رواية عشق بين حنايا الروح الفصل الاول 1 - بقلم نورهان العشري

  رواية عشق بين حنايا الروح (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر دليل الروايات بقلم نورهان العشري

رواية عشق بين حنايا الروح الفصل الاول 1 - بقلم نورهان العشري

كثيرًا ما نضيع بين صوت العقل وخفقات القلب، بين ما كان وما يجب أن يكون، تتشابه علينا ملامح الإعجاب والحب. وحينها يقف الإنسان عاجزًا، مُثقَلًا بأصفاد لا يراها سواه، يخبره قلبه أنه يحمل مفتاح خلاصه، ويُلِح عليه عقله بأن يكسر تلك القيود ويمضي بلا التفات. وبين هذا الصراع المرهق تقف ذاته متمنية لو ترجح كفة واحدة؛ ليعرف أخيرًا طعم الراحة التي طال انتظاره لها.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
رفعت كاميليا عينيها لتراه يُحدِّق بها بنظرات يملؤها الذهول، فعلمت أن هلاكها قادم لا محالة، فها هو أسوأ كوابيسها قد تحقق الآن بانكشاف ذلك السر الذي خبأته طوال هذه المدة واحتملت فكرة فراقه القاتلة لكي لا يحدث ما حدث للتو. عند هذا الحد أشفق عليها جسدها الذي سحبته هوةٌ سحيقة إلى أعماق الظلام، لتُغمِض عينيها مُغشيًا عليها، دون أن تدري أن هناك قلبًا قد أوشك على الانخلاع عند رؤيتها بتلك الحالة، فامتدت يداه تُربِّت على خدها برفق ولهفة قائلًا بصوت مُرتعب من فقدها:
_ كاميليا… ردي عليّ. كاميليا فوقي.
كان الذهول والصمت يخيمان على كل الحضور، فما وقع على مسامعهم الآن أقصى ما قد يمر بخيال بشر.
لم يُوقظهم من ذهولهم سوى صراخ يوسف وهو يحملها ناظرًا إلى نيفين بكرهٍ بلغ ذروته، وتجلى بنبرة صوته التي اقشعرت لها أبدانهم حين قال صارخًا:
_ ورحمة أبويا لو جرالها حاجة لهكون دافنك حيّة.
كان أول المهرولين تجاهه أدهم، الذي اقترب منه قائلًا بلهفة:
_ مش وقت الكلام دا يا يوسف، تعالى نوديها المستشفى نطمن عليها.
انصاع يوسف لحديث أدهم دون التفوّه بحرف، فقد كانت كل حواسه مع تلك التي ترقد بين يديه دون حراك، وقد كان هذا أكثر من مرعب لقلبه الذي لم ينسَ تلك النظرة المُنكسِرة التي رآها في عينيها، والتي مزقته من الداخل وحولته إلى أشلاء. فصار يضمها إلى حنايا قلبه يود لو يُدخلها إليه حتى يحميها من بشاعة هذا العالم الذي لم يرحم قلبًا بريئًا مثلها، لا يستحق سوى السعادة والفرح.
سقطت دمعة من طرف عينيه تحكي مقدار الألم والعجز اللذين شعر بهما عندما سقطت بين يديه جراء تلك الكلمات الحقيرة التي تشبه كثيرًا قائلها، ولكنه أقسم داخله بأن يذيق الويلات لكل من تسبب في ألمها.
استفاق يوسف من شروده على صوت أدهم الذي أخبره بوصولهم إلى المشفى، فحملها مهرولًا إلى الداخل، فاستقبله الأطباء وقاموا بوضعها على السرير المتحرك وأدخلوها إلى غرفة الطوارئ لفحصها. ليظل يوسف كطيرٍ ذبيح ينتفض من شدة الغضب والألم معًا، فحاول أدهم تهدئته قائلًا بمواساة:
_ اهدى يا يوسف، إن شاء الله هتبقى كويسة… متقلقش.
يوسف بغضب جحيمي:
_ أقسم بالله ما هرحمها، وهخليها تبكي بدل الدموع دم.
أدهم، الذي كان الفضول يأكله من الداخل، تحمحم قائلًا باستفهام:
_ يوسف… الكلام اللي قالته نيفين هناك…
قاطعه يوسف بحدة:
_ مش وقته يا أدهم. كل حاجة هتتعرف في وقتها.
رقت نبرته كثيرًا عندما استطرد قائلًا:
_ المهم عندي دلوقتي تقوم بالسلامة وأطمن عليها.
أخذ الأطباء وقتًا ليس بالقليل حتى خرج أحدهم، فبادره يوسف قائلًا بلهفة:
_ طمني يا دكتور… عاملة إيه دلوقتي؟
الطبيب بهدوء:
_ من الواضح إنها اتعرضت لصدمة كبيرة فقدت بسببها الوعي. إن شاء الله كلها ساعة وتفوق… اطمن.
يوسف بلهفة:
_ أنا ممكن أشوفها؟
الطبيب بتفكير:
_ هو ممكن… بس أنا مش حابب أتعبها أكتر. من الواضح إن عليها ضغوطات نفسية كتير، ودي مش أول مرة يُغمى عليها يا يوسف بيه.
يوسف بنفاد صبر:
_ مش هتعبها نهائي… أنا بس هطمن عليها.
_ تمام… اتفضل.
ما إن أتمّ رامي جملته حتى اندفع يوسف بلهفة إلى غرفتها حاملًا بقلبه جميع اعتذارات العالم التي لن تكفيها أبدًا. وكان قلبه يرتجف لرؤيتها شاحبة الوجه حزينة الملامح، وقد تناقض ذلك مع جمالها المُشِع صباحًا قبل أن يتركها فريسة لهؤلاء الملاعين.
