رواية وصية حب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نسرين بلعجيلي
_الفصل الثالث والعشرين_
الليل كان نازل على المدينة بطريقة خانقة هدوء غريب، لكن جوا قلبين، كانت فيه عاصفة.
ياسر قاعد في أوضة ملك، البنت نايمة جنبه، ماسكة إيده، كأنها لو سابته هتقع من العالم كله.
هو قاعد، عينيه على سقف الغرفة، وعقله واقف عند كلمة واحدة:
"لو بابا حبّ حد تاني، قلبي هيوجعني."
جملة طفلة، بس كانت سكين في قلب أبوها. وفي نص الوجع دا، رنّ الموبايل.
إسم "روان".
إتجمّد، ردّ بصوت منخفض عشان ما يصحّيش ملك :
– ألو؟ روان، في إيه؟
طلع صوت مش بكاء، صوت واحدة بتنهار من جوّا :
– ياسر…أنا مش قادرة أتنفّس.
وقف فورًا، خرج للممر على أطراف صوابعه :
– مالِك؟ حصلك حاجة؟ روان، إتكلمي.
صوتها كان بيرتعش :
– أنا.. باحس إني سرقتها، سرقت صاحبة عمري، سرقت جوزها، سرقت مكانها، سرقت حياتها. وأنا.. مش قادرة.. مش قادرة أعيش بالإحساس دا.
ياسر قعد على أقرب كرسي، إيده بترتعش :
– إهدي يا روان، ماحدّش سرق حد، دا كان طلبها.
صرخت :
– طلبها وهي بتموت يا ياسر!! وأنا.. صدّقت. كنت خايفة عليها، بس لما رجعت البيت بصّيت لنفسي في المراية، ما عرفتش البنت اللي واقفة قدّامي.
سكتت… والسكوت كان أخطر من الصراخ :
– أنا خايفة يا ياسر، من الناس، ومن نفسي، ومن اللحظة اللي سارة لو ماتت، الناس هتقولي إيه؟ "خطفتِ جوز صاحبتِك."
"إستنيتِها تموت."
"دي مكانتش صداقة."
الكلمات دي جرّحت صدره. قال بصوت مبحوح :
– ماحدّش يقدر يشكّ فيكِ ولا في قلبك، ولا في نيتِك.
قاطعتُه :
– ياسر، أنا مش بخاف من الناس بس، أنا بخاف إن سارة تفوق وتبصّ لي، وتحسّ إني خنتها، أو كنت مستنية تمشي علشان آخذ مكانها.
الجملة دي كسرت صوته.
قال بهدوء موجوع :
– روان، سارة ما تغلطش في إسمِك، ولا قالت حاجة إلا وهي قاصداها. ولو كانت حاسة إنك غلط، كانت سكتت، ما كانتش وصّت.
ردّت بنبرة بانكسار :
– ويمكن كانت خايفة، يمكن ما كانتش مركّزة، يمكن وصيّة أمّ.. مش زوجة. يمكن قالت إسمي غلط، يمكن كانت تقصد حد تاني. أنا نِفسي أصدّق إني ما ظلمتهاش.
ياسر قال بسرعة :
– إسمعيني، سارة صحيت واعية،
وبصّت في وشّك وقالت إسمِك وهي عارفة بتقول إيه.
سكتت، وبعدين قالت أقسى سؤال :
– طب لو… ماتت؟ هاعمل إيه؟ هعيش معاك إزاي؟ هربي ملك إزاي؟ هواجه ضميري إزاي؟ يا ياسر، أنا خايفة تكون نهاية سارة بداية ذنبي.
نسرين بلعجيلي
ياسر اتجمّد. دي مش روان اللي كانت واقفة قوية جنب سرير العناية. دي روان الحقيقة، اللي بتحب، وبتخاف، وبتتكسّر.
قال بصوت منخفض :
– لا أنا ولا إنتِ هناخذ خطوة واحدة، غير لما سارة تفوق. ولو قالت قدّامنا إنها مش راضية، هنبعد، لو حتى هنموت من جوا. ولو قالت إنها راضية، هنشيل الأمانة سوا.
روان انفجرت ببكاء هادي، دموع إستسلام :
– أنا مش عايزة أفقدها، ولا أخسرك ولا أخسر نفسي.
قال جملة طلعت من أعمق نقطة في قلبه :
– وأنا مش عايز أخسر حدّ فيكم. مش عايز أفقد سارة، ولا أظلمك، ولا أضيّع ملك.
