رواية عشق بين حنايا الروح الفصل الثالث 3 - بقلم نورهان العشري

 رواية عشق بين حنايا الروح الفصل الثالث 3 - بقلم نورهان العشري

طية الروح الثالثة 🌹
يحدُث أن يكرهك أحدهم، لا لأنك شخص سيئ، بل لأنك جيد بالقدر الذي يجعله يرى مدى بشاعته.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
هَبت كاميليا من مكانها تنظر إليه بعدم تصديق، لتندفع صفية من خلفها قائلة بصدْمة:
ـ أنت بتقول إيه يا يوسف؟؟
يوسف بثبات:
ـ اللي سمعتيه يا ماما.. كاميليا بنت عمي مراد وطنط زهرة.
أخيرًا، تحدثت كاميليا بضعف قائلة بعدم فهم:
ـ أنا مش فاهمة حاجة.. إيه اللي إنت بتقوله دا يا يوسف؟
نظر إليها يوسف للحظات قبل أن يلتفت إلى الخلف ناظرًا لمدخل الغرفة وهو يقول:
ـ مش أنا اللي هفهمك يا كاميليا.. اللي هيفهمك وصل أهو.
هَبت سميرة من مكانها بذُعر وهي تقول بعدم تصديق:
ـ مراد!
تقدّم مراد إلى داخل الغرفة ناظرًا إلى سميرة ونيفين بقرف، قائلاً بحقد:
ـ أيوه مراد يا خاينة اللي خدعتيه بدل المرة ألف.. ومكفكيش! لا، ده إنتِ كمان حاولتي تقتليني إنتِ وعشيقِك..
أنهى مراد كلماته تزامنًا مع إخراج سلاحه من خلف ظهره وتوجيهه إلى سميرة التي كانت ترتجف رعبًا مما تراه، فاندفع يوسف محاولًا ثنيه عمّا ينتويه:
ـ اِهدي يا عمي، إحنا اتفقنا على إيه؟
مراد وقد أعماه الغضب:
ـ إبعد إنت يا يوسف.. أنا لازم أخلّص على المجرمة دي!
رحيم بذُعر:
ـ اِهدي يا ابني عشان خاطري.. دي ما تستاهلش تضيّع نفسك عشانها.
مراد بانفعال:
ـ دلوقتي ما تستاهلش؟ مش دي اللي فرضت عليا أتجوزها؟ وبسببها كنت بتعامل زهرة أسوأ معاملة.. هاه؟!
صمت رحيم وقد شعر بالخزي من حديث ولده، ليتدخل أدهم قائلًا بمسايسة:
ـ عمي، كلنا عارفين إنها ست زبالة.. يبقى ليه تضيع حياتك بسببها؟؟
صرخ مراد قائلًا بقهر:
ـ حياتي ضاعت من زمان بسببها! دي اللي دمرتلي حياتي وحرمتني من حب عمري.. بسببها عشت أسوأ أيام عمري وأنا شايفها عايشة مع أخويا قدّام عيني وأنا بموت من القهر والوجع. بسبب واحدة رخيصة زيها خسرت أشرف ست في الدنيا!
غلى الدم في عروق سميرة عند حديث مراد عن زهرة وعنها، فاندفعت من خلف يوسف قائلة بصراخ:
& أشرف ست في الدنيا دي باعتك وراحت اترمت في حضن أخوك.. زي ما تكون ما صدّقت!
مراد بغضب جحيمي:
ـ اخرسِ ! إنتِ فاكرّاها رخيصة زيك؟
تابع مراد بنبرة مؤلمة من عمق الوجع الذي يشعر به:
ـ أنا اللي خلتها تعمل كدا.. بعد جريمتي البشعة في حقّها ماكنش قدّامها حل تاني غير كدا.
ـ تقصد إيه؟
كانت تلك النبرة الخافتة المصدومة لكاميليا التي أخيرًا استطاعت إخراج صوتها بعد كل تلك الصدمات التي انهالت عليها دفعة واحدة، لينظر إليها يوسف بقلب ينفطر ألمًا على مظهرها المزري وملامحها الشاحبة، لكن كان لابد من تلك المواجهة وكشف تلك الحقائق كي يستطيعوا التخلص من قوى الشر التي تهدد أمنهم وسلامتهم.
اقترب مراد من أقرب كرسي وجلس بجسد متهالك من فرط الألم الذي يشعر به في قلبه، ووضع سلاحه أمامه فوق الطاولة وهو يسرد ذكرياته المريرة وخطيئته التي حرمته الجنة طوال حياته:
ـ زهرة كانت حب حياتي من أول يوم شفتها فيه حبيتها سحرتني بجمالها ورقتها وأدبها. قلبي قالي: هي دي اللي بندوّر عليها، وهي كمان كانت بتبادلني نفس الشعور، وبرغم كدا ما بيّنتش أبدًا. ومهما كنت بحاول أقرب منها كانت بتبعد، لحد ما خدت قرار إني لازم أرتبط بيها رسمي. وفعلاً، قولتلها الكلام دا ونزلت على القاهرة عشان أُفاتِح بابا في الموضوع، مع إني كنت عارف إنه هيعارض، بس قولت يمكن لما أقوله إني لاقيت سعادتي وراحتي معاها دا يخليه يلين ويوافق على جوازي منها، لكن للأسف دا ماكنش يفرق معاه أصلًا.
