعور وُلد منذ زمن ولكن عززه موقفه منذ أيام حينما ألقى بقراراته وعقابه عليهما .ما فعله أيوب أيقظ وحش جده ، فهو لا يحب خيانة العهود بأي شكلٍ كان ، نعم لديهم ثأر مع عائلة آل حانا ولكنه يوقن أن حتى العداوة لابد أن تكون نزيهة .لذا فهي اتخذت قرارًا يعد الأصعب من بين القرارات ، في حالِ قبَل جدها بالصلحِ وتنازل عن ثأر شقيقها ؛ حينها ستقتله هي ولن يوقفها شيئًا هذه المرة ، وليحدث بعدها ما يحدث حتى لو قتلوها ، فالموت بالنسبة لها أحن وأرحم من هذه الحياة الثقيلة التي باتت تعيشها ، باتت تشبه هذا القصر القاسي وجدرانه الشامخة وقلبه الأجوف الذي لا يعرف اللين أو التنازل .إن لم تفعلها بخنجرٍ ، وإن لم تفعلها برصاصةٍ ، ستفعلها بالسُم ، عاجلًا أو آجلًا .حضر رجال عائلة آل حانا ، يصفون سياراتهم السوداء ، في مشهدٍ مهيب ، واستقبال أشد هيبة برغم قوة العداء .تعالت الأصوات في المجلس ، وتهافتت الترحيبات المشحونة بالتوتر ونظرات الغضب والكرم في آن .كانت منصورة تجاور فرحة من الأعلى وتسلطت عينيها على شقيقها وأولاده ، اشتاقت لهم كثيرًا وتخشى حتى البوح بذلك .رفع عبد الوهاب نظره تلقائيًا كأن قلبه أخبره بمكانها ، والتقت عيونهما في نظراتٍ لو تجسدت لكانت عناقًا حارًا تبكي له الحجارة ، يطالعان بعضهما بحديثٍ صامت وكلماتٍ تختبئ خلف لمعان مقلتيهما ، يخبر كل منهما الآخر بأن الشروق سيتجلى قريبًا وسينقشع ذلك الظلام الذي منعهم عن بعضهم .حثه إبنه مهران على التقدم حينما وجده شاردًا فتحمحم يخطو بثباتٍ نحو مقعده .تحدثت إحدى نساء العائلة بمؤازرة وهي تربت على كتف منصورة :- يارب يحصل الصُلح يا أم يونس وترچع المية لمچاريها .حدجتها فرحة بنظرة سوداء معبأة بالحقد فاعتدلت السيدة تبعد يدها عن كتف منصورة التي فهمت ونظرت لها تبتسم قائلة وهي تقف حائلةً بينهما :- ربنا يجدم اللي فيه الخير يا أم عبد المعطي .لم تسمعها فرحة حيث سلطت أنظارها على عدوها اللدود عمار آل حانا الذي يجاور والده ويخطو نحو المقعد برأسٍ شامخة ، كأنه لم يكن يومًا مذنبًا ، يدخل على قدميه القصر الذي قتل أحد أبناءه ، ولم تعِقه إصابة ذراعه في شيء ، في هذه اللحظة تمنت لو أنها تمتلك قوة خارقة أو أشعة ثاقبة تخترق بها قلبه فيسقط صريعًا في الحال ، تعاظم كرهها له خاصةً حينما وجدته ينظر لشقيقها أيوب بتحدٍ والآخر مُجبرٌ على التحمل احترامًا للرجال وطواعية مجبر عليها ، وإلا انقض عليه وقتله .وهذا القدر من التحمل يخنقها ويقبض على روحها فتشعر أنها ستنفجر من وجوده ورؤيته ولكنها أيضًا مُجبرة على الانتظار والمتابعة ، فهي لا تعلم مايدور في خُلد زيدان آل حامد .في مركز المجلس جلس الحاچ زيدان آل حامد ، وأمامه جلس عبد الوهاب ، وبينهما على الطرفين جلس عددٌ كبيرٌ من الرجال ومن حولهم يقف عددٌ أكبر حتى يظن من يراهم أن هناك حربًا على وشك أن تبدأ .بدأ المجلس بخطبة دينية مؤثرة من يونس آل حامد ، بنبرة عالية شامخة يوضح فيها أهمية الصلح والتسامح وعقاب القتل بغير نفسٍ ، هذه الخطبة ليست جديدة على مسامعهم ولم تؤثر على القلوب المتعطشة للدماء في شيء ، ولكن كلمات يونس تحمل رونقًا مميزًا به تجعل من يسمعها يقلبها في عقله، يفكر بها، يحاول فهمها والتعمق فيها.نبرة يونس وشرحه لوسطية الدين اخترقا قلوبٍ أرهقها الألم والحزن، كقلبي عمار ومهران مثلا، وانتهى ابن العمة من خطبته الثمينة، لينطق بعدها زيدان بصرامة وهو يمسك بعصاه بيدٍ متصلبة تظهر صلابته التي لا يثنيها الزمان :- من خمس سنين ولدنا اتجتل ، ومارضناش ناخد عزاه غير لما ناخد بتاره ، وبعدها اتجال إنه كان بالخطأ والحكومة برأت ابنكو ، واحنا احترمنا الجانون ، بس اللي وصلنا بعد اكده إنه كان جتل عمد ، وان ابنك هدد حفيدي جبلها بأسبوع ، وانكوا اخفيتوا الأدلة ، علشان إكده النار جادت جوانا تاني ، وحسينا إن فيه غدر صدر منيكم ناحيتنا ، وانتوا خابرين زين إن الحوامدة بيكرهوا الغدر والخيانة ، وبرغم إكده عملت حساب للنسب اللي بيناتنا ، واستنيتك انت تحكم في الموضوع ده بالحج كيف ما بتحل مشاكل الناس يا عبد الوهاب ، بس لحد دلوك مافيش غير العداوة والدم ، وأخرة الطريج ده واعرة ، والدليل اللي حُصل على يد حفيدي من كام يوم ، وبرغم اني مايرضنيش اللي عمله ، بس لازمًا يتحط حد للموضوع ده والحج اللي لينا عنديكم ناخده ، علشان إكدة اتچمعنا النهاردة، جولوا اللي عندكم قدام الكل ، وجدموا قربانكم ووجتها نشوف نجبل بيه ولا لا .نظر عبد الوهاب نحو عمار الذي أومأ بعينيه فعاد يطالع زيدان والجميع ، وينطق بنبرة ثاقبة قوية لا تتزعزع بين الرجال :- كلامك كله على راسنا يا حاچ زيدان ، وكيف مانت عملت خاطر للنسب اللي بيناتنا ، إحنا كمان عملنا خاطر كَبير جوي ، ومعروف عن عيلة آل حانا إنهم لا في يوم غدروا ولا خانوا ، والحادثة اللي حُصلت مع ولدي كانت بالخطأ كيف ما الأدلة جالت ، واللي جه بعد إكده فتنة وزور وتوجيع وانتوا صدجتوه .