رواية عشق بين حنايا الروح الفصل الثاني 2 - بقلم نورهان العشري
يُحكى أن إمرأة عٓجوز تٓضع السُم للطيور، و تستلِذ بقتلِها و عندما سألوها عن السبب " قالت بأنها تكرههم بسبب خيانة حبيبها قبل ثلاثين عاماً مع بائعه طيور !
مُرعِب هو كُره بعض النساء.
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ما إن دخلت نيفين إلى الغرفة وشاهدت مظهر يوسف وهو جالس على الكرسي يطالعها بنظرات قاتلة واضعًا سلاحه فوق الطاولة أمامه حتى تضاعف رعبها أكثر، فهي في حياتها لم تره بمثل هذه الحالة من الغضب، فقد كان ينفث النيران من أنفه، إضافةً إلى نبرته المُرعبة عندما أمرها قائلًا:
_ اقفلي الباب وراكِ.
أطاعته دون أن تتفوّه بحرف واحد، فقد كانت كل خلية بها ترتجف رعبًا عندما أشار لها بإصبعيه بمعنى اقتربي، فأخذت تُجبر قدميها على التحرك حتى صارت على بُعد خطوتين منه، وقد كان الذعر جليًا على ملامح وجهها الذي ظهرت عليه بعض حبات العرق، وسرعان ما توسعت عيناها عندما هبّ واقفًا من مكانه، قاطعًا الخطوات الفاصلة بينهما بغضب يحمل في طياته الكثير من الاحتقار تجلّى في نبرته حين قال:
_ أنا كام مرة حذّرتك تقربي منها؟
زاد ارتجاف جسدها، وأخذت العبرات تقطر من عينيها، خاصةً مع اقترابه منها بهذا الشكل، وقد كانت أنفاسه الغاضبة تحرقها بلهيب الحقد الأعمى الذي يغلف قلبه تجاهها، وتجلى في نبرته الصارخة التي جعلتها تنتفض في مكانها:
_ ردي عليّا. عملتي كده ليه؟
_ عشان بحبك.
هكذا صرخت بقهر، ليطالعها بسخرية قائلًا بعدم تصديق:
_ بتحبيني! هو اللي زيك يعرف يحب؟!
قالت نيفين بانفعال:
_ آه بحبك، ومستعدة أعمل أي حاجة في الدنيا عشان تكون ليا. اللي زيّي دي حاربت عشانك الدنيا كلها، مش أول ما حد قالها كلمتين هربت وسابتك الكل يشمت فيك، ومع ذلك سامحتها!
كان حديثها يقطر لوعة وحقدًا، ليناظرها يوسف بسخط، فقد لامست بحديثها جرحًا عميقًا بمنتصف قلبه، لكنه تجاهل ألمَه قائلًا بقسوة:
_ بالرغم من كل اللي قولتيه ده… بس عمر قلبي ما قدر يكرهها ولا يحقد عليها لحظة واحدة. عارفة ليه؟
لوّن الغضب ملامحها، ليُتابع وكأنه يقصد إحراقها:
_ عشان لما دورت جوايا ملقتش حاجة واحدة وحشة أفتكرها لها… ملقتش غلطة واحدة غلطتها معايا تخليني أكرهها.
كانت كلماته كعجلات مشتعلة تدهس قلبها ومشاعرها، ليُتابع بجفاء:
_ كل اللي قولتيه إمبارح ليها ما خلانيش أكرهها، ده خلاني أكره نفسي إني فشلت في حمايتها منكم ومن شركم.
قست ملامحه ونظراته أكثر وهو يقول:
_ أنا السبب في هروب كاميليا. لو كنت قدرت أحميها ما كانتش هربت… ولا كنتوا قدرتوا تبخوا سمّكوا في ودنها. عرفتي ليه بقى سامحتها؟
جنّ جنونها من حديثه الذي فَتّت قلبها وحوّله إلى أشلاء، وانفجر بركان الحقد بداخلها لتقول بصراخ:
_ ولما أنت بتحبها قوي كده، كنت هتتجوزني ليه؟
يوسف بتخبّث:
_ كنت هدوس على قلبي عشان أنفّذ وصية عمي، وقلت يمكن تقدري تعملي لنفسك مكان في قلبي… بس للأسف، عملتك دي فوقّتني في الوقت المناسب.
سقطت كلماته كالمطرقة فوق قلبها، لتلعن غباءها في تلك اللحظة، وتقترب منه قائلة بلهجة يملؤها التوسّل:
_ سامحني يا يوسف… والله غصب عني، ما قدرتش أتخيّل إنك كنت بايت في حضنها. الغيرة عَمّتني… فكرت إن لما أكشفلك حقيقتها هتكرهها. أرجوك سامحني!
ناظرها باشمئزاز من مدى حقارتها، لكنه قال بهدوء:
_ عايزاني أسامحك؟!
هتفت بلهفة:
_ طبعًا.
يوسف بغموض:
_ يبقى توريني إنك تستاهلي إني أسامحك.
هتفت بعدم فهم:
_ يعني إيه؟
اشتدت زرقة عينيه، ولونت القسوة معالمه ولهجته حين قال:
_ عاقبي نفسك على غلطك في حقها… في حق مراتي. مراتي اللي يمسّها يمسّني، يعني إنتِ غلطك فيّ قبلها.
استنكرت حديثه وهتفت بغضب:
_ وإن قلتلك إني مش غلطانة، وأبدًا مش هعاقب نفسي عشان بيّنت حقيقتها للناس كلها وفضحتها؟
جحظت عيناه وتبلور الوعيد فيهما وفي نبرته حين قال:
_ يبقى هعاقبك أنا… وأول حاجة هعملها هقطعلك لسانك اللي غلط فيها، وهكسرلك إيدك اللي اتمدّت عليها، وآخر حاجة هطلع قلبك من مكانه بإيدي عشان شايلها كل الكره والحقد ده.
تفشى الرعب بصدرها من مظهره وذلك التهديد الذي يغلف نبرته، فارتدت خطوة إلى الخلف قائلة بنبرة مهتزّة:
_ والمفروض أعمل إيه عشان أكفّر عن غلطي في حق الست هانم؟
طالعها بسخرية لوّنت لهجته حين قال:
_ من حسن حظك إنك واحدة ست… ويوسف الحسيني ما بيمدّش إيده على الستات. بس عندي ألف طريقة وطريقة أبشع من دول عشان أجيب حقها منك. لكن أنا هعمل معاكي اللي ما عملتوش مع حد… ما إنتِ برضو بنت عمي!
نيفين بتلعثم:
_ يعني إيه؟
_ أنا عايزك تختاري إنتِ طريقة من دول تعاقبي بيها نفسك.
ارتد جسدها للخلف رعبًا قبل أن تقول بحروف متقطعة:
_ إنت… بتقول إيه يا يوسف؟
صرخة غاضبة خرجت منه عندما قال بنفاد صبر:
_ اللي سمعتيه!
أخذت العبرات تتقاذف من مقلتيها وهي ترى ذلك الجحيم المرتسم بعينيه، وخاصةً عندما أمسك سلاحه يشد أجزائه، واضعًا إياه في كفها الذي انتزعه من جانبها بعنف قائلًا بنبرة أشبه بالفحيح:
_ اختاري… هتعاقبي نفسك إزاي؟
قالت نيفين وهي تحاول التمسك بآخر أمل لها معه:
_ طب ولو جرالي حاجة… هتقول ل بابا وجدي إيه؟
يوسف بسخرية:
_ أبوكي الله يرحمه… وجدي راح منه اللي أغلى منك، فمتقلقيش عليه. فكّري في نفسك.
أدركت أنها هالكة لا محالة، فقد كان التصميم ممزوجًا بالغضب والكره يغلف نظراته التي لو كانت رصاصًا لخرّت صريعة في الحال. ارتجفت يداها وهي تمسك بالسلاح ناظرة إليه برعب، وصار بكاؤها نحيبًا، فقامت بتوجيهه إلى كف يدها اليسرى، وصارت ترتجف مغمضة عينيها لثوانٍ… وقبل أن تضغط على الزناد لتنطلق الرصاصة، تفاجأت به يرفع يدها الممسكة بالسلاح لتنطلق الرصاصة وتصيب الحائط، لينتفض جسدها أسفل قبضته القوية، ونبرته المُرعبة حين قال:
_ المكان ده ما ينفعش يتلوّث بدم واحدة زيّك… لكن الإيد اللي اتمدّت على مراتي لازم تتكسر.
أنهى جملته وهو يضغط بقوة على معصم يدها حتى سُمِع صوت طقطقة وكأنها انتزعت قلبها من مكانه من شدة الألم، فتعالت صرخاتها حتى اهتزت الجدران. فما كان منه سوى أن أمسك سلاحه ليضعه حول خصره في مكانه المعتاد وهو ينظر إلى ألمها وصرخاتها بسخرية قبل أن يقول:
_ الفرق اللي ما بينك وبينها كبير… كاميليا إنسانة عندها كرامة وكِبْرِياء. لو في يوم قلت لها مش عاوزِك… عمرها ما كانت هتفكر تقرب مني بعدها ولو خطوة واحدة… حتى لو هتموت من بعدي.
كانت ترتجف من فرط الألم والقهر معًا، ليُتابع دهس ما تبقى من كرامتها قائلًا:
_ إنما إنتِ للأسف موضوع الكرامة ده ما عداش عليكِ… برغم كل الكره اللي في قلبي ليكِ واللي شفتيه بعينك، فضلتي برضو تجري ورايا.
لم تستطع الصمت وتحمّل كل هذا الألم، فصرخت بقهر:
_ عشان كنت غبية!
يوسف بتهكّم:
_ شاطرة… غبية ومقرفة. وعمري في حياتي ما مشاعري اتحركت تجاهك سنتي واحد. كنت زمان أستغرب من مشاعري ليكِ… بس مع الوقت عرفت ليه. ماهو القلب اللي يحب واحدة نقية زي كاميليا… لازم ينفر من واحدة مقرفة زيّك.
علت ثورة انفجارها لتهتف بصراخ:
_ بكرهك!
لم يهتم لصراخها بل تابع باحتقار:
_ وعلى فكرة… أنا عمري ما فكرت أتجوزِك… ولا كنت هعملها. أنا عندي الموت أهون من إن اسمي يرتبط بواحدة زيّك.
طالعها بقرف قبل أن يلتفت متوجهًا إلى باب الغرفة بلا مبالاة، وكأن شيئًا لم يحدث، ولم يُبالِ حتى تلك الصرخة التي خرجت من قلبها قبل جوفها فمزقته، فقد فاق ألم القلب ذلك الكسر في يدها، فقد بتر جميع أحلامها المتمثلة به بتلك الكلمات القاسية المحتقرة، والتي كانت أصعب ما مرّ عليها في حياتها.
خرج يوسف فوجد سميرة التي كانت تولول في الخارج وقد تجمع الخدم حولها وهي تنوح قائلة:
_ قتلها… قتل نيفين! الحقوني يا ناس!
طالعها يوسف بهدوء ثم توجه إليها بخطوات بطيئة بثّت الذعر في قلبها، وخاصة حين هتف بوعيد:
_ متقلقيش… لسه ما ماتتش. في حساب لازم يتصفّى الأول… وإنتِ كمان حسابك جاي. وشرف أمي لهندمِك على اليوم الأسود اللي دخلتي فيه القصر ده. بس إنتِ اصبري.
أنهى حديثه المفعم بالوعيد والتهديد، ثم نظر إلى أحد الخدم قائلًا بأمر:
_ تجيبولها دكتور يعالجها هنا… واللي هيفتح بقه بحرف يبقى فتح على نفسه أبواب جهنم.