كان مراد ينظر إلى رحيم بخيبة أمل كبيرة، فهو يراه المتسبب الوحيد في هلاكه وضياع سعادته. قابله رحيم بنظرات نادمة متوسلة، فأدار مراد رأسه للجهة الأخرى ناظرًا إلى الفراغ قائلًا بلهجة مريرة:
ـ رجعت على إسكندرية تاني وأنا كلي تصميم إني مش هخسر البنت اللي بحبها عشان خاطر حد، حتى لو هتنازل عن حقي في الورث وفي كل حاجة زي ما هددتني وقولتلي: روح قولها إنك لو اتجوزتها أبويا هيحرمني من كل حاجة وشوف هتفضل معاك ولاّ لأ.
احنى رأسه قبل أن يقول بنبرة مُشجبة
ـ وفعلاً عملت كدا. روحت قولتلها إني عايز أتجوزها في أقرب وقت، وهي الفرحة ماكنتش سيعاها. بس قولتلها إن في حاجة لازم تعرفيها: لو اتجوزتك أنا همضي على تنازل عن حقي في كل مليم يخصّ عيلة الحسيني.
والحقيقة إن ردها ما صدّمنيش، لأني كنت عارف إن قلبي عارف يختار صح. قالتلي: إنت عندك استعداد تتخلى عن فلوس عيلة الحسيني عشاني؟
قولتلها: أنا عندي استعداد أتخلى عن أي حاجة في الدنيا عشان خاطرك.
قالتلي كلمة عمري ما نسيتها:
وأنا مش عايزة حاجة من عيلة الحسيني كلها غيرك إنت وبس.
استرد انفاسه الهاربة قبل أن يتابع بأسى:
ـ وقتها قررنا إننا هنعمل خطوبة وكتب كتاب، وبعد ما أظبط أموري هنتجوز. وفعلاً طلعت على خالها وشرحتله ظروفي، وقدرني جدًا وحس قد إيه أنا بحبها، وكتبنا الكتاب فعلًا، واتفقنا إننا مانعرفش حد عشان الموضوع ما يوصلش لرحيم بيه، لأني كنت واثق إنه مش هيسكت. وعدى حوالي شهر، لقيت أحمد أخويا جاي و بيسألني في حاجة بينك وبين زهرة؟
شفت في عينه نظرة غريبة مقدرتش أترجمها وقتها، بس لقيتني برد تلقائي وبقوله: زهرة مراتي. وطلعتله قسيمة الجواز ومعاها تنازل مني عن حقي كله.
اتصدم طبعًا، بس أنا كنت فاكر إن صدمته دي عشان رأيه من رأي بابا، لكن لقيته بيقولي: زهرة تستاهل كل خير. وسابني ومشي. وفضلت حياتنا حلوة.. أنا بحاول أأسس شغل ليا، وزهرة بتساعدني.
طرف رماد الذكريات عينيه ليترقرق الدمع بها كما يترقرق الحزن في نبرته حين قال:
ـ و في يوم لقيت حد باعتلي ظرف وفيه ورقة مكتوب عليها إن زهرة بتخوني، وإنها هتكلّمني تقولي إنها هتقعد في البيت ومش هتروح الشغل النهارده عشان والدتها تعبانة، بس هي هتروح تقابل عشيقها. وسابلي عنوان في آخر الجواب. طبعًا ما صدقتش.
في اليوم دا كان عندي شغل كتير، وزهرة كانت عارفة، وعارفة كمان إني مش هقدر أسيب المكتب خالص.
حاولت أنسى الجواب دا وماحطّوش في بالي، وقلت أكيد دا ملعوب من بابا، لأن أكيد أحمد عرفه إننا اتجوزنا.
لحد ما التليفون رن!
قلبي وقع في رجلي وأنا بسمعها بتقولي نفس الكلام المكتوب في الجواب.
وبعد ما قفلت معاها فضلت برضو أكذب نفسي، لحد ما جالي حيّة في توب بني آدمين.. جاية بتدور على صاحبتها عندي عشان راحت لها البيت وما لقتهاش.
وطبعًا عرفتوا هي مين؟"
كان مراد ينظر إلى سميرة بقرف، والتي لم تكن تشعر بأدنى ذرة ندم لما اقترفته من جُرم.
فتابع مراد بحزن:
ـ طبعًا اتجننت وطلعت أجري، وهي جت ورايا وركبت العربية معايا بدافع القلق على صاحبتها، وأنا عقلي ماكنش فيا، رايح للعنوان اللي في الجواب وأنا بدعي وأقول: يارب ما يكونش دا حقيقي أبدًا.
وفعلًا وصلنا هناك، مثلت عليا أنها متعرفش حاجة اتاريها بتعطّلني عشان أشوف زهرة، اللي لقيتها نازلة من التاكسي ومعاها راجل شكله ماكنش غريب عليا، بس ماكنتش فاكر شفته فين قبل كدا، ولقيتها داخلة معاه عمارة، وعلى مدخل العمارة شُفته بيشيلها. كل ذرة عقل فيا طارت.
ولقيتها جنبي بتقول: هي زهرة لسه بتقابل الواد دا؟
جناني حضر في اللحظة دي.
قولتلها: لو ما قولتيليش مين دا هخلص عليكِ.
قالتلي إن دا واد بيشتغل معاهم في المطعم، وزهرة كانت بتحبه وعلى علاقة بيه، بس هو ماكنش بتاع جواز، ولما ظهرت أنا سابته وارتبطت بيا.
زفر بنبرة يغلبها القهر من فرط ندمه ليهتف بنبرة مُتحشرجة
ـ بخت سمومها في عقلي زي الحية، وأنا كنت الغبي اللي صدّق. وطلعت أجري على العمارة، وأنا حالف لاقتلها وهقتله. كان باب الشقة مفتوح، لأني أول ما زقيته اتفتح بسهولة. ولما دخلت، سمعت صوت مكتوم في أوضة النوم…
صمت مراد لبرهة وهو يستحضر ذلك المشهد الذي آلم قلبه حينها وأدماه الآن، فكان مشهدًا يحمل من الحقيقة الكثير، لكن ذلك الغضب المميت وتلك السموم التي كانت تجري في شرايينه بدّلا الحقائق وأعمى القلب والعقل معًا.
