رواية ياسين وليلى الفصل الثالث 3 - بقلم زينه عماد
— معتز سيبه عشان خاطري…
الكلمة طلعت مني مبحوحة ومتأخرة ثانية… ثانية كانت كفاية إن معتز يتجاهلني.
نزل بالبوكس على ياسين بكل قوته، واحدة ورا التانية، وهو بيشتم وصوته مبحوح من الغضب.
مكانش سامع حد، ولا شايف حد.
كان بيكرر كلمة واحدة بس، كأنها كل اللي جواه:
— إياك تقرب منها تاني… إياك حتى تسمح لنفسك تفكر في ده.
الناس اللي في الكافيه اتلمّت، أصوات عالية، كراسي بتتزق، ومحاولات يائسة يفصلوا بينهم.
اتنين مسكوا معتز، واحد شد ياسين، وهو لسه بيقاوم، كأنه مستني اللحظة دي من زمان عشان يطلع كل اللي كاتمه.
وأخيرًا… قدروا يفصلوهم.
معتز قرب مني.
وشه كان متشدّد، ومناخيره بتنزل دم من ضربة ردّها له ياسين، بس ولا كأن في حاجة وجعاه.
— يلا… قدامي.
قربت خطوة وصوتي طلع لوحده:
— معتز، مناخيرك بتجيب دم.
لف ناحيتي بعصبية، أول مرة أشوفها عليه بالشكل ده:
— سيبك من زفتي دلوقتي، وامشي قدامي يا ليلى.
مشيت قدامه، وإيدي بتترعش لدرجة إن شنطتي وقعت مرة… واتنين.
قرب بعصبية، شالها ومدهالي.
— أدي الشنطة… ياريت نخلص بقى.
جريت ناحية العربية، فتحت وقعدت.
هو دخل ورايا، قفل الباب بعنف، وصوته كان عالي وهو بيستغفر.
وفجأة صرخ، وضرب بإيده على الدركسيون.
— معتز، إيدك… حاسب.
بص ناحيتي بنظرة نار:
— تعرفي تبعدي عني؟ ابعدي عني.
قربت منه أكتر، وقلبي بيخبط:
— طب اهدي بس… مش هبعد عنك. فين المناديل؟
هز راسه بعصبية:
— مش عايز منك حاجة. سبيني بقى. هوصلك بيتكم، ومش عايز أعرفك تاني يا ليلى… ولا نتقابل تاني. خلاص، علاقتنا انتهت.
اتخضيت، وصوتي خرج مكسور:
— إنت بتقول إيه؟
ضحك ضحكة موجوعة، مليانة قهر:
— إيه؟ مكفكيش وجع فيّا؟ لسه مشبعتيش؟
— أنا قعدت عمري كله بحاول أهتم بيكي، على أمل تحبيني.
— وفي الآخر أول ما ظهر سي ياسين، جريتي عليه، ونسيتي إن في واحد اسمه معتز بيحبك.
صوته كان بيطلع متكسر:
— كنت بحاول أمسك نفسي وإنتي بتحكيلي… عشان واعدك أكون ليكي الصاحب قبل الحبيب.
— كنت بطلع عصبيتي في أي حاجة غيرك… عشان مأذكيش.
— إنتِ دمرتينا يا ليلى.
كنت بعيط، من غير صوت، من غير قدرة على الرد.
ولا كلمة.
ولا حتى نفس.— طب ممكن تسمعني؟
صوتي كان واطي ومكسور، كأني بخبط على باب مقفول من زمان.
بص قدّامه، ما ردّش، فكمّل وأنا بحاول أتماسك:
— سمعتك كتير… وده كان دايمًا على حساب قلبي. بس كفاية وجع له بقى… كفاية.
سكت.
ماكنتش هعرف أرد أكتر من كده.
كنت عارفة إني جرحته كتير، وكنت متأكدة إنه ماكنش يستاهل مني ده خالص.
ساق العربية في صمت.
ولا كلمة.
ولا حتى نفس طويل.
بعد عشر دقايق كان واقف قدّام بيتنا.
وقف فجأة، وكسر الصمت بصوت ناشف:
— انزلي.