ما إن انصرف يوسف حتى هرولت سميرة إلى نيفين، والتي تفترش الأرض تنظر إلى الفراغ بنظرات ضائعة وكأنها فقدت كل ذرة إحساس داخلها، فقط كلماته المحتقرة تتردد في أذنها، تعزلها عن هذا العالم… لا تشعر سوى بطلقات تستقر في قلبها الذي قد مات فعليًا في تلك اللحظة. فلم تستجب لنداءات سميرة التي أخذت تهزّها بعنف وهي تقول صارخة:
_ نيفين! فوقي! إنتِ كده هتموتي نفسك… زي ما هو بيتمنى!
تنبهت نيفين لتلك الكلمات، فالتفتت إليها قائلة بلهجة تحمل من الكره والوعيد أطنانًا:
_ مش هموت… غير لما أموتهم كلهم بحسرتهم.
★★★★★★★★★
دخل علي إلى القصر وأخذ يبحث عن والدته وأختيه فلم يجد أحدًا، فوقف عند درجات السلّم وصار ينادي بصوت جهوري:
_ يا ماما… يا غرام… كارما!
لم يتلقَّ إجابة، فنظر في ساعته؛ الوقت يشير إلى الثانية عشر ظهرًا، فأين ذهبوا في مثل هذا الوقت؟ يفترض أن يكونوا في الصالون مع جدّه الذي يكون في هذا الوقت جالسًا معهم قبل أن يأخذ قيلولته، ولكنه بحث عنهم في كل مكان ولم يجد أحدًا.
_ علي بيه.
التفت علي إلى مصدر الصوت فوجده ذلك الممرض الخاص بجده يقف خلفه يخاطبه بأدب قبل أن يتابع:
_ هاشم بيه مستني حضرتك في أوضه المكتب.
أومأ برأسه ثم توجه إلى حيث أشار له بالتقدّم، ليتبعه إلى غرفة جدّه الذي تحسنت حالته كثيرًا منذ قدومهم إلى القصر وقد فرح علي كثيرًا، ولكنه لم يُفصح عن ذلك.
أغلق الممرض الباب خلفه، فتوجه علي ليجلس فوق الكرسي أمام المكتب بعد أن ألقى التحيّة على جدّه الذي تحدّث بهدوء ووقار قائلًا:
_ صوتك عالي ليه؟
علي بلا مبالاة:
_ أبدًا، كنت بنادي على ماما والبنات بس محدّش رد. هما فين؟
الجد بنبرة ذات مغزى:
_ لو كان الخدم هنا كانوا قالولك إنهم خرجوا. ألا صحيح يا علي… إنت أدّيت الخدم إجازة ليه؟
ارتبك علي داخليًا، ولكنه غلّف ملامحه باللامبالاة وهو يقول:
_ أبدًا، لقيتهم كتير، وأنا بطبعي مابحبّش الدوشة، وبما إني قررت أعيش هنا فأظن من حقي يبقى ليا شوية خصوصية… ولا إيه؟
هاشم بتأييد:
_ حقك طبعًا، دا بيتك وليك فيه حرية التصرّف… وتأكد إني واثق فيك. بس قولي، حاسس إنك اليومين دول متغيّر… في حاجة مضايقاك ولا إيه؟
علي بلا مبالاة:
_ لا عادي، مانا زي الفل قدامك أهو.
الجد بتخابث:
_ زي الفل من برّه… بس يا ترى من جوّه زي الفل برضه؟ ولا في حاجة تانية؟
تذكّر معاناته وجرحه النازف من هجر وقع عليه ظلمًا، فظهرت ومضة من الحزن على ملامحه، ولكنه أخفاها ببراعة وقام بتعديل ياقة قميصه تزامنًا مع اعتداله في جلسته قائلًا بجمود:
_ من جوّه زي من برّه، مفيش أي حاجة.
هاشم بدهاء:
_ نبرة صوتك اللي اتغيّرت، وعينك اللي لونها بهت، وحركة إيدك اللي مبتحصلش غير وإنت متوتر… مع صدمتك من سؤالي اللي خلاك تتعدل وإنت قاعد… بيقولوا غير كدا يا علي!
في البداية صُدِم علي من دهاء ذلك العجوز وقوة ملاحظته، وسرعان ما تحولت صدمته إلى غضب عندما قال:
_ عايز توصل لإيه من كلامك دا؟
هاشم بهدوء:
_ عايز أوصل معاك لحل يريح قلبك.
علي بعناد:
_ أنا قلبي مرتاح… متقلقش عليه.
هاشم محاولًا استفزازه:
_ مش قلقان طبعًا… عشان عارف إنت مين وابن مين وحفيد مين؟
تصاعد غضب علي من حديثه فقال مستنكرًا:
_ وإيه دخل أنا مين وابن مين… بالحب يا هاشم بيه؟
هاشم بتخابث:
_ ومين جاب سيرة الحب دلوقتي؟
علي بنفاد صبر:
_ بلاش تلعب معايا اللعبة دي. انت عايز توصل لإيه من كلامك دا؟
هاشم بهدوء:
_ عايز أفتح عينيك على شوية حاجات مهمة… أولهم إن في حاجات في الدنيا مبتتكررش غير مرة واحدة… وأولهم الحب.
علي بسخرية:
_ هاشم بيه الرفاعي بنفسه هو اللي بيقول الكلام دا؟! وكان فين الكلام دا من أكتر من تلاتين سنة؟ ولا عشان ما كانتش مناسبة ليك ولعيلتك بتقول كدا؟!
هاشم بهدوء:
_ لا… عشان مناسبة ليك إنت. قلبك دق لها من غير أي ضغط ولا عند ولا تحدي. من زمان أوي… من حوالي خمسطاشر سنة. كنت لسه شاب مراهق جاي تزورني إنت وسلم الله يرحمه… ويشاء القدر إنها تكون موجودة وتخطف قلبك. فاكر لما سبْتنا في الصالون وطلعت تجري تبص عليها من أوضة المكتب عشان تشوفها وهي مروّحة؟ يومها جيت وراك وشفت نظرتك ليها… واتأكدت إنها أخدت قلبك معاها.
ارتجف قلب علي لتلك الذكرى البعيدة عندما أتى مع والده يزور جده وقد رأى تلك الفتاة الجميلة صاحبة العيون الناعسة والخصلات البُنْدُقِيّة وهي تتدلل وتلعب بجوار جده القاسي، الذي كانت تلك المرة الأولى التي يراه فيها حنونًا مع أحد، لكن تلك الفتاة برقتها قادرة على إذابة الحديد، فدقّ قلبه للمرة الأولى معلنًا عن استسلامه لرقتها وجمالها. وكعادته لم تُفصح ملامحه عن أي شيء مما يختلج داخل صدره، لكن تلك العينان الماهرتان اقتنصتا وميض الحب الذي ظهر داخل عينيه، وقد اختلق تلك الحجة لرؤيتها قبل أن تغادر، فاعتذر منهم وتوجه إلى غرفة مكتب جده ملبّيًا نداءً صامتًا بداخله يتلهف لرؤيتها قبل أن تغادر، سالبةً منه جزءًا من روحه التي رُدَّت إليه يوم أن رآها وهي تهبط من الدرج تتدلل كالأميرات، ليدق قلبه بعنف، وقد غزت عقله تلك الذكرى التي رافقته لسنوات طويلة…
أعطى هاشم لعلي الوقت لاستعادة تلك الذكرى في عقله ليتحدث بعد أن تأكد من أن ما يريده قد تحقق، قائلًا بهدوء:
_ اتأكدت من كلامي؟
لم يجبه علي، وإنما نظر إليه وكان هناك مزيج من مشاعر الغضب من افتضاح سره الصغير، والصدمة من ذكاء ذلك العجوز، وأخيرًا الاشتياق لها الذي كان يؤلمه كثيرًا. قاطع تفكيره حديث هاشم:
_ في حاجة مهمة لازم تعرفها يا علي. أنا عمري ما كنت ضد الحب أبدًا، لأني أكتر واحد جربه. أنا على فكرة اتجوزت جدتك بعد قصة حب طويلة. متستغربش من كلامي، بس دي الحقيقة. أنا لما وقفت ضد أبوك في جوازه من أمك مش عشان ما كانتش مناسبة لينا ولا حاجة. لا. رفضت عشان ملقتش في عينيه نظرة الحب اللي تخليني أتغاضى عن أي حاجة وأوافق على جوازه منها. لقيت نظرة تحدي وعند ممكن يودّوا صاحبهم في ستين داهية. وكان عندي حق… سالم عمره ما حب أمل.
ألمت كلمات هاشم قلب علي وهو يتخيل أن تكون والدته شعرت بهذا الألم، وبأنها كانت وسيلة لحرب والده مع جده، لكنه تجاهل ذلك قائلًا:
_ وموافقتش ليه على جوازه من ماما فاطمة بالرغم من إنك أكيد اتأكدت إنه بيحبها؟
زفر هاشم بتعب وقد عادت إليه ذكرياته المؤلمة فقال بحزن:
_ عشان كانت هتبعده عني! أمل عمرها ما كانت سبب إن سالم يبعد عني أبدًا. كان في عز خناقنا وحروبنا مع بعض، لكنه كان جنبي دايمًا حتى من غير ما أطلبه. لكن فاطمة قدرت تبعده… عشان حبها من كل قلبه باع الدنيا عشان خاطرها، ودا خلاني غصب عني أغير من حبه ليها. سالم كان أعز أولادي عندي، وبالرغم من كل قوتي وجبروتي إلا إن الكلمة الصغيرة منه كانت بتخلي قلبي يطير من الفرح. لكن لما ظهرت فاطمة في حياته واتجوزها خدته بكل حبه وحنانه دا… وفعلاً بعد عني. بعترف إني غلطت، بس كان غلطي بدافع الحب… ودا مش مبرر أبدًا، أنا عارف. بس والله حاولت أصلّح الغلط دا، والدليل إني سيبتك تعيش معاها بعد موت سالم الله يرحمه، ومقدرتش أحرمها منك، ولا أحرمك منها بالرغم من إني كنت أقدر وكان ليا كل الحق في دا. بس جيت على نفسي وعلى قلبي اللي كان بتوحشه أنت وإخواتك، وسيبتك معاها. يمكن دا يشفع لي عندك أو عند سالم.
ترقرقت دموع الندم والضعف في عيني هاشم والتي لامست قلب علي شفقةً عليه، لكن سرعان ما مسح هاشم عينيه وحاول استعادة قوته وكبرياءه قائلًا بجمود:
_ سيبنا من اللي فات… خلينا فيك إنت. هتسمع كلامها وتضيعها من إيدك؟
صُدم علي من تصريحه فقال بذهول:
_ وإنت عرفت كلامها منين؟ إنت كلمتها؟
هاشم بهدوء:
_ كلمتها.
انفجرت براكين الغضب داخل علي فهبّ من مقعده قائلًا بحدّة:
_ وحكتلك على الهبل اللي في دماغها؟ الهانم قالت إيه؟ بتقول مفيش بينا كلام يتقال، ومكانش في بينا حاجة أصلًا!
هاشم بمكر:
_ حكتلي… وأنا اتضايقت منها طبعًا. بس قولي يا علي… هو كان في إيه بينكوا؟ أصل أنا معرفش بصراحة. إنتوا كنتوا مرتبطين مثلًا؟
ارتبك علي من حديثه وأدرك ما يرمي إليه، ومن هنا بدأ يرى الأشياء بوضوح، فقال بارتباك:
_ لا مش بالظبط… يعني كنا مستلطفين بعض..
هاشم بتعقّل:
_ لا يا علي… تبقى البنت ما غلطتش. أنت واحد اتخانقت مع جدها وكان هيموت بسببك، وإنتوا يادوبك مستلطفين بعض. كنت عايزها تعملك إيه يعني؟ دا أقل واجب الكلام اللي قالتهولك دا.
تعاظم غضبه من نفسه أولًا ثم من حديث جده، لكنه قال بعناد:
_ بردو مكنش ينفع تقولي الكلام دا. كان ممكن توصّلي اللي هي عايزاه بأي طريقة تانية، وهي عارفة إني كنت في موقف زفت، ومكنتش هقدر أستحمل يهين أمي قدامي وأسكت.