فتابع بمرارة وأسى:
ـ وشُفتها في حضنه بس الحقيقة إنها ماكنتش في حضنه.
هو كان بيحاول يحضنها غصب عنها، وهي كانت بتحاول تقاومه. لكن أنا ما فهمتش دا، وما حسيتش بنفسي غير وأنا عمال أضرب فيه زي المجنون، وهي كانت عمالة تعيط و تشد فيّا.غيرتي وغضبي صورولي إنها بتدافع عنه.
سيبته، وضربتها بالقلم، وقولت لها: إنتِ أحقر إنسانة شفتها في حياتي. صدمتها مش قادر أنساها لحد دلوقتي.
هبطت دمعة حارة من عينيه وهو يتذكر عتابه لها و استماتتها في الدفاع عن نفسها
ـ في الوقت دا الحيوان التاني كان هرب. قولتلها إزاي تخونيني بعد ما اتنازلت عن كل حاجة عشانك؟ أنا بعت أهلي والناس كلها واشتريتك إنتِ!
انهارت، وقعدت تحلفلي إنها عمرها عمرها ما عملت كدا، بس أنا ما صدّقتش. وجعتها أوي اليوم دا وسِبتها ومشيت.
كان أصعب إحساس عشته في حياتي. هي كانت كل حاجة بالنسبالي. كنت عايز أبعد عن الناس كلها.
مد يوسف أحد المحارم الورقية إلى مراد ليمحي ذرات ألمه ليُتابع بنبرة مُحترقة
ـ أحمد أخويا كان له شقة مقفولة مش كتير يعرفوا مكانها. كانت بتاعتنا إحنا الاتنين، بس طبعًا بما إني اتنازلت عن كل حاجة، فبقت بتاعته لوحده. لكن مفتاحها كان لسه روّحت هناك، وقضيت أصعب ليلة في حياتي وأنا بتعذب عذاب ما يتحملهش بشر. لحد ما لقيت جرس الباب بيرن مرة واتنين وتلاتة، ولما فتحت، لقيتها هي في وشي.
كان نفسي أحضنها قوي وبعد كدا أخنقها.
أصعب إحساس في الدنيا على أي راجل هو إحساس الخيانة.
قولتلها: إيه اللي جايبك هنا؟
قالتلي: جايبة كتاب ربنا أحلفلك عليه إني عمري ما خنتك.
اتجننت لما شُفتها جايبة المصحف.
وبمنتهى الجبروت خدته منها وحطيته على الترابيزة قبل ما أهينها ماهي بالنسبالي خاينة يعنى الحلفان على المصحف كذب بالنسبالها شيء عادي:
صمت مراد، وأخذت القطرات تهبط من مقلتيه وهو يتذكر ملامحها التي انطفأت بفعل ذلك الظلم الذي وقع عليها دون أن ترتكب أي خطأ.
وتابع بألم:
ـ عيطت كتير قوي، و سألتني بمنتهى اليأس والوجع:
أعمل إيه عشان تصدّق إني فعلاً مظلومة وعمري ما خنتك؟!
لما قالت الكلمة دي لقيتني بقولها:
أنا هعرف إذا كنتي مظلومة ولا لأ.
وعملت أكبر جريمة في الدنيا ممكن الإنسان يرتكبها في حق بنت…
لم يستطع مراد أن يُكمِل جملته، فقد ألجم الخزي والندم لسانه، فما إن وصل إلى عقولهم ما يرمي إليه حتى انطلقت الشهقات من جوف فاطمة، تلتها روفان التي من هول الصدمة تمسَّكت بيد أخيها أدهم وكأنها ترتعب من مصير مرعب كهذا. فلف أدهم ذراعيه حول كتف أخته يبثها الأمان، والذي كان هو الآخر يشعر بالألم والحزن مما يسمعه، ولكن كان الألم الأكبر من نصيب تلك التي سقطت على الكرسي خلفها وهي تُحرّك رأسها يمينًا ويسارًا فلم تكن تتخيل كل هذا الظلم الذي وقع على والدتها وكأن قدميها لم تستطيعا حملها، ليندفع يوسف تجاهها يجثو على ركبتيه ممسكًا بيدها محاولًا تهدئتها قائلًا بألم من مظهرها المريع:
ـ كاميليا أنتِ كويسة؟
لم تستطع كاميليا الرد عليه، فقط نظرات ضائعة غير مصدقة لما يقع على مسامعها، لينظر مراد إليها قائلًا بندم:
ـ غصب عني يا بنتي والله، سامحيني.. أنا مكنتش في وعيي، أقسم بالله كنت عامل زي المحموم.. مفوقتش غير وأنا شايف بعيني دليل براءتها. حسيت إن الأرض بتدور بيا، طلعت أجري على بره مقدرتش أبصلها بعد جريمتي . أتمنيت الموت في اللحظة دي. كنت عايز أموت نفسي ميت مرة بعد اللي عملته وبعد شكي فيها. مفوقنيش من حالتي دي غير أحمد اللي أول ما دخل من الباب و شافني اتصدم من حالتي و سألني في اية؟ بس مقدرتش أرد عليه.
