رواية وصية حب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نسرين بلعجيلي
وصيّة حب –
الفصل التاسع و العشرون
بقلم نسرين بلعجيلي
اليوم كان مايل…
يوم ريحته بتقول إن وجع جديد داخل البيت.
روان كانت بتكنّس الصالة،
وملك بتلوّن في الكراسة…
لما فجأة جرس الباب رنّ.
روان فتحت…
وبصوت عالي وراحة مفاجئة:
– إزيكم يا ولادي؟
أنا جيت!
قدريّة…
أم ياسر.
دخلت البيت وهي شايلة شنطة كبيرة،
وبصّت لروان من فوق لتحت…
بالنظرة اللي فيها حكم وإدانة واتّهام…
وكل ده من غير كلمة.
– اتفضلي يا طن…
قصدي يا ماما.
ردّت بحدّة:
– ماما؟
أنا مش أمّك يا بنتي.
أنا أمّ سارة…
وأمّ ياسر.
نسرين بلعجيلي
سكتت ثواني…
وبعدين رمت جملتها التقيلة:
– وجاية أقعد فترة…
لحد ما أفهم إيه اللي بيحصل في البيت ده.
روان اتكتم صوتها،
وحست الأرض تهتزّ تحت رجلها.
ياسر طلع من أوضته على صوتها:
– أهلاً يا أمي…
خير؟
قدريّة رمت الشنطة جنب الكنبة:
– خير؟
ده بيت بقى فيه اتنين…
واحد وواحدة…
ومحدش فاهم هما إيه لبعض!
الجملة دخلت قلب روان زي مسمار.
وياسر خد نفس طويل…
واضح إنه بيلمّ أعصابه بالعافية.
قدريّة قعدت وقالت:
– يا ابني…
انت راجل!
والبيت له حرمة!
والله لو كانت سارة عايشة…
ما كانتش هترضى اللي بيحصل ده.
ياسر قال بهدوء متحفّظ:
– أمي…
روان في البيت بوصية سارة…
وانا مسؤول عنها وعن البنت.
قدريّة زفرت بضحك مستفز:
– مسؤول؟
دي كلمة جديدة.
طب ما المسؤولية دي ليه ما عملتش منها زوجة؟
ليه لسه كل واحد في أوضته؟
ولا هي قفلته؟
ولا انت اللي مش قادر تبُصّ لها كستّ؟
روان اتسمرت.
ماتحركتش.
بس وشّها ولّع…
وحست قلبها الإجابة لوحده:
“فعلاً… هو مش شايفني ست؟”
ملك قربت من روان…
مستخبية في رجلها…
وروح البيت بقيت أتقل من الهوا.
قدريّة كملت:
– وبعدين؟
عايشين كده لحد إمتى؟
يا تتجوز واحدة تانية زي سلوى…
يا ترتّب أمورك…
يا البيت ده هيفضل معلق!
ياسر شدّ نفسه:
– أمي…
رجاءً…
مش قدّام ملك… ولا قدام روان.
ردّت بصوت عالي:
– روان إيه؟
هي اللي ماشيّة في النص…
لا متجوزة…
ولا مطلّقة…
ولا أم…
ولا ضيفة…
وعايشة كأنها “ممنوعة اللمس”!
روان سابت الكوباية اللي في إيدها…
ووقفت ثابتة…
مش قادرة ترد.
كل كلمة كانت نار.
ملك قربت منها زيادة…
وبصوت خافت:
– ماما روان… انتي زعلانة؟
روان طلعت ابتسامة مش ابتسامتها:
– لأ يا روحي… أنا بخير.
لكن الحقيقة؟
كانت بتتكسّر.
Nisrine Bellaajili
الليل… وأول ليلة بوجود قدريّة
قدريّة قررت من دماغها:
– أنا هنام في أوضة روان.
وهي تنام في أوضة ياسر.
لحد ما ربنا يفرّجها.
الجملة خلت قلب روان يقع.
روان حاولت تعترض:
– بس أنا…
قدريّة قطعتها:
– مفيش بس.
ده الصح.
ده البيت لازم يترتب…
مش يفضل هنا وهنا.
اضطرت روان تنفّذ.
ودخلت أوضة ياسر…
أوضة ريحتها سارة…
وجدرانها شايلة ذكريات مش بتاعتها.