بصّيت له بخوف ولهفة في نفس الوقت:
— طب… إنت كويس؟
لف ناحيتي بعصبية:
— قلت انزلي يا ليلى.
نزلت من غير كلام.
قفلت الباب ورايا بهدوء، وكأني خايفة أي صوت زيادة يوقع اللي فاضل مني.
دخلت البيت وأنا بجري، الدموع سبقتني.
قلبي كان بيوجعني المرة دي بجد… وجع تقيل.
مش عارفة أعيط على نفسي، ولا على معتز، ولا على علاقة دمرتها بإيدي عشان واحد ماكانش يستاهل.
دخلت أوضتي، قفلت الباب، وزحلقت على الأرض.
قعدت أعيط، منهارة، وظهري لازق في الباب، كأني بستناه يخبط…
بس محدش جه.مرّ ساعتين وأنا بعيط، لحد ما سمعت خبط خفيف على الباب.
قومت بالعافية، مسحت دموعي بسرعة وفتحت.
كانت رنا.
ما قالتش ولا كلمة. حضنتني بس، حضن طويل ودافي، وكل اللي عملته إنها كانت بتطبطب عليا، كأنها فاهمة إن الكلام دلوقتي زيادة.
بعد خمس دقايق، وبعد ما نفسي بدأ يهدى شوية، بصّتلي وقالت بهدوء:
— هديتي؟
هزّيت راسي:
— آه.
قعدت قدامي وقالت:
— طب اقعدي احكيلي… حصل إيه؟
— معتز بعتلي رسالة وقالّي أكون معاكي.
مجرد ما سمعت اسمه، الدموع نزلت تاني من غير ما أقدر أسيطر.
ازاي… لسه قادر يفكر فيّا بعد كل اللي عملته فيه؟
حكيت لها كل اللي حصل، من أوله لآخره.
كانت سامعة من غير ما تقاطعني، عينيها عليّ، وصوتها ثابت.
بعد ما خلصت، سألتني سؤال واحد:
— انتي دلوقتي بتعيطي عشان ياسين؟ ولا عشان معتز أنهى علاقتكو؟
سكت شوية، وبعدين قلت وأنا تايهة:
— بعيط عشان مش فاهمة نفسي… ومش قادرة أفهم أنا عايزة إيه.
بصّتلي بنظرة خفيفة فيها عتاب وحب:
— ليلى، انتي دكتورة نفسية. بتفهمي وبتحللي شخصيات الناس… إزاي مش قادرة تحللي مشكلتك؟
ابتسمت ابتسامة مكسورة:
— لأني مش قادرة أكون صريحة مع نفسي.
— مش قادرة أعترف أنا عايزة إيه.
قامت من مكانها وقالت بنبرة أخف:
— طب إيه رأيك تقومي تهدي شوية، تغيّري لبسك، ونقعد تحت في الجنينة؟
— وأنا هروح أعمل لنا اتنين هوت شوكليت.
ضحكت غصب عني:
— طب مش شايفة إنك اتعودتي على البيت أوي؟
ضحكت وقالت:
— الله! وانتي مالِك؟ أختي قالتلي تعالى باتي معايا أسبوع، وأنا وافقت.
فتحت عيني بدهشة:
— بجد؟ هتباتي؟
— آه، أهلي مسافرين.
ابتسمت لأول مرة من قلبي:
— ده أحلى خبر.
— خمس دقايق، هلبس وآجيلك.
قومت، ولسه الوجع جوايا…
بس لأول مرة حسّيت إني مش لوحدي
قالت رنا وهي باصة ليّ بجدية عمرها ما استخدمتها قبل كده:
— طيب يا ليلى، هقولك حاجة.
— أنا شايفة إن معتز بالطريقة دي هتخسريه.
سكتُّ.
كمّلت بهدوء:
— الإنسان في الآخر له طاقة.
— وهييجي عليه وقت ويزهق، مش هيفضل طول عمره يشحت منك الاهتمام.
— بالذات إنه شاب كويس، ومحترم، وشكله حلو، ومنصبه كويس… يعني العين عليه كتير، وأي بنت تتمناه.
حاولت أدافع، حتى وأنا مش واثقة:
— ماشي… بس هو بيحبني أنا.