أدار رأسه إلى الجهة الأخرى وهو يتحدث من بين عباراته الغزيرة
ـ اتخض وكل اللي كان طالع عليه عملت أية ؟ في أي ؟ وأنا كأني فقدت النطق. لحد ما سمع صوت حد بيتألم جوا، اتجنن وجه يدخل، منعته وقولتله أن زهرة جوا. وسألني عملت فيها إيه؟ مقدرتش أرد.. كل اللي قولته: أن زهرة بتنزف.. اطلب لها دكتورة. فضل يضرب فيّا لحد ما غِبت عن الوعي. فوقت لقيت نفسي في المستشفى. بعدها لاقيت أحمد داخل عليّا الأوضة وبيقولي من غير مقدمات: يلا عشان تروح تطلّق زهرة. اتجننت واتخانقت معاه وقلتله لازم أشوفها، وفعلاً وافق ووداني عندها. اتصدمت لما شُفتها وشُفت نظرة الكره اللي في عينيها ليا. حاولت أعتذر بس هي مقبلتش وطلبت مني الطلاق، ولما رفضت قالت لي إن الموت عندها أهون من إنها تكمل معايا، وبعد إصرارها وتدهور حالتها وافقت، وجبنا المأذون وطلقتها فعلاً.. بالرغم من إني أستاهل أكتر من كده، بس قلبي مكنش يستاهل. قلبي محبش غيرها. مقدرش يشوف غيرها. أنا حتى اتجوزت ميرفت عشان شبهها. حاولت كتير أرجّعها وهي رفضت، ولما هددتها إني هارُدها غيابي حلفت لي إنها هتموت نفسها، وتاني يوم من انتهاء عدتها عرفت إنها اتجوزت وسافرت.
أطلق جأشة مكبوته قبل أن يُتابع بنبرة تقطر وجعًا
ـ عِشت أسوأ أيام حياتي. أقسم بالله ما كنت بنام من العذاب والقهرة والغيرة. كنت بموت في اليوم ميت مرة كل ما كنت أتخيّل حقارتي معاها. كل ما كنت أتخيل إنها في حضن حد غيري، وكأن عقابي دا كله مكنش كفاية. اتبلّيت بأكبر عقاب في حياتي.
قال جملته الأخيرة وهو ينظر إلى سميرة بحقدٍ وكره، ثم تابع باشمئزاز:
ـ أسوأ ست في الدنيا، دا إن اعتبرناها ست أصلًا. أحقر مخلوق على وجه الأرض. جت واتبلّت عليا ولزقت لي بنت مش بنتي. ضيعت مني أجمل سنين عمري مع الإنسانة الوحيدة اللي حبتها. كانت فاكرة إني ممكن بعد ما كنت بحب واحدة زي زهرة دي أحب واحدة مقرفة زيها.
سميرة بقهر من حديثه الذي أصاب منتصف الهدف:
ـ و هي فيها إيه زيادة عني؟ كلكوا حبيتوها ليه وأنا لا؟ أنا عمري ما حبيتك. أنا كنت طول عمري بحب أحمد. عمري ما فكرت فيك من أساسه. هي اللي باعتني ولعبت عليه وخلته يحبها ويتعلق بيها. هيا اللي واطية وغدارة!
انهالت يد مراد عليها بالصفع وهو يقول بغضب جحيمي:
ـ اخرسي يا حقيرة يا زبالة! زهرة دي أشرف منك ألف مرة.. إنتِ اللي كنتِ رخيصة وسلمتي نفسك ليه، وبعد ما قِرف منك رماكي. طول عمرك زبالة ومقرفة!
كان مراد على وشك خنقها بين يديه، ولكن تدخل كل من يوسف وأدهم في الوقت المناسب لمنعه من اقتراف جرمٍ في حق تلك الخبيثة التي ما إن تخلصت من بين يديه حتى أعماها الحقد والغضب فقالت بصراخ:
ـ مقرفة؟ طب خد عندك بقى. أنا اللي بعتلك الجواب ده على المكتب، وأنا اللي كلمت زهرة وقلت لها إني في مصيبة ولازم تلحقني، وخليتها تقولك إن أمها تعبانة عشان متجيش وما تعرفش إنها عندي، وأنا اللي أجرت الواد اللي شُفته طالع معاها واتفقت معاه يعمل كل ده، وأنا اللي اديتها عنوان شقة أحمد عشان تروح لك وترميها منها زي ما أنا اترميت، وأيوه خنتك، ومش مع واحد بس، ده مع مليون! عشان إنت مش راجل ومكنتش مالي عيني!
كان الأمر بالنسبة لها انتقامًا لأنوثتها المدهوسة تحت أقدامه، لكنها لم تحسب لغضبه الذي كان يكتمه عنها لسنوات. فثار جنونه وخرج عن السيطرة ليطيح بأدهم ويوسف اللذين كانا يمسكان به، وينقض عليها صفعًا وركلًا وهو يسبها بأبشع الألفاظ والشتائم. وكان الجميع ملتفين حوله في محاولة للسيطرة على هذا النمر المتوحش الذي وجد فريسته بعد أعوام ذاق فيها شتى أنواع العذاب والألم.
فكان الفتك بها هو خياره الوحيد، ولم يثنه عن فعلته سوى صوت تلك الرصاصة التي اخترقت مسامعهم جميعًا وهي تخترق سقف الغرفة، ليصدموا من مظهر نيفين التي كانت تمسك السلاح ناظرة إليهم جميعًا بكره وغضب تجلى في نبرتها عندما قالت:
ـ ياااه.. طول عمري كان نفسي أمسك سلاح وأخلص عليكوا كلكوا وأرتاح من قرفكوا.. سبحان الله جتني الفرصة على طبق من دهب.
قالت جملتها الأخيرة بسخرية، فكان يوسف أول من استوعب الصدمة فقال بلهجة حذرة:
ـ نيفين.. هاتي السلاح ده.. وبطّلي جنان.