اقترب منها ببطء حتى وصل إلى المقعد بجانبها، وامتدت يداه تمسك بيدها المغروز بها ذلك المغذي، وقام بنثر اعتذاره فوق راحة كفها وكأن اللسان يعجز عن وصف كل هذا الأسف بقلبه. ثم اقترب من وجهها وفعل بالمثل مع مقدمة رأسها، قبل أن يُسند جبينه فوق جبينها مُغمضًا عينيه يستنشق أنفاسها التي تجعله على قيد الحياة.
لم يستطع التفوّه بحرف واحد، ف لأول مرة في حياته لم يجد ما يقوله. فقلبه كان مزيجًا من الألم والندم والعشق الذي جعل الدمع يقطر من عينيه دون أن يستطيع إيقافه وهو يتذكر ما حدث، وما جعل بركان غضبه يشتعل من جديد، فقال بلهجة مبحوحة:
_ وحياة كل دمعة نزلت من دموعك… لهدفعهم التمن غالي أوي.
***********
كان الأمر أشبه بنمور برّية تنظر إلى بعضها البعض وكأنها على وشك الهجوم وشن معركة دامية لا تنتهي سوى بنهاية أحدهم؛ فقد كان كلًا من رامي وأدهم ينظران إلى بعضهما بغضب وحنق، وكلاهما ينفث النيران من أنفه، إلى أن تَحدّث رامي باستفزاز قائلًا:
_ إيه يا أدهم بيه، عنيك بتطقّ شرار ليه كدا؟ تكونش لسه ما نولتِش الرضا!
كان أدهم يغلي من شدّة الغضب من هذا الكائن اللزج كما يسمّيه، ولكنه حاول التحكّم في أعصابه حين قال بجفاء:
_ متقلقش الرضا جاي جاي. إنت بقى هتموت ليه، هاه؟ يمكن عشان اترميت في أقرب مقلب زبالة!
تصاعد غضب رامي الذي قال بحقد:
_ زبالة! الزبالة دي أنا سبتهالك ما هو أصل أنا ما أقبلش أكون صف تاني.
وما إن أنهى كلماته البذيئة حتى نال أنفه لكمة قويّة من أدهم الذي أمسك به من تلابيبه حتى أوشك على الاختناق، وصاح غاضبًا:
_ اخرس يا كلب! غرام دي خط أحمر. إياك تفكر تجيب سيرتها بحرف واحد همحيك من على وش الدنيا فااااهم؟
كان رامي على وشك الاختناق، فجاء صوت فاطمة التي كانت تنظر إليهم بصدمة مما تراه:
_ إيه اللي بيحصل هنا؟
التفت لها أدهم الذي تفاجأ بوجود فاطمة وخلفها حبيبته ومعذّبة قلبه التي كانت تنظر إلى ما يحدث بذهول، فتعلّقت عيناه بعينيها للحظات نسي فيها الزمن، وكانت عيناه ترسل إليها مئات الأعذار التي يحملها بقلبه وتُثقل كاهله. وغفل عن ذلك الذي كان يختنق بين يديه إلى أن تدخلت كارما وهي تحدثه بحدّة:
_ أدهم… سيبه، هيموت في إيدك!
تنبه أدهم إلى رامي الذي كان على وشك لفظ أنفاسه الأخيرة بين يديه، فقام بدفعه بعيدًا وكأنه شيء قذر يُدنّس يديه، ليبدأ رامي بالسعال بقوة وهو يردد:
_ إنت مجنون… والله لهندمك ندم عمرك على اللي عملته دا!
زادت كلماته من جنون أدهم، فاقترب منه يقول بغضب:
_ وحياة أمك لهوريك الجنان على أصله!
حالت كارما بينهما، بينما ارتعب رامي من هذا المجنون. لكنه انتبه لكلمات فاطمة التي قالت بحدة:
_ بس انت وهو! إيه؟ مش عاملين احترام لحد؟
أدهم بحدة:
_ إنتِ ما سمعتيهوش بيقول إيه؟
فاطمة بنبرة صارمة:
_ أدهم خلاص، كفاية كدا.
ثم التفتت إلى ذلك الطبيب، وأعطته نظرة محتقرة كلهجتها تمامًا وهي تقول:
_ دخلت بيتنا، وكلت معانا عيش وملح، وعاملناك أحسن معاملة وما قدرتش دا كله، وطلعت تتكلم عن بنتي بالباطل؟ قد كدا إنت إنسان زبالة وأنا ما كنتش واخدة بالي؟
رامي بإحراج:
_ حضرتك فاهمة غلط.
قاطعته فاطمة بحدّة:
_ ولا كلمة! ومن اللحظة دي مش عايزة أشوفك في أي مكان إحنا موجودين فيه. ولو فتحت بقّك بحرف على بنتي أنا هيكون ليّ معاك تصرّف مش هيعجبك! أظن كلامي واضح!
نظر رامي إليها بحرج، ثم هز رأسه دون أن يتفوّه بحرف، وغادر المكان، تاركًا فاطمة تشتعل غضبًا. فالتفتت إلى أدهم قائلة بغضب:
_ عجبك اللي حصل دا؟
أدهم بدهشة:
_ إنتِ بتقولي لي أنا كدا؟!
فاطمة بحدّة:
_ أيوه بقولك إنت! شاف منكم إيه عشان يتكلم عنها كدا؟
كانت صفية قد وصلت إلى المشفى هي وروفان وشهدا على ما حدث، فقالت صفية بذهول:
_ في إيه يا إدهم؟ ومين دا؟
أدهم وقد بلغ غضبه الذروة فأصبح لا يُبصر أمامه، فقال بغضب:
_ دا واحد حيوان! وقال كدا عشان أنا كسرت دماغه أول ما لقيته حاطط عينه عليها!