هاشم بعتاب:
_ روفان ما قالتلكش الكلام دا عشان الموقف اللي انت عملته، ولا عشان هي كانت مستنية منك حاجة. روفان قالت الكلام دا لأنها عارفة رحيم الحسيني كويس… وعارفة إن كدا كل الخيوط اللي بينكوا انقطعت، واتبنّى بينكوا ألف سد وسد.
ألمه قلبه على موقفها وخوفها، فقال بغضب وتحدٍ:
_ إن كان هو رحيم الحسيني… فأنا علي هاشم الرفاعي! ومحدّش يقدر ياخد مني حاجة أنا عايزها. أنا عمري ما حطيت قدامي هدف وما وصلتش لهوش… ولا هو ولا ألف غيره يقدروا يمنعوني عنها.
هاشم بارتياح وقد وصل إلى مبتغاه:
_ عارف إنك تقدر تهدّ الدنيا وتاخدها غصب عن الكل… بس مش غصب عنها يا علي. هي الوحيدة اللي ممكن تقفلك، ووقتها مش هتقدر تعمل حاجة.
ارتعب قلبه من مغزى حديث جده فقال بتوتر:
_ تقصد إيه بكلامك دا؟
هاشم بقوة:
_ راضي قلبها يا علي… وصلّها كل اللي جواك دا. عشان لما تقوم حرب عشانها تكون هي ذخيرتك. لكن مش تروح تعلن حرب على الناس وإنت مش ضامن وجودها جنبك… وقتها تبقى غبي وبتِرمي نفسك في النار.
أعلن هاتف علي عن قدوم مكالمة، فنظر علي إلى هاشم الذي تحرّك واقفًا في مكانه ثم قال بنصح:
_ أنا حطّيتلك الكورة قدّام الجون… وإنت عليك تسدّد. فكّر كويس وبُص حواليك… واعرف هتلعبها إزاي. وأوعى الغرور ياخدك… عشان ممكن يعميك عن المكان الصح ويخليك تجيبها في العارضة. واعرف إن الفرصة ما بتتكررش مرتين. شوف تليفونك… وأنا هروح أحط النقط عالحروف وأثبت الأرض تحت رجليك من تاني.
أنهى هاشم حديثه وهو يربّت على كتف علي، الذي لم يكن يعلم ماذا عليه أن يفعل أو يقول في تلك اللحظة؛ فقد كان تائهًا حائرًا يأكله الغضب والشوق معًا في صمت. ليأتي آخر من كان يتوقع مساعدته ليضع قدمه على الطريق الصحيح… فجأة وجد نفسه يتحدث بعرفان قائلًا:
_ شكرًا يا جدو.
نظر إلى هاشم الذي كان قد وصل عند باب الغرفة، وقد دقّ قلبه عند سماع كلمات الشكر البسيطة تلك، والتي كانت أول الطريق لقلب حفيده الأغلى على قلبه. فهزّ رأسه مع ابتسامة صادقة خرجت من قلبه، ثم توجه إلى الخارج، تاركًا علي الذي قام بإجراء اتصال هاتفي قائلًا بلهفة:
_ إيه يا ماما؟ فينكوا؟ وإزاي تخرجوا من البيت كلكوا كدا من غير ما أعرف؟
ابتعدت فاطمة بالهاتف عنهم وهي تقول بصوت خفيض:
_ معلش يا علي… كاميليا تعبت شوية وكان لازم أجي أشوفها. المهم… طمّني، فاقت ولا لسه؟
علي بملل:
_ معتقدش… لو كانت فاقت كانت الممرضة اللي فوق دي بلّغتني. طمنيني على كاميليا… مالها؟
احتارت فاطمة ماذا تخبره، فهي لا تعلم ما حدث بعد، فقالت باختصار:
_ لسه معرفش… أغمي عليها وجابوها على المستشفى.
علي بتعب:
_ طب أنا هريح شوية عشان تعبان أوي… ما نمتش من امبارح. لو احتجتي حاجة كلّميني… أجيلكوا.
فاطمة بحنو:
_ لا… خليك. مادام تعبان ارتاح شوية، عشان لما أجيلك هنتكلم… مش هتهرب مني زي المرة اللي فاتت. وبعدين… إحنا كلنا هنا.
تجاوز علي تلميح والدته، والتي كانت تعني أن يحضر ناهد الغائبة عن الوعي إلى القصر ليهرب من أسئلتها إلى أن تسترد وعيها ويفهم منها ما يحدث. وسرعان ما لمعت عيناه عند جملتها الأخيرة، فسأل باهتمام:
_ كلكوا مين يعني؟
فاطمة بعفوية:
_ أنا وإخواتك… وأدهم ومامته… وروفان أخته… ويوسف كان هنا بس تقريبًا راح مشوار.
هبّ علي من مكانه عند سماع اسمها وقال بلهفة:
_ إيه يا ماما الكلام اللي بتقوليه دا؟ إزاي كاميليا تبقى في المستشفى وأنا مجيش أشوفها؟ دا حتى يبقى عيب! خمس دقايق وهتلاقيني عندك.
لم يُعطِ فاطمة الفرصة للرد، فقد أغلق الهاتف وتوجه حيث يقوده قلبه الذي يتلهف لرؤيتها… ليروي شوقه وغضبه منها.
************
_ عايزة أتكلم معاك ضروري.
كانت تلك الرسالة النصية التي أرسلتها غرام لأدهم بعد أن كتبتها وقامت بحذفها للمرة الألف. لا تعلم لماذا تريد الحديث معه؟ نعم، تعشقه… لكنها كانت قد قررت بأنها أبدًا لن تعود إليه، فقد كسرت فعلته كل الجسور بينهما. هكذا كانت تُقنع قلبها عندما يأكله الشوق كل ليلة، ليأتي تصريحه الجريء هذا الذي قلب تفكيرها رأسًا على عقب، بل إنه سدد هدفًا عظيمًا في شباك قلبها عندما أرضى غرورها كأنثى بكلماته تلك، وجعل قلبها ينتفض بداخلها كطفل صغير لا يهدأ إلا عند الحصول على ما يريد. وقد ضعفت أمام طوفان اشتياقها له، وأرسلت تلك الرسالة التي وصلته وهو يجري عدة اتصالات هامة من أجل العمل الكثير الذي وقع فوق عاتقه مع اختفاء رائد، الذي هاتفه يعلن سفره المفاجئ نظرًا لمرض إحدى أقاربه، ومنذ ذلك اليوم وهاتفه مغلق، فوقعت جميع أعماله فوق عاتق أدهم. وما أن شاهد اسمها على الهاتف مقرونًا برسالة نصية حتى رقص قلبه بين ضلوعه فرحًا عند قراءة تلك الكلمات البسيطة التي تحويها الرسالة، غير مصدق بأنها هي التي تريد التحدث إليه. فأخذ ينظر حوله لتقع عيناه عليها وهي تعبث بهاتفها بتوتر وكأنها نادمة على تلك الرسالة التي جاءته كشعاع نور في طريقه المظلم إلى كسب ودها، فسرعان ما أرسل لها الرد قائلًا:
_ مستنيكي في الباركينج.
وصلتها رسالته فصار قلبها يدق بعنف، وابتلعت ريقها بصعوبة، وأخذت تبحث عن أختها التي كانت تتحدث على الهاتف فتوجهت إليها قائلة بلهجة مهتزة بعض الشيء:
_ كارما… أنا هطلع خمس دقايق وارجع، لو ماما سألتك قوليلها في الحمّام.
طالعتها كارما باستنكار، فسارعت غرام بالحديث:
_ مش هتأخر… هاجي على طول.
أنهت غرام كلماتها ثم توجهت إلى حيث ينتظرها، وقد كانت كل خلية بها ترتجف لهفة لرؤيته وخوفًا من ضعفها أمامه وترقبًا لما هو آت. كانت تقدم خطوة وتؤخر الثانية… إلى أن وصلت، فوجدته يجلس بكسل على مقدمة سيارته واضعًا يديه في جيوب بنطاله ينتظرها، وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة عاشقة زادت من توترها، خاصةً عندما انتصب واقفًا لدى اقترابها منه، فتوتّرت للحظة وقد نسيت كل ما أعدّته من أحاديث، فظلت تطالعه، وقد آسرته عيناها كما آثرتها عيناه اللتان كان العشق يتبلور فيهما. ظلّا يتبادلان النظرات لثوانٍ حتى أخيرًا قررت انتشال نفسها من بحر عينيه اللتين أغرقتاها سابقًا، وعدم الانسياق خلف سحر وسامته، لتقول بنبرة حاولت جعلها ثابتة:
_ حصل إيه لكاميليا؟
خابت آماله للحظات عند سؤالها عن حالة كاميليا، لقد كان يمني نفسه بأنها قد قررت إعطاءه فرصة لتصحيح خطئه والتحدث معه بشأن علاقتهما، خاصةً بعدما حدث داخل المشفى مع ذلك الطبيب. لكنه تدارك الأمر وقرر أن يجاريها حتى يصل إلى ما يريده فقال بمزاح:
_ طب قوليلي إزيّك؟ عامل إيه؟ يعني من باب المجاملة حتى!
غرام بسخرية:
_ إزيّك… عامل إيه؟
أدهم بمداعبة:
_ قبل ما أشوفِك ولا بعد ما شوفتِك؟
ذلك اللعين يجعل قلبها يدق ألف مرة في الثانية الواحدة من تلك النظرات التي وكأنها تعانقها، وتلك الكلمات التي تداعبها… لكنها ظلت على ثباتها قائلة بسخرية:
_ بصراحة مش عايزة أعرف… أنا جاية عشان أطمن على كاميليا وبس.
مازحها قائلًا:
_ ده انتي بتستغلّيني بقى!
غرام بتهكّم:
_ اعتبرها خدمة إنسانية.
انتَصَب واقفًا ليقترب منها بخطٍ سلحفائي… فما كان يتقدّم خطوة حتى تتراجع هي أخرى، ثم هتف قائلًا بحب وعينان بدا وكأنهما تطوّقانها:
_ بس كده؟ ده عنيا ليها. ده أنا مستعد أفديها بروحي… بس هي ترضى!
كانت تتراجع للخلف لدى اقترابه منها وعيناه اللتان كانتا تزيدان من توترها، فقالت بارتباك:
_ هي إيه دي؟
أدهم بتخابث:
_ الإنسانية طبعًا!
غرام بغضب مفتعل:
_ خليك مكانك… وإلا هسيبك وِأمشي.
أنهت كلماتها تزامنًا مع تعثرها بحجر خلفها، لتقوم يد أدهم بالتقاطها قبل أن تسقط، وتطويقها من كل الجهات لتقع بلحظة بين أحضانه. فرفعت عينيها لتلتقي بعينيه اللتين كانتا تحويان من العشق أطنانًا، فجعلتا قلبها يدق كالطبول، خاصةً وهو يقول بنبرة خشنة:
_ تمشي فين؟ هو دخول الحمّام زي خروجه ولا إيه؟
زاد ارتباكها وتسارعت أنفاسها من كلماته، ويداه اللتان كانتا تلتفّان حول خصرها بتملك كبير، مما جعل الكلمات تخرج من فمها بصعوبة وهي تقول:
_ يعني إيه؟
أجابها بصدق وبلهجة مبحوحة من فرط التأثر بقربها:
_ وحشتيني.