وقفت في نص الأوضة…
زي غريبة.
دخل ياسر بعدها بخمس دقايق.
وشه مش مفهوم…
صمت تقيل…
عينه مش قادرة تبصّ عليها.
– آسف… على كلام أمي.
روان قالت بصوت هادي… مكسور:
– حقها…
من حقها تقول اللي هي شايفاه.
– لأ… مش حقها.
هي جرحتك.
روان بصّت للأرض:
– أنا مش فارق معايا…
فارق إنها…
اتوقفت.
مش قادرة تكمل.
هو قرب خطوة…
مش قريب قوي…
بس مش بعيد.
– روان…
أنا…
مش عارف أتعامل.
الليل…
وجودك هنا…
ملخبطني.
روان قلبها وقع من الجملة.
قالت بهدوء:
– ممكن… أنام على الكنبة.
– لأ.
انتي تنامي على السرير.
الجملة طلعت من غير قصد…
لكن فيها حماية…
وفيها توتر.
روان نامت على طرف السرير…
وهو على الطرف التاني…
ظهرهم لبعض.
لكن الحقيقة؟
ولا واحد نام.
ياسر كان بيحاول…
كان بيحاول يقرب…
يشعر…
يستجيب…
كان بيحاول يكون “راجل طبيعي”…
زي ما أمه قالت.
لكن…
إيده اتشنجت،
قلبه اتقل،
نَفَسه وقف.
“مش قادر.”
مش قادر ينسى سارة.
مش قادر يشوف حد غيرها.
مش قادر يكون مع امرأة تانية.
حتى لو قلبه بيتحرّك ناحية روان…
جسمه مش قادر.
هو بعد شوية قال بسمة وجع:
– أنا… آسف.
مش قادر…
مش دلوقتي.
الجملة دي…
كسرت روان.
مش لأنها كانت عايزه حاجة.
لأ.
لكن لأنها…
اتأكدت.
هو مش شايفها “ستّ”.
ولا شايف إنوثتها.
ولا شايف وجودها.
شايفها…
“مسؤولة عن بنت”.
“أمانة”.
“ظلّ حد تاني”.
روان وشّها ولّع…
دمعتها نزلت على المخدة…
بسرعة خبّتها.
وهمست:
– ولا أنا جاهزة…
ولا كنت عايزة ده.
بس…
شكراً إنك قلت.
هو لفّ ضهره أكتر.
كأنه بيهرب من الحقيقة.
روان نامت؟
لأ.
كانت بتبكي في سكات…
على شعور جديد:
إنها رغم قربهم…
لسه بعيدة.
بعيدة أوي.
تاني يوم…
الصبح ماكانش صبح.
كان “وجع جديد” داخل البيت.
ياسر صحى وأول كلمة طلعت منه:
– يا رب… ليه؟
كان باين عليه الزعل من بعيد،
وشه تعبان
وعينه حمراء
وصوته متكسّر كأنه قضّى الليل كله بيحارب حاجة جواه.
روان صحيت هي كمان…
مش عارفة تبصّ في المراية.
حست إنها غريبة في جسمها…
وغريبة في البيت…
وغريبة قدّام نفسها.
النوم الليلة اللي فاتت ماكانش نوم.
كان “طعنة”.
قدريّة كانت في الصالة،
قعدة على الكنبة…
وبصّالتهم بعين أمّ فاهما،
شايفة الغضب في وشّ ياسر،
وشايفة الانكسار في وشّ روان.
قربت من ياسر وسألته:
– في إيه يا ابني؟
مالك؟
وشّك مش مظبوط.
هو ردّ بحدة متضايقة:
– مافيش… صباح الخير وخلاص.
قدريّة بصت لروان:
– وانتي؟
عاملة زي اللي باتت تبكي.
فيه إيه حصل بينكم؟
روان اتحرّكت على طول لجوه المطبخ:
– هعمل الفطار.
هربت…
لأن عينيها ماكانتش تستحمل حدّ يشوفها.
قدريّة قالت لياسر بصوت خافت:
– انتو لسه زي ما انتو؟
ولا… الدنيا لسه بتتقلب؟
ياسر ردّ بنفَس غاضب:
– سيبيني يا أمي… بالله عليك سيبيني.
قدريّة فهمت إن مافيش “حاجة حصلت”…
وسكتت.