نيفين بسخرية:
ـ ما تخافش.. أنا هخلص عليهم كلهم عشان نفضى لبعض يا روحي.. هخلص تاري عشان نعيش سوا بعد كده..
كان يوسف في المقدمة، على يمينه أدهم، خلفهم الفتيات وصفية، وعلى يساره مراد، وبجانبه رحيم الذي كان ولأول مرة يرى مدى حقارتها. فبعد أن علم حقيقتها، كان جانب كبير منه يشفق عليها، ولكن الآن أيقن أنها أعظم أخطائه في هذه الحياة، فقال بغضب:
ـ بعد كل اللي عملناهولِك ده، وعايزة تخلصي علينا؟! وبعد ما استغفلتينا سنين إنتِ والكلبة دي عايزة تتخلصي مننا!
نيفين بوقاحة:
ـ رحيم الحسيني أكبر مغفل في التاريخ هو اللي بيتكلم! ما تقولي يا جدي العزيز على قرار واحد صح أخدته في حياتك؟ قولي حاجة حلوة عملتها تقابل بيها ربنا؟ أقولك أنا: مفيش!
أنهت جملتها مطلقةً قهقهة شريرة شامتة، فغضب يوسف وقال بحدة:
ـ نيفين. بطّلي استفزاز ووقاحة، ونزلي الزفت اللي في إيدِك ده. ده مبيتلعَبش بيه.
نيفين بقهر مغلّف بالسخرية:
ـ لا. ما أنا عارفة إنه مش للعب. ما أنا جرّبت ناره قبل كده. بس المرادي إنت اللي هتجرب ناره يا يوسف، عشان تعرف بتوجع قد إيه.
أدهم بمسايسة:
ـ نيفين. اهدِي، متوديش نفسك في داهية. إحنا مش هنتخلى عنك، وهنوفّر لك حياة كريمة بعد ما تخرجي من هنا، فبلاش تضيعي كل حاجة في لحظة طيش.
نيفين باستهزاء:
ـ حياة كريمة! ودي فين الحياة الكريمة دي؟ لما بعد ما كنت نيفين الحسيني اللي الناس كلها بتعملها حساب أبقى حتة بنت مجهولة النسب، اترميت في الشارع؟! فين الحياة الكريمة دي بعد ما خسرت كل حاجة بسبب واحدة زبالة وحقيرة زي دي؟
قالت جملتها الأخيرة بصراخ وهي تنظر إلى كاميليا، التي اندفعت خارجة من بينهم جميعًا وهي تقول بغضب وقوة:
ـ اخرسِ ! وأوعي تجيبي سيرتي على لسانك أبدًا! الزبالة والحقيرة هي إنتِ واللي جابتك من الشارع وعملتك بني آدمه. ظلمتوني و عيشتوني أسوأ أيام حياتي بسبب غلكوا وحقدكوا. سوّدتوا حياتي وحياة أمي قبلي، وكل ده عشان إيه؟ عشان طمعكوا وأنانيتكوا؟
يوسف بغضب وهو يتوجه إليها:
ـ كاميليا! ارجعي هنا!"
أوقفه صراخ نيفين وهي تقول:
ـ مكانك! لا.أخلص عليها!
تسمر يوسف في مكانه، وقد بلغ غضبه ذروته، يضاهيه القلق؛ فتلك المجنونة قادرة على فعل أي شيء. ولكن عليه الحفاظ على حياة محبوبته، لذا التزم الصمت عندما وجهت أنظارها إلى كاميليا التي كانت تغلي من الغضب.
فقالت نيفين بحقد:
ـ إنتِ اللي طماعة. كنتِ عايزة تاخدي يوسف مني. كنتِ عايزة تبقي الكل في الكل هنا، عشان أول ما تتمكني ترمينا في الشارع. أوعي تتخيلي إني كنت بصدق وش الملايكة اللي لابساه طول الوقت ده وبتضحكي بيه علينا. عشان كده كنت بعاقبِك بطريقتي. فاكرة ساعة جدو اللي ضاعت ولقّيوها في أوضتك؟ أنا اللي سرقتها وحطيتها في هدومك، وروحت قولتله إني شوفتك وإنتِ بتسرقيها عشان يعاقبك ويحرمِك من الخروج وإنك تروحي تزوري قبر أمك. وفاكرة أدوات الرسم اللي كان يوسف بيجبها لك؟ أنا اللي كنت بسرقها وأولع فيها عشان متعرفيش ترسمي تاني أبدًا. فاكرة العروسة اللي كنتِ بتحبيها؟ أنا اللي خدتها وحطيتها في أوضة جدي عشان عارفة إنك عمرك ما هتتجرأي تدخلي تدوري عليها هناك، وفضلتي يوم كامل تعيطي. وأنا اللي حرقت صورة جدتي وقلت لجدي إنك إنتِ اللي عملتِ كده عشان يمنعِك من الخروج، ووقتها كنت طايرة من الفرح لما شُفته بيضربك بالقلم على وشك قدامنا كلنا.
كانت نيفين تحكي تلك الأحداث المريرة التي اندفعت إلى ذاكرة كاميليا في تلك اللحظة، تحكي مدى معاناتها في ذلك القصر دون أن تقترف أي ذنب سوى أنها يتيمة، وللأسف الشديد أصبح الآن أنبل صفاتنا سبب متاعبنا في هذه الحياة. فصارت القطرات تتساقط كالأمطار فوق خديها من فرط الوجع والألم، الذي كان يشاطرها إياه قلبٌ يحيا بوجودها ويهلك إن هلكت. فقال بحنق ولهجته تحمل من الوعيد أطنانًا:
ـ ورحمة أبويا لهدفعك تمن كل ده غالي قوي..