سكتوا…
والسكوت بينهم كان أصدق إعتراف حب ما اتقالش بصراحة.
قبل ما تقفل قالت :
– ياسر، لو سمحت، ما تسبنيش لوحدي النهارده، مش عايزة أنام والكوابيس ترجع.
غمض عينه، إتشقّ نصين :
– أنا معاكِ لو مش بجسمي، فبصوتي. إتكلمي لحد ما تنامي.
وبدأت روان تهدى، وأنفاسها تتنظم، لحد ما نامت.
أما هو؟
ما نامش. قعد طول الليل يسمع نفسين :
نَفَس روان المنهار، ونَفَس سارة على جهاز التنفس.
بين إثنين..
واحدة في غيبوبة، وواحدة خايفة تدخل غيبوبة من الذنب.
والاثنين، مش سايبين لياسر دقيقة راحة.
الساعة كانت ٣ الفجر. البيت هادي، بس قلب ياسر كان عامل دوشة لوحده. قعد في الصالة، سايب نور خافت شغّال، الموبايل جنبه، لسه عليه آخر نفس من روان قبل ما تنام.
حطّ إيده على دماغه وحسّ فجأة بثُقل في صدره، مش وجع، لا، نوع الوجع اللي ييجي من صراع بين إثنين :
الراجل… والإنسان.
وهو قاعد، سمع صوت خطوات صغيرة. ملك واقفة عند باب الأوضة، ماسكة لعبتها، شعرها منكوش :
– بابا، ليه ما نمتش؟ إنت خايف؟
ياسر فتح ذراعه لها :
– تعالي هنا يا روحي.
جريت عليه وقعدت على حجره، حطّت راسها على صدره :
– بابا، لو ماما مش هتموت، ليه بتعيّط بالليل؟
الجملة قطعت روحه نصين :
– بابا مش بيعيّط، بابا بس بيحاول يكون قوي.
ملك رفعت راسها :
– طب، أنا هبقى قوية معاك. ومش هنام لوحدي ثاني أبداً.
ضمّها أكثر، وكأن حضنها حل مؤقت لمصيبة طويلة.
بعد ثواني، ملك قالت :
– بابا، روان هتيجي بكرة؟ ولا ماما هتزعل؟
ياسر اتجمّد. دي أول مرة يسمع إسم روان من ملك. من غير قصد، ومن غير ما يبرر. ردّ بحذر :
– لأ يا ملك، روان مش جاية دلوقتي. لحد ما ماما تفوق، هي مش هتيجي البيت.
ملك هزّت راسها وهي مش فاهمة كل التفاصيل، بس حست إن فيه حاجة غلط :
– بابا، أنا خايفة.
– تعالي ننام سوا، وما تخافيش من أي حاجة.
نامت ملك، بس هو، لسه صاحي. قام وراح المطبخ، فتح الحنفية وشرب مية. دماغه تلفّت على كل كلمة حصلت خلال الـ ٢٤ ساعة اللي فاتوا.
وصية سارة.. الجواز.. غيبوبتها.. إنهيار روان.. خوف ملك.. ضغط أمه.. نظرة سلوى.. ورقة جواز إتكتبت غصب عنه.
حطّ إيده على الحيطة وحسّ إنه بيقع. وبصوت واطي جدًا قال :
– يا رب، لو كان ده اختبار، إدّيني قوّة. ولو كان عقاب، إغفر لي. ولو كان قدر، سهّل عليّ طريقه.
Nisrine Bellaajili
رجع للصالة، وبصّ على الموبايل. رسالة من روان إتكتبت بعد ما نامت :
"لو صحيت ولقيتني مش موجودة، اعرف إني خايفة أكمّل، ومش قادرة أهرب."
ياسر مسك الموبايل، وحسّ إن القدر بيشدّه من طرفين.
وهو بين الطرفين…
سارة كانت جوّه المستشفى بتتنفّس بأنفاس مش ثابتة، وروحها معلّقة بين دقتين.
....... عدّى ٣ شهور.............
سارة لسه في غيبوبة. والهروب بقى أسلوب حياة. روان بتزور ملك لما ياسر مايكونش موجود. وياسر يروح المستشفى لما روان ترجع البيت. كأنهم بيلعبوا “أستغماية” من غير ما يتفقوا.
لكن في يوم، الدنيا لخّمتهم. الممر كان هادي، لحد ما الباب اتفتح، وروّان خرجت من الشقّة وهي شايلة شنطة ملك. لفّت، ولقت ياسر واقف قدّامها.