نسرين بلعجيلي
الليل… اللي البيت كله كان مستنّيه
قدريّة قضّت طول اليوم كلام…
تلمّح…
وتضغط…
وتهوّي على نفس الفكرة:
– البيت لازم يستقر.
– البنت مش هتعيش طول عمرها تشوفكم متغربين.
– أصل الجواز مسؤولية ومشاركة.
– انتي ستّ يا روان… مش حِرمة معلّقة.
– وهو راجل… لازم يعيش حياته.
الكلام كان داخل زي المسامير في روح روان.
وياسر…
كان بيهرب من الكلام
بس مش قادر يهرب من أمه.
ولما الليل دخل…
قدريّة قالت:
– خلاص… كل واحد على أوضته.
وأنا مش طالعه من البيت غير لما أتطمن إن الدنيا رجعت تتظبط.
الجملة دي كانت زي الباب اللي اتقفل على الاتنين جوه أوضة واحدة.
عدت الايام و روان و ياسر بنامو في نفس الغرفه اتعودو شويه
اللحظة اللي اتكسّر فيها الاتزان
روان دخلت الأوضة…
مشية بطيئة
زي واحدة داخلة على حُكْم مش على سرير.
ياسر دخل بعدها.
سكت.
قعد على طرف السرير.
نفَسه كان مضطرب…
مش مبسوط…
مش مشتاق…
ده كان راجل تايه بين ألم قديم… ووجود جديد.
روان قالت بصوت هادي:
– لو مش مرتاح…
أنا ممكن… أنام مع ملك .
هزّ راسه:
– لأ.
سكت…
وبعدين قال جملة غريبة:
– أمي عندها حق…
البيت لازم يقف.
ملك لازم تشوفنا…
مش كده.
روان قلبها وقع.
حست إن الجملة مش رغبة…
دي “تأدية واجب”.
وبعد لحظات…
اللي حصل حصل.
من غير مشاعر.
من غير نبض.
من غير دفء.
كان اقتراب صامت… ثقيل…
زي واحد بيحاول يعبر حفرة وهو مغمّي عنيه .
وبعد ما خلص…
أول كلمة قالها:
– إنتِ…
إزاي وافقتي؟
إزاي؟؟
روان اتصدمت.
اتلخبطت.
سكتت لحظة طويلة.
هو وقف فجأة…
زي اللي لقى نفسه في كابوس:
– ليه… وافقتي أقرب منك؟
ليه ما قلتيش لأ؟
ليه ما بعدتيش؟
إزاي…
إزاي تعملي كده؟
ده…
ده خيانة لسارة!
خيانة!
إزاي انتي قبلتي تبقي جزء من ده؟!
الكلام نزل عليها زي الرصاص.
زي حد بيجلدها.
زي حد بيقول لها:
“إنتِ غلط… وإنتِ مش ست محترمة.”
روان وقفت…
رجلها بتترعش.
عينها اتملت دموع من غير ما تنزل.
قالت بصوت مكسور، أهدى من إنها تصرخ:
– أنا؟
أنا اللي خنت؟
إنت اللي قربت يا ياسر… مش أنا.
إنت اللي مددت إيدك…
مش أنا.
إنت اللي…
كنت بتدور على هروب…
مش على حب.
دمعة نزلت…
فنزل معاها كل جرح السنين.
– وأنا؟
كنت حسابات؟
كنت “حلّ”؟
كنت “بديل”؟
ولا كنت ستّ سهلة يتقال عليها إنها السبب؟
ياسر قرب منها بسرعة…
مش غضب…
صدمة:
– لا!
ما قصدتش كده!
لكن الجملة اللي بعدها قتلتها:
– أنا…
حاسس بذنب…
وإنتي قبلتي الذنب ده.
ومش عارف…
مش عارف أتعامل مع اللي حصل.
روان عضّت شفايفها عشان صوتها ما يتهزش:
– وأنا؟
أنا مش عارفة أتعامل مع اللي قلته.
ولا مع نظرتك.
ولا مع إحساس إنك بعد كل ده…
لسه مش شايفني “ستّ”.
مش شايفني إنسانة تستحق احترام.
لفّت…
وباب الأوضة اتفتح بإيدها المرتعشة.
– ياسر…
أنا مش غلط.
ومش رخيصة.
ومش بديلة.