تنفس عبد الوهاب بعمق يسترسل بنظرات ثاقبة نحو زيدان :- الحج اللي إنت كنت رايده مني هو تأميني لولدي ، لإني خابر زين إنه أخطأ بس ماغلطش ، علشان إكدة مايستاهلش يتعاجب على حاچة مش بطوعه ، ولولا إننا لا بنغدر ولا بنخون كان زمان التار بجى سلسال دم بين العيلتين بسبب ولد ولدك أيوب ، أني حافظت على ولدي وحافظتلكم على ولدكم ، وإحنا إهنة النهاردة علشان اللي عمله آخر مرة دي مايتكررش تاني واصل، وجينا نجدم يدنا بالصُلح والخير وننهي العداوة اللي ماحدش منينا مستفيد منها بحاچة .التفت زيدان بعدما انتهى عبد الوهاب من كلماته ، يتطلع على حفيده الذي كاد أن يتحول إلى ذئبٍ شرس يهاجمهم دون رحمة ، الغضب جعله يجلس على صفيحٍ ملتهب .وهو يسعى كي لا يصيبه مكروه لذا عاد ينظر حوله ليجد أصوات أراء الرجال تداخلت في بعضها والكل يحاول إبداء رأيه ونثر كلمات العفو أو اللوم ، لذا دب الأرض بعصاه فسكت بعضهم وتهامس البعض الآخر وترقبوا وهو ينطق ناظرًا إلى عبد الوهاب :- وإيه المجابل يا عبد الوهاب ؟ عندك اللي تجدمه ولا نحكم إحنا ؟للمرةِ الثانية يعاود عبد الوهاب النظر لأولاده وآخرهم عمار ، يطالعه بنظرة متفق عليها مسبقًا ليفهمها ولده وينهض بين الرجال يقف بثباتٍ ، في ظهره إخوته ومن أمامه عدوه لذا تسلطت أنظاره على زيدان دون غيره ونطق بجسارة لا سبيل سواها :- أني واجف جدامكم دلوك وطالب الصُلح ، ويشهد ربنا عليا إن يدي ماتمدش على ولدكم بالغدر ولا بالعمد ، علشان إكده أنا بطلب يد بتكم فرحة على سنة الله ورسوله .
بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وكُن مِنَ السَاجِدِينْ واِعْبُد رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينْ .
اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين وأهل السودان وسائر بلاد المسلمين ، اللهم
كن لهم عونا اللهم إنا لا نملك لهم إلا الدعاء فانصرهم وثبتهم ووحد صفوفهم يارب العالمين
الفصل الرابع من رواية ❤♡♡صيّاد النـايـا * آل حـانَـا *♡♡❤ بقلم آية العربي
(ماتنسوش التفاعل على الفصل يا غاليين الرواية تستاهل وانتوا طيبين وكلكوا كرم)
العدو يجعلك أقوى ، فلا يتذوق طعم النجاح مَن لا عدو له .
عدوٌ غامض يجب أن تبصره دون أن تراه ، وعدو ظاهر وهو أكثرهم قربًا لقلبك ، لأنك ستصبح المتحكم في وضع الحدود بينكما ، فهل أنت على استعداد أن تزيل هذه الحدود وتخطو نحوه خطوة جسورة ليراك عن قرب !!!
آية العربي
❈-❈-❈
كانت تغط في نومها حينما اقتحم شقيقها غرفتها بخفوت وأسرع يوقظها ، فتحت عيناها تطالعه بنعاس وحينما وجدته يئن انتفضت تحدق به حتى لمحت دماءه فشهقت فأشار لها بألا تصدر صوتًا ونطق :
- في رصاصة في رچلي ، ولازمًا تخرچيها .
وضعت كفها على فمها في صدمة ثم تساءلت وهي تترجل وتتفحص قدمه :
- عملت إيـــــــــه يا أيوب ؟ ومين اللي عمل فيك إكده ؟ وحنطلعها كيف دي ؟
نطق وهو يتألم ويتمنى في آن :
- حارس ولد عبد الوهاب ضرب عليا رصاصة بعد ما ضربت عمار في صدره ، ادعي نسمع خبره بكرة الصبح وماينجيش منيها.
لم تعش الفرحة المنتظرة نسبةً لجرح شقيقها المتألم ، فنظرت له لبرهة ثم أسرعت تبحث عن رباطٍ لتمنع نزيفه ثم اعتدلت تطالعه بملامح متجهمة فنطق متعجبًا من بين أنينه :
- مفرحتيش يعني ، جرالك إيه عاد ؟
لم تحسب حساب اليوم التالي للانتقام ، دومًا كانت تُغيّب عن عقلها هذا التفكير ، فقط كل ما تريده هو دفن عمار تحت الورى كما دُفن شقيفها الغالي ، لذا نطقت معنفة بتخبط :
- افرح كيف وانت راچع متصاب ! ورايح تخلص عليه وسط حراسته ؟ افرض كانوا صفوك ؟ مش جولت لي في راسك خطة ؟
قلب عينيه بضيق ثم لوح بيده يقول بثقل وأنين :
- طب روحي شوفي أي حاچة نطلع بيها الرصاصة دي جبل ما جدي يصحى .
نظرت له بغيظ ونطقت موبخة :
- أي حاچة كيف ؟ هي إزازة عاد ؟ أني رايحة أنادي يونس .
لم يعلق فألمه بات يشتد بينما هي التقطت حجابها وتحركت مسرعة نحو الخارج تتمتم بضيق وتفكر ، هل بالفعل قتله ؟ هل سيُشفى غليلهم بعد كل تلك السنوات ؟ تنهدت بتمني وخطت نحو غرفة يونس ابن عمها بملامح متجهمة وطرقت الباب بخفوت لتوقظه وتشركه في الأمر ، فهو الوحيد هنا الذي سيسعفها في هذا الوقت ، لذا فهي مجبرة على ذلك .
طرقت بابه وانتظرت ففتح يطالعها بنعاس مستفهمًا ومتعجبًا من مجيئها في هذا الوقت :
- خير يا فرحة ؟ في حاچة ؟
نظرت له بريبة دامت لثانتين قبل أن تنظر حولها ثم عادت تردف بخفوت :
- أيوب اتصاب في رچله بطلجة وبتنزف دلوك ، لازما نتصرف جبل ما چدي يصحى .
تجهمت ملامحه وتبخر نعاسه يستفسر :
- اتصاب كيف ؟ ليكون عمل عملة سودة على دماغه ؟
لوت فمها ونطقت بعجالة وهي تحثه على الحركة :
- تعالى معايا شوفه الأول يا يونس وبعدين ابجى اعمل فيه اللي إنت رايده .