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
— وأنا عارفة.
— بس السؤال يا ليلى… إنتي ليه مش قادرة تعترفي إنك بتحبيه؟
— إنتي خايفة تعترفي، فيحصل زي ياسين… صح؟
هزّيت راسي بسرعة:
— لا، لا… معتز مش زي ياسين.
بصّتلي نظرة مختلفة وقالت:
— طب اعتبريني الدكتورة بتاعتك.
— واحكيلي… من أول وفاة أهلك.
— إنتي عمرك ما حكتيلي.
حاولت أتماسك، أخدت نفس طويل، وبدأت أتكلم وصوتي واطي:
— كنت راجعة من المدرسة في الباص.
— لقيت ناس كتير متجمعة في أول شارعنا، ومنعوا الباص يدخل.
بلعت ريقي وكملت:
— نزلوني من الباص، وواحدة جارتنا شالتني.
— بس أنا شفت بيتنا… كان مولّع، والناس خارجة، والمطافي بتحاول تطفي.
صوتي بدأ يختنق، بس كمّلت:
— ساعتها ماعيطتش.
— كنت مصدومة، مش مستوعبة حاجة.
وقفت شوية، وبعدين قلت وأنا بشهق:
— غير لما شفتهم…
— تيتا، وعمّتي، وبابا، وماما.
دموعي كانت محبوسة بالعافية:
— مازعلتش على قد ما خوفت من شكلهم.
— كنت صغيرة… ومشهدهم فضل معايا.
صوتي خانني، وبقيت ماسكة دموعي بالعافية.
رنا قامت فورًا، حضنتني جامد، وقالت وهي بتطبطب عليّا:
— خلاص… اهدي يا روحي.
— أنا آسفة إني فكّرتك.
— آسفة.
حضنتها وأنا سايبة نفسي أخيرًا.
يمكن الوجع قديم…بصّتلي رنا وسألت بهدوء:
— طب إنتي روحتي لدكتورة نفسية بعد الحادثة دي ولا لأ؟
هزّيت راسي:
— لا.
— قعدت سنة كاملة مش بتكلم… فاقدة النطق.
بلعت ريقي وكملت:
— تيتا وجدو كانوا بيهتموا بيا، وواحدة واحدة النطق رجعلي.
— لحد ما جدو مات… وبعديه تيتا.
نفسي اتخنق شوية، بس كمّلت:
— لقيت نفسي مع خالو.
— كان شايل مسؤوليتي ومسؤولية نفسه ومسؤولية شغل جدو.
— وأنا كنت لسه صغيرة… بس هو كان بالنسبالي كل حاجة.
سكت لحظة، وبعدين قلت:
— لحد ما قابلت ياسين.
رنا ما قاطعتنيش.
— كان مدرسي وبس.
— بس اهتمامه بيا زاد، والطلبة بدأوا يلاحظوا.
— كنا بنتكلم كتير قوي… والواتس كان مالي عليّا حياتي، حياتي الفاضية بسبب انشغال خالو عني.
صوتي واطي:
— ملقتش الأمان غير فيه.
— اتعلقت بيه قوي.
دموعي قربت تنزل:
— وفجأة… صحيت لقيته عاملي بلوك من كل حتة.
— وبطّل يدي دروس.
— دورت عليه كتير… مفيش أثر.
رنا شدّت على إيدي.
— عدّت سنة… ورجعتلي حالة فقدان النطق تاني.
— وبعد فترة عملت أكونت جديد، ودورت عليه.
— لقيته بينزل وعايش حياته.
نفسي اتكسر:
— انهرت أكتر… وحالتي ساءت.
أخدت نفس:
— لحد ما بقيت في تالتة ثانوي.
— ساعتها ظهر معتز في حياتي.
ابتسمت ابتسامة باهتة:
— كان بيهتم بيا قوي.
— وأنا كنت خايفة… يعمل فيّا زي ياسين.
كملت بسرعة:
— حكيتله كل حاجة.
— اتفهمني، مش زي خالو… لما كنت بحكيله كان بيزعقلي.
سكتُّ، وبعدين اعترفت:
— أنا والله كنت بحب معتز.
— وبهتم بيه زي اهتمامه بيا.
