رواية نصف انسانة الفصل العشرون والاخير 20 - بقلم السيد عبد الكريم

 رواية نصف انسانة الفصل العشرون والاخير 20 - بقلم السيد عبد الكريم

لفصل العشرون ـ الأخير ....ترويه ( نورا قاسم ) النهاية .
بعد مرور عشر سنوات
من قال أن الحب تقتله النهاية السعيدة ؟
من قال أن الحب ينتهي بعد الزواج ؟
الحب تتأجج ناره كل يوم وكل لحظة بجوار مَنْ تحب .
لكنه حب من نوع اخر ، من نوع المودة والرحمة والسكن والتفاهم والصحبة الحسنة والمشاركة والتضحية والفناء وتحمل المسئولية والمشاركة في خلق جيل متمسك بالقيم والخلق الحميدة .
في الساعة السادسة صباحا في شقة زوجة أبي التي صارت شقتي ، استيقظتُ على صوت زوجي الذي قال هامسا :
ـ يلا يا كسلان ... اصحي يلا وصحي مكة واجهزوا عبال ما أجهز الفطار .

قالها معتز وهو يطوى سجادة الصلاة ، فعلمتُ أنه فرغ منذ قليل من صلاته ، قلتُ مسرعة :
ـ صباح الخير يا حبيبي .
اقترب منّي وقبّلني ثم قال :
ـ عبال ما أرجع ألاقيكم لبستوا وصليتوا .
دلفتُ إلى الغرفة التي كانتْ غرفة وفاء أختي من قبل ، وأيقظتُ ابنتي مكة ، لماذا سميتها مكة ؟ يا له من سؤال !
أذكر ذلك اليوم الذي استيقظنا جميعا على صراخ والدة صديقتي مكة حينما تلقتْ خبر إصابتها في حادث سيارة ، توجهنا إلى المستشفى ، وشعرتُ من نظرتي الأولى لها أنها ستموت ، كانتْ مغمضة العينين ، وقد وُضِعتْ قطعة من القطن على كل عين ، ودستة من الخراطيم التي تدخل وتخرج إلى ومن جسمها ، غرفة العناية المركزة الكئيبة الصامتة ، لم نتوقف عن البكاء وقتها ، ولم تمضِ إلا ساعات قليلة حتى فارقتْ روحها الحياة ، تلك الروح الطاهرة المطمئة التي طالما كانتْ الملاك الحارس لي في مصائبي وشدتي ، ولن أنسَ منظر الفتيات الصغار اللاتي كن يحفظن القران في شقتها وهن يبكين عليها بحرقة ونحن نواريها تحت التراب في المقابر ، سيظل هذا المشهد حيا بعقلي ما حييت ، وستتردد جملتها في جدراني طوال حياتي حينما سألتها ذات يوم :
ـ مكة ... هو انتي بتاخدى مقابل لدرس القرآن ؟
أجابت وقتها :
ـ فلوس ايه ... دى حاجة بعملها تنفعني في قبري بعد ما أموت .
يا الله على الجملة !!! سبحان الله هي كانت بتبحث عن حاجة تعملها تقربها من ربنا وتعمر بيها اخرتها ، وأنا كنت تايهة في عالم مليان كذب وخداع .
ماتت مكة في عز شبابها ،
"الطيبون يرحلون سريعًا، كأنهم عطرٌ مرّ بنا ثم اختفى، كأن الحياة لا تليق بقلوبهم البيضاء، كأن السماء تشتاق لأرواحهم النقية، فيرحلون قبل أن تلوثهم قسوة الأيام. يرحلون في صمت، لكن صداهم يبقى في القلوب، في الدعوات، في الذكريات، في التفاصيل الصغيرة"
وكما قال الدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله :
"كنت أتساءل لماذا يختار الموت أفضل من فينا ؟ ولكنني وجدت الإجابة مؤخراً في كلمة احدهم .. لأنهم نجحوا في الامتحان مبكراً .. فلا داعي لوجودهم."


وكأنّ مكة كانتْ تعلم أنها سترحل مبكرا ،
رحمك الله يا حبيبتي مكة يا أجمل وأرق قلب ، وجعل الله قبرك روضة من رياض الجنة ، ستظلين في ذاكرتي يا مكة الى ان يجمعني الله معك في مستقر رحمته ، حقا إن الدنيا مزرعة للآخرة ، ومكة لم تزرع إلا الخير والابتسامة وتحفيظ القران بلا مقابل ، لذلك حينما نظرتُ إليها نظرتي الأخيرة قبل دفنها ، لم تكن ميتة ، كانتْ ملاكا نائما ، أقسم بالله أنني شممت رائحة المسك يفوح من جثتها ، يا الله !!!