أسرع يتحرك معها ويستغفر ربه من أفعال ابن عمه الصبيانية الذي لن يهدأ حتى يفتعل المصائب .
دلف الغرفة ينظر نحوه ليجده في حالة يرثى لها ، لذا أسرع يتفحص قدمه وحينها نهض نظر إلى فرحة قائلًا بتهكم منهما :
- لازمًا طبيب ، خليكي كاتمة النزيف وأني هروح أچيب الدكتور ، ومش چدي بس اللي حيعرف ، ده النچع كله حيعرف بسبب غباء أخوكي .
قالها موبخًا وتحرك يغادر الغرفة ووقفت تنظر لشقيقها الذي أصبح متعرقًا بشدة والآه تخرج من فمه مكتومة لذا أسرعت تحضر رباط آخر وانحنت تلفه على ساقه وتعقده بقوة كي تهدئ من سرعة النزيف وهي تتساءل بصمتٍ ظاهري وصخب داخلي ، ماذا سيحدث الآن ؟
❈-❈-❈
لم تمر ساعة إلاّ واجتمعت العائلة بأكملها في المشفى عدا مهران الذي مازال في رحلته ، دلف عمار غرفة العمليات على الفور ، وجميعهم يقفون ينتظرون خروجه ، وبالطبع أشدهم حزنًا كانت صابحة التي تنتحب وتميل على زوجها قائلة بعدما أكد لهما علي أن الفاعل هو أيوب آل حامد :
- شوفلك حل يا عبد الوهاب، أني ماجدراش اتحمل نار ولدي ، اتصرف وانهي التار ده بأي تمن ، لو طلبوا أروح أحب على يدهم ورچليهم أني موافجة ، بس ولدي يرتاح من الهم ده ، مش مكفيهم عمره اللي بيضيع وهو مراضيش يكمل حياته كيف الخلج ، اللي بيُحصُل ده حرام .
ربت على كتفها ونطق بنبرة قوية وتعهد :
- وحدي الله يا أم مهران ، يخرچ بس عمار بالسلامة وهيبجى لينا حديت تاني مع الحاج زيدان ، لازمًا يوجف ولد ولده عند حده .
تحدث جابر بنبرة هجومية غاضبة :
- هيوجفه بعد ما يموت أخوي ؟ وعلى إيه مانا أروح أطخه عيارين في نص راسه أجيب أجله وخلصنا .
رفع عبد الوهاب نظره يحدجه بحدة ونطق موبخًا :
- بلاش حديت مالوش عازة ، مش وجتك انت التاني ، ماتخلنيش أجول يا خسارة العلام فيك ، هنحل مشاكلنا بالجتل إياك !
صمت جابر ولف وجهه للجهة الأخرى يكظم غضبه ، فالتفت عبد الوهاب للجهة المعاكسة ليجد ابنته تقف بعيدًا ، باكية تحتضن نفسها بذراعيها ، تنظر لهما وبرغم ذلك تبتعد عنهما ، وكل ما يشغل عقلها هو شقيقها عمار لذا نطق يوجه حديثه لابنه :
- روح شوف اختك وطمنها .
التفت جابر تلقائيًا ينظر نحو شقيقته فوجدها في حالة يرثى لها ،ترتعش وتبكي بنحيب ، لذا تقدم منها وتنفس بعمقٍ ليهدئ من نفسه حتى وصل لها وحاوط كتفها يردف بحنانٍ مستتر يناقض نبرته وغضبه القائمان :
- متخافيش عاد ، عمر الشجي بجي ، هيبجى زين وهيطلع دلوك .
طالعته لثوانٍ ثم نطقت بتلعثم وهي تجاهد للتحكم في رعشتها :
- أني حلمت باللي حُصل يا چابر ، شوفت عمار وهو بينضرب بالنار من يومين ومارضيتش احكي لحد واصل ، أني خايفة جوي يا چابر .
احتواها بحنين وشرد يفكر بعد تنهيدة قوية ثم نظر نحو غرفة العمليات يتمنى لو يخرج منها أي أحد ويطمئنهم لتهدأ أفئدتهم على عمار ، ولكنه تعهد لو أصاب شقيقه مكروه ستعاقب عائلة آل حامد جميعها .
❈-❈-❈
جلس نوح خلف مكتبه ينظم محاضراته في غرفته ، انشغل عقله بتلك الفتاة الصامتة ، لا تحاول بأي شكل التودد أو التقرب منه على عكس غيرها ، ولكن نظراتها تكشف أمرها .
في النهاية هو مُعلم ، تعامل مع طالبات غيرها ويعلم كيف تفكرن وتتعاملن ، لذا يؤكد أنها مختلفة ، خجولة في زمن قل فيه الحياء ، يجد نفسه دومًا رغمًا عنه منجذبًا إليها ويفكر بها .
لقد تعهد ألا يرتبط إلا بعدما يطمئن على شقيقته ، ومع مشاعره هذه يخشى أن يصبح أنانيًا ، ويخشى إن لم يفعل فتذهب تلك النادرة من بين يديه .
هي تمتلك الصفات التي يريدها ، وحينما تحرى عنها وعن عائلتها تأكد أنهم أُناسٌ ذوو خلق ، حتى حينما تحضر مع الطلبة دروس الأونلاين تكون كنسمة مرت خفيفة أنعشت روحه وغادرت دون أن تصدر صوتًا .
تنهد بحرارة لينتبه على طرقات على باب غرفته فسمح بالدخول لتدخل ريم تطالعه بابتسامة وهي تتجه وتجلس أمامه قائلة بتوتر بدا على ملامحها :
- كنت عايزة أسألك عن حاچة .
ولاها اهتمامه وتكتف يعيد ظهره للوراء تاركًا ما في يده وأومأ لها ينطق بترقب :
- اتفضلي .
نظفت حلقها ثم نطقت بتروٍ ظاهري :
- إنت تعرف عيلة آل حانا كويس ؟
قطب جبينه متعجبًا وعاد يستند بكفيه على مكتبه ويرنو منها قليلًا مستفهمًا :
- اشمعنى يا ريم ؟ بتسألي عنهم ليه ؟
هزت كتفيها وأبعدت أنظارها تجيب :
- أصل فيه شاب چه عندنا في الشركة وبيقول إنه ابن الحاچ عبد الوهاب آل حانا ، كان عايز يقابل مستر معتز ويتكلم معاه عن حاچة في الشغل ، تقريبًا عايزه يساعده لإنه ناوي يفتح شركة برمچة ، طبعًا مستر معتز مكانش موچود بس لما كلمته وقلتله حسيته اضايق چدًا على عكس ما التاني ده حكالي انهم اصحاب وكده ، حتى معتز طلب مني أخلى الأمن يمنعوه يدخل الشركة تاني ، فأنا استغربت وقلت اسألك لو تعرفهم عن قرب ، لإن أنا اللي أعرفه عنهم إنهم ناس كويسين چدًا .