لكن اللي قلته…
خلّاني أحس إني…
ولا حاجة.
خرجت .
وما استنّتش يبصّ لها.
ولا سمع وراها إلا نَفَس تقيل…
وباب اتقفل عليها من جوّا.
وهي…
باتت تبكي لحد ما صوتها راح.
وهو…
بات يكره نفسه لحد الفجر.
البيت بعد خناقة الليلة اللي فاتت…
مكانش بيت.
كان “ساحة حرب” هادية…
لكن كل ركن فيها بيصرّخ.
روان ما نِمتش.
قعدت في أوضه ملك تبكي لحد الفجر.
الكرامة اتكسرت…
القلب اتقطع…
والصوت اللي جواها كان بيقول:
"أنا إزاي قبلت ده؟
أنا إزاي سمحت لنفسي أتوجّع بالشكل ده؟
أنا رخيصة؟
ولا أنا ستّ محترمة اتاخد منها حقها؟"
نسرين بلعجيلي
قبل ما الشمس تطلع…
كانت لابسة هدومها، ماسكة شنطتها،
وخرجت من البيت…
من غير ما تبصّ وراها.
قدريّة كانت صاحية…
وشافت روان ماشية.
ابتسمت ابتسامة صغيرة…
النوع اللي يخوّف.
– ماشي يا بنتي…
أهو ربنا بيسهّلها…
يمكن دي علامة إنك تطلّعي من حياة ابني بقى…
وأهو اجوزه لسلوى ونرتاح.
وقالت بصوت مسموع:
– ياسر!
روان مشييييت!
ياسر فتح باب أوضته بسرعة…
وشه كان متلخبط…
وعنيه باينة فيها ليلة كاملة من عذاب:
– رااااحت فين؟!
قدريّة قالت ببرود:
– الله أعلم.
بس بصراحة؟
كان لازم تمشي من زمان.
انتهينا.
ياسر ما سمعش كلمة.
قام بسرعة…
بس متأخر.
روان كانت سابت البيت بالفعل.
Nisrine Bellaajili
روان… في حضن أمها
منى أول ما فتحت الباب وشافت بنتها…
اتخضّت:
– يا نهار أبيض!
إيه اللي حصل؟!
عيّانة؟!
اتضربتي؟!
روان ماقدرتش تمسك دموعها…
قعدت على الأرض عند رجل أمها:
– يا ماما…
أنا…
أنا اتكسرت…
حاسّة إني قليلة…
حاسّة إني مش ستّ نظيفة…
حاسّة إنه…
إنه شافني غلط.
منى حضنتها جامد:
– هو قالّك كلمة؟
هو قلّل منك؟
ده أنا … أعلّمه الأدب!
روان تبكي:
– لأ…
بس…
قالِّي:
“إزاي وافقتي تقربي مني؟
إزاي ما رفضتيش؟
ده ذنب…
وخيانة…
وإنتي قبلتي الذنب."
حطّت وشّها في حضن أمها:
– يا ماما…
أنا مش قليلة…
صحّ؟
منى مسحت على راسها:
– قليلة إيه؟!
ده راجل موجوع وبيطلع وجعه في أي حد.
انتي ستّ محترمة…
وما عملتيش حاجة غلط…
ده جواز…
مش خطيّة.
روان هزّت راسها:
– طب ليه حاسّة إني وحشة؟
إني غلط؟
إني… أقل؟
منى قالت كلمة كسرت مشاعر روان:
– لأنه لسه بيحب مراته.
وانتي…
جرّحتي قلبك مع حد لسه قلبه مش ملكه.
ياسر… قرر يروح عند الشيخ عبدالمنعم
ياسر ما راحش شغله.
لبس هدومه وطلع على المسجد.
الشيخ كان بيقفل بعد صلاة الضهر.
– يا مولانا…
ممكن دقيقة؟
الشيخ بصّله:
– تعالَ يا ياسر… شكلك شايل همّ.
ياسر قعد قدّامه…
وحكى.
حكى كل حاجة…
وجُمله كانت بتقطع:
– أنا…
قربت من روان…
وبعدها حسّيت بذنب…
صرخت فيها…
جرحتها…
كسّرتها.
الشيخ سأل سؤال واحد:
– هي أجبرتك؟
– لا…
أنا اللي قربت…
هي ما قالتش كلمة…
ما طلبتش…
ما تكلمتش…
كانت محترمة…
وبعدها أنا…
اتهمتها إنها “قبلت الذنب”.