قال جملته الأخيرة وهو ينظر إلى فاطمة التي قالت بانفعال:
_ وليه عملت كدا؟!
أدهم بصراخ هز أرجاء المشفى:
_ عشااان بحبهاااا!
تراجعت فاطمة بذهول من تصريحه الذي لم يخجل منه، ونظرت إليه كارما فاغرة فمها من جنونه. بينما يوجد قلب… كانت الصدمة شعوره في البداية، وسرعان ما تحوّلت لفرحة عارمة… وأصبح وكأنه خُلق له جناحان ليحلق في السماء من شدّة سعادته بهذا التصريح غير المتوقّع منه وأمامهم جميعًا دون خجل، لتزداد سعادتها أضعافًا حين قال بتأكيد:
_ أيوه بحبها ومقدرش أعيش من غيرها لحظة واحدة! ومش هسمح لأي حد في الدنيا ياخدها مني والزفت دا لو فكّر بس يقربلها همحيه من على وشّ الأرض!
لم تُتَح لهم الفرصة لاستيعاب الأمر ليشتّت انتباههم هذا الخروج العاصف ليوسف، والذي كانت عيناه تُطلقان أعيرة نارية، ومن يراه يظنّ أنه على وشك ارتكاب جريمة. فاندفع الجميع نحوه يتهافتون لمعرفة حالة كاميليا، فما كان منه سوى أن نظر لأدهم قائلًا بلهجة آمرة:
_ خليك هنا جنب مرات أخوك، أوعى تسمح لحد يقرب منها… فاهم؟
أمسك أدهم بذراعه قبل أن يقول بغضب:
_ اهدى يا يوسف… وفهّمني ناوي تعمل إيه؟
يوسف بغموض وبلهجة تحمل الشراسة والغضب:
_ في حساب طال أوي… ولازم أصفّيه.
حاول أدهم ثنيه عن المضي فيما انتواه، خاصةً وهو يعلم عواقبه، ولكن يوسف صرخ به قائلًا:
_ قولتلك خليك هنا… لحد ما أرجع!
تركه أدهم بعدما أدرك بأنه وصل إلى نقطة اللا تراجع، وأن صبره قد نفد بالفعل، فهو اليوم قرر، ولأول مرة في حياته، أن يعاقب المجرم الحقيقي الذي تسبب في كل هذا العناء لعائلته؛ بدايةً من والديه إلى حبيبته الصغيرة التي كانت ترتجف قبل لحظات بين يديه كطير ذبيح دون أن يكون له القدرة على حمايتها أو التخفيف عنها… وهذا أقسى ما قد يتحمله رجل: الشعور بالعجز عن حماية امرأة حياته.
وصل يوسف إلى مبتغاه، وقام بفتح باب الغرفة بعنف، لينتفض بذعر ذلك الذي كان يجلس مسترخيًا في مكانه وهو ينظر إلى هيئته التي لا تُبشّر بالخير إطلاقًا، فقال بلهفة:
_ إيه يا يوسف؟ حصل إيه؟
يوسف بصراخ:
_ أنا مش اتفقت معاك إن سرّ كاميليا دا يندفن معاك تحت التراب؟ نقضت العهد اللي بيني وبينك لييييه؟
صُدم رحيم من كلمات يوسف التي نزلت عليه كالصاعقة، فقد كان يتناسى ذلك الجرم الكبير الذي اقترفه في حق حفيده الغالي، وظنّ أن كاميليا أضعف من أن تفشيه. ولكن الآن… انكشفت الأمور للحد الذي جعله غير قادر على التنفّس، وماتت الكلمات فوق شفتيه، ليعيد يوسف سؤاله بحدة أكبر:
_ رد عليّ! نيفين عرفت إزاي إن كاميليا مش بنت عمي أحمد؟
رحيم بذهول:
_ نيفين؟!
يوسف بحزن مُغلّف بالغضب:
_ ارتحت لما كسرتها؟ فكرت إني ممكن أتخلى عنها؟ فكرت إني عامر الحسيني… وهبيع حب عمري عشان شوية حاجات هبلة في دماغك؟
لأ… أنا عمري ما خوفت منك، ولا هخاف. طول عمري شايف كل أخطائك وبَداري عليها وبسكت. كسرة أمي… وموت أبويا اللي أنت كنت السبب فيهم، ومع ذلك ما اتعظتش… وفضلت تدوس عالناس حواليك!
_ يوسف…
قاطع رحيم بنبرة جريحة غاضبة:
_ ربنا بعتلك مصيبة أكبر… خدت عمّي أحمد ومراته اللي أنت ما رحمتهاش لحظة واحدة، وبرضه ما اتعظتش! فضلت تربي في التعابين حواليك وفي حِضنك… وسكت!
لكن تيجي على كاميليا؟… مش هسكتلك أبدًا. فاااهم؟ مش هسكتلك!
أنهى يوسف حديثه وخرج صافقًا الباب خلفه، وقد شعر بأنه ولأول مرة في حياته على وشك الانهيار. فلم يعُد يتحمل كل هذا الشر من حوله، وخاصة عندما يأتي من أولئك الذين كان يفضّلهم على نفسه… هم من طعنوه غدرًا وقتلوا فرحته التي كان يتمناها من هذه الحياة.