شرد نوح يفكر قليلًا يحك ذقنه ثم مط شفتيه يجيب :
- أنا أعرف مهران و عمار واسمع عنهم كل خير ، بس چابر ده أكيد أخوهم التالت اللي كان مسافر ، الصراحة ماعرفوش ، يمكن فيه بينه وبين معتز تاتش ولا حاچة ، إنتِ شاغلة بالك ليه يا ريم ؟ اعملي كيف ما معتز قال وخلاص ، هو حر .
استندت على المكتب تجيبه بعفويتها مستنكرة ما يقوله :
- إزاي يعني يا نوح ؟ إنت تعرف عني اكده ؟ واحد طالب مساعدتنا ولسة بيبدأ طريقه وبيفتح شغل جديد ليه ، إزاي مانساعدوش ؟ لعلمك دي مش أصول الصعايدة واصل .
يعلمها جيدًا ويعلم حماسها تجاه أي شيء متعلق بالبرمجة ، تحب أن تعطي طاقةً مضاعفة وتستكشف المزيد في هذا المجال ، وتعشق مساعدة الغير ومد يد العون في ما تستطيع فعله ، ولكن هذه الصفات أحيانًا توقعها في مشاكل لذا نطق وهو يباغتها بنظرات محذرة :
- وافرضي وقعتي نفسك في مشاكل ؟ مالك إنتِ ومال مساعدته؟ هو طلب من معتز مش منك، ماتعرفيش تخليكي في حالك أبدًا !
طالعته بعتاب ونطقت بعبوس زائف :
- إنت غلطان على فكرة يا نوح ، أنا في حالي چدًا ، وعلشان كده أنا چيت اسألك عنه الأول ، لو يعني حد كويس ورايد مساعدة يبقى ليه لاء ؟ نساعده وكله بثوابه .
أجابها بنبرة ثاقبة وتحذير دون ضغطٍ :
- طيب أنا معرفوش يا ريم ، والأفضل تعملي اللي معتز قالك عليه ومالكيش صالح بالحوار ده ، هو لو عايز مساعدة يقدر يطلب من كذا حد غير معتز ، وبس كده .
زفرت ثم أومأت بهدوء تخفي خلفه شغفها في معرفة تفاصيل عن چابر الذي منذ ذلك اللقاء وهو يشغل عقلها حتى جعلها تبحث عن وسائل تواصله وأخباره ، خاصة بعد رفض وضيق معتز من زيارته ، أخذها فضولها لمعرفة الكثير عنه وحينما فشلت ووجدته يغلق جميع حساباته جاءت لتسأل شقيقها ، ولكنها ستعلم ، لن تبقى ريم البسيوني إن لم تبحث عنه وتعلم الكثير .
ناداها شقيقها مترقبًا بقلقٍ :
- سرحتي في إيه يا بنت أخوكي ؟
نظرت له وابتسمت تنهض وتردف :
- ولا حاچة ، هروح أعمل فنچانين قهوة وارچع ارغي معاك ، چهز حالك وخد حباية الصداع .
قالتها وضحكت تتحرك للخارج بعفوية وجلس يتتبعها بنظراته ويهز رأسه بقلة حيلة والقلق لم يتركه من ناحيتها ، فهو المسؤول عن سلامتها وسلامة والدته ويجب أن يكون واعيًا لكل شيء يحدث .
هو يتخذها صديقة ، واعتادت هي على ذلك كما اعتادت على السهر معه وشرب القهوة والثرثرة بعدما تنام والدتها ، نوح بالنسبة لها عالمها الصغير ..
❈-❈-❈
ذهب الجميع إلى المشفى وظلت هي بمفردها مع صغيرها في القصر .
زوجها في رحلته ، حتى إن وُجد فمن المؤكد ستعيش الشعور ذاته ، الوحدة ، والعُزلة .
وقفت تنظر من النافذة ، وصغيرها ينام بعدما تناول طعامه ، تواصلت معهم للتو وأخبروها أن عمار بخير حيث أخبرهم الطبيب بذلك .
تقلب هاتفها بين يديها وتفكر ؛ هل تخبر زوجها بهذا الخبر ؟ هو لا يعلم بما حدث مع شقيقه ومن المؤكد لن يخبره أحد ولكنها تشتهي سماع صوته والتحدث إليه ، لتتخذ من هذا الحادث سببًا وتخبره ، فهو في كل الأحوال سيعلم .
ابتسمت بألمٍ ساخر ، فهي تبحث عن سببٍ لتهاتف زوجها ، هذه ليست الحياة التي كانت تتمناها ، ولكن جفاؤه أرغمها على ذلك .
عبثت بهاتفها وطلبت رقمه وهاتفته فلم يجب .
حاولت مرةً أخرى فأجاب بنعاس يتساءل بقلقٍ نظرًا لغرابة اتصالها به في هذا الوقت :
- ألو ؟ خير يا نهاد ؟ حُصل حاچة ؟
تنفست ونطقت بتوتر :
- إنت كويس ؟
زفر بضيق وأجابها وهو يفرك عينيه :
- كويس ، إنتِ متصلة علشان إكده ؟
آلمتها نبرته فتنهدت تجيبه بانفعال خافت :
- عمار اتصاب وفي المستشفى والعيلة كلياتها عنده ، جُولت أعرفك باللي حُصل .
نطق مستفهمًا بفزع بعدما صفعه الخبر :
- اتصاب كيف ؟ وهو عامل إيه ؟ طمنيني ؟
حاولت تهدئته ونطقت بتناقض :
- اهدى ماتجلجش هو كويس دلوك ، أني كلمتهم وطمَّنوني ، بس هو إنت لسة جدامك كتير ؟
مسح على وجهه يستغفر ثم أردف مختصرًا بقلق :
- حاچي الصبح يا نهاد ، اجفلي دلوك علشان اتحدت وياهم .
أغلق قبل أن تجيبه وأسرع يهاتف والده ليطمئن على شقيقه ، وجلست هي على مؤخرة الفراش تفكر ، هل ستظل تتسول منه الحب هكذا ؟ إلى متى ستشعر أنها ليست ذات قيمة لديه ؟ إلى متى سيظل يعاملها بهذا الجفاء ؟ ماذا عليها أن تفعل لتستحوذ على حبه واهتمامه ؟...
❈-❈-❈
في قصر آل حامد
تمدد أيوب على فراشه بعدما نجح الطبيب في استخراج الطلقة من ساقه ، ينظر إلى جده الذي استيقظ ووقف يستند على عصاه ويحدجه بغضبٍ حاد ، بينما تقف عند رأسه فرحة بشكلٍ متوتر تحاول إخفاءه بتكتفها ونظرتها الثاقبة .