كانت على وشك أن تستسلم لسحر عينيه وعذوبة كلماته وتخبره بأن شوقها إليه أيضًا قد فاق الحدود، بل وأنها كانت تغفو وتستيقظ كل يوم على صورته… ولكن جاء رنين الهاتف الذي أنقذها، فجعلها تنتفض من بين ذراعيه، وتقوم بإخراجه من الجيب الخلفي لبنطالها وهي تجيب بعفوية:
_ آلووو… إيه يا موري؟ انت فين يا روحي؟
غضب أدهم من ذلك الاتصال اللعين الذي جاء في غير وقته، وقد كانت على وشك إعلان راية الاستسلام. ليتحوّل غضبه إلى غيرة جنونية وهو يسمعها تتحدث بتلك النبرة التحببية إلى ذلك الشاب، وأيضًا تدلّله بتلك الطريقة، فقام بانتزاع الهاتف من بين يديها وإغلاقه وهو ينفث النيران من أنفه. فتجاهلت مظهره الغاضب والذي أسعدها كثيرًا، فهي تتحدث هكذا حتى تثير جنونه… وقد حدث ما أرادت، لكنها تظاهرت بالغضب حين قالت:
_ إيه اللي انت عملته ده؟! انت مجنون!
بالكاد تحكم في غضبه ليقول بحدة:
_ لا… ده أنا لحد دلوقتي كده عاقل.
غرام بحدّة:
_ يعني إيه بقى؟
أجابها بنبرة حاول أن تكون هادئة بعض الشيء:
_ اسمعيني كويس… أنا ساكت على كل عمايلك وصابر عليكي وعلى عندك، وعندي استعداد أصبر مليون سنة كمان… واستنّاكِ لحد ما تسامحيني. لكن من هنا لحد عقلك ما يرجع لراسِك… وتعرفي إنك مش لحد غيري… أوعي تفكّري إنك تستفزّيني أو تثيري غيرتي.
غرام بسخرية:
_ والله؟ هتعمل إيه بقى؟
هتف بانفعال:
_ وقتها هتشوفي جنان عمرك ما كنتِ تتخيّليه. وخليكي فاكرة كلامي ده كويس… عشان مش هقوله تاني. أنا غيرتي وحشة يا بنت الناس… اتجنّبيها أحسن لك!
داخليًا كانت تود لو تصرخ من فرط السعادة، لكن كبرياء الأنثى بداخلها قيّد القلب وأشعل روح التحدي مرة ثانية بجوفها، وقد راق لها تعذيبه كثيرًا حتى يعلم مع من قام بالعبث. فاقتربت منه للحد الذي جعل جميع حواسه تتنبه لاقترابها، وقالت بنبرة خفيضة مغرية:
_ دي مشكلتك… حلّها لوحدك. أنا ولا كأني سمعت حاجة.
أنهت كلماتها وارتدّت للخلف تنوي المغادرة… ولكن هيهات أن تذهب هكذا بعد ما أشعلت بجوفه نيرانًا لم ولن تهدأ إلا بها. فقام بإمساكها بقوة من رسغها جاذبًا إياها لتصطدم بسياج صدره، ناظرًا إلى شفتيها تارة وإلى عينيها تارة أخرى… لتستقر نظراته أخيرًا على عينيها قائلًا بوعيد:
_ متلعبيش بالنار يا غرام… وخصوصًا معايا. أنا ناري بتحرق… ومبتسميش.
غرام باستنكار بعدما استردت جزءًا من ثباتها الذي بعثره اقترابه منها بهذا الشكل:
_ بتهددني؟
أجابها بخشونة:
_ لا… أنا بس بعرّفِك إن ناري محوّطاكي… وهتحرق أي حد يفكّر يقرب منك… حتى لو كان مين. بس برضه ما يمنعش إن في نار تانية… دي هنجرّبها وندوب فيها سوا.
قال كلماته الأخيرة بوقاحة أخجلتها كثيرًا، فنفضت يدها من يده، لكن الأخيرة لم تتركها، فقالت بغضب:
_ على فكرة بقى… انت قليل الأدب. وأنا حرة أعمل اللي أعمله… وأكلم اللي أكلمه… انت ملكش دعوة بيا.
أدهم بتحدٍ وبنبرة قاطعة:
_ محدش في الدنيا له دعوة بيكي غيري… ده أولًا. ثانيًا… لو مش خايفة على الأمور بتاعك ده… خليني أشوفِك واقفة معاه ولا بتدلعي عليه كده تاني! وأنا… وشرف أمي… لهكسّرلك عضمة. وأظن انتي شفتي بعينيكي فوق… أنا مستعد أعمل إيه.
أوشكت على الحديث فقاطعها بحدّة:
_ اتفضلي دلوقتي روّحي لهم… عشان ما يقلقوش عليكي. واعرفي إن عيني عليكي… وشايفاكي في كل مكان… حتى أوضتك.
اشتعلت نيران الغضب بداخلها من كلماته، وأوشكت على أن تخبره بأن يذهب إلى الجحيم، ليبادرها هو قائلًا:
_ أي كلمة هتقوليها دلوقتي… هاعتبرها دعوة صريحة إني أقرب منك… وأنا بصراحة… هموت وأعمل كده.
قال الأخيرة بوقاحة نابعة من فرط اشتياقه لها، وقد تمنى لو أنها ألقت إحدى كلماتها اللاذعة حتى يرتوي من شهدها الذي يشتهيه كثيرًا. لتفاجئه هي بابتلاعها الحديث بصعوبة كبيرة… فقد كانت تود تلقينه درسًا لا يُنسى، ليشتعل المكر بعينها وهي تقترب منه ببطء ناظرة إلى عينيه، ورفعت يدها تضم إبهامها مع السبابة، تمررها على شفتيها من البداية للنهاية بمعنى: لقد أغلقت فمي. ثم ارتدّت إلى الخلف وهي على يقين بأنها تركت به نارًا مشتعلة سوف تحرقه مثلما أحرقتها كلماته. وبالفعل… كانت حركتها هذه قد أثارته كثيرًا وزادت من شوقه إليها الممزوج بعشق لم يخطر بباله يومًا أن يشعر به تجاه أحد. فزفر بتعب وقد قرر بأنه عليه وضع حد لمعاناته تلك… فهو لم يعد يستطيع الابتعاد عنها أبدًا.
كانت هند عائدة من عملها الممل في ذلك المكتب والذي كانت قد قبلت به بسبب خوفها من أن يجدها كلٌّ من يوسف أو رائد… ذلك الاسم الذي كلما مرَّ على بالها تزداد ضربات قلبها تلقائيًا؛ تارة مُشتاقة وتارة خائفة، لا تعلم ماذا تفعل مع قلبها الذي يظل طوال الليل يؤنّبها على رحيلها بهذا الشكل عنه. فبالرغم من كل أخطائه إلا أنها تشعر بمدى معاناته وبأن هناك مشاعر صادقة خلف جدار الانتقام والغضب والحقد هذا، ولكن لم يكن بيدها حيلة أخرى، فلو كان الأمر بيدها لظلت بجانبه إلى أن يأخذ ثأره الذي كان يسبب له كل هذا العذاب، ولكن خوفها من أن يطال طوفان الانتقام هذا والدتها وأختها الصغيرة جعلها تختار نيران البعد عنه، وترضى بالعذاب لقلبها الذي غفر له جميع أخطائه بحقها. لتمر على بالها تلك الذكرى المؤلمة.
عودة إلى وقت سابق
استيقظت هند من غفوة طويلة أخذتها على حين غرّة لتجد نفسها نائمة في غرفة غريبة عنها. ظلّت ترمش بعينيها لثوانٍ لمعرفة أين هي؟ وأخذت تنظر حولها لتتبيّن المكان، وفجأة تذكرت ما حدث البارحة عندما كانت معه تُلَبِّي دعوته للاحتفال بعيد ميلاده، وآخر شيء تذكرته هو إصراره عليها لشرب كأس نبيذ واحد، فطاوَعَتْه… وبعدها لا تتذكر شيئًا.
هبت مفزوعة من مكانها فصُعِقَت من تلك الشراشف التي تخفي جسدها العاري… تلك الكلمة التي جعلتها ترتجف رعبًا من هذه الخاطرة التي مرّت على بالها.
لا، لا، لا يمكن أن يكون قد فعل بها تلك الجريمة البشعة! فهي كانت تشعر بصدقه في كل كلمة كان يتفوّه بها، وأيضًا نظراته كانت تحكي لها مقدار حبه… ولكن ماذا حدث؟
أخرجها ذلك الصوت الساخِر من شرودها لتصدم مما رأته.
كان رائد عاري الصدر يجلس على أريكة في آخر الغرفة يطالعها بنظرات غامضة قائلًا بسخرية:
_ صباحية مباركة يا عروسة!
نزلت كلماته كالصاعقة على مسامعها فقالت بعدم تصديق:
_ أنت بتهزر صح؟ أكيد مش قاصد اللي أنت بتقوله ده!
ابتسم بسخرية وألقى نظرة ذات مغزى على شيء ما بجانبها، فالتفتت إليه حتى تجمدت في مكانها من رؤية تلك الدماء التي كانت على شرشف السرير، فجحظت عيناها ألمًا ورعبًا. ليطالعها بنظرات يملؤها الندم والحزن سرعان ما تحولت إلى اللامبالاة، تجلّت كثيرًا في نبرته حين قال:
_ معنديش وقت أستناكي لما تتصدّمي وتقعدي تعيّطي وتوَلْوِلي. أنا راجل عملي وعايزِك إنتِ كمان تبقي كده. أنا هعرض عليكي ديل كويس، وإنتِ كمان اللي هتطلعي فيه كسبانة.
لم تسعفها الكلمات للحديث؛ فقد غلبت صدمتها على كل شيء. فقد كانت تراه وكأنه الشيطان بعينه بعدما كان ذلك الملاك الذي كانت تظن أنه هبط من السماء لأجلها، ولكنه كان النقيض تمامًا… سلبها أعز ما تملك، وأصبحت بسببه مُلوَّثة، حتى تلك الأمطار الغزيرة التي كانت تتساقط من مقلتيها لن تفلح أبدًا في تطهيرها.
كان ينظر إليها بقلب يقطر ألمًا، ولكنه تجاهل ذلك الألم الشديد، فقد وضع خطة بداخله وعزم على تنفيذها، وأقسم بأنه لن يوقفه شيء في هذه الحياة عن انتقامه… حتى قلبه الذي كان ينزف ألمًا على حالتها. ولكنه لم يشفق عليه ولا عليها، فيئس من ردّها وتابع بمنتهى الهدوء والثبات:
_ أنا مستعدّ أتجوزِك دلوقتي وأستر عليكي. بس ده هيكون له مقابل.
كان صوتها مبحوحًا من فرط الألم والحزن والخيبة:
_ عايز مقابل علشان تتجوزني وتستر عليا؟ للدرجة دي أنا بقيت رخيصة؟
استقرت خناجر كلماتها في قلبه محدثة آلامًا صعب احتمالها، ولكن رجلًا مثله اعتاد الألم فأصبح يستلذ به. فنظر إليها ساخرًا ثم قال:
_ متكبّريش الموضوع. قولتلك هتجوزِك وأرحمِك من الفضيحة… بس عندي شرط واحد.
تحدثت بصوت لا روح فيه قائلة:
_ شرط إيه؟
هتف بغل:
_ تساعديني أجيب رقبة يوسف الحسيني الأرض.
صدمة ثانية أطاحت بثباتها أرضًا، فقالت باستنكار:
_ أنت اتجننت صح! أنت عايزني أعضّ الإيد اللي اتمدّت لي؟!
رائد بغضب:
_ اخرسي واعرفي إنتِ بتتكلمي مع مين! إنتِ روحك في إيدي يا حلوة. كل اللي حصل بينا أنا مصوّره، وممكن أروح أوريه للست والدتك اللي أكيد هتقعد ساكتة… ووقتها يوسف بيه هينفعك!