عدتُ من شرودي ، وأيقظت ابنتي مكة وارتدينا ثيابنا وأدينا الصلاة ، ثم عاد معتز وتناولنا إفطارنا في جو من البهجة والسعادة وذهب معتز إلى عمله بالمحل لأن عم حسين كان بانتظاره ، أه نسيت أن أخبركم أن معتز جعل عم حسين يعمل معه في المحل وقد وفّر له سكنا أنيقا بالطابق الرابع ، على أية حال غادرتُ أنا ومكة ابنتي إلى المدرسة التي أعمل بها ، فأنا صرتُ معلمة لغة عربية في المدرسة الابتدائية ، ويا للعجب !
في ذلك اليوم وفى الحصة الأخيرة توجهتُ إلى الصف الثاني الابتدائي ، ثم وجدتُ تلميذة جديدة نُقلتُ للتو إلى الفصل من مدرسة أخرى ، كانتْ الطفلة شاردة الذهن تنزوي بعيدا في أخر الفصل ، انه المكان المفضل لي حينما كنت تلميذة فى مثل عمرها ، كانتْ الفتاة تنظر إلى الأمام بعيون شاردة تائهة ، لا أعرف لماذا تذكرت طفولتي حينما رأيتها ، سألتها :
ـ اسمك إيه يا حبيبتي ؟
لم تتكلم ، فقالتْ إحدى التلميذات :
ـ دى البنت الجديدة يا مس .
اقتربتُ من الصغيرة وربّتُ على كتفها وقبلتها وقلتُ لها :
ـ ما تخافيش يا حبيتي .
ثم أخرجتُ من حقيبتي قطعة حلوى وقدّمتها لها وأنا أقول :
ـ يلا بقا قوليلى اسمك إيه وخدى الجايزة الحلوة دى .

لم تتحدثْ الفتاة رغم محاولاتي ، فقررتُ أن أسأل عنها مدير المدرسة بعد انتهاء اليوم الدراسي ، بدأتُ أشرح للتلاميذ لكن وجه الطفلة الصغيرة الشاردة كان يستوقفنى كل مرة ، الفتاة رائعة الجمال لكنه جمال حزين قاتم كمَنْ قطع شوطا يركض هاربا من الجحيم ، تذكرتُ نفسي حينما كنتُ صغيرة ، كنت مثلها شاردة الذهن مشتتة الفكر لا أشعر أنني مثل زميلاتي بسبب فقري ويتمي وفقدان الترابط الأسري ، وتلك الأشياء هي ما كوّنتْ شخصيتي المهزوزة ، ولولا حبيبي وزوجي معتز ما كانتْ الحياة دبّتْ مرة أخري في نفسي الحائرة المعذبة المهزوزة ، فمعتز لم يكن زوجا فقط ، بل كان أخا وأبا وصديقا .