ويقف يونس يجاور والده حسان الذي نطق موبخًا :
- استفدت إيه دلوك ؟ عاچبك إكدة لما رجلك عچزت ؟ هتعجل ميتا يا ولدي وتحترم الكبار والعيلة ؟
لف وجهه عن عمه بضيق فاندفع يونس يغادر الغرفة غير متقبلٍ لأفعاله ، بينما دلفت منصورة بملامح مطمئنة الآن ، بعدما تلقت الخبر بصدمة وخوف خشيةً من إصابة ابن شقيقها بسوء واشتعال نيران الحرب بين العائلتين .
تفحصها زيدان وتساءل بترقب :
- ولد أخوكي عايش ؟
طالعته بصدمة فكيف علم باتصالها برتيبة ؟ لقد تعهدت ألا تتواصل مع أحدٍ من عائلتها ولكن يبدو أن فرحتها بنجاته تجلت على ملامحها وهو يعلمها جيدًا لذا نظرت أرضًا ونطقت بصدق :
- عايش يابا الحچ ، جولت اكلم رتيبة واسألها وجالت إنه بخير .
لم يعلق عليها ، بل نظر إلى وجهي حفيديه ليجد الغضب والحقد اعتلا ملامحهما وخاصةً فرحة التي نطقت بعدما تخلت عن توترها تتمتم :
- يتحرج في چهنم إن شالله .
نطق الجد بصرامة معهودة :
- من إهنة ورايح مافيش سلاح هيبجى في يدك ، وهتمشي كيف الحريم في النچع ، وهيبجى وراك حراسة كيف ولد الحنانوة ، ومش علشان يأمنوك والحديت الفارغ ده ، دول علشان يراجبوك ، عشان إنت كل مرة أثج فيك وأجول أيوب بجى راچل صُح تطلع عيل مش جد ثجتي .
جحظ بصدمة ونطق معترضًا بضيق :
- كيف دي يا چدي ؟ اللي بتجوله ده مايرضيش حد واصل .
صاح الجد يرفع عصاه ويشهرها أمامه قائلًا بقسوة :
- اكتم ماسمعش نفسك ، مابقاش ناجص غيرك تجولي إيه يصح وإيه مايصحش .
بالفعل التزم أيوب الصمت الذي كاد أن يفجره نسبةً لشدة الغضب بينما نظر زيدان إلى فرحة ونطق مستفسرًا بنظرة ثاقبة ونبرة لا تبشر بالخير لها :
- كان عنديكي خبر باللي عمله ؟
توغلتها حزمة من التوتر والخوف ، ولكنها تتقن التظاهر بالجسارة ، لذا نطقت بفمٍ ممتلئ بكلمات الغل وأعصاب وجهٍ مشدودة :
- عندي ولا ماعنديش يا چدي ، في الآخر ولد الحنانوة عايش وأخوي هو اللي رچله عچزت ، وانت فرضت علينا العقاب صُح كاننا ارتكبنا خطيئة ، مع إن ده تارنا وشرفنا .
نظرته جعلتها تدرك أنها تجاوزت حدها معه لذا اكتفى بذلك ونطق بنبرة حادة ثاقبة :
- الحوامدة شرفهم في كلمتهم يابنت على ، أبوكي اللي يرحمه مكانش بيخرچ عن طوعي واصل ، بس يظهر إن الغلط عندي ، ومن إهنة وچاي حعدله .
تحرك يغادر الغرفة بينما نظرت منصورة لزوجها ونطقت حينما أدركت أنهما غير مرغوبٍ بهما :
- يالا يا أبو يونس عشان تلحج صلاة الفچر .
غادرا وتركاهما ينظران لبعضهما وكلٍ منهما يحمل من الهم والغضب ما يكفي النجع بأكمله ..
❈-❈-❈
بعد مرور عدة أيام
تجلس صابحة في بهو القصر الواسع .
تجاور عمار الذي يحمل ذراعه الأيسر ، تحاول معه كي يتناول الحساء الذي أعدته له قائلة باستنكار من رفضه :
- ياولدي كني بتحايل على عيل صغير ! طب دوجه لأول ولو ماعچبكش وجتها جول لا .
تناول كفها يقبله ثم أردف مراوغًا بإطراء مبالغ يخفي حزنه :
- أني خايف أدوقه لاجل ما اخلصه كله ، وأني متوكد إنه حيعجبني جوي بس وحياة صابحة عندي ماليا نفس ، خلاص بجى عاد .
زفرت تطالعه باستسلام وأبعدت الحساء عنه تنادي بعلو :
- تعالي يا رتيبة خدي الوكل ده ، جلبي على ولدي انفطر وجلب ولدي عليا حجر .
قالتها وهي تحدجه بعتاب ليبتسم قائلًا :
- ماليش بركة إلا إنتِ يا حاجة فاطمة تعلبة ، أومال أبويا اتأخر ليه ؟
تدرك أنه قلق من هذا الأمر المُقبل عليه ، تعلمه جيدًا وتشاركه القلق والتوتر لذا تنفست ونطقت وهي تميل عليه :
- إنت چاهز يا ولدي ؟ عيلة الحوامدية ماعيجبلوش دية ، دول كيف الذئاب ، أني خبراهم زين ، ولولا إن نفسي ترتاح ماكنتش جبلت بالمشوار ده واصل ، بس حجول إيه ، لعله خير .
شرد يفكر قليلًا وعيناه تنظران للا شيء يتذكر حينما حاولت فرحة قتله ثم عاد يطالعها وينطق :
- أني مش خايف من الموت ياما ، أني كنت رايدهم يفهموا اللي حُصل زين ، بس أيوب واخته جواتهم نار جايدة لدرچة خلوني صدجت إنهم صُح والغلط عندي ، مابجتش خابر المفروض اعمل إيه ؟
نطقت باستنكار وحدة وهو تلوح بيدها :
- لااا ياعمار ماهماش على حج ، هو علشان إنت طيب وحنين وهما صوتهم عالي وعاملين غيغة ، كذبوا الكذبة وصدجوها والناس صدجتهم ، العيلة دي مافيهاش ولد عاجل غير يونس ولد عمتك ، ماتجلجش ، بإذن الله الموضوع ده هيتحل وكفاية بجى لحد إكده .
نزل جابر من الأعلى ينظر لهما لينطق بغيرة مفتعلة :
- الحاچة صابحة اللي ماخلفتش غير عمار ، طب جولي لخالة رتيبة تصحي الغلبان اللي نايم ده يفطر ولا يشوف شغله ، ينفع إكدة ياما ؟ تفرجي بين ولادك ؟
وصل إليهما وجلس معهما فطالعته صابحة باستنكار تردف موبخة :
- على رأي المثل ، اللي رايد العسل يتحمل لدعة النحل ، لما أنت وراك شغل تشوفه مانمتش بدري ليه يا ابن بطني ؟ سهران كل يوم مع الشوية المخروبين وراچع نص الليل وترچع تلوم على امك ، فكرك إكدة هتنجح ؟
زفر بملل ثم طالعها بعتاب يردف بحزن صناعي :
- ليه إكدة بس ياما ؟ ده بدل ما تدعيني ؟ كسرتي بخاطري .