علا صوت بكائها وهي تقول بألم:
_ حرام عليك… أنت أكيد مش بني آدم، أنت شيطان. أنا عملت فيك إيه علشان تعمل فيا كده؟
رائد بمرارة:
"مش لازم تكوني عملتي. كتير أوي الدنيا بتظلمك من غير ما يكون ليكِ ذنب في أي حاجة… ومش لوحدِك اللي اتاخدتي في الرجلين! قولتي إيه… هتساعديني ولا لأ؟"
كان التيار أقوى منها، فهذه هي والدتها وأغلى ما تملك في تلك الحياة البائسة، لن تستطيع أن تعرضها لتلك الحقيقة البشعة أبدًا. لهذا اتخذت قرارها قائلة بإذعان:
_ عايزني أساعدك إزاي؟
تجاهل ذلك الألم والعجز في صوتها قائلًا بثبات:
_ عايزِك تجيبي لي كل أخباره خطوة بخطوة، ونسخة من كل الملفات السرية والمهمة في الشركة.
هند بإذعان:
_ حاضر.
رائد بلوعة، فقد ودّ لو يحتضنها مكررًا أسفه مرارًا وتكرارًا لما أقحمها فيه بدون أي ذنب:
_ وأنا هبعت أجيب المأذون علشان يكتب الكتاب.
التفتت هند بالشرشف حولها وتقدمت منه ناظرة إليه بكره واحتقار ثم قالت باشمئزاز:
_ أنا عمري ما هكون مراتك أبدًا. بعد ما توصل للي إنت عايزه… مش عايزة أشوف وشّك تاني.
عودة للوقت الحالي
تلك الدموع التي أحرقتها ذلك اليوم أحرقتها الآن، كما لو أن ما حدث قد حدث البارحة. وما زاد من ألمها هو ذلك القلب الذي غفر له وسامحه على جميع أخطائه، ضاربًا عرض الحائط كرامتها وكبرياءها اللذين تجردت منهما تلك الليلة مثلما تجردت من عفّتها وطهارتها.
وصلت إلى باب الشقة وقامت بوضع المفتاح في قفل الباب وإدارته ثم دخلت وهي تكفكف دموعها حتى لا تراها أيٌّ من والدتها أو أختها. وقامت بإشعال الضوء لتتفاجأ بذلك الذي يجلس على الكرسي ناظرًا إليها بسخرية وهو يقول:
_ حمد الله على السلامة.
كانت سميرة تنظر إلى نيفين التي كانت وكأنها في عالم آخر غير عالمهم، وقد كانت كلماته المحتقرة تتردد بأذنها وكأنها سوط يجلدها بعنف. حتى تلك الإبر التي كان الطبيب يغرزها بكفّها الذي تضرر كثيرًا، فقد كانت تتمنى لو أنهى حياتها… أرحم عليها من هذا العذاب الآن.
نظر إليها الطبيب ليجدها في عالم آخر، فأنهى دوره بمهارة فائقة، واستقام ناظرًا إلى سميرة قائلًا بعملية:
_ أنا جبّست الكسر وإن شاء الله يِلِمّ. بس طبعًا هيكون في ألم كبير الفترة الجاية، وعشان كده أنا كتبتلها على شوية مسكنات هتهدي الدنيا شوية.
سميرة بملل:
_ ميرسي يا دكتور، تعبناك معانا.
تناولت سميرة الورقة وأشارت للخادمة بأن توصل الطبيب، ثم نظرت إلى نيفين التي كانت حالتها لا تبشر بالخير وقالت بترقب:
_ هتفضلي ساكتة كده كتير؟
لم تجبها، بل بدا لها وكأنها لم تسمعها من الأساس. فنظرت إليها سميرة بامتعاض وقالت بحنق:
_ براحتك… ماترديش. أنا كلمت الخدم هيجبولِك الأكل، وهبعت حد من الجارد اللي برّه يجيبلك الدوا… ونامي، ولما تصحي نبقى نتكلم.
لم تجبها أيضًا، وهنا رن هاتف سميرة التي نظرت إليه بتوتر واتجهت إلى الباب مهرولة لتدخل غرفتها ليتسنى لها التحدث بحرية. فما إن ضغطت على زر الإجابة حتى وصلتها قهقهات شريرة يتبعها صوت الشيطان قائلًا:
_ عايزِك تجهزي أجمل طقم أسود عندِك… عشان عندِك عزا يا حرمة المرحوم.
صُدِمَت سميرة من حديث راغب وقالت بعدم تصديق:
_ راغب! إنت بتتكلم بجد؟
راغب بتأكيد:
_ ودي حاجة ينفع أهزر فيها برضو؟ مراد… الله يرحمه. وزمان الدكتور بيقولهم الخبر دلوقتي. يلا روحي جهّزي اللي هتلبسيه… عايزِك قمر النهارده.
أتبع حديثه بقهقهات مقززة وأغلق الهاتف لتجلس هي على أقرب أريكة ناظرة إلى الفراغ، وقد شعرت بألم يغزو قلبها مع نزول دمعة صادقة من عينيها، وألقت نظرة إلى صورة له معلّقة في غرفتها قائلة بألم:
_ إنت اللي اخترت النهاية يا مراد.
**************
في المشفى كان التوتر يُخيّم على الجميع مما حدث، خاصةً عند سؤال فاطمة المتكرر والذي وجّهته تلك المرة لصفية قائلة بنفاد صبر:
_ مش هتقولي حصل إيه لبنت أختي بردو يا صفية؟
صفية بارتباك:
_ قولتلك محصلش حاجة يا فاطمة. كاميليا تعبت شوية وجبناها على المستشفى على طول.
فاطمة بغضب:
_ وإيه اللي تعبها؟ كاميليا مش هتتعب كده من غير سبب.
صفية بتوتر:
_ قولتلك معرفش يا فاطمة… معرفش. احنا لقيناها فجأة أُغمِي عليها.
فاطمة بحدّة:
_ لما إنتِ عايشة معاها في نفس البيت ومش عارفة… أمال مين اللي يعرف؟
تدخل أدهم لإنقاذ والدته من عبء الإجابة قائلًا بنبرة قاطعة:
_ طنط فاطمة، محدش فينا له ذنب في تعب كاميليا… خليكِ متأكدة من ده.
توترت فاطمة من لهجة أدهم، وأدركت أنها تمادت في أسلوبها قليلًا، وهي تعرف جيدًا أن صفية أكثر من كان يحنو على ابنة أختها، فقالت برفق:
_ أنا عارفة الكلام ده يا أدهم ومتاكدة منه… بس أنا قلبي واكلني على كاميليا. دي مش أول مرة تقع وتتعب كده.
أجابتها صفية بحزن وشفقة:
_ والله قلبنا كلنا واكلنا عليها. دي كاميليا دي بنتي… ربنا عالم.
فاطمة باعتذار:
_ عارفة والله يا صفية، وحقك عليّا لو كلامي كان فيه حدة شوية… بس غصب عني، دي الحاجة الوحيدة اللي باقيالي من ريحة زهرة… الله يرحمها.
صفية برفق:
_ الله يرحمها. أعذارك مقبولة يا فاطمة. إن شاء الله هتقوم بالسلامة وهتبقى زي الفل.
قاطع حديثهم قدوم إحدى الممرضات، والتي وجّهت حديثها لأدهم قائلة بنبرة مهتزّة بعض الشيء:
_ أدهم بيه… الدكتور فؤاد عايز حضرتك ضروري.
انتفض الجميع، ومنهم فاطمة التي قالت بذعر:
_ كاميليا جرالها حاجة؟
أدهم بهدوء:
_ اهدي يا طنط فاطمة… ده الدكتور بتاع عمي مراد.
نظر أدهم إلى الممرضة التي كان وجهها لا يُفسَّر، وقال باستفهام:
_ في حاجة؟
_ الدكتور عايز حضرتك… أو يوسف بيه ضروري.
صفية بقلق:
_ أنا هاجي معاك يا أدهم.
نظر أدهم إلى والدته قائلًا بلهجة قاطعة:
_ استني هنا يا ماما… وأنا لو في حاجة هبلّغك.
تدخلت روفان قائلة:
_ وأنا هروح معاك أطمن على جدو… زمانه صحي.
وافقها أدهم واعتذر منهم جميعًا، ثم قام بالانصراف والقلق يأكله من الداخل.
****************
بعد أسبوع
دخل يوسف إلى تلك الغرفة التي تحوي بداخلها العالم أجمع بالنسبة إليه، وقد كانت صدمته عندما وجدها جالسة على السرير ناظرة تجاه النافذة التي كان يدخل منها شعاعٌ من الشمس ينعكس بريقه على خصلات شعرها الذهبية التي كانت تلمع كثيرًا على عكس انطفاء صاحبتها، والتي شعرت بانفتاح باب الغرفة، وقد جاءت اللحظة التي كانت تؤجلها كثيرًا طوال هذا الأسبوع، فقد كانت تشعر به في كل مرة يأتي ليراها وتتظاهر بالنوم عندما يضع هو تلك القبلة الرقيقة فوق جبينها ويجلس معها بصمت ولا تدري متى يذهب، فقد كانت تذهب بعدها في ثباتٍ عميق فتجده بطلًا لأحلامها التي كانت تارة تزعجها وتارة تسعدها، ولكنها سئمت من النوم وقررت لأول مرة بحياتها المواجهة، فعندما جاء في الموعد المعتاد ككل يوم وجدها جالسة على سريرها وقد أخذت وقتًا طويلًا حتى استطاعت النظر تجاهه، فكانت نظراتها كقطرات ماء سُكبت على أرضٍ قد تشققت بفعل الجفاف لتحييها، هكذا هو حال قلبه الذي كان يموت شوقًا لعينيها التي حرمته منها لأسبوعٍ كامل قد حمل الكثير والكثير من الأحداث المؤلمة والتي لا أحد يعلم كيف تجاوزها.
اقترب يوسف من سريرها ناظرًا إلى عينيها التي كان الألم والانكسار يخيم عليها، وقد كان هذا أكثر الأشياء ألمًا لقلبه، ولكنه حاول إضفاء الهدوء على صوته وهو يقول:
_ عاملة إيه النهارده؟
أجابته بصوت خفيض وهي تنظر أمامها غير قادرة على مواجهته:
_ الحمد لله أحسن.
عاتبها بحنو:
_ أخيرًا قررتي تفوقي؟
أخفضت كاميليا عينيها وهي تشعر بالخزي من افتضاح أمرها أمامه، فقد كان قلبها يخبرها بأنه على علم بتظاهرها ولكنها كانت تكذبه، والآن علمت بأنه كان طوال هذا الوقت يعلم بهروبها، وهو الأمر المخزي بالنسبة لها، فلم تستطع الإجابة سوى بدمعة يتيمة نزلت من طرف عينها، هبطت على قلبه كجمرة من النيران المشتعلة، ليتحرك من مكانه جالسًا على السرير أمامها وقام برفع رأسها بيد وباليد الأخرى مسح دمعتها قائلا بلهجة حانية:
_ لما أكلمِك تبصيلي. أوعي توطي راسك أبدًا.
وكانت كلماته كالإذن بانفجار عينيها بأنهارٍ من دموع القهر والألم والخزي، فامتدت ذراعاه تحتضنها بقوة ورفق، فصارت تنتفض بين ذراعيه تبكي عارًا أُلصِق بها عنوة ولم يكن لها أي يدٍ به. تبكي حلمًا لم تتمنَّ سواه ولكنه انتهى لحظة بدايته. تبكي مصيرًا أسوأ من الموت بدونه وهي عاجزة لا تملك من أمرها شيئًا سوى البكاء والنحيب الذي كان يفتت قلبه من الداخل، وصوت شهقاتها يعلو ويعلو وكأنها كانت تحتفظ بتلك الدموع لسنوات حتى أتى الوقت للإفصاح عنها.
ظلت على هذه الحالة لوقتٍ ليس بقصير تبكي وتشهق وتنتفض، ويداه الحانيتان تحتويانها وتهدهدانها كالطفل الصغير حتى هدأت تمامًا، فقام بتقبيل أعلى رأسها ثم قال بحنان:
_ هخلي الدكتور ييجي يديكي حاجة مهدئة عشان تعرفي تنامي.