— بس معرفش… أول ما ياسين ظهر، اتلغبطت.
— حسّيت بحنين للماضي أكتر ما حسّيت بحب.
سألتني رنا بهدوء ثابت:
— طب اخترتي ياسين ليه؟
هزّيت كتافي:
— معرفش.
— حسّيت في حاجة جوايا بتقولي ياسين.
— مع إني كنت زعلانة إني مش هبقى مع معتز.
— ومكنتش مستريحة… بس حاربت الإحساس ده.
صوتي واطي:
— ولما رحت… حصل اللي حصل.
قالت رنا بثقة:
— ليلى، إنتي بتحبي معتز.
— أنا متأكدة.
ضحكت ضحكة موجوعة:
— حتى لو بحبه… أنا ماستاهلوش.
— معتز نقي قوي.
— إنتي متخيلة إني أول حب في حياته؟
قربت مني أكتر:
— وفيها إيه؟
— مفيش أحسن منك.
هزّيت راسي:
— بس أنا متكسّرة… حطام.
— هو يستاهل واحدة قلبها سليم ليه.
قالت بحسم:
— هتخسريه أكتر.
— وهو مش عايز غيرك.
سكتُّ لحظة، وبعدين قلت لأول مرة بثبات:
— أنا عايزة أتعالج.
ابتسمت رنا:
— تتعالجي إزاي؟
رفعت عيني ليها:
— هروح لدكتور نفسي.
وساعتها…
حسّيت إن دي أول خطوة حقيقية،
مش عشان حد،
عشاني أنا
~~~~~~~~~~~~~~~
.عند معتز…
دخل البيت وهو حاسس إن الدنيا كلها فوق دماغه.
رمي المفاتيح على الترابيزة وقعد، والصداع بيضغط على راسه كأنه مطرقة.
كانت أمه قاعدة بتتفرج على التليفزيون، أول ما شافته قالت بقلق:
— إيه يا زيزو؟ مالك؟
مسك راسه:
— دماغي مصدعة قوي يا ماما… فين المسكن؟
قامت على طول:
— يا حبيب قلبي استنى، اقعد. هقوم أجيبه لك.
شوية ورجعت، مدت له البرشامة وكباية الميه:
— خد يا عين أمك.
أخد البرشامة، ومدد جسمه على الكنبة، وحط راسه على رجليها.
كانت بتمرر إيدها على شعره بهدوء.
صوته طلع مكسور:
— أنا تعبان قوي يا أمي… تعبان قوي.
شدّت عليه بحنان:
— مالك يا معتز؟ مالك يا بني؟ احكيلي… ليلى صح؟
غمض عينه:
— ليلى… آه، ليلى.
تنهدت:
— مالكو يا عين أمك؟
— ده أكيد عين وصابتكو، والله ما كان في أحسن منكو.
فتح عينه وبص للسقف:
— هو أنا ما اتحبّش يا ماما؟
رفعت وشه بإيدها وبصّتله:
— ده إنت سيد الرجالة.
— تتحب وتتشل فوق الراس.
صوته اتكسر:
— أمال ليه ما حبتنيش؟
— هي مين؟
— ليلى.
هزّت راسها باستغراب:
— ليلى مش بتحبك؟
— إنت مش بتشوف نظراتها ليك ولا إيه؟
— بتحبني… بس زي أخوها.
سكتت شوية وقالت:
— طب احكيلي، إيه اللي حصل؟
قعد يحكيلها كل حاجة، من أول ما ظهر ياسين لحد اللي حصل في الكافيه.
كانت سامعة من غير ما تقاطعه، عينيها عليه وقلبها معاه.
بعد ما خلّص، قالت بهدوء:
— عين العقل يا حبيبي.
— كويس إنك عملت كده، وسمعتها، وكنت جنبها.
ربّتت على إيده:
— ليلى مالهاش غيرك إنت وعاصم.
— وإنت عارف إني بعتبرها بنتي… وبحبها يمكن أكتر منك.
ابتسم غصب عنه.
كمّلت:
— ومتأكدة إنها بتحبك.
— هي بس عبيطة شوية، وأي كلمة بتأثر فيها.