نيفين بسخرية:
ـ مش هتلحق.. صدّقني.. أنا هنا يا قاتل يا مقتول.
كاميليا بألم قد فاق الحدود، فحتى الموت لم تعد تهابه في تلك اللحظة.
ـ إنتِ إزاي كده؟! إنتِ مش طبيعية، واحدة مريضة. ما عندِكيش ذرة ضمير تخليكِ تشفقي على واحدة يتيمة ما عملتش فيكِ أي حاجة وحشة!
نيفين بحدة:
ـ عملتي! فكّرتي تاخدي اللي مش بتاعِك!
كاميليا بألم:
ـ أنا ما كانش في حاجة بتاعتي أصلًا.
مراد، وقد كان الحزن والندم يأكلانه من الداخل:
ـ حقك عليّا يا بنتي أنا السبب في كل اللي إنتِ فيه ده، وفي كل اللي حصلك واللي حصل لأمك زمان سامحيني.
نيفين بتخابث:
ـ أوعي تصدقيه! ده ممثل شاطر قوي! طب ما أنا كنت بنته، كان عامل إيه أصلًا؟! ما كنتش حاسة بوجوده كان زي قلته!
مراد بغضب:
ـ اخرسِ ! أنا عمري ما حسيت إنك بنتي، وبرغم كده كنت باجي على نفسي وأتعامل معاكِ كويس. بس إنتِ واطية وخسيسة زي اللي لمتك من الشوارع!
نيفين بتهكم:
ـ إنت عندك حق اللي لمتني من الشوارع واطية وخسيسة وغبية كمان! بس أنا بقى مش هخسر زيها، وهآخد حقي منكم كلكم، وأولهم إنتِ!
وجهت أنظارها لكاميليا التي صرخت قائلةً بغضب وقهر:
ـ حق إيه اللي بتتكلمي عنه؟! إنتِ حولتِ حياتي لجحيم! أنا اللي ليا عندِك بدل الحق ألف! إنتِ كرهتيني في حياتي، إنتِ عارفة أنا كام مرة اتمنيت الموت بسببك؟
قالت كاميليا جملتها الأخيرة بألم ووجع لم يرق له قلب نيفين، التي قالت بمنتهى القسوة والجبروت:
ـ وأنا بقى ما بحبش يكون حد له حاجة عندي علشان كده هحققلك أمنيتك!
أنهت حديثها تزامنًا مع انطلاق رصاصة من فوهة سلاحها لتصيب رحيم الحسيني الذي ما إن رأى الشر يرتسم في عينيها حتى اندفع ليتلقى تلك الرصاصة بدلًا عن حفيدته التي لطالما تلقت منه شتى أنواع العذاب واللفظ والتحقير…
لم يفكر لثانية واحدة، بل وجد نفسه يقف أمامها، ناظرًا إلى عينيها برجاءٍ وتوسل كبيرين يرتسمان في نظراته التي لم تهتز حتى عندما اخترقت الرصاصة كتفه الأيسر؛ فقد كان يود لو يتلقى ألف رصاصة كي يكفر عن كل تلك الأخطاء التي اقترفها بحقها. ولأول مرة في حياته يتوسل السماح من أحد.
انهار كل ذلك الجبروت والقوة أمام عينيها التي اتسعت من الصدمة، فقد أغلقت عينيها ما إن تفوهت نيفين بتلك الكلمات التي كانت تعلن نهايتها، لتخترق صوت طلقات الرصاص أذنها، لكنها لم تشعر بأي شيء، وكأن الطلقة توقفت في الهواء. فتحت عينيها مسرعة لتجد عينين لطالما رأت فيهما الكره والغضب والألم، ولكن الصدمة الكبرى كانت تلك النظرات المتوسلة المنكسرة التي كان يطالعها بها.
للحظة لم تُدرِك ما حدث، وكأن الزمن توقف. لحظة حوت الكثير من مشاعر الندم والألم والانكسار. قطعتها صدى الهمهمات حولهم والأصوات التي لشدة صدمتها لم تستطع فهم محتواها، لكن تلك الدماء التي اندفعت من كتفه، وتلك الكلمات العميقة والنبرة المنكسرة في صوته عندما قال بألم:
ـ سامحيني يا بنتي.
ظلت كاميليا تنظر إليه بضياع، ودموعها تتساقط وكأنها في سباق مع دمه النازف بشدة من كتفه. أخذت تنقل نظراتها بين جرحه وبين عينيه التي كانت تتوسلان إليها، غير قادرة على التفوه بحرف، وكأنها فقدت النطق.
لكن صوت يوسف الغاضب أخرجها من حالة الصدمة عندما صرخ:
ـ أمسك المجنونة دي يا مازن! ما تسبهاش!
كان مازن قد وصل قبل لحظات قليلة من إطلاق النار، ليقوم على الفور بإمساك يد نيفين الممسكة بالسلاح، وهي تتلوى بين يديه، بينما التف جميعهم حول رحيم الذي امتدت يداه تمسك بكفّ كاميليا وهو يقول بلهجة تقطر ندمًا وحزنًا:
ـ أنا عارف إني ما استاهلش تسامحيني، ولا حتى تبصي في وشي، بس أنا طمعان في كرمِك وطيبة قلبِك اللي كنتُ أعمى عنها طول الفترة اللي فاتت دي.