فها هو اليوم الذي كان يحلم به مع حبيبته، ويظن أنه سيكون أسعد أيام حياتهما، انقلب إلى أقسى ما قد يمران به. والأسوأ من ذلك… أنه يقف وحده الآن يعاني العذاب دون أن يستطيع لمرة واحدة الاستناد على كتف أحدهم والبكاء.
نعم… يشعر بأنه طفل صغير حُطّمت أغلى ألعابه أمام عينيه دون أن يستطيع فعل شيء، لذلك يودّ لو يصرخ حتى يسمع هذا العالم كله صراخه… علَّ ذلك يريحه قليلًا.
في الجانب الآخر، نجد الجميع مجتمعين عند غرفة كاميليا التي لازالت غائبة عن الوعي، لا تدري شيئًا عما يدور حولها. وكانت فاطمة تنظر إليها بحزن شديد وشفقة على حالها، فبعد أن علمت ما حدث من غرام التي كانت تهاتف كاميليا على هاتفها المحمول، لترد عليها الخادمة وتخبرها بأنها قد أُغمي عليها وتم نقلها إلى المشفى، لتهرول الفتاتان ومعهما فاطمة للاطمئنان عليها.
كسرت فاطمة هذا الصمت قائلة بصوت خافت:
_ حصل إيه لكاميليا يا صفية؟
صفية، التي كانت تشعر بالغضب والألم معًا، لم تجد ما تقوله في مثل هذا الموقف، فنظرت إلى أدهم الذي قال بهدوء يتنافى مع ضجيج عقله:
_ خلينا نأجل الكلام لبعدين يا حاجة فاطمة لما كاميليا تقوم بالسلامة.
نظرت إليه فاطمة، وأوشكت على الحديث، لتوقفها نظرات أدهم المحذّرة، فابتلعت كلماتها مؤجلة الحديث لحين الاطمئنان على ابنة أختها التي كانت شاحبة كالأموات، والتي آلم مظهرها قلب يوسف كثيرًا عندما دخل إلى الغرفة، فوجد جميع العيون تناظره بلهفة لمعرفة ما حدث، فتجاهلهم جميعًا واقترب منها ممسكًا بيدها، ناظرًا إليها بحب. ليأتي الطبيب بعد فترة قليلة لفحصها:
_ ممكن تتفضلوا بره يا جماعة عشان أطمن عليها؟
نظر الجميع إلى يوسف الذي ظل واقفًا في مكانه وكأن الحديث غير موجّه إليه، فانسحبوا جميعًا ما عدا الطبيب والممرضة ويوسف الممسك بيدها. فاقترب منه الطبيب قائلًا بلهجة مهذّبة:
_ لو سمحت يا يوسف بيه… عايز أفحصها؟
ابتعد يوسف عنها قليلًا ووقف على الجهة المقابلة للطبيب الذي شرع في أداء عمله. وبعد دقائق، نظر إلى يوسف نظرة ذات مغزى فهمها يوسف فورًا، فخطا بضع خطوات حتى وصل إلى باب الغرفة، ولحق به الطبيب، فبادره يوسف قائلًا بخفوت:
_ فاقت صح؟
وافقه الطبيب قائلًا:
_ فعلًا هي فايقة وحاسة بكل حاجة.
زفر يوسف بغضب ثم قال بنبرة متعبة:
_ طب وإنت شايف نتعامل إزاي؟
الطبيب بعملية:
_ والله أنا شايف إننا نسيبها براحتها عشان شكلها نفسيًا تعبانة جدًا، ومش قادرة تواجه حد أو تتعامل مع حد. فبلاش نضغط عليها زيادة، عشان دا ممكن يعمل مضاعفات سلبية وإحنا في غنى عنها.
يوسف بخشونة:
_ تمام يا دكتور. عايزك تقول للناس اللي بره إنها لسه ما فاقتْش وتمنع عنها الزيارة. مش عايز حد يدخل لها خالص حتى لو كان مين. أنا بس اللي أقدر أدخل لحد ما تقرر هي. وقتها اللي يريحها نعمله.
الطبيب بموافقة:
_ تمام. وأنا أول ما تقرر تفوق هبعتلها دكتور نفسي كويس أوي يتابع معاها عشان ما يحصلش مضاعفات.
يوسف بنبرة قاطعة:
_ دكتورة. مش دكتور.
الطبيب بتفهم:
_ اللي تشوفه عن إذنك.
خرج الطبيب وتبعته الممرضة، بينما اقترب يوسف من حبيبته الراقدة على السرير، تتمنى لو أنها تظلّ تدّعي النوم هكذا لآخر عمرها.
فما حدث لم يكن بالهين عليها؛ فقد هُدِمت حياتها، وقُتِل حلمها في مهده، وانطفأت شعلة سعادتها قبل أن يُتاح لها أن تستمتع بها ولو قليلًا. وكُشِف سرها الذي لم تكن لها يد فيه فأصبحت الآن، في نظر حبيبها وزوجها، ابنة جاءت من الحرام.
ما أقسى تلك الكلمات التي مرّت ببالها عندما استيقظت من غفوتها القصيرة فوجدت الجميع حولها، فلم تكن لديها الشجاعة لمواجهتهم، ففضّلت الهروب كما تفعل دائمًا
ولكن تلك المرة، أشفق قلبه عليها كثيرًا، فهو يعلم مدى عذابها؛ فقد فعل المستحيل حتى لا تعلم شيئًا عن تلك الحقيقة ولكن للقدر رأي آخر. فأخذ يتذكر هول صدمته عندما علم
عودة لوقتٍ سابق
_ و كده نبقى ضمنا المناقصة دي في جيبنا و قضينا على فايز المحلاوي للأبد.