بص لها بتعب:
— وبعدين ليه يا معتز ما بصّتش للموضوع من ناحية تانية؟
— إزاي؟
— يعني مش يمكن ربنا ظهر ياسين ده تاني عشان ليلى تقفل موضوعه من قلبها خالص؟
— مش ده أحسن؟
— كان ممكن يظهر وإنتوا مخطوبين، أو متجوزين، أو حتى معاكو عيال…
— ساعتها كان هيحصل إيه؟
سكت معتز، بس عينه دمعت:
— بس هي وجعتني قوي يا أمي.
حضنته:
— حقك عليّ أنا يا عين أمك.
— بس بالله عليك يا معتز، حلفتك بالله ما تزعل ليلى.
— البنت يتيمة، وبتحبك والله.
تنهدت:
— ولو عليّ أنا، أجيبها وأكلمها.
ضحك ضحكة تعبانة:
— أزعلها إيه بس يا أمي؟
— ده أنا عشان زعلتها النهارده دماغي هتتفرتك أهو.
قالت بابتسامة خفيفة:
— طب ما ترن تصالحها؟
هز راسه بعناد:
— لا… خليها شوية تتربّي وتعرف قيمتي.
ضربت على رجله بخفة:
— كام خيبة عليك!
— قوم يا خويا نام، قوم.
قام ببطء، وهو حاسس إن الوجع لسه موجود…
بس لأول مرة حد قال له
إن اللي حصل
مش نهاية الحكاية.
~~~~~~~~~~~~~~
عند ليلى…
رنّ جرس البوابة.
قامت رنا تفتح، وبعد دقيقة رجعت وهي مستغربة:
— ليلى… في واحدة اسمها هالة عايزاكي.
اتنهدت ليلى، وحسّت إن قلبها شدّ فجأة، بس قررت تحسم:
— قولي لها العنوان غلط… أو إني مش موجودة.
— ما تخليهاش تدخل.
رنا بصّت لها:
— ليه؟
— اعملي كده بس يا رنا.
— حاضر.
بعد عشر دقايق رجعت رنا:
— ما كانتش راضية تمشي، بس أنا مشّيتها.
ليلى ارتاحت:
— كويس.
قعدت رنا جنبها وسألت بفضول:
— مين دي يا ليلى؟
— دي هالة… مرات ياسين.
— وإيه اللي جايبها لك؟
هزّت كتافها:
— أنا أعرف منين؟
— قومي يلا نأكل.
رنا قامت بحماس:
— يلااا بينا، أنا هموت من الجوع.
— وعلا عاملة صينية مكرونة بشاميل… هتاكلي صوابعك وراها.
ابتسمت ليلى لأول مرة من قلبها:
— تسلم إيديها.
وهي طالعة على السلم، مسكت الموبايل.
دخلت على رقم ياسين…
وعملت له حظر.
كملت طلوع، وقعدت تحت في الجنينة مع رنا، وعلا مرات خالها اللي هي في نفس الوقت أخت رنا.
قعدت تحكي وتضحك، وخالها قاعد قدامها.
بص لها وقال بهدوء:
— أتمنى يكون موضوع ياسين ده خلص.
— خلص يا خالو.
ابتسم:
— طب كويس يا حبيبتي.
— ركزي مع نفسك بقى… ومع معتز.
— خطوبتكو الأسبوع الجاي.
اتنهدت ليلى:
— معتز لغى الخطوبة.
اتخض:
— لغى؟ إزاي؟ ما قالّيش حاجة.
— يمكن نسي.
رفع حواجبه:
— نسي؟
— ودي حاجة تتنسي؟
— إنتوا بتستعبطوا؟
— هو عرف اللي حصل؟
— آه.
— أنا أبقى أكلمه.
هزّت راسها بسرعة:
— سيبه يا خالو… براحتُه.
— ما تضغطش عليه.
مرّ أسبوعين…
ليلى بدأت جلسات نفسية.
كانت حاسة إنها بتتحسّن.
حاجات كتير اتغيّرت جواها بهدوء.
ياسين جه البيت مرة، قالها إنه هيسافر ويبعد.
وفي الأسبوعين دول، ليلى اكتشفت مشاعرها الحقيقية تجاه معتز…
من اشتياقها له،
ومن قلبها اللي كان بيدق أول ما اسمه يتقال.