كانت كاميليا تناظره بعيون تتساقط منها الدموع كالأنهار، تشعر بعجزها أمامه؛ فمظهر عينَيه المتألمتين، وجرحه النازف، وارتعاش كفيه من شدّة الألم. كل ذلك جعلها تشعر بالشفقة عليه. خاصةً أن هذا الرجل بكل جبروته يقف أمام الجميع يطلب منها أن تسامحه بعد أن أنقذ حياتها، فهل تتفوه بعبارات السماح التي لم تصل لقلبها؟ أم تتجبر هي الأخرى مثلما كان يفعل معها؟
ولكن للحق… هي لم تستطيع فعلها، فقد كانت حائرة ليأتيها صوت يوسف وهو يقول بنبرة قاطعة:
ـ مش وقت الكلام ده يا جدي! إنتَ نزفت كتير وده غلط عليك لازم نروح المستشفى.
قاطعه رحيم بصوت واهن:
ـ مش فارق لي حاجة يا يوسف مش هعيش أكتر من اللي عشته أنا كل اللي عايزه أحس إن كاميليا فعلًا سامحتني كفاية ذنب أمها اللي هموت بيه، مش هقدر على ذنبين.
آلمتها كلماته كثيرًا، وتضرعه بتلك الطريقة المنافية تمامًا لهيبته وجبروته، فوجدت نفسها تقول بصدق:
ـ إنت أنقذت حياتي، وأنا عمري ما هنسالك أبدًا حاجة زي دي.
ابتسامة واهنة ارتسمت على شفتيه، وقد تمكن الإعياء منه كثيرًا، فقال بامتنان:
ـ وأنا مش عايز أكتر من كده بداية جديدة معاكِ وبتمنى من ربنا يديني العمر وأقدر أصلح اللي عملته زمان.
كانت كلماته المتقطعة تلك آخر ما تفوه به قبل أن يتمكن الوهن والتعب منه، ليسقط بين يدي يوسف الذي التقطه بلهفة وهو يقول بألم:
ـ جدي.
انطلقت الصرخات من حولهما رعبًا من خسارته؛ فقد كان دائمًا برغم قوته وجبروته بمثابة الأب والحامي لهم جميعًا، وبرغم كل أخطائه، إلا أن له مكانة كبيرة في قلوبهم.
كان الجميع يقف أمام غرفة الطوارئ بالمشفى بعد إدخال رحيم لإسعافه، وإخراج الرصاصة من كتفه، وإمداد جسده بالمغذيات التي يحتاجها بعد أن فقد الكثير من الدماء. وكانوا جميعًا بانتظار الاطمئنان على حالته. وكان الصمت سيد الموقف إلى أن لحقهم مازن مهرولًا نحو يوسف قائلًا:
ـ للأسف. سميرة هربت!
نظر يوسف إلى مراد نظرة ذات مغزى، وهزّ رأسه قائلًا بهدوء:
ـ ده شيء متوقع. عملت إيه مع نيفين؟
ـ كل شيء تمام، ما تقلقش!
تقدمت صفية من يوسف قائلة:
ـ ممكن تفهّمنا بقى حصل إزاي كل ده؟ وإزاي عرفت الحاجات دي كلها؟ وإزاي مراد طلع عايش؟ أظن من حقنا نفهم!
يوسف بتعب:
ـ نطمن على جدي، وهفهمك اللي إنتِ عايزاه.
صفية بتصميم:
ـ دلوقتي يا يوسف! مش هستنى لحظة واحدة بعد كده!
يوسف بنفاد صبر:
ـ هحكيلك!
*************
كانت فاطمة تجلس أمام تلك النائمة بهدوء، تتأملها وما فعل الزمان بشبابها وجمالها؛ فقد أخذ منها الكثير والكثير، فقد سلبها وهج الحياة الذي كان دائمًا ينبعث من عينيها الجميلتين، وتلك الروح المرِحة التي كانت تتحلى بها. لم يُصِب العجز وجهها، بل أصاب روحها، وهذا أقسى.
فهي منذ اليوم الذي جلبها علي لهذا القصر تستيقظ دائمًا على كوابيس وصراخ، فمن حسن الحظ أن غرفتها تقع في الجزء المنعزل قليلًا داخل القصر، وذلك كان طلبها لرغبتها في الهدوء، فلو كان هذا غير موجود لسمع جميع من في القصر صراخ ناهد كل ليلة، والتي حتى عندما رأتها البارحة لم تُصدّق بأنها فاطمة ابنة عمتها، وصارت تهذي ثم نامت كالعادة.
اقتربت فاطمة منها وقامت بالربت على كتفها، ومرّرت يدها فوق ملامح وجهها بحنان وهي تناديها بنبرة رقيقة، لتفتح الأخرى عينيها ببطء، فابتسمت فاطمة ابتسامة هادئة وهي تقول:
ـ صح النوم يا هنون.
قطبت ناهد جبينها وقالت بعدم تصديق:
ـ فاطمة؟ إنتِ هنا صح؟ محدش كان بيقولي هنون دي غيرك.
فاطمة بحنان:
ـ أيوه يا حبيبتي، أنا هنا جنبك وماسكة إيدِك أهو.
اعتدلت ناهد في نومها، فساعدتها فاطمة حتى جلست، ثم قامت ناهد بتمرير يدها فوق ملامح فاطمة بيد مرتعشة وهي غير مصدّقة أنها وجدت أحدًا يخصها من عائلتها. ومن ثم تساقطت العبرات من مقلتيها، وألقت بنفسها داخل أحضان فاطمة، التي هطلت دمعاتها هي الأخرى تأثرًا بموقف ناهد، التي قالت وهي تحتضنها:
ـ أنا مش مصدقة نفسي إني شايفاكي قدّامي أنا قولت خلاص مش هشوف حد من أهلي تاني.