إتصدمت.. وهو كمان وقف ثابت، ملامحه مش غضب ولا لهفة، مجرد توثر رجل مسؤول شايل حاجة ثقيلة.
قال بصوت منخفض، بس واضح :
– روان، لحد إمتى؟
ما ردّتش.
– لحد إمتى هتفضّلي تهربي؟ مرّة أكون في المستشفى، مرّة في الشغل، مرّة نايم. وإنتِ تختاري وقت ما أشوفكيش؟
بلعت ريقها :
– أنا مش باهرب أنا بحافظ على كرامتي، وعلى سارة.
هزّ راسه ببطء، وطلعت على شفايفه إبتسامة مرّة :
– لا، إنتِ بتهربي. وإحنا الاثنين عارفين السبب.
سكت لحظة.. ثم قال بوضوح :
– فيه وصيّة.. وصيّة سارة. وإحنا لازم نلتزم بيها، مش نهرب منها.
روان توثرت :
– الوصيّة كانت وهي بتموت، مش وهي فايقة. أنا مش هعيش في بيتها، ولا آخذ مكانها.
قرب خطوة، مش تهديد، لكن كلام راجل واضح :
– ماحدّش قال هتاخذي مكانها. ولا أنا هسمح بده. ولا إنتِ أصلاً قادرة تفكّري فيه.
نزلت دمعتين منها ومسحتهم بسرعة :
– طب والحل؟ عايزني أنام في بيتها؟ أقعد في أوضتها؟ أسمع بنتها تقولّي "ماما"؟
هز راسه :
– لأ، ومش هيحصل، ولا أنا طالب ده،ولا ده غرض الجواز أصلاً.
قالت بصوت خافت :
– طب غرضه إيه؟
رفع عينه ليها، وقال بثبات :
– سارة قالتلك: "خلي بالك من ملك… ومن ياسر". وجواز الوصيّة كان علشان ملك، مش علشاني. وإنتِ عارفة ده.
سكت.. وبعدين زوّد الجملة اللي كسرتها :
– وإنتِ في أمان عندي، مش هقرب منك، ولا هتسمعي مني كلمة تضايقك. لو قعدتِ في البيت، تبقي أم لملك مؤقّتًا، مش زوجة ليا.
عضّت شفايفها،ودموعها نزلت غصب عنها :
– ولو… لو سارة فاقت؟
ردّ قبل ما تكمل :
– هطلّقِك في ساعتها من غير نقاش، ومن غير ما تشيلي ذنب.
رفعت راسها فجأة :
– وإنت هتبقى كويس؟ مش هتتأذّى؟
إتنهد، وقال بصوت راجل شايل جبل :
– أنا اتكسرت من يوم ما دخلت الغيبوبة. اللي بعده، مش فارق. المهم ملك ما تتبهدلش، ولا تعيش لوحدها.
قرب منها خطوة صغيرة، خطوة كلام، مش قرب جسد :
– ملك بتتوه وبتبات لوحدها كتير، وإنتِ تهربي. ده مش عدل، لا ليها، ولا ليكِ.
اتجمّدت روان، مش قادرة ترد، بتتنفّس بسرعة، ملامحها كلها صدق وخوف.
وهو قال الجملة الأخيرة وهي واقفة مش لاقية كلمة :
– يا روان، إحنا الاثنين عارفين إن الجواز ده مش جواز، ده أمان. ولو مش قادرة تكوني في البيت، قوليلي دلوقتي عشان ألغي الورقة، ولما سارة تفوق، أحكيلها كل حاجة بنفسي.
رفعت عينيها بسرعة، مرعوبة :
– لا!!! لا يا ياسر، ما تعملش كده. سارة مش هتستحمل.
سكت لحظة، ورجع نفسه خطوة لورا :
– يبقى خلّصي الهروب، وقدّمي خطوة، ولو صغيرة.
هي ما ردّتش، ولا مشيت، ولا وافقت. وقفت، مكسورة، تايهة، بس موجودة.
وفي اللحظة دي، هو فهم إنها، لسه ما وافقتش، لكن كمان، لسه ما هربتش.
روان دخلت البيت بهدوء، هدوء يخضّ.
منى كانت في المطبخ، أول ما سمعت الباب اتفتح نادت بصوت عادي :
– جيتي يا بنتي؟ عاملة إيه؟
روان وقفت في الصالة شايلة شنطة ملك بإيد، وقلبها بالإيد الثانية.