هكذا قال رحيم بفرحة و ضحكة قلما تظهر على وجهه، فنظر له يوسف نظرات مُستغرِبة ثم قال بغموض:
_ إلا قولي يا جدي هو انت ليه عايز تقضي على فايز ده ؟ هو كان عملك إيه ؟
ارتبك رحيم للحظات ثم قال باختصار:
_ أبدًا. هو اللي ابتدى و فكر نفسه إنه ممكن يتحدانا.
يوسف بعدم تصديق:
_ هاعتبر إني مصدّقك و إن مفيش حاجه تانية ورا كلامك ده.
حاول رحيم تغيير الموضوع فقال بمكر:
_ سيبك انت من الكلام ده كله، خلينا في المهم. أنا عايز أعمل حفلة كبيرة بعد ما نفوز بالمناقصة دي.
يوسف باستغراب:
_ حفلة كبيرة عشان مناقصة؟!
رحيم بتخابث:
_ مش عشان المناقصة بس.. إحنا في الحفلة دي هنعلن فيها خبر خطوبتك.
دب القلق داخل قلبه و قد علم أن ميعاد خوض معركته قد أزف، فقال بهدوء ينافي ما يشعر به:
_ كويس إنك فتحت الموضوع ده أنا كنت ناوي أفتحه معاك و أطلب منك إيد كاميليا بعد ما نكسب المناقصة دي.
جن جنون رحيم عندما سمع حديث يوسف، فهب من مكانه صارخًا:
_ تطلب إيد مين ؟! انت أكيد اتجننت يا يوسف!
يوسف بثبات:
_ إيه الجنان في كده ؟
رحيم بغضب:
_ لما تيجي تقعد قدامي و تطلب إيد بنت زهرة مني يبقى ده منتهى الجنَان!
يوسف وقد بدأ غضبه يتصاعد:
_ أنا عارف و انت عارف من زمان إني مش هاطلب إيد حد غير بنت زهرة، فليه كل العصبية دي؟
رحيم بحدّة:
_ عشان فكرتك عقلت و عرفت مصلحتك!
يوسف بهدوء:
_ و عشان أنا عارف مصلحتي، بطلب منك إيد الإنسانة الوحيدة اللي حبتها.
رحيم ساخرًا:
_ حب! أنا سمعت الكلمة دي قبل كده؟ و أنا و إنت عارفين كانت نهايتها إيه. ولا محتاج أفكرك؟
وثب يوسف قائمًا وقد بلغ غضبه الذروة:
_ و أنا مش زي حد، ولا هقبل يكون لحياتي مع كاميليا نهاية. أنا لآخر مرة بقولك: مش هتجوز حد غيرها، و لو على موتي! عاوز تقتنع و تبارك الموضوع هكون ممنون ليك. مش عايز تقتنع يبقى انت اللي اخترت النهاية مش أنا.
كانت المرة الأولى التي يقف فيها أمام جده، و لكن كان هذا آخر خياراته؛ فلم يترك له خيارًا آخر. لكنه نسي أن جده لا يقبل الخسارة أبدًا، فما إن أعطاه يوسف ظهره متوجهًا إلى باب الغرفة، حتى فاجأه رحيم قائلًا:
_ هتقبل على نفسك إن أم ولادك تبقى بنت حرام؟!
تسمّر يوسف في مكانه من هول الصدمة، وظل لثوانٍ قبل أن يلتفت إليه ينظر إليه بذُهول، ففاجأه الأخير بأن ألقى بعض الأوراق على المكتب قائلًا بصرامة:
_ اتفضل تعال شوف بعينك الحقيقة، لا تقول إني بكذّب عليك.
اقترب من المكتب بخطوات سُلحفائية، فقد كان بداخله يرفض تصديق هذا الادعاء، إلى أن قرأ تلك الأوراق التي تُثبت أن عمه أحمد قد وقعت له حادثة تجعل احتمال أن يُنجب مستحيلًا، فسقط على الكرسي خلفه ينظر إلى جده الذي شعر بالانتصار، وقال بلهجة جامدة:
_ أول ما جالي و قالي إنه بيحب بنت و عايز يتجوزها فرحت، حتى بعد ما عرفت إنها فقيرة مكنش مهم عندي، كان المهم عندي إني أشوفه مبسوط و خلاص، خصوصًا إنه مكنش يعرف بحالته دي، و فجأة قالي إنه صرف نظر عن الموضوع و كان حزن الدنيا كلها ماليه.
و بعدها طلب مني إنه يدير فرع الشركة اللي في لندن، وأنا وافقت. و فعلًا سافر.
صمت لثوان قبل أن يقول بقسوة
ـ بعد ما سافر بعتلي يقولي إنه اتجوز البنت اللي بيحبها، و طلب مني مقفّش قدام سعادته و قبلت و سكت. لكن اتفاجأت بعدها بشهر إنه بيكلمني و بيقولي إن مراته حامل!
طبعًا أنا اتجننت و سافرتله، و أول ما وصلت رُحت على البيت عشان كنت عايز أشوف البنت الحقيرة اللي ضحكت عليه، و رُحت و شوفتها كانت وقتها حامل في الرابع أو أكتر.
بهدلتها و واجهتها بحقيقة إن أحمد مابيخلّفش و للأسف أحمد كان جه و سمعني و أنا بقولها كده فاتصدم صدمة عمره.