صفعت كتفه تصيح :
- هتعملهم عليا يا ولد الحنانوة ؟ ياواد دانا خبزاك وعچناك صُح ، أوعاك تفكر إن الكام السنة اللي جعدتهم في روسيا هينسوني عمايلك .
نظر لها بنصف عين ثم استنجد بشقيقه الذي يبتسم قائلًا :
- ماتتوسط لي عند الحاچة يا أخوي ينوبك ثواب ، ده جلبها وربها راضيين عليكِ ، يابختك .
صاحت بحنان مستتر :
- رتيبة ، حضري الوكل لچابر ، وماتنسيش كوباية الحليب .
التفت يطالعها فوجدها تحدجه فابتسم يميل عليها وينطق بمزاح :
- أهي طيبة جلبك دي يا صبوحة اللي مشندلة حالك .
- عندك مانع ؟
نطقتها بنظرة حادة فابتسم يرفع يديه باستسلام بينما تساءل عمار وهو يبحث بعينيه :
- أومال نوارة فين ؟
أجابته صابحة بنبرة حنونة تتبدل خصيصًا له :
- طلعت السوج هي ونهاد يشتروا شوية طلبات .
استرسل يتساءل باهتمام :
- وخدو حمزة وياهم ؟
هزت صابحة رأسها تردف :
- لا ياحبيبي نايم چوة ، زمناته حيصحى .
أومأ يزفر لينتبهوا لطرقات الباب تبعها دخول عبد الوهاب ومعه مهران يلقيان السلام ، بينما ينظر الأول إلى ابنه عمار قائلًا :
- يالا يا ولدي ، چاهز ؟
نهض عمار وتنفس بقوة ثم أومأ يردف بثبات يخفي توتره :
- جاهز يابوي ، توكلنا على الله .
أردف جابر وهو ينهض :
- خلاص يا خالة رتيبة خلي الفطار بعدين .
نهض فطالعه والده بضيق يردف موبخًا :
- ماخبرش كيف هتفتح شركة وتبجى مسؤول عن أمن شركات تانية وانت حالك متشندل إكده .
ابتسم جابر وتقدم منه حتى وقف أمامه يردف بنظرة تحدٍ لم تقلل من احترامه له :
- وحياة محبة الحاچ عبد الوهاب في جلبي بكرة تشوف الشركة دي هتبجى كيف ، ابنك دماغه تتاجل بالدهب يابــــــــــــوي .
نظر له بسخرية بينما صفعه مهران على كتفه يردف معترضًا وهو يحثه على التقدم :
- مش لما تصحى بدري لوَل ، يالا ياحاچ هنتأخر .
تحركوا جميعهم فأوقفتهم رابحة تنطق بتلهف وقلق :
- ابجوا طمنوني يا عبده .
التفت زوجها ينظر لها بمقلتين مطمئنتين ويردف :
- ماتجلجيش يا أم مهران ، إن شاء الله خير .
تحركوا يغادرون ليتساءل جابر بترقب أزعج مهران وجعله يزفر بضيق :
- عمي حسنين چاي ويانا ؟
أومأ عبد الوهاب وهو يستقل سيارته ويوضح :
- أيوة چاي هو وولده ، الرچالة اللي چايين ويانا كتير ومستنيينا على الحدود ، يالا عاد .
❈-❈-❈
عاد معتز من سفرته
واليوم يعود بنشاطه لشركته وعلى وجهه تتجلى ملامح العزيمة للنيل من جابر وسحقه قبل حتى أن ينهض .
يعلمه جيدًا ، ويدرك أن مجيئه لشركته ليس لمد يد السلام كما قال ، بل لإشعال فتيل التحدي والحرب ، لذا فهو مستعدٌ له ، بل كان ينتظره منذ أن سافر .
رفع سماعة هاتفه وطلب حضور ريم إليه ، فنهضت تتحرك بالفعل نحو مكتبه وطرقت الباب فسمح لها فدلفت تردف برسمية وابتسامة عملية :
- اتفضل يا مستر معتز !
حدق بها مبتسمًا وتساءل بخبثٍ :
- چابر آل حانا حاول يكلمك تاني ؟
هزت رأسها بلا تخبره :
- لا يا فندم ، هو منتظر مننا اتصال ، أنا بلغته لما ترچع هنكلمه .
أومأ مرارًا وشرد لبرهة يفكر ثم ابتسم ونطق :
- طب خلاص كلميه ياريم ييچي ونشوف هو عاوز إيه .
تعجبت من قبوله بعد رفضه وغضبه حينما أخبرته في الهاتف ، ولكنها تجاوزت تومئ حيث ظنته أعاد تفكيره وقرر مساعدته لذا ابتسمت تجيبه :
- تمام أنا حتواصل معاه وابلغه وأقول للأمن يسمحوله .
تحمحم يردف بهدوء خبيث :
- كلميه إنتِ ياريم وأنا هبلغ الأمن يسيبوه يدخل .
أومأت وسألت قبل أن تغادر :
- تمام ، في حاچة تانية ؟
هز رأسه يردف وهو ينظر في حاسوبه :
- لا شكرًا ، اتفضلي .
تحركت بالفعل تغادر عائدة إلى مكتبها ثم التقطت هاتفها تتنفس بعمق وقررت مهاتفته .
طلبت رقمه وانتظرت بترقب ولا تعلم سبب تسارع نبضها بهذا الشكل ، فما تفعله هو أمرٌ اعتادت عليه ، لما تشعر بقلبها يدق كالطبول ؟
التقطت تنهيدة عميقة تنتظره ليجيب ولكنه لم يفعل لذا أغلقت ووضعت الهاتف تتمتم بخفوت وضيق :
- براحتك .
❈-❈-❈
أسواق الأقصر مختلفة عن غيرها ، تمتزج مع قسوة الحجارة ، وعبق التاريخ ، وشموخ الأثار .
يغمرها بعض الغموض ، وهذه طبيعة الأجواء هنا ، لذا فالسائح حينما يأتي ينبهر بالتراث قبل المنتج فيصبح على موعدٍ مع جلب الكثير من الأعراض لتظل هذه المدينة عالقةً في ذهنه مهما ابتعد .
تسيران في الطرقات تبتاعان الكثير من الأغراض، تجمعهما علاقة أخوة وصداقة منذ أن دلفت نهاد القصر ، ولكن أحيانًا تتخذ نوارة من الصمت سبيلًا ، حيث أنها تخجل من الحديث عما يصيبها خوفًا من نعتها بالمجنونة .