قاطعته كاميليا بنفي:
_ لا. مش عايزة أنام… أنا نمت كتير وهربت كتير، كفاية أوي لحد كده.
طالعها يوسف بقلق، فهو خائف من تدهور حالتها أكثر، فقال بحنان:
_ إنتِ تعبانة… خلينا نأجل الكلام لما تبقي كويسة.
كاميليا بألم:
_ مش هتفرق، أنا هفضل تعبانة، وكده كده لازم نتكلم. دلوقتي أحسن من بعدين.
يوسف بمهادنة:
_ طب اتكلمي… خرّجي كل اللي جواكي.
نظرت إليه كاميليا بألم، وداهمتها بعض الذكريات السابقة، فحوّلت نظراتها إلى البعيد وهي تسرد ما حدث منذ ثمانية أشهر.
عودة لوقت سابق
كانت تنام بعمق إلى أن شعرت بيدٍ قوية تجذبها من فوق مخدعها بعنف، فهبت مذعورة من نومها على صوت نيفين البغيض وهي تقول بغضب:
_ طبعًا نايمة في العسل بعد ما عملتي عملتك السودة!
كاميليا برعب:
_ ابعدي عني! عايزة مني إيه؟
نيفين بحقد:
_ أنا كان عليا نفسي آخد روحك بإيدي… بس للأسف مش هضيع نفسي عشان واحدة زيك. بس واديني لهطردك زي الكلبة من البيت ده.
ارتعبت كاميليا من مدى الحقد الذي يقطر من كلماتها، ولكنها ارتدت ثوب القوة التي استمدتها من كونها تنتمي إليه، ونفضت يدها الممسكة برسغها قائلة بحدة:
_ ابعدي إيدك دي عني. متقدريش تعمليلي أي حاجة. أنا مرات يوسف الحسيني اللي ممكن يهد الدنيا فوق دماغك لو فكرتي بس تقربيلي، فاهمة؟
_ أخس عليكِ يا نيفين… إحنا بنبارك للعروسة كده برضو؟!
كان هذا الصوت المليء بالشر لسميرة التي دخلت من باب الغرفة وسمعت حديث كاميليا، فتقدمت تنظر إليها بكُره وغضب، ثم وجهت انظارها لابنتها قائلة:
_ روحي انتِ يا نيفو، أنا ليا كلمتين مع ست الحسن والجمال.
نظرت نيفين بغضب لوالدتها وقالت بحدة:
_ ماما!
سميرة بغضب:
_ مفيش ماما! قولتلك اخرجي واقفلي الباب وراكي!
طاوعتها نيفين مرغمة بعد أن ألقت نظرة محتقرة متوعدة على كاميليا، وخرجت صافقة الباب خلفها، لتقترب سميرة من كاميليا قائلة بوعيد:
_ قولتيلي بقى إنتِ مرات مين؟!
كاميليا محاولة التحلي بالشجاعة:
_ مرات يوسف الحسيني… واللي مش هيسمح ليكي تمسي شعرة واحدة مني.
قهقهت سميرة بشر ثم قالت بمكر:
_ ويا ترى هيبقى ده موقف يوسف بيه لما يعرف إن الست هانم مراته تبقى بنت حرام!
اخترقت الجملة قلبها كخنجرٍ مسموم شطره إلى نصفين، فتراجعت إثرها خطوة للخلف وهي تقول بنبرة مستنكرة:
_ إنتِ مجنونة صح؟! وصلت بيكي الوقاحة إنك تقولي عني الكلام المقرف ده؟!
سميرة بشماتة من مظهر كاميليا المرتجف:
_ أنا بقول كلام مقرف؟! أمال إنتِ وأمك تبقوا إيه؟ دانتو القرف نفسه… وعمومًا لو مش مصدقاني تعالي أسمعك بودانِك.
كاميليا باستنكار:
_ أنا مش هاجي معاكي في أي مكان، إنتِ ست مجنونة! ابعدي عني.
امتدت يد الشر وصفعتها على وجنتيها صفعة قاسية كقسوة كلماتها المسمومة، وقامت بإمساكها من رسغها قائلة بغضب:
_ لسانِك ده هقطعهولِك… بس بعد ما أعرّفِك حقيقتك القذرة اللي هتسمعيها وتتأكدي منها من بقّ رحيم الحسيني بنفسه، وأظن ده مش هيكذب.
سارت كاميليا خلفها كالمنومة مغناطيسيًا، وهي تتضرع إلى الله أن يكون هذا الحديث كله كذبًا وافتراءً، فهي لن تقدر على تحمل حقيقة مخزية مثل هذه لتضاف إلى حياتها البائسة.
توقفت أمام باب الغرفة كما أمرتها سميرة التي دخلت إلى الغرفة وهي تقول:
_ عمي… أنا قولت لكاميليا على كل حاجة.
هبّ رحيم من مجلسه وتوجه إليها قائلًا باستنكار:
_ إيه؟ كل حاجة إيه اللي قولتي عليها؟
تراجعت سميرة خطوتين إلى الخلف، فقد هالها مظهره المرعب، وقالت متلعثمة:
_ أ… أنا قولتلها على حقيقة نسبها وإنها مش بنت أحمد.
رحيم بغضب جحيمي:
_ إنتِ اتجننتي؟! إزاي تعملي كده من غير إذني؟!
سميرة برعب:
_ مقدرتش أسكت بعد اللي حصل. هنستنى إيه؟ لما يتمم جوازه منها وتحمل بحفيدك أو حفيدتك؟
رحيم بحدة:
_ لا طبعًا! على جثتي يحصل الكلام ده. بنت زهرة دي آخر واحدة في الدنيا هسمح إنها تبقى أم أحفادي… ولازم تكون عارفة الكلام ده كويس.
_ ما هي خلاص عرفت.
هكذا تحدثت كاميليا التي فتحت باب الغرفة بعد أن وصل إلى مسامعها كل حرف تفوها به، وقد شعرت بأن العالم كله بامتلاء اتساعه غير قادر على احتوائها في تلك اللحظة، فقد كان ألمها لا يوصف لو ظلت تحكيه لمئة عام، وقد تجلى ذلك في نبرة صوتها المختنقة وملامحها المتألمة التي شحبت حتى يظن من رآها بأنها فقدت كل صلة لها بالحياة، ولكن ذلك لم يجعل رحيم يشفق عليها، والذي تفاجأ من وجودها في البداية ولكنه سرعان ما تغلب على صدمته وقال بجمود:
_ تبقي وفرتي على نفسك وعليّ كلام كتير مالوش لازمة.
كاميليا بقهر:
_ علشان كده مكنتش بتحبني… ولا مرة خدتني في حضنك وطبطبتي عليّ. إنت عمرك ما بصيت في وشي… يمكن حتى متبقاش حافظ ملامحي. أنا كنت بقعد أسأل نفسي كتير ليه بتعاملني كده… بس دلوقتي عرفت.
لأول مرة تحرك ذلك الحجر الذي يقبع على يساره ألمًا لحديثها وحزنها الكبير، ولكنه تجاهل كل ذلك قائلًا بفظاظة:
_ وياترى… بعد ما عرفتي ناوية تعملي إيه؟
لم تجب عليه لسببين:
أولهما أنها صدقًا لم تكن تعلم الإجابة،
والسبب الثاني والأهم هو صدمتها في جبروت ذلك الرجل الذي لم يشفق ولا مرة واحدة على يُتمها وعذابها.
فأخذت تطالعه بانكسار وألم، ولم تُسعفها الكلمات لتجيبه، فتابع هو بفظاظة:
_ ناوية تبقي أنانية وتفضلي مكملة معاه… وتأذيه زي ما أمك آذت ابني زمان؟
شعرت بألمٍ طحن عظامها لحظة نطقه بهذا السؤال، والذي كانت إجابته تحمل خيارين بمثابة موتين:
موت بدونه…
وموت عند معرفته حقيقة نسبها.
ولكنها أخيرًا اختارت الموت بعيدة عنه، فهو لا يستحق أن يُعاب بشيءٍ لم يكن له ذنب به، فقالت بقهر:
_ أنا عمري ما هقدر أأذيه أبدًا.
عودة للوقت الحالي
انتهت كاميليا من سردها لتلك اللحظات المؤلمة التي عاشت بها كل مشاعر الحزن بهذا العالم، واختتمت حديثها ناظرة إلى عينيه اللتين كادتا أن تخرجا من مكانهما من هول ما سمع، وخاصةً جملتها الأخيرة التي كانت كالسهم الذي صُوِّب إلى منتصف قلبه.
_ طول عمرك بتقولي متخليش حد يكسّرني بيك، وعشان كده هربت! اخترت إني أبقى في نظرك واحدة جبانة وغير جديرة بيك، ولا إنك تشوفني كده. كنت عارفة إن محدش هيزعل على فراقي، وكنت عارفة إن كرامتك هتقف بينك وبين قلبك لما تقرأ جوابي، وعمرك ما هتدور عليَّ.
تنهيدة حارقة شقّت جوفها قبل أن تتابع بأسى:
_ أنا هربت عشان محدش يكسّرك بيا والله. كنت عارفة إنهم مش هيترددوا ثانية إنهم يفضحوا سرّي ويقولّولك إني بنت...
قاطعها يوسف واضعًا إصبعه فوق شفتيها يمنعها من نطق تلك الكلمة المؤلمة، وقام بتطويقها بأصفاد ذراعيه بقوة كادت أن تكسر عظامها وهو يقول بألم:
_ أوعي تقولي الكلمة دي على نفسك أبدًا.
عانقته بكل ما تمتلك من قوة متجاهلة ألم جسدها، فقد كان ألم القلب يفوقه بمراحل، وتحدثت من بين دموعها:
_ غصب عني مشيت، ومَخدتش معايا حاجة غير ريحتك وصورتك بس. مكنتش عايزة أكتر منهم يصبّروني على الحياة في بُعدك.
أفرج أخيرًا عن دموعه التي حبسها كثيرًا، فقد تخطّى ألمه لأجلها حدود العقل. كيف لقلب مثلها وفي مثل هذا العمر قادر على احتمال كل هذا الألم؟
كيف لحبيبته الصغيرة والبريئة أن تحتمل كل هذا العذاب وحدها؟
كيف احتملت قسوته وتعذيبه لها بعد أن أعادها قسرًا إلى جُحر الأفاعي بيديه؟
كانت كل هذه التساؤلات تنهش بقلبه قبل عقله، وقد اختلطت دموعه بدموعها، ولأول مرة يفقد قدرته على السيطرة على نفسه؛ كل ما يراه ويشعر به هو ألمها الهائل وانتفاضة جسدها بين ذراعيه.
ظلا على هذه الحالة لوقت غير معلوم حتى هدأ هو، ثم بعد فترة هدأ نحيبها وعاد انتظام تنفسها، فقام بفكّ حصاره حولها ووضع إصبعه تحت ذقنها لينظر إلى عينيها وهو يقول بأسف صادق:
_ حقك عليَّ. أنا آسف إني مكنتش جنبك وحميتك منهم ومن شرّهم. حقك عليَّ إني سبتِك اليوم ده ومفضلتش معاكي. بس مكنتش أتخيل إن حقدهم يوصل للدرجة دي. حقك عليَّ على كل حاجة وحشة عشتيها بعيد عني. لو فضلت أعتذرلك عمري كله مش هيكفي.
امتدت يداها تحتوي خديه بين كفيها وهي تناظره بحب قائلة بلهجة مبحوحة من فرط البكاء:
_ أنا اللي آسفة إني حطيتك في الموقف ده. آسفة إني مكنتش جديرة بيك وبحبك وباسمك، بس ده غصب عني والله.