لكنه اتخانق معايا عشان اتهمتها إنها حامل من الحرام، و قالي إنها كانت متجوزة و اتطلقت و مكنتش تعرف إنها حامل، و لما طلبت منها توريني ورقة طلاقها رفضت. و من هنا اتأكدت إنها بتكذب، و إن اللي في بطنها ده فعلا ابن حرام. بس هي كانت زي الحية لفت حوالين رقبته و بَخت سمها في ودانه، خلّته ميسمعش غيرها. و ده كل الورق اللي يثبت إن كاميليا اتولدت بعد جوازهم بأقل من سبع شهور. أنا قبلت أخليها في بيتي عشان دي وصيته بس مش لدرجة أجوزها حفيدي اللي هيشيل اسم العيلة بعدي.
كان قلبه يرتجف ألمًا و شفقة على حال حبيبته التي لا يعرف ما قد يحدث لها إن علمت تلك الحقائق المؤلمة و التي لم يكن لها ذنب بها أبدًا. أخذ ينظر إلى تلك الأوراق بيده يود لو يحرقها في الجحيم قبل أن تصل إليها و تؤلم قلبها البريء الذي لا يعرف شيئًا عن دناءة هذا العالم.
لم يُخرجه من شروده سوى صوت جده الخشن المتحجر وهو يقول بغطرسة:
_ فوق يا يوسف و انسى الأوهام اللي في دماغك دي! و اعرف مين اللي تستاهلك و تستاهل تشيل ولاد الحسيني.
و كاميليا دي بكرة ييجي نصيبها اللي ياخدها من هنا و يريحنا من وجودها زي ما ارتاحنا من وجود أمها.
عندما تفوه رحيم بتلك الكلمات، جن جنون يوسف الذي هب من مكانه و قام برمي الأوراق التي تبعثرت حوله قائلًا بغضب جحيمي و غيرة قاتلة:
_ كاميليا دي بتاعتي أنا، و محدش هيقدر يقرب منها!
كل اللي انت قولته ده ميهمّنيش، و لا هيخلّيني أفكر لحظة واحدة أبعد عنها!
رحيم بصراخ:
_ تبقى مجنون لو فاكرني هسكتلك و أسيبك تعمل اللي في دماغك . خد وقتك و فكر و احسبها صح… بلاش تمشي زي الأعمى ورا قلبك عشان ميضيعكش زي ما ضَيع اللي قبلك!
نظر إليه يوسف بغضب، لكنه قال بنبرة جليدية:
_ تمام أوي. ردي هيوصلك في خلال ساعتين.
أنهى يوسف حديثه ثم توجه إلى باب الغرفة قبل أن توقفه كلمات رحيم الذي قال بغضب:
_ خليك فاكر إنك لو خدت القرار الغلط هتبقى خسرت كل حاجة و انت عارف أنا أقصد إيه بكل حاجة.
التفت إليه يوسف قائلًا بغموض:
_ و أنا موافق!
قام بالخروج من غرفة المكتب صافقًا الباب خلفه، متوجهًا إلى غرفة الصالون حيث وصلت إلى مسامعه أصوات حديثهم ليجد والدته وبجانبها روفان، وأمامهم نيفين وسميرة، وأخيرًا وقعت عيناه على تلك التي تجلس وحيدة في الزاوية، وكانت تنظر إليه وكأنه منقذها، فقد وصل إلى قلبه تنهيدة الاطمئنان التي أطلقتها عقب رؤيته لها مع ابتسامة جميلة ارتسمت على ثغرها الشهي. ليتقدم تجاهها غير مُبالٍ بنظراتهم المستفهِمة ونداء والدته، لينحني أمامها واضعًا يده خلف ظهرها والأخرى أسفل ركبتيها حاملًا إياها متوجهًا إلى الخارج، لتتوالى خلفه الكثير من شهقات التعجب والاستنكار التي صدرت من سميرة تلاها قولها الغاضب:
_ يالهوي هو ابنك اتجنن يا صفية! إزاي يدخل يشيلها بالطريقة دي من وسطنا كدا؟ إيه! معدش فيه أدب؟
التفت يوسف إليها قائلا بحدة:
_ معلش بقى، أصلي بحبها وبموت فيها دا لو مكنش عندك مانع يعني!
جحظت عيناها من الذهول وقالت بخجل غمرها كليًا:
_ يوسف، انت بتعمل إيه؟ نزلني.
يوسف بتهديد:
_ اسكتي أحسن ما إنتِ عارفة هسكتك إزاي!
أتبع كلماته بالنظر إلى ضفّتي التوت خاصتها، فشهقت كاميليا وبحركة عفوية قامت بقرصهما، فاشتعلت نيران الرغبة الممزوجة بالعشق داخله وقال بوعيد:
_ هربيك على الحركة دي بس اصبري.
توالت النداءات خلفه من والدته وسميرة ونيفين التي كانت الغيرة تفترسها من مظهره وهو يحملها بمثل هذا التملك والحب، فأخذت تنادي عليه لكن دون جدوى إلى أن وصل إلى باب القصر فوجد أدهم الذي كان آتيًا من الخارج، فنظر بذهول إلى يوسف الذي يحمل كاميليا وجميع من في البيت خلفهم فقال بصدمة:
_ يخرب بيتك! انت واخدها ورايح فين؟
يوسف بلهجة آمرة:
_ مش وقت رغي، اركب عربيتك وتعالى ورايا.
أدهم الذي ما زال تحت صدمته:
_ ما تفهمني في إيه؟
يوسف بفظاظة:
_ ما قولنا مش وقت رغيك يالا تعالى ورايا.
امتثل أدهم لأوامر أخيه الذي يبدو وكأنه تخطى أقصى مراحل الجنون، فأخذ سيارته وانطلق خلفه بعدما قام بوضع كاميليا في الكرسي المجاور لكرسي السائق وهو ينظر إلى مظهرها الخاطف للأنظار، والذي زاد من روعته تلك الحُمرة التي لوّنت خديها خجلًا من أفعاله، فابتسم ابتسامة ماكرة لم تفهمها فقالت ببراءة ما إن انطلق بالسيارة:
_ يوسف، في إيه؟ فهمني.