أوقات البُعد…
بتخلّينا نشوف اللي القُرب كان معميّنا عنه.
في الجلسة…
كانت ليلى قاعدة قدام دكتورتها.
— طب علاقتك بربنا عاملة إيه يا ليلى؟
— كويسة.
— يعني منتظمة في الصلاة؟
— أوقات بقطع.
— يعني بتصلّي قيام، وبتقري أذكار وكده؟
— لا… أنا يدوبك الفروض بس.
— بتقري قرآن؟
— لا… بس أنا ختماه قبل كده.
ابتسمت الدكتورة:
— بسم الله ما شاء الله.
— طب ليه بعيدة كده؟
سكتت ليلى شوية:
— ما كانش في حد يوجّهني.
قالت الدكتورة بهدوء وحكمة:
— إنتي عارفة لو كنتِ قولتيلي إن علاقتك بربنا وحشة، كان الموضوع سهل قوي.
— بصّي يا ليلى…
— أوقات ربنا بيختبر العبد عشان يرجّعه له.
— يلخبط له حياته، ويحسّسه إنه تايه…
— عشان يرجع له، ويدّيه السكينة.
قربت منها شوية:
— أنا عايزاكي النهارده، لما تروحي، تغتسلي،
— وتصلي ركعتين توبة لله.
— وشوفي إيه اللي هيحصل.
ابتسمت بثقة:
— أوعدك… حياتك هتتظبط.
— وإن شاء الله الجلسة الجاية تكون آخر جلسة.
عيني ليلى لمعت:
— شكرًا يا دكتور.
قامت…
والمرة دي، وهي خارجة من الجلسة،
ما كانتش بس حاسة بأمل.
كانت حاسة
إنها أخيرًا
ماشيه في الطريق الصح.
رجعت ليلى البيت، وعملت زي ما الدكتورة قالت لها.
اتغسلت، وفرشت سجادة الصلاة، وقعدت عليها.
دموعها نازلة بهدوء، من غير نحيب.
— يا رب سامحني…
— أنا أذنبت كتير وغلطت كتير، بس كنت تايهة.
— وجّهني يا رب للصح، واختَرلي إنت.
— أنا مش عايزة غير إن حياتي تتظبط.
كانت لسه رافعة إيديها بالدعاء، لما سمعت خبط خفيف على الباب.
كان خالها.
— ليلى… إنتي عارفة إن سنوية أهلك النهارده؟
نزلت عينيها للأرض:
— آه يا خالو.
سألها بحذر:
— معتز هيجيلك؟
هزّت راسها:
— لا.
— تمام.
خرج وسابها.
اتنهدت بتعب.
كانت متعودة كل سنة إن معتز ييجي، ياخدها الملاهي في اليوم ده، عشان ينسيها الوجع اللي جواها.
قامت لبست بهدوء.
لبست كاريجان طويل، ولمّت شعرها تحته، وحطت طرحة على راسها.
خدت عربيتها وراحت الجنينة اللي جنب بيتهم.
قعدت على الدكة، والبرد ماسك في إيديها، والدموع بتنزل وهي بتفتكر ذكرياتها مع أهلها…
ضحكهم، صوتهم، البيت وهو مليان.
~~~~~~~~~
عند معتز…
رنّ عليه عاصم.
— معتز، أنا عارف إنك زعلان من ليلى، بس هي محتاجاك دلوقتي.
— أنا مش قريب منها زيك عشان أكون معاها.
تنهد معتز:
— أنا كده كده كنت جايلها يا عاصم.
— عشان نخرج. خليها تلبس.
— هي خرجت من شوية.
— خرجت فين؟
— تلاقيها في الجنينة اللي جنب بيتنا… زي ما متعودة.
— تمام.
قفل معاه، كمل لبسه، وخد عربيته.
وصل الجنينة، دخل، وفضل يدوّر بعينه.
شاف بنت قاعدة على الدكة، طرحتها مغطيّة وشها، ولبسها شبه عباية.
استغرب…
بس قلبه عرفها قبل عينه.
قرب منها.
رفعت ليلى وشها أول ما حست بيه.