منى لمّا شافتها، وشّها اتغيّر :
– في إيه؟ إنتِ وشّك أصفر كده ليه؟
روان قعدت قدّامها، عينيها حمرا، بس ماسكة نفسها.
قالت بصوت هادي.. هادي لدرجة تخوّف :
– ماما، ياسر قال لي لازم أنقل البيت.
منى مسكت طرف الطاولة، وشّها شدّ :
– تنقلي إيه؟؟ رايحة تعيشي هناك؟ في بيت صاحبتِك؟! مع راجلها؟!
نسرين بلعجيلي
روان هزّت راسها بسرعة :
– أنا ما قلتش إني موافقة، ولا ناوية، بس هو قال لازم، علشان ملك.
منى ضمّت دراعها على صدرها :
– ملك مالها؟ هاتيها تعيش هنا، وإنتِ اللي تروحي وتجيبيها من المدرسة. هنا بيتك، وأنا موجودة، وماحدّش يقدر يملي عليكِ تعيشي فين.
روان عضّت شفايفها، وبعدين قالت الجملة اللي رخّمت على قلبها :
– ما ينفعش يا ماما. ملك متعلقة بأوضتها وبسريرها، وبحبّة لعب في الشباك، وبطريق المدرسة، لو خذتها من عالمها هتتكسّر أكثر ما هي مكسورة.
منى قربت منها، وشّها غضب وخوف :
– يعني تروّحي بيت راجل مش جوزِك؟ راجل قلبه مربوط بمراته، وإنتِ مكانِك فين؟ في الصالة؟ في أوضة الضيوف؟ قاعدة عاملة مربية؟!
روان اتنفست بعمق :
– يا ماما، ياسر قالها بصراحة :
"مش هقرب منك. مش هسمح لنفسي حتى أفكّر. وجودك للوصيّة، مش للزواج."
منى ضربت كفّها ببعض :
– وأنا مالي بيه هو، أنا بنتي مش رايحة تتحبس في بيت واحدة صاحبتها نايمة فيه، إنتِ مش وصيّة حد، إنتِ إنسانة ليكِ كرامة.
روان قربت منها وعينها مغروسة في الأرض :
– وأنا مش رايحة زوجة، ولا رايحة حدّ. أنا رايحة لملك. البنت بتبات لوحدها، ولما تصحى بالليل بتعيّط. والراجل ده، واقف ما بين الموت والحياة. وأنا…
سكتت لحظة، والجملة طلعت بصوت مش مسموع، لكن موجوع :
– وأنا ما ينفعش أسيبهم كده.
منى قربت منها، ومسكت خدّ روان بين إيديها :
– يا بنتي، أنا خايفة عليك، خايفة عليك من الناس، ومن نفسك، ومن بيت مش بتاعِك، ومن راجل مش جوزك، ومن موقف مالوش آخر.
روان دمعة نزلت من عينيها بس مسحتها :
– ماشي يا ماما، بس أنا مش هسيب ملك.
منى نفخت غصب عنها وقعدت :
– طيب، ولما سارة تفوق؟ هتقول لها إيه؟
"آسفة… كنت ساكنة مكانك"؟!
روان وقفت، وبصوت ثابت جدًا قالت :
– لو قامت، هقف قدّامها وأقول لها : "كنتِ وصيّتك… مش خيانتك."
منى مسكت رأسها :
– طب ولو ما قامتش؟
روان سكتت. ولأول مرة ما كانش عندها إجابة.
منى قالت آخر جملة، مش قاسية، لكن حقيقية :
– روان، إنتِ بتلعبي بالنار، ونفسِك أنظف من اللعبة دي. بس لو هتروحي، روحي بعقلك، مش بقلبك.
روان أخذت نفسها، وقربت من الباب. وقفت ثواني :
– ماما، أنا لسه ما خذتش قرار، بس هروّح بكرة أشوف ملك، مش البيت.
منى مسكتها من دراعها :
– إوعي.. إوعي تنقلي قبل ما تفوق سارة. إوعي يا روان.
روان هزّت راسها، بس جواها ولا كلمة كانت مؤكدة.
خرجت، وباب الشقة اتقفل وراها، والمرة دي.. اللي اتقفل مش الباب، اللي اتقفل.. طريق الرجوع.
مين شايف إن روان مظلومه ؟؟
وايه موقف ياسر من كل ده ؟؟
•تابع الفصل التالي "رواية وصية حب" اضغط على اسم الرواية