قاطعها يوسف قائلًا باستنكار:
_ كاميليا! إيه اللي انتي بتقوليه ده؟
كاميليا بنبرة يشوبها التصميم فقد اتخذت قرارها:
_ بقول الحقيقة يا يوسف، واللي لازم تحطها قدّام عينيك. أنا منفعكش. منفعش أكون أم لولادك. متفكرش فينا بس… فكّر فيهم. هتقبل حد يعاير ولادك بنسب أمهم زي ما أنا طول عمري باتعاير؟
غضب بشدة من حديثها وهتف بنبرة حادة:
_ كاميليا، في حاجات كتير لازم تعرفيها، وأولها إني عمري ما هبعد عنك مهما حصل.
قاطعته بوضع يدها فوق شفتيه قائلة برجاء:
_ أرجوك يا يوسف متكملش وتصعّبها عليّا أكتر من كده.
نظر إليها بصدمة سرعان ما تداركها قائلًا باستفهام:
_ تقصدي إيه؟
كانت الكلمات تخرج من بين شفتيها كخروج شجرة شوك من بين لفائف الصوف تمزّق كل ما تمرّ به:
_ إحنا لازم نطلق.
نظر إليها لوهلة غير مصدّق بما تفوّهت به، ثم سرعان ما غلى الدم في عروقه وانتفض من مكانه صارخًا بها:
_ نطلق؟! انتِ أكيد اتجننتي؟!
كاميليا بحزن:
_ أنا متجننتش… أنا لأول مرة أواجه قدري بدل ما أهرب منه.
يوسف باستنكار:
_ وهي دي المواجهة من وجهة نظرك؟ وأنا طول عمري بقولك واجهي واجهي! دلوقتي بس ندمت على كلامي ده، وبقولك يا ريتك ما واجهتي وخليتك نايمة مغمضّة أحسن ما تصحي وتقولّي الكلمتين دول!
كاميليا بنبرة أشبه بالتوسل:
_ أرجوك تهدى يا يوسف. القرار ده مش سهل عليّا أخده، ده أصعب حتى من الموقف اللي مريت بيه. بس صدّقني… مش هقدر. إحنا خلاص وصلنا للنهاية اللي أنا كنت مرعوبة منها، ومفيش أي حل غير إننا ننفصل.
قالت كلماتها الأخيرة بألم امتزج بدموع عينيها التي كانت تتوسل إليه ألا يعذبها أكثر، لكنها فجأة اتسعت عيناها عندما وجدته يقوم بفك أزرار قميصه من الأعلى ويثني أكمامه وهو يقول بوعيد:
_ أممممم… ننفصل؟ قولتيلي.
كاميليا بخوف مما يفعله وتلك اللهجة المتوعدة والنظرات الغامضة:
_ إيه يا يوسف؟ انت هتعمل إيه؟
يوسف بهدوء وهو يقترب منها:
_ أبدًا… هعرّفك بس إنك متقدريش تبعدي عني لحظة واحدة. وبعدها هربيّكي على الكلمة اللي كل شوية تقوليها دي.
أنهى كلماته تزامنًا مع امتداد يديه لضمّها إليه بعنف حتى إنها شهقت شهقة قوية ابتلعها جوفه عندما انقضت شفتاه تلتهم خاصّتها في قبلة قوية عنيفة، أخذ يعمّقها أكثر فأكثر ويداه تمارسان فنون العشق والعبث باحترافية فوق جسدها الخائن الذي أعلن استسلامه إليه بكل ما أوتي من عشق. فكيف يمكن أن تقاوم رجلًا يحتل كل خلية من خلاياها، يملكها قلبًا وروحًا وجسدًا؟
تجاوبت مع عنفه بجنون راق له كثيرًا، فصار يزيل كل ما يعوقه عنها حتى محا جميع الحواجز بينهما، وأشعل براكين العشق بجسدها، ثم نظر إلى عينيها قائلًا من بين قبلاته:
_ تقدري تبعدي عني؟
كاميليا بصوت مبحوح من فرط الإثارة:
_ مقدرش أعيش لحظة واحدة من غيرك.
_ لسه عايزاني أطلقك؟!
_ أوعى تفكّر تعملها.
يوسف بهدوء:
_ بس أنا هعملها يا كاميليا.
شعرت كاميليا بدلو من الماء المثلج سقط فوق رأسها لدى سماع كلماتِه التي تزامنت مع انشقاقه عنها، فشعرت بالبرد القارص يغزو جسدها الذي تجمّد من فعلته، فصارت تتابعه وهو يرتدي ملابسه بهدوء تام ينافي جنونه معها منذ قليل. وبعد انتهائه نظر إليها قائلًا بفظاظة:
_ جهّزي نفسك عشان هنخرج دلوقتي… عندنا مشوار مهم. وبعد المشوار ده… هطلّقك. انتي عندِك حق… إحنا مبقاش ينفع نكون مع بعض.
خيم الذهول على ملامحها من هول الصاعقة التي تفوه بها، حتى إنها لم تشعر بوصوله عند باب الغرفة، فكانت مصدومة وكأنها فقدت القدرة على الحديث. لكن حدّته أخرجتها من شرودها عندما قال:
_ فوقي! في فستان أسود في الدولاب عندِك، قومي البسيه عشان هنمشي نروح البيت دلوقتي.
خرج بعد أن صفق الباب، تاركًا إياها خلفه تعاني الأمرّين، فقد رفضها منذ دقائق بعد أن ألقى بوجهها ضعفها أمامه وعشقها الصريح له. "رفضها!" تلك الكلمة مزّقتها من الداخل. فكل ما حدث لها ومرت به لم يكن ثقيلًا عليها مثل تلك الكلمة، فلأجلها هربت وهربت وهربت… وفي النهاية رأتها بعينيها منذ دقائق. ولم يجعله هذا يشفق عليها، بل والأدهى أنه سيأخذها إلى ذلك المنزل مرة ثانية دون مراعاة لشعورها وما حدث آخر مرة.
متى تحجّر قلبه بهذه الطريقة؟ فقد كان منذ دقائق يبكي ويعتذر لها عن كل ما حدث، وكان يبثّها عشقه وحنانه… ماذا حدث ليتحوّل إلى ذلك الكائن المتحجر القلب؟
لأول مرة بحياته لا يبالي بحزنها، بل قتلها بكلماته الباردة دون أن ينظر خلفه.
أخرجها من شرودها ذلك الطرق على الباب، فوجدته ينظر إليها قائلًا بغضب:
_ انتي لسه ملبستيش؟
ارتبكت من كلماته ونظرت إليه بتيه، فقد كانت تحاول استيعاب ما يحدث، ثم تحركت بغير هدى في الغرفة تنظر حولها وهي تقول بشرود وتلعثم:
_ حاا… حاضر… ث… ثانية واحدة.
أخيرًا وجدت طريقها للمرحاض وقامت بتغيير ثوبها، ثم خرجت لتجده يطالعها باهتمام قائلًا بلهجة مستفهمة:
_ انتي كويسة؟
كانت على حالها من الشرود والتوهان وكأن عقلها لم يستوعب ما يحدث، فبدت كالمنوّمة مغناطيسيًا، فأجابته بشرود:
_ آه… كويسة.
لعن نفسه بداخله، فهو قد قسى عليها كثيرًا، لكنها هي من أجبرته على ذلك. وقد شعر بوخزات الألم تنخر بداخله، فمظهرها الآن لا يبشّر بالخير. فتقدّم منها وقام بإجلاسها على المقعد المجاور له، ثم توجه إلى مقعد السائق وقاد السيارة بسرعة كبيرة. ولأول مرة لا ترهبها سرعته، فقد كانت تنظر إلى النافذة بشرود أقلقه.
فعندما اقتربوا من القصر أوقف السيارة ونظر إليها قائلًا بلهجة حانية:
_ كاميليا… أنا عارف إن الموضوع هيكون صعب عليكي، بس متقلقيش… أنا موجود.
قاطعته كاميليا بهدوء:
_ انت هتطلقني… صح؟
أغضبه سؤالها كثيرًا، فها هي المرة الثانية في غضون ساعات تتحدث عن ذلك الموضوع، فانتفض كبرياؤه الجريح وقال بتصميم:
_ هطلّقِك يا كاميليا.
التفتت إلى الجهة الأخرى وقالت بصوت لا حياة فيه:
_ مش مهم عندي أي حاجة تانية.
وكانت تلك هي الحقيقة المؤلمة التي تراها أمام عينيها: هو طلاقها منه، فأي شيء بعد هذا ليس بالمهم. وفي تلك اللحظة تمنت لو أن يتوقف قلبها عن العمل وتنتهي حياتها البائسة تلك.
أوقف السيارة أمام باب القصر ونظر إليها قائلًا بجمود:
_ يلا.
لم يتلقَّ إجابة من شفتيها، وإنما إيماءة بسيطة من رأسها، جعلته يترجل من السيارة وقام بمد يده لينزلها، فنظرت إليه بعتب قاسٍ وصريح، ثم تجاهلت يده الممدودة إليها ونزلت بهدوء، ناظرة إلى هذا القصر الذي لطالما كانت تكرهه وتمنت ألا تعود إليه يومًا. وعند هذه الخاطرة استعادت جزءًا من وعيها جعلها ترمش عدة مرات وتبلل حلقها الذي جف، وبدأت شفتيها بالارتعاش، وكان هذا يحدث تحت أنظاره المتألمة. فامتدت يده وطوقت كتفها في محاولة صامتة منه لبثها بعض الأمان، لكنها فاجأته كالعادة وقامت بإنزال يده قائلة بلهجة هادئة منخفضة:
_ أنا كويسة… يلا ندخل.
هزّ رأسه بموافقته، وقد تصاعد الغضب بداخله من رفضها أن يلمسها. وأشار لها لتتقدمه، فسارت أمامه بخطوات بطيئة وقد شعرت بأنها على وشك الإغماء، لكنها قاومت ذلك بصعوبة بالغة. ولأول مرة في حياتها لم تستجب لعقلها الذي يأمرها بالانسحاب من هذه الدوامة التي تبتلعها دائمًا، لكنها قررت أنها ستواجه حتى النهاية، معلنة لهم جميعًا ما تحمله بداخلها من ألم وعذاب.
سارا إلى الداخل فوصل إليهما صوت الجميع المنبعث من غرفة الصالون، فتوقفت كاميليا لدقيقة تأخذ نفسًا طويلًا قبل أن تشعر بصوته خلفها قائلًا بلهجة حانية يتخللها الصرامة:
_ ارفعي راسك… وأوعي توطيها أبدًا. ومتخافيش… أنا في ضهرك.
بالرغم من ألمها منه، إلا أن كلماته أعادت إليها شيئًا من الطمأنينة والقوة التي جعلتها تتقدم إلى الداخل. فما إن خطت خطوة إلى الغرفة حتى التفتت إليها جميع عيون الحاضرين، منها فرحة ومنها شامتة وأخرى غامضة.
كانت أول المرحِّبين بها صفية التي اندفعت تجاهها، تأخذها بين أحضانها في عناق صادق محب كانت بحاجة إليه، وخصوصًا عندما قالت صفية بحب:
_ حمد الله على سلامتك يا حبيبتي… نورتي بيتك.
ابتسامة شاحبة ارتسمت على ملامحها تلاها هزة بسيطة من رأسها، فاندفعت روفان تعانقها بفرح وهي تقول بسعادة:
_ حبيبتي يا كامي… ألف سلامة عليكي. أخيرًا جيتي.
كاميليا بهدوء:
_ الله يسلمِك.
نظر يوسف إلى صفية وروفان نظرة ذات مغزى، فرجعت كلٌّ منهما إلى مكانها، وتحدث بلهجة صارمة:
_ نيفين.
ارتعبت كاميليا من لهجته، وأيضًا عندما نطق اسم تلك الحية التي تحركت من مكانها ناظرة إليها بنظرات غامضة لم تستطع كاميليا تفسيرها، ثم أخيرًا نطقت قائلة بجمود:
_ أنا آسفة.