حينما انتهتْ الحصة ، امتلأ حوش المدرسة بأولياء الأمور ، يصحب كل منهم ابنه أو ابنته في حب ولهفة ، إلا الفتاة الصغيرة الشاردة التي خرجتْ وحيدة رغم صغر سنها ، فاعتقدتُ أنها تسكن بالقرب من المدرسة وتعرف طريق العودة ، ثم سمعتُ صوت صراخ وضوضاء خارج فناء المدرسة ، فعلمتُ أن مكروها قد وقع ، حينما هرعتُ خلف المدير ، رأيتُ الفتاة الشاردة ملقاة على الإسفلت اثر اصطدامها بدراجة أحد المارة ، حملها الفرّاش بأمر من المدير إلى حجرة مدير المدرسة ، ثم قام المدير بالاتصال بوالد الفتاة ، كدتُ أن أنسى الموضوع حينما اطمأننتُ أن إصابة الفتاة سطحية ، خرجتُ من غرفة مكتب مدير المدرسة لكني رأيت والدة الفتاة وقد دلفتْ إلى غرفة المدير واحتضنتْ ابنتها في لهفة ، وما هي إلا لحظات حتى دلف والد الفتاة الصغيرة أيضا ، طمأنهم المدير ونصحهم أن يرافق أحدهم البنت يوميا ، فهي مازالتْ صغيرة ولا تستطيع عبور الشارع بنفسها ، كنتُ أرى هذه المشهد من الطرقة الخلفية عبر نافذة صغيرة ، هنا صرخ والد الفتاة في زوجته :
ـ كله منك يا وش الفقر ... قلتلك استني البت قدام المدرسة .
ردت زوجته بعدما شعرتْ بالاهانة :
ـ أنا استأذنت من الشغل علشان اجى اخدها ... الهم والباقي عليك اللى نايم في البيت لا شغل ولا مشغلة .
قال زوجها :
ـ ومين قالك اشتغلى .. ما تترزعى فى البيت وتخلي بالك من البنت .
احتدّ الشجار بينهما لانني سمعتُ الزوجة تقول :
ـ ما هو أنا لو لاقيه راجل يصرف على البيت مكنتش طلعت اشتغل .
قال زوجها :
ـ كمان بتشتميني يا رخيصة .
قالها ثم انهال على وجهها بصفعة اهتزّ قلبي لها ، ورأيتُ المدير يقف حائلا بينهما محاولا أن يوقف الضربات واللكمات المتتالية على جسد الزوجة الباكية المنهارة ، أخفيتُ رعشتي وأسرعت إلى فصل ابنتي مكة واحتضنتها بقوة وانسللتُ إلى خارج المدرسة عائدة إلى حبيبي وزوجي معتز ، لكن كلمة رخيصة التى قالها الزوج لزوجته كان صداها مازال يتردد في عقلي ، فلم يكن الزوجان إلا حسام وشيرين .
تمت بحمد الله .
********************
خاتمة المؤلف
كانت هذه الرواية رحلة طويلة من الكتابة والسهر، نسجتُ خلالها كل صفحة بخيط من الشغف، وكل سطر بنقطة من قلبي قبل قلمي. لم تكن مجرد قصة تُروى، بل كانت رسالة أردتُ أن تصل إلى كل عقل وقلب يقرآنها.
كتبتُها لأدق جرس إنذار في عقول الفتيات المقبلات على المرحلة الجامعية؛ تلك المرحلة التي تبدو بريقًا في ظاهرها، لكنها تحمل بين طياتها تحديات لا يراها الكثيرون. أردتُ لكل فتاة أن تدخل عالمها الجديد بوعي، وبصيرة، وقوة تجعلها قادرة على حماية نفسها من الانزلاق في طرق مظلمة.

وكتبتُها أيضًا لأولياء الأمور…
لأخبرهم أن بناتهم لا يحتجن إلى رقابة بقدر ما يحتجن إلى حضن دافئ، وحوار صادق، وقلب يسمع أكثر مما يحكم. فالمراهقة ليست حربًا تُخاض، بل مرحلة تحتاج إلى حكمة ورفق واحتواء.

ولأجل ذلك، أترك بين أيديكم هذه النصائح:

للشابات:
تذكّري دائمًا أن أقوى أسلحتك هو وعيك. اختاري صحبتك بعناية، ولا تسمحي لأحد أن يعبث بسلامك النفسي. وتعلمي أن تقولي "لا" لكل ما يهدد قيمك أو يكسرك من الداخل.

لأولياء الأمور:
اقتربوا من بناتكم…
استمعوا قبل أن تحاسبوا، احتضنوا قبل أن تعاتبوا، وكونوا لهم السند الذي يعودون إليه حين يهربون من الدنيا كلها.

وللجميع:
إن أقصر الطرق إلى الضياع هو غياب الحوار. اجعلوا بيوتكم ملاذًا آمنًا، وامحوا المسافات بينكم وبين أبنائكم، فالكلمة الطيبة قد تنقذ روحًا قبل أن تضل الطريق.

وفي الختام…
أتمنى أن تكون هذه الرواية نورًا صغيرًا في حياة كبيرة، ودليلًا يفتح باب الوعي أمام كل فتاة، ويمنحها القوة لتختار الطريق الصحيح بثبات وشجاعة.

************************************
رسالة شكر وعرفان
والشكر الاول لله الذي وفقنى في نسج احداث الراوية التى أطمع أن تكون خالصة لوجه الله .
الشكر لزوجتي التى كانت تقرأ كل فصل قبل نشره .
الشكر لسيف ابني الذي اختار اسم وفاء أخت نورا .
الشكر لحنين بنت أختي التي قامت بإملاء الفصول لأنقلها من الورق الى الكمبيوتر .

لقراءة ومتابعة روايات جديده وحصريه اضغط هنا

•تابع الفصل التالي "رواية نصف انسانة " اضغط على اسم الرواية

تعليقات