الشيخ نفخ نفس ضيق:
– يا ياسر…
إنت ظلمتها.
ياسر رفع عينه بسرعة:
– ظلمتها؟
– أيوه.
باسم الدين كمان…
وده أخطر ظلم.
ياسر اتشدّ:
– بس دي… كانت ليلة غلط.
الشيخ بصّله بحدة طيبة:
– غلط؟
ده جواز يا ياسر.
دي مراتك.
وحقّك الشرعي…
وحقّها هي كمان.
وسكت لحظة…
وبعدين قال الجملة اللي ضربت قلب ياسر:
– إنت اتعصّبت…
مش لأنها غلطت…
لكن لأنك حسّيت مع روان
بحاجة أكتر من اللي كنت بتحسه مع سارة.
وده رعبك.
ياسر اتجمد.
الكلمة كانت صاعقة.
الشيخ كمل:
– إنت خايف من السعادة.
فاكر إن لو حبيت روان…
تبقى خنت ذكرى سارة.
وآديك بتعاقبها…
وبتعاقب نفسك.
– يا مولانا…
أنا…
أنا مش قادر أحب حد بعد سارة.
– ومين قالّك إن الحب الثاني خيانة؟
يا ياسر…
سارة ماتت وهي راضية.
كانت شايفة الخير في روان.
وانت…
بتاخد وصيتها وترميها في الأرض.
– أنا… جرحتها.
جرحت روان جامد.
قولتلها كلام…
حرام ينقال.
– يبقى قوم…
قوم وخد خطوة الرجولة:
تروح تعتذر.
تعالج اللي كسرتُه.
الست دي ما عملتش حاجة غلط.
انتا اللي جرحت قلبها…
وبعدين شيلتها و شيلت نفسك ذنب مش موجود نهائي .
ياسر دموعه نزلت:
– أعمل إيه طيب؟
الشيخ قرب منه:
– قول لها الحقيقة.
مش حقيقة كلامك…
حقيقة قلبك.
قول لها إنك خوفت…
وتلخبطت…
وإنك…
حسّيت بيها.
وحسّيت إنك لسه عايش.
ياسر قام…
وقف قدّام الشيخ:
– هروح.
مش هسيبها زعلانة.
الشيخ ابتسم ابتسامة كلها رضا:
– روح…
وافتكر:
روان مش بديلة.
روان اختيار قدر…
وسارة كانت فاهمة ده قبلك.
الطريق من بيتهم لبيت منى…
كان أطول طريق مشي فيه ياسر في حياته.
إيده كانت بتترعش…
وصدره مقبوض…
وكل خطوة كان يحس إنه رايح يشوف “الغلطة اللي عملها بإيده”.
وهو واقف تحت بيت منى…
وقف ثواني قبل ما يخبط.
اتجمّد.
لو ما فتحتش؟
لو رفضت تسمعني؟
لو ماتت جواها الكلمة اللي قولتها؟”
تنفّس…
وخبط.
منى فتحت الباب…
ولما شافته، وشّها اتقفل فورًا:
– إنت عايز إيه؟
ياسر بلع ريقه:
– عايز روان.
– مش هتشوفها.
– لو سمحتي يا منى …
دا موضوع لازم يتقال قدامها.
– لأ.
مش لازم.
بنتي اتكسرت بسببك…
وانا مش هسلّمها لحد يكسّرها تاني.
ياسر نزل راسه.
ما حاولش يرد.
ما حاولش يزق.
قال بس بصوت هادي…
صوت مش راجل…
صوت إنسان مكسور:
– حقّك تزعليني…
بس بالله عليك…
قولي لها إني هنا.
مش هروّح…
إلا لما تقبل تسمعني.
منى كانت هتقفل الباب…
بس صوت خافت جالهم من جوّه الصالة:
– مين…؟
روان خرجت.
عينها حمرا…
وشّها باين عليه ليلة كاملة بكاء.
ياسر لما شافها…
وقف كأن الهواء اتسحب من صدره.
روان وقفت ورا أمها…
ما قرّبتش.
ما قالتش كلمة.
نسرين بلعجيلي
ياسر بصّ مباشرة ليها:
– روان…
لو دقيقة بس…
دقيقة واحدة.