طالعتها كاميليا بشك، ولم تُجب، واكتفت بإيماءة بسيطة، لتهز نيفين رأسها وترجع إلى مكانها بلا مبالاة غريبة عنها كثيرًا.
ففاجأتها يد يوسف التي أمسكت بذراعها قائلًا بلهجة ماكرة:
_ روّحي اقعدي هناك… وحطي رجل على رجل… واتفرجي على حقك وهو بييجي.
طالعته كاميليا بعدم فهم، لكنه أشار لها بنظراته إلى حيث مكانها، فذهبت إليه لتجلس على المقعد، تنظر إليه بحيرة. ليطالعها بنظرات مطمئنة سرعان ما تحولت إلى جامدة وهو يطالع البقية قائلًا بفظاظة:
_ طبعًا كلكوا مستغربين أنا جمعتكوا هنا ليه؟ بس متقلقوش… مش هتستنّوا كتير. هقولكوا على كل حاجة لما جدي ينزل.
_ أنا هنا يا يوسف.
كانت تلك الكلمات الهادئة لرحيم الذي كان يستند على عصاه، ومن يراه يشعر بأنه قد كبر مئة عام. فوجهه كان يحمل همومًا كالجبال، وقد انطفأت عينيه ووهن جسده كثيرًا.
ظلت كاميليا تطالعه باندهاش لم تفصح عنه ملامحها، ولكن توسعت عيناها من نظرته الحانية التي ألقاها عليها حتى ظنت أنها كانت تتوهم.
_ كلنا هنا متجمعين عشان نحط النقط على الحروف… وعشان كل واحد يعرف مكانه في البيت دا.
ألقى يوسف كلماته ناظرًا إلى نيفين وسميرة التي ارتبكت من مغزى حديثه، فطالعها بسخرية قائلًا:
_ طبعًا سميرة هانم مرات عمي… اللي مش عاجبها دي… هي أول واحدة كان المفروض تترمي من البيت دا من زمان.
توترت الأجواء من حديث يوسف الفظ ونظراته المحتقرة لسميرة التي هبت من مكانها قائلة بحدة:
_ أنا مسمحلكش يا يوسف! ولا عشان عمك مات خلاص هتبهدل فيّا بالشكل دا؟!
ابتسم يوسف ساخرًا وقال باستنكار:
_ على أساس إن عمي لو كان موجود كان هيدافع عنك أصلًا!
عمي لو كان هنا كان زمانه دفنك حيّة على خيانتك ليه.
جحظت أعين الجميع من اتهامه الصريح. ارتبكت سميرة لثوانٍ ثم سرعان ما تداركت الموقف وقالت بغضب مفتعل:
_ يوسف… لحد هنا وكفاية. أنا مسمحلكش تتهمني اتهام زي دا.
كان يوسف يتوقع ردّها، فلم يبدُ عليه الاندهاش، بل ظل ثابتًا يطالعها بنظرات محتقرة. وقام بإلقاء قنبلته الثانية بنفس الهدوء الذي فجّر به الأولى، ونظر إلى أدهم الذي كانت تعبيراته لا تختلف كثيرًا عن تعبيرات يوسف، الذي قال بهدوء:
_ ما تشغّلنا فيلم حلو كدا يا أدهم… نتفرّج عليه كلنا.
استجاب أدهم وحده، ووضع الفلاشة في التلفاز وضغط عدّة أزرار، وانتظر ثوانٍ لتظهر فجأة صورة نيفين وسميرة تقتحمان غرفتها بعنف:
(مشهد من الفصل السابع والثلاثون)
_ واطية وخسيسة!
لم تفق نيفين من أمر صفعتها حتى أمسكتها سميرة من خصلات شعرها وهي تقول بغل:
_ بقي أنا يا كلبة… تبيعيني؟! وتروحي تقولي ليوسف إني السبب في هروب كاميليا؟! بتكسبيه على قفايا يا سافلة؟!
نفضت نيفين شعرها من يد سميرة وهي تقول بغضب:
_ ابعدي عني! أنا مقولتش حاجة لحد… إنتِ اتجننتي؟!
سميرة بحقد وغضب:
_ اتجننت؟! أيوه اتجننت… عشان حاوية حيّة زيك في بيتي!
بس لا… أنا مش هقع لوحدي.
ده أنا هخسف بيكِ الأرض قبل ما تفكري توقّعيني.
نيفين بغضب:
_ إنتِ بتهدديني؟!
سميرة بسخرية:
_ لا يا عنيا… أنا مش بهدد… أنا بنفّذ على طول.
ومادام إنتِ فارْدة جناحاتك أوي كدا… أنا بقى هقصقصهملك.
قهقهت نيفين ساخرة وقالت بتخابث:
_ ولا تقدري تعمليلي أي حاجة… كلمة واحدة مني لرحيم الحسيني… هخليه يطيرك على طول.
ويا سلام بقى… لو عرف إنك إنتِ اللي عملتِ لابنه الوحيد كدا… إنتِ وعشيقك طبعًا.
جحظت عينا سميرة من حديث نيفين، وللحظة استرجعت كل الأحداث السابقة لتشهق قائلة بذهول:
_ انتِ اللي قولتي لمراد على مكاني؟
نيفين بشماتة:
_ مش بالظبط. أنا رميت الطعم وهو بلعه، يعني تقدري تقولي كده إديته طرف الخيط!
استعادت سميرة وعيها وأوشكت على الهجوم مرة ثانية على نيفين وهي تصرخ بغضب:
_ آه يا كلبه يا واطية! والله لهقتلك وأشرب من دمك.
أمسكت نيفين بيدها وهي تقول بسخرية:
_ اهدي اهدي، الانفعال وحش عشانك. انتِ دلوقتي المفروض تقعدي تفكري هتقولي إيه لمراد الحسيني لما يفوق ويقرر يقتلك على خيانتك له. ما هو مش معقول يعني هيسيب واحدة خاينة زيك كده على ذمته؟!
سميرة بشماتة وقد استعادت بعضًا من هدوئها:
_ لا، ده أنا هفكر في حاجة أحسن وأحسن. تفتكري إيه رد فعله لما يعرف إنك أصلًا مش بنته؟!
لم تتغير ملامح نيفين وكأنها كانت تتوقع حديثها، بل زادت ابتسامتها حتى وصلت لقهقهات متتالية مما أدى إلى ذهول سميرة، وخاصةً عندما تحدثت نيفين قائلة:
_ إيه؟ اتفاجأتي إني عارفة؟ لا ده انتي اتعودي بقى عشان أنا عارفة حاجات كتير قوي! وأولهم سرّ كاميليا اللي خلاها تهرب وتسيب البيت وتمشي.
كان الذهول يخيم على ملامح سميرة التي قالت بعدم تصديق:
_ إيه؟
نيفين بملل:
_ انتي سمعاني كويس، ومش ده موضوعنا. أنا هعرض عليكِ ديل حلو: انتي تسكتي عن حقيقة إني مش بنت مراد الحسيني، وأنا هسكت عن موضوع خيانتك له وإنك السبب في اللي حصله.
أخذت سميرة وقتًا للتفكير واستيعاب ما تفوهت به نيفين، ثم قالت بقلق:
_ طب وافرَضي مراد فاق؟ ما هو هيقول على كل حاجة؟
نيفين بسخرية:
_ لا من الناحية دي اطمني. مراد خلاص في عداد الأموات، ومجرد ما تنفصل عنه الأجهزة هيبقى "بحّ"، ومعتقدش دي حاجة صعبة يعني.
قالت نيفين جملتها الأخيرة بمكر، فأجابتها سميرة مستفهمة:
_ وانتي عرفتي الكلام ده منين؟
نيفين بخبث:
_ يوسف اللي قالي.
قطبت سميرة جبينها قائلة:
_ ومن إمتى يوسف بيحكيلِك أو بيتكلم معاكي؟
نيفين بسخرية:
_ آه ما انتي معرفتيش؟ مش جدي العزيز وصّاه وهو في العناية المركزة إنه يتجوزني، ويوسف وعده بكده، فمن دلوقتي تقدري تعتبريني مدام يوسف الحسيني.
سميرة بانبهار:
_ انتي بتتكلمي بجد؟ طب وكاميليا؟
نيفين بملل:
_ متجبليش سيرة الزفتة دي. وعمومًا الحوار ده ميخصنيش، ويوسف هيتصرف فيه. المهم دلوقتي روحي شوفي انتي رايحة فين عشان متتأخريش على مشواري، وخليكي فاكرة إن مصلحتك معايا أنا، وإني ممكن أرفعك سابع سما، وقدر برضه أخسف بيكي سابع أرض.
طالعتها سميرة بمكر تجلّى في نبرتها حين قالت:
_ طبعًا يا نيفو، هو أنا ليا غير بنتي حبيبتي؟
انتهى المشهد، وقام أدهم بإطفاء التلفاز عن طريق جهاز التحكم وسط شهقات الاستنكار والذهول التي خرجت من الجميع، وأولهم كانت كاميليا، والتي كانت وكأنها تشاهد فيلمًا سينمائيًا غير قادرة على تصديق ما حدث، وكذلك صفية وروفان اللتان خيّم الصمت عليهما للحظات قبل أن تقول روفان بعدم تصديق:
_ معقول نيفين مش بنت عمو مراد؟ طب إزاي حصل الكلام ده؟
تحدث يوسف قائلًا بجفاء:
_ ها يا سميرة، تحكي انتي ولا أحكي أنا؟
نظرت سميرة إليه بعدم تصديق وقد شعرت بأن كل أحلامها تحطمت دفعة واحدة فوق رأسها، وبأنه لا مجال لقول الحقيقة، فسقطت على الكرسي خلفها قائلة بانكسار:
_ لما جيتلك هنا وقلت لرحيم بيه إني حامل من مراد كنت فعلًا حامل. بس بنتي ماتت يوم الولادة، ولما الدكتور قالي اتجننت واترعبت لا مراد يرميني في الشارع لما يعرف، فقعدت أترجّى الدكتور إنه يساعدني، وقلتله بيتي هيتخرب ومستعدة أدفعله كل اللي هو عايزه بس ميقولش إن بنتي ماتت ويجبلي أي طفلة تانية تبقى مكانها.
تعالت شهقاتها قبل أن تُتابع قائلة:
_ كان في واحدة جاية تولد بنتها في نفس معاد ولادتي، والدكتور ولّد البنتين وأداها البنت الميتة على إنها بنتها، وهي مكنش عندها مانع عشان كانت عايزة تتخلص من الحمل أصلًا بس ربنا ما أردش، وخدت أنا البنت اللي كانت عايشة… اللي هي نيفين.
ناظر يوسف نيفين باحتقار تجلّى في نبرته حين قال:
_ وقفتي هنا ومسكتي كاميليا ورمتيها على الأرض وإنتِ بتقولي إنها بنت حرام، بس اللي متعرفهوش بقى إنك انتي اللي طلعتي بنت حرام، وإن أهلك ما صدقوا الدكتور عرض عليهم العرض ده عشان يرموكي ويخلصوا من عارك.
صُعقت نيفين من هول ما يحدث أمامها، فهي لم تتخيل بأحلامها أن ينفضح أمرها بهذا الشكل، وتدور الدائرة لتُسقى من نفس الكأس الذي كانت تسقي منه كاميليا طوال هذا الوقت. فظلت تنظر حولها لتطالعها نظرات الاحتقار والشماتة من كل جانب، والتقت عيناها بعيني كاميليا التي للحظة أشفقت عليها؛ فهي تعلم ما تعانيه، ولكن سرعان ما تحولت شفقتها إلى صدمة وذهول من حديث يوسف الذي تابع قائلًا بانتصار:
_ إيه؟ اتصدمتي؟ طب خدي التقيلة دي… اللي قولتي عليها بنت حرام دي تبقى هي البنت الحقيقية لمراد الحسيني.
•تابع الفصل التالي "عشق بين حنايا الروح" اضغط على اسم الرواية