وقفتا أمام دكان أثري يعرض حلى يدوية واكسسوارات تحمل عبق وهوية الفراعنة ، مدت نهاد يدها تتلمس الخواتم ذات الشكل الجذاب ، والتقطت أحدهم تدقق النظر فيه ، خاتم ذو فصٍ أحمر ناري متوهج ، يثير نظرتها نحوه وتشعر بالانجذاب ، ليتحدث البائع بنبرة تسويقية كلاسيكية :
- دي اسمه خاتم السعادة ، كل اللي اشتراه بيجول إن بيدي طاجة وجوة لصاحبه بتخليه يحس إنه مبسوط ، والطُرج بتتفتح جدامه ، الحچر اللي فيه ده چايبينه من مجبرة فرعونية مهواش تجليد ، جربي يا ست البنات وهتشوفي إن كلامي صُح.
لم تتقبل نوارة حديثه ولا تؤمن به بمقدار ذرة لذا استنفرت فشعرت بصداعٍ يقتحمها لذا نطقت وهي تميل على نهاد :
- خلينا نمشي من إهنة يا نهاد دلوك .
أوقفتها نهاد تردف بشرود وعقلها منشغلٌ بالخاتم وقدراته المذكورة :
- استني بس يانوارة .
رفعت أنظارها تتساءل وكل ما يجول في خاطرها استحضار السعادة لحياتها مع مهران :
- بكام الخاتم ده ؟
ابتسم البائع وأردف يحرك يديه بابتسامة مهنية ماكرة :
- هيبجى كَتير عليكي ده يابتي ، أچبلك نوع تاني تشوفيه ؟
قالها وهو يستل خاتمًا آخرًا ذو فصٍ أزرق وهجه هادئ بعض الشيء وكاد أن يعرضه عليها ، ولكن لكزتها نوارة مجددًا حيث لم تحب طريقته ونطقت بملامح مشدودة :
- نهاد جُلتلّك يالا نمشي .
التفتت نهاد تطالعها بتعجب لتجدها عابسة لذا نظرت للرجل ونطقت وهي تناوله الخاتم :
- خلاص ياعم شكرًا ، هبجى أمُر عليك وجت تاني .
تركت الخاتم في يده وتحركت تغادر مع نوارة ولكنه أسرع يوقفها قائلًا :
- وجفي طيب ، حعملك تخفيض .
التفتت تشكره مضطرة :
- معلش وجت تاني .
ولكنه كان لحوحًا فعاد يتحرك نحوهما وفي يده الخاتم قائلًا :
- خلاص خديه حلال عليكي وادفعي اللي إنتِ رايداه .
هذه المرة التفتت نوارة تطالعه بملامح مكفهرة وصاحت بنبرة غليظة تفاجأ الرجل منها وعاد بخطواته للخلف :
- جالتلك وجت تاني ، ارجع مكانك أحسنلك .
التفتت تخطو مع نهاد المصدومة من ردة فعلها ، لا تعلم كيف أتتها الجرأة وفعلت هكذا ، هي ذاتها تعجبت من جرأتها ونبرة صوتها ولكنها لا تحب طريقة الإلحاح هذه ، خاصةً حينما شعرت بنهاد تستجيب وتصدق كلماته .
لتنطق الأخرى بتعجب وهي تلحق بها :
- كبرتيها يا نوارة ، براحة شوي .
طالعتها بضيق ونطقت معاتبة :
- إنتِ واجفة تفكري في كلامه يا نهاد ؟ خاتم إيه اللي بيچلب السعادة ؟ ده حديت چاهل بتصدجي كيف ؟
خجلت نهاد ونطقت توضح بمراوغة :
- ماصدجتش حديته بس الخاتم شكله عجبني .
تنفست نوارة بعمق وأومأت تتجاهل ما حدث وتبتسم قائلة :
- خلاص حُصل خير ، يالا نروّح لإن راسي وچعتني .
❈-❈-❈
في قصر آل حامد
الجميع متأهب بشكلٍ قاسٍ
الحراس تضاعف عددهم فباتوا يعبؤون حديقة القصر وحدوده ، والجد زيدان وولده وحفيديه وأشقائه وأولادهم اجتمعوا لاستقبال عائلة آل حانا .
التأهب الأشد والحزن الكبير كانا من نصيب فرحة التي تقف مع النساء في شرفة علوية كبيرة ، تطل على المجلس الذي سينعقد وتنتظر القرار .
تشعر بأن جدها سيتنازل عن الثأر ، وهذا الشعور وُلد منذ زمن ولكن عززه موقفه منذ أيام حينما ألقى بقراراته وعقابه عليهما .
ما فعله أيوب أيقظ وحش جده ، فهو لا يحب خيانة العهود بأي شكلٍ كان ، نعم لديهم ثأر مع عائلة آل حانا ولكنه يوقن أن حتى العداوة لابد أن تكون نزيهة .
لذا فهي اتخذت قرارًا يعد الأصعب من بين القرارات ، في حالِ قبَل جدها بالصلحِ وتنازل عن ثأر شقيقها ؛ حينها ستقتله هي ولن يوقفها شيئًا هذه المرة ، وليحدث بعدها ما يحدث حتى لو قتلوها ، فالموت بالنسبة لها أحن وأرحم من هذه الحياة الثقيلة التي باتت تعيشها ، باتت تشبه هذا القصر القاسي وجدرانه الشامخة وقلبه الأجوف الذي لا يعرف اللين أو التنازل .
إن لم تفعلها بخنجرٍ ، وإن لم تفعلها برصاصةٍ ، ستفعلها بالسُم ، عاجلًا أو آجلًا .
حضر رجال عائلة آل حانا ، يصفون سياراتهم السوداء ، في مشهدٍ مهيب ، واستقبال أشد هيبة برغم قوة العداء .
تعالت الأصوات في المجلس ، وتهافتت الترحيبات المشحونة بالتوتر ونظرات الغضب والكرم في آن .
كانت منصورة تجاور فرحة من الأعلى وتسلطت عينيها على شقيقها وأولاده ، اشتاقت لهم كثيرًا وتخشى حتى البوح بذلك .
رفع عبد الوهاب نظره تلقائيًا كأن قلبه أخبره بمكانها ، والتقت عيونهما في نظراتٍ لو تجسدت لكانت عناقًا حارًا تبكي له الحجارة ، يطالعان بعضهما بحديثٍ صامت وكلماتٍ تختبئ خلف لمعان مقلتيهما ، يخبر كل منهما الآخر بأن الشروق سيتجلى قريبًا وسينقشع ذلك الظلام الذي منعهم عن بعضهم .
حثه إبنه مهران على التقدم حينما وجده شاردًا فتحمحم يخطو بثباتٍ نحو مقعده .
تحدثت إحدى نساء العائلة بمؤازرة وهي تربت على كتف منصورة :
- يارب يحصل الصُلح يا أم يونس وترچع المية لمچاريها .