أشرحلك.
هي ما ردّتش.
بس منى قالت:
– ما فيش شرح…
كفاية اللي حصل.
روان رفعت إيدها لأمها…
إشارة بسيطة:
سيبيني.
منى اتنحت…
واترجعت ورا شوية.
روان خرجت لباب الشقة…
وقفت قدّامه.
مش قريبة…
ولا بعيدة.
وقالت بصوت مكسور…
بس ثابت:
– عايز تقول إيه يا ياسر؟
هو خد نفس طويل…
نَفس واحد هزّ صدره كله…
وقال:
– أنا غلطت.
غلطت جامد.
وأنا عارف.
وأنا…
مش هسامح نفسي بسهولة.
سكّت ثانية…
وكمل:
– أنا…
ما كنتش شايف.
ما كنتش قادر أفهم مشاعري.
كنت خايف…
خايف من اللحظة اللي حسّيت فيها إني…
إني عايش.
إني راجل…
مع ستّ مش أي ستّ.
معاك إنتِ.
روان دمعت…
بس ما كلّمتش.
ياسر قرب خطوة…
ووقف:
– لما قربت منك…
ما كنتش شايف غير إنتي.
وده خوّفني…
لأن دي أول مرة أحس بحاجة زي دي بعد سارة.
فبدل ما أعترف…
بدل ما أفرح…
هاجمتك.
وجرحتك.
وقلت كلام…
عمري ما كنت أقصده.
صوته اتكسر:
– إنتي مش رخيصة.
وما غلطتيش.
وما وافقتيش على حاجة غلط.
إحنا متجوزين…
وإنتي مراتي…
وملك أمانة في رقبتنا…
وسارة…
وصّت عليكي قبل ما تموت.
دموع روان نزلت…
والكلمة اللي حرّكتها كانت:
– طب… ليه صرخت فيّا؟
ليه حسّستني إني وحشة؟
ياسر مسك راسه بإيده:
– علشان…
حسّيت بحاجة جديدة.
حاجة خوفتني.
حسّيت إني…
لو بصّيتلك ثانية…
مش هعرف أوقف.
وحسّيت إني بخون ذكرى سارة.
مع إن الحقيقة؟
إني ما خنتش حد.
ولا إنتي خنتي حد.
إحنا…
اتلخبطنا.
روان سابت دموعها تنزل:
– أنا… حسّيت إني قليلة يا ياسر.
هو قرب خطوة…
وقال بصوت هادي وصادق:
– وانتي…
أغلى ستّ في الدنيا.
وآخر واحدة تستاهل تتكلم عليها كلمة وحشة.
وأنا…
جاي النهارده أقولك:
سامحيني.
وأوعِدي نفسك إنك مش هتشوفي نفسك بعيوني وأنا مكسور…
لكن بعيوني وأنا فايق.
روان بصّت في عينه…
ولأول مرة من أول يوم ماتت سارة…
شافت “الراجل” اللي كان موجود زمان.
مش المكسور.
مش المجروح.
لكن ياسر الحقيقي.
قال لها:
– لو رجع الزمن…
كنت هحضنك…
مش هصرخ.
ولو الزمن هيكمّل…
عايزه يكمّل وإنتي جنبي.
بس…
وقت ما تبقي جاهزة.
مش أنا.
روان مسحت دموعها بإيديها المرتعشة:
– أنا… محتاجة وقت.
هزّ راسه فورًا:
– تاخديه كله.
كله يا روان.
وأنا…
مش هبعد.
ولا هسيبك تتكسّري بسببي تاني.
منى قالت من جوه:
– ها ترجع معاه ولا لأ؟
روان اتلفتّت لياسر…
وبعدين قالت:
– هرجع…
بس مش النهارده.
ولازم…
نعيد حساباتنا.
ياسر ابتسم ابتسامة صغيرة…
أول ابتسامة صدق تطلع منه من شهور:
– زي ما تحبي.
بس أهم حاجة…
ما تبعديش عني أوي.
روان نزلت راسها…
ودخلت الشقة.
وياسر…
وقف قدام الباب دقيقة كاملة…
ثم مشي.
بس كان ماشي وهو أخفّ…
وكأن كلمة “سامحتك”
اتقالت له من غير صوت.
•تابع الفصل التالي "رواية وصية حب" اضغط على اسم الرواية