— معتز…
صوته كان هادي:
— إنتِ إيه اللي مقعدِك هنا في البرد ده؟
— كنت بشم شوية هوا.
قعد جنبها وقرب.
كانت ساكتة، مش قادرة تتكلم.
وبالعافية قالت:
— متسبنيش يا معتز…
— عشان خاطري، متسبنيش تاني.
حط إيده على راسها بهدوء:
— هششش… خلاص يا ليلو.
— مش هسيبك تاني.
ميلت براسها عليه.
شوية، وحس بتقل راسها على كتفه…
عرف إنها نامت.
طلع السماعات من جيبه، وحطهم لها بهدوء، عشان يمنع شوية الدوشة اللي حواليهم وتعرف تنام.
تنهد، وصوته طالع واطي قوي:
— وحشتيني يا ليلى…
— وحشتيني قوي.
رخّى جسمه، وغَمّض عينه.
والمرّة دي…
الوجع ما كانش لوحده.
مرّ ساعتين،
معتز قاعد سرحان قدّامه، عينه على الشجر، وليلى نايمة وراسهـا على كتفه.
بدأت تفوق شوية شوية، وهي مش مستوعبة إن معتز قدامها.
رفعت راسها فجأة:
— معتز… إنت إيه اللي جابك؟
ابتسم بهدوء:
— مساء النور.
استغربت أكتر وبصّت حواليها:
— أنا فين؟
— في الجنينة.
— وإيه اللي نوّمني هنا؟
— اسألي نفسك.
سكتت ثانية وبعدين بصّتله:
— طب وإنت إيه اللي جابك؟
بصلها بنظرة عتاب دافي:
— وأنا من إمتى بسيبك في اليوم ده لوحدك؟
اتنهدت بوجع:
— آه…
— ما كنتش تسيبني؟
— ما إنت بقالك أسبوعين مش بتسأل فيّا.
ابتسم ابتسامة خفيفة:
— والله يعني مليش حق؟
رفعت حواجبها:
— لا… مالكش.
— ماشي يا ستّي.
— يلا عشان نروح، تكمّلي نومك.
قامت وهي بتتمطّى:
— عايزة آيس كريم.
— لا، الجو برد.
— يلا أجيبلك إندومي.
ضحكت:
— خالو مانعُه يدخل البيت.
انفجر ضحك:
— فاكرة وإنتِ في ثانوي لما كنتِ بتقولي:
— «عايزة أدخل الجامعة وأكبر عشان أجيب إندومي وخالو ما يزعقليش»؟
— دلوقتي بقيتي دكتورة ولسه بيزعقلك.
ابتسمت:
— الفكرة إنه مش بيزعقلي…
— أنا اللي بحترمه.
هز راسه وهو بيضحك:
— عارف…
— عشان كده بتجبيه عند رنا من وراه زي الحرامية.
زقّته بإيدها:
— معتز، خلاص بقى.
— يلا عشان عايزة أنام، ورايا جلسة بكرة.
وقف فجأة:
— جلسة إيه؟
— إنتِ مش قافلة العيادة؟
— آه… دي ليا.
استغرب:
— ليكي؟
— آه.
— بروح جلسات بقالى أسبوعين.
سكت ثانية وبعدين قال:
— وده ليه؟
— عادي…
— كنت محتاجة حد أحكيله.
حط إيده على راسه:
— أقسم بالله إنتِ مصممة تنهي عليّ.
— يلا يلا… أروحك.
روحها، وكل واحد دخل ينام.
بس الاتنين كانوا حاسين إن
يمكن… أخيرًا حياتهم ترجع تستقر.
صحيت ليلى بنشاط.
صلّت، لبست، وراحت الجلسة.
بعد ساعة، الدكتورة ابتسمت وقالت:
— أظن كده إنتِ مش محتاجة جلسات تاني.
ابتسمت ليلى براحة:
— الحمد لله.
— كانت فرصة سعيدة يا ليلى.
— وأنا أسعد.
— سلام.
— سلام.
خرجت ليلى من العيادة…
بس اتجمّدت مكانها.من إلى مستنيها برا............
•تابع الفصل التالي "رواية ياسين وليلى" اضغط على اسم الرواية