يوسف بغموض وهو يعبث بهاتفه:
_ هتفهمي كل حاجة دلوقتي.
ما إن همت بالحديث مرة أخرى حتى أوقفها بإشارة من إصبعه بمعنى أن تلتزم الصمت، ليقوم هو بالاتصال بمازن قائلًا باختصار:
_ هبعتلك عنوان تيجي عليه دلوقتي حالًا.
لم يمهله يوسف فرصة للحديث وإنما أغلق الخط وأجرى اتصالًا آخر قائلًا بغموض:
_ هبعتلك عنوان تيجي عليه دلوقتي مسألة حياة أو موت.
لم تعرف مع من كان يتحدث، فسرعان ما أغلق الهاتف وواصل القيادة، وبعد أقل من نصف ساعة كانوا قد وصلوا إلى وجهتهم. فنظرت إليه كاميليا عندما توقفت السيارة وقالت برجاء:
_ يوسف، قولي في إيه أنا مش فاهمة حاجة.
نظر إليها يوسف بعشق؛ فقد كانت بريئة، نقية، لدرجة أنه ودّ لو يضعها بجوار قلبه كي يحميها من هذا العالم القاسي الذي لا يرحم أحدًا. اقترب منها كثيرًا للحد الذي تشابكت فيه أنفاسهم، وقام بفك حزام الأمان من حول خصرها لتحل يداه مكانه وقال بنبرة شغوفة:
_ بتحبيني؟
أسرتها نظراته للحد الذي سلبها أنفاسها، فتحدث قلبها قائلًا بصدق:
_ ما بحبش حد في الدنيا غيرك أصلًا.
_ تتجوزيني؟
اتسعت حدقتا عينيها عندما نطق بتلك الحروف البسيطة، فأخذت تنظر إليه غير مصدقة حتى أن الكلمات لم تسعفها للرد، فابتسم على تعبيراتها الطفولية وقد أحكم يده حولها قائلًا ببهجة مثيرة:
_ تتجوزيني؟
كانت كالمُنومة مغناطيسيًا؛ فقد خدرها قربه بهذا الشكل وتلك البحة الجذابة في صوته التي أسرت حواسها فقالت دون وعي:
_ أدفع عمري كله وأكون مراتك ولو لحظة واحدة.
أخذ يتنفس أنفاسها العطرة، وعيناه تجوبان ملامح وجهها الجميل وهو يجاهد نفسه كثيرًا حتى لا يجرفه تيار رغبته بها المخلوط بعشق جارف قد يجعله غير قادر على الثبات أمام سحرها، فقال بصوت أجش:
_ تقولي الكلمتين دول قدام المأذون فوق… وتقفلي بقك الحلو دا لحد ما أفضاله.
كاميليا بصدمة:
_ يوسف!
يوسف بلهجة مبحوحة:
_ ومن هنا لحد ما نكتب الكتاب ما اسمعش صوتك عشان أنا أساسًا مش ضامن نفسي.
خجلت من تلميحاته وقالت بخفوت:
_ حاضر.
نبرتها الرقيقة أثارته بشكل كبير، فكان على وشك ريّ قلبه المتعطش لها، لولا ذلك الطرق المزعج على زجاج السيارة الذي جعل يوسف يطلق سُبة نابية أخجلتها أكثر، فالتفت إلى مازن الذي كان مُشعَث الشعر مبعثر الهيئة؛ فقد كان نائمًا عندما هاتفه يوسف فهب مذعورًا ليرى ماذا هناك، ليجد أدهم الذي كان يقف مستندًا على مقدمة سيارته واضعًا يده فوق خده بملل، فاقترب منه مازن قائلًا بلهفة:
_ في إيه يا أدهم؟ ويوسف فين؟
أشار إليه أدهم باتجاه سيارة يوسف قائلًا بامتعاض:
_ الأستاذ براد بيت بيحب في الست أنجلينا جولي ولاطعنا في الشمس ومش عارفين في إيه!
غضب مازن بشدة واتجه إلى حيث تقف سيارة يوسف، وقام بالطرق بعنف فوق زجاج النافذة، فما إن فتح يوسف حتى قال مازن بحنق:
_ سيادتك ممرمطنا وراك ومجرجرنا على ملا وشنا وقاعد تحب هنا! تصدق إنك ما عندكش…
لم يستطع مازن إكمال جملته حين أتته لكمة من يوسف الذي فتح زجاج السيارة وقام بلكمه في أنفه، فاندفع الدم منها، ثم التفت ناظرًا إليها قائلًا بوعيد:
_ هربي الكلب دا وهجيلك.
نزل يوسف من سيارته تزامنًا مع وصول مراد الذي قال بلهفة:
_ في إيه يا يوسف؟ قلقتني.
مازن بغضب:
_ يوسف باينه اتجنن خلاص.
وافقه أدهم قائلًا بحنق:
_ والله عندك حق يا مازن.
مراد بقلق:
_ ما تفهمنا يا ابني في إيه؟
نظر يوسف إلى ثلاثتهم بلا مبالاة ثم قال بهدوء:
_ خلصتوا كلامكم؟ اتفضلوا معايا فوق عشان هكتب كتابي على كاميليا!
نطق ثلاثتهم في آن واحد:
_ إيه؟!
يوسف بنفاد صبر:
_ أظن كلامي واضح مش محتاج تفسير!