فاطمة بتأثر:
ـ اهدي يا حبيبتي. أنا اللي مش مصدقة إنك قدامي، خصوصًا بعد ما جوزِك بعت وقالنا إنك موتي!
تصلب جسد ناهد، وقامت ترجع للخلف، ونظرت باندهاش إلى فاطمة وهي تقول:
ـ إيه؟! جوزي قالكوا إني موت؟!
فاطمة بتأكيد:
ـ أيوه. بعتلنا إنك عملتي حادثة وموتي، ومن وقتها ما سمعناش حاجة خالص عنك.
قطبت ناهد جبينها، وما إن أوشكت على الرد حتى دخل علي الذي قال بمزاح:
ـ أخيرًا الجمال النائم استيقظ؟
نظرت إليه ناهد وقالت بترقّب:
ـ إنت مين؟
فاطمة باعتزاز:
ـده علي. ابني.
تذكرته ناهد وقالت بإندهاش:
ـ ابنك!؟ إيه ده؟ مش إنت صاحب رائد اللي جيتلي البيت و… أنت اللي ضربتني على دماغي وأنا في المطبخ بجبلك المية.
قالت الأخيرة بجفاء فصُدمت فاطمة من حديثها وقالت بغضب ناظرة لعلي:
ـ نهارك مش فايت يا واد يا علي! إنت ضربت خالتك على دماغها يا زفت أنت؟
علي بتذمر:
ـ إيه يا طمطم؟ في إيه؟ ما كنت بنقذها. كنت أسيبهم يخطفوها يعني؟
فاطمة باندهاش:
ـ يا لهوي! مين دول اللي كانوا عايزين يخطفوها؟
ناهد بخوف:
ـ يخطفوني! هما مين دول؟
علي بنبرة ذات مغزى:
ـ لا. مين دي أنتِ اللي هتقولي عليها.
ناهد بخوف واستفهام:
ـ إنت فعلًا صاحب رائد. ابني؟
علي بهدوء:
ـ مش هكذب عليكِ. رائد عمره ما كان صاحبي. أنا تقريبًا شُفته يمكن مرتين تلاتة.
ناهد بنبرة مرتجفة:
ـ طب ليه قولتلي إنك صاحبه لما جيت الشقة؟
رأى علي خوفها فأراد طمأنتها:
ـ لو سمحتي تهدي. أنا عمري ما هأذيكي ولا هأذيه. أنا بس كنت بجمع شوية معلومات عنه، والصدفة رمتِك في طريقي. أو خلينا نقول القدر لعب لعبته
ناهد بشك:
ـ وبتجمع معلومات عنه ليه؟
علي بهدوء:
ـ هجاوبك لما تقوليلي. ليه رائد طلع يجري من البيت وهو بالحالة دي؟
ناهد بحزن:
ـ رائد. ابني دايمًا ضحية لكل اللي حواليه. وآخرهم كان أنا.
علي محاولًا جَرّها للحديث:
ـ إزاي ضحية وهو ضاحك على كل اللي حواليه ومفهمهم إنه يتيم ومخبي وجودك عن الناس كلها؟
ناهد بدفاع:
ـ عشان هو عاش فعلًا يتيم! أنا كنت في غيبوبة، وأبوه اتوفّى وهو صغير.
ألقت ناهد نظرة ذات مغزى على فاطمة، التي فهمتها، ونظرت إلى علي الذي لاحظ تبادل الأنظار، فقالت فاطمة بهدوء:
ـ بقولك إيه يا علي. سيب خالتك ترتاح شوية.
علي برفض:
ـ أنا فعلا هاعتبرك خالتي زي ما قولتي، وعشان كده هتكلم معاكِ بصراحة. ابنك بيشتغل في شركة الحسيني معرفش تعرفيها ولا لأ، والمفروض إنه صديق صاحب الشركة دي. بس للأسف، أنا من خلال مراقبتي له قدرت أعرف إنه السبب في إن الشركة على وشك الإفلاس، وإن له أسهم بنسبة كبيرة في الشركة المنافسة ليهم. زائد إن في علامات استفهام كبيرة حواليه في حاجات تانية، فلو عايزة تساعديه، تجاوبي على أسئلتي.
وقعت كلمات علي على مسامع ناهد، فجعلت قلبها يرتجف رعبًا على ولدها فقالت بلهفة وخوف:
ـ اسمعني يا علي. والله رائد مش وحش! كله من راغب الكلب ده هو اللي مفهمه إن له تار مع عيلة الحسيني، وإن هما اللي قتلوا أبوه، ومفهمه إني كنت بخون أبوه مع عامر الحسيني! ومسمم أفكاره! وهو مش راضي يديني فرصة أحكيله، علشان كده خرج يجري يوم ما أنت جيتلي. والله ابني مظلوم! راغب ده السبب في كل المشاكل والكوارث اللي حصلت لي في حياتي!
تنبهت جميع حواس علي لحديثها، فقال باستفهام:
ـ أيه؟ طب وعيلة الحسيني هيقتلوا أبوه ليه؟ لا. أنتِ لازم تفهميني كل حاجة. ده الموضوع شكله كبير!
ناهد بألم:
ـ الشيطان ده عايز يدمر ابني زي ما دمرني زمان. وحرمني من فرحتي بحياتي مع جوزي وحبيبي.
علي باستفهام:
ـ جوزِك وحبيبِك ده اللي هو أخوه، صح؟
ناهد بنفي:
ـ لأ. جوزي الأولاني. أبو رائد.
علي:
ـ اللي هو مين؟
ناهد بحزن:
ـ اللي هو… عامر الحسيني!

•تابع الفصل التالي "عشق بين حنايا الروح" اضغط على اسم الرواية

تعليقات