حدجتها فرحة بنظرة سوداء معبأة بالحقد فاعتدلت السيدة تبعد يدها عن كتف منصورة التي فهمت ونظرت لها تبتسم قائلة وهي تقف حائلةً بينهما :
- ربنا يجدم اللي فيه الخير يا أم عبد المعطي .
لم تسمعها فرحة حيث سلطت أنظارها على عدوها اللدود عمار آل حانا الذي يجاور والده ويخطو نحو المقعد برأسٍ شامخة ، كأنه لم يكن يومًا مذنبًا ، يدخل على قدميه القصر الذي قتل أحد أبناءه ، ولم تعِقه إصابة ذراعه في شيء ، في هذه اللحظة تمنت لو أنها تمتلك قوة خارقة أو أشعة ثاقبة تخترق بها قلبه فيسقط صريعًا في الحال ، تعاظم كرهها له خاصةً حينما وجدته ينظر لشقيقها أيوب بتحدٍ والآخر مُجبرٌ على التحمل احترامًا للرجال وطواعية مجبر عليها ، وإلا انقض عليه وقتله .
وهذا القدر من التحمل يخنقها ويقبض على روحها فتشعر أنها ستنفجر من وجوده ورؤيته ولكنها أيضًا مُجبرة على الانتظار والمتابعة ، فهي لا تعلم مايدور في خُلد زيدان آل حامد .
في مركز المجلس جلس الحاچ زيدان آل حامد ، وأمامه جلس عبد الوهاب ، وبينهما على الطرفين جلس عددٌ كبيرٌ من الرجال ومن حولهم يقف عددٌ أكبر حتى يظن من يراهم أن هناك حربًا على وشك أن تبدأ .
بدأ المجلس بخطبة دينية مؤثرة من يونس آل حامد ، بنبرة عالية شامخة يوضح فيها أهمية الصلح والتسامح وعقاب القتل بغير نفسٍ ، هذه الخطبة ليست جديدة على مسامعهم ولم تؤثر على القلوب المتعطشة للدماء في شيء ، ولكن كلمات يونس تحمل رونقًا مميزًا به تجعل من يسمعها يقلبها في عقله، يفكر بها، يحاول فهمها والتعمق فيها.
نبرة يونس وشرحه لوسطية الدين اخترقا قلوبٍ أرهقها الألم والحزن، كقلبي عمار ومهران مثلا، وانتهى ابن العمة من خطبته الثمينة، لينطق بعدها زيدان بصرامة وهو يمسك بعصاه بيدٍ متصلبة تظهر صلابته التي لا يثنيها الزمان :
- من خمس سنين ولدنا اتجتل ، ومارضناش ناخد عزاه غير لما ناخد بتاره ، وبعدها اتجال إنه كان بالخطأ والحكومة برأت ابنكو ، واحنا احترمنا الجانون ، بس اللي وصلنا بعد اكده إنه كان جتل عمد ، وان ابنك هدد حفيدي جبلها بأسبوع ، وانكوا اخفيتوا الأدلة ، علشان إكده النار جادت جوانا تاني ، وحسينا إن فيه غدر صدر منيكم ناحيتنا ، وانتوا خابرين زين إن الحوامدة بيكرهوا الغدر والخيانة ، وبرغم إكده عملت حساب للنسب اللي بيناتنا ، واستنيتك انت تحكم في الموضوع ده بالحج كيف ما بتحل مشاكل الناس يا عبد الوهاب ، بس لحد دلوك مافيش غير العداوة والدم ، وأخرة الطريج ده واعرة ، والدليل اللي حُصل على يد حفيدي من كام يوم ، وبرغم اني مايرضنيش اللي عمله ، بس لازمًا يتحط حد للموضوع ده والحج اللي لينا عنديكم ناخده ، علشان إكدة اتچمعنا النهاردة، جولوا اللي عندكم قدام الكل ، وجدموا قربانكم ووجتها نشوف نجبل بيه ولا لا .
نظر عبد الوهاب نحو عمار الذي أومأ بعينيه فعاد يطالع زيدان والجميع ، وينطق بنبرة ثاقبة قوية لا تتزعزع بين الرجال :
- كلامك كله على راسنا يا حاچ زيدان ، وكيف مانت عملت خاطر للنسب اللي بيناتنا ، إحنا كمان عملنا خاطر كَبير جوي ، ومعروف عن عيلة آل حانا إنهم لا في يوم غدروا ولا خانوا ، والحادثة اللي حُصلت مع ولدي كانت بالخطأ كيف ما الأدلة جالت ، واللي جه بعد إكده فتنة وزور وتوجيع وانتوا صدجتوه .
تنفس عبد الوهاب بعمق يسترسل بنظرات ثاقبة نحو زيدان :
- الحج اللي إنت كنت رايده مني هو تأميني لولدي ، لإني خابر زين إنه أخطأ بس ماغلطش ، علشان إكدة مايستاهلش يتعاجب على حاچة مش بطوعه ، ولولا إننا لا بنغدر ولا بنخون كان زمان التار بجى سلسال دم بين العيلتين بسبب ولد ولدك أيوب ، أني حافظت على ولدي وحافظتلكم على ولدكم ، وإحنا إهنة النهاردة علشان اللي عمله آخر مرة دي مايتكررش تاني واصل، وجينا نجدم يدنا بالصُلح والخير وننهي العداوة اللي ماحدش منينا مستفيد منها بحاچة .
التفت زيدان بعدما انتهى عبد الوهاب من كلماته ، يتطلع على حفيده الذي كاد أن يتحول إلى ذئبٍ شرس يهاجمهم دون رحمة ، الغضب جعله يجلس على صفيحٍ ملتهب .
وهو يسعى كي لا يصيبه مكروه لذا عاد ينظر حوله ليجد أصوات أراء الرجال تداخلت في بعضها والكل يحاول إبداء رأيه ونثر كلمات العفو أو اللوم ، لذا دب الأرض بعصاه فسكت بعضهم وتهامس البعض الآخر وترقبوا وهو ينطق ناظرًا إلى عبد الوهاب :
- وإيه المجابل يا عبد الوهاب ؟ عندك اللي تجدمه ولا نحكم إحنا ؟
للمرةِ الثانية يعاود عبد الوهاب النظر لأولاده وآخرهم عمار ، يطالعه بنظرة متفق عليها مسبقًا ليفهمها ولده وينهض بين الرجال يقف بثباتٍ ، في ظهره إخوته ومن أمامه عدوه لذا تسلطت أنظاره على زيدان دون غيره ونطق بجسارة لا سبيل سواها :
- أني واجف جدامكم دلوك وطالب الصُلح ، ويشهد ربنا عليا إن يدي ماتمدش على ولدكم بالغدر ولا بالعمد ، علشان إكده أنا بطلب يد بتكم فرحة على سنة الله ورسوله .
•تابع الفصل التالي "رواية صياد النايا الحانا " اضغط على اسم الرواية