أدهم بسخرية بعدما تجاوز صدمته:
_ لا مش واضح بصراحة. محتاج توضحلنا أكتر يعني إيه تكتب كتابك على كاميليا؟
يوسف بوقاحة:
_ يعني هتجوزها تحب أشرحلك بالتفصيل هتجوزها إزاي؟ ولا نقطم على كدا؟
تحمحم أدهم بإحراج ولم يرد، فتحدث مازن المتألم بغضب:
_ واللي عايز يتجوز يبهدل الناس معاه كدا ويجرجرهم على ملا وشهم بالطريقة دي!
يوسف بفظاظة:
_ ما انت قارفني طول عمرك لما أرخم عليك مرة تستحملني! وبعدين المفروض إنك صاحبي يعني لما أحتاجك ألاقيك!
شعر مازن بالإحراج هو الآخر ولم يجب، ليقول مراد ساخرًا:
_ أظن أنا الوحيد اللي مالكش عليا جمايل.
يوسف بحنق:
_ لا انت بالذات تسكت خالص عشان أنا نفسي أخلص على أي حد من ريحة الحسيني واحمد ربنا إن الحد دا مش هيكون انت.
مراد بمزاح:
_ أصيل يا ابن أخويا.
يوسف بنفاد صبر:
_ إيه؟ هتنجزوا ولا أدور على حد غيركم؟
أدهم بعدم تصديق:
_ يوسف، انت بتتكلم بجد؟ دا كدا هتولع البيت حريقة!
يوسف بنبرة قاطعة:
_ بالعكس كدا هطفي الحرايق اللي شغالة ليل نهار. أنا مش هسمح لرحيم الحسيني يدمر حياتي ويحرمني من الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها. ودا قراري النهائي كاميليا هتبقى مراتي النهاردة حتى لو كانت دي آخر حاجة هعملها في حياتي.
مراد وقد آلمه حديث يوسف، وأعاد إليه ذكريات تنخر بقلبه كل يوم، فقال مؤيدًا:
_ انت صح عيش حياتك زي ما انت عايز مع الإنسانة اللي حبيتها وارمي ورا ضهرك أي حاجة تانية. يلا بينا.
انصاع مازن وأدهم لقرار يوسف، فكانا شاهدين على عقد القران، وكان مراد هو وكيل كاميليا التي كانت تنظر إلى ما يحدث غير مصدقة، حتى عندما أتى يوسف إليها لتوقّع الأوراق أخذت تنظر إليه بشرود، فاقترب منها ممسكًا بيدها قائلًا بلهجة حانية:
_ خليكِ واثقة فيا وما تقلقيش من حاجة.
أعطته ابتسامة جميلة مطمئنة وقامت بالتوقيع ومن ثم أعطته الأوراق، فتناولها منها قبل أن يعطيها غمزة من عينيه جعلت الحمرة تلوّن خديها والابتسامة ترتسم على شفتيها، وتم عقد القران ثم توجهوا جميعهم إلى المنزل ليشهدوا على تلك المعركة التي حتمًا ستنشب عندما يلقي يوسف بقنبلته، وبالفعل ما إن دخل إلى القصر وهو ممسك بيد حبيبته وزوجته، تلك الكلمة التي كان لها مذاق خاص على شفتيه، حتى نظر إلى كل العيون التي تجمعت لمعرفة ماذا حدث، فتقدم يوسف إلى منتصف البهو يتبعه كلٌّ من مراد وأدهم ومازن ثم قال بفخر وتحدٍّ
_ باركولي أنا و كاميليا كتبنا كتابنا النهاردة.
شهقات مستنكرة وأخرى مصدومة خرجت من أفواه الجميع، تلاها هجوم عاصف من نيفين التي كانت أول من استعاد وعيه، قائلة بغضب:
ـ انت بتقول إيه؟ مش ممكن الكلام دا يكون صحيح!
_ نيفين!
التفتت نيفين لمراد الذي صرخ بها، فصرخت قائلة:
ـ نيفين إيه وزفت إيه! انت موافق عالكلام دا؟
مراد بحدة:
ـ أيوه موافق، وأنا اللي كنت وكيل كاميليا كمان، والموضوع ميخصكيش عشان تتكلمي فيه.
نيفين بحقد:
ـ عندك حق ميخصنيش أنا… بس يخص ناس تانية.
قالت كلماتها وهي تنظر بتحدٍ تجاه يوسف الذي قابل حديثها بسخرية ولا مبالاة، لتتوجه إلى غرفة المكتب دون الالتفات لنداءات والدها وهي تقول بغضب صارخ:
ـ يا جدي! يا جدي! تعالى شوف المصيبة اللي حصلت!
هب رحيم من مكانه وهرول تجاهها وهو يقول بقلق:
ـ في إيه يا نيفين؟ حصل إيه؟
ـ تعالى شوف الكارثة اللي إحنا فيها.
خرج رحيم مندفعًا إلى الخارج ليتسمّر في مكانه عندما رأى يوسف الذي كان ممسكًا بيد كاميليا التي كانت ترتعب مما يحدث، فاشتدت يد يوسف حول كفها يطمئنها وهو يقول بثبات:
ـ باركلنا يا جدي… أنا و كاميليا اتجوزنا النهاردة.
جحظت عيون رحيم من هول الصدمة التي وقعت على رأسه، حتى إنه أخذ ثوانٍ كي يستعيد وعيه، ثم بدأ يدرك ما سمعه عندما وضع يوسف أمامه ورقة تثبت صدق حديثه، فثار غضبه وبرزت عروق رقبته وهو يقول بصراخ:
ـ عملتها يا يوسف! عملتها وكسرت كلامي! ماشي اشرب بقى.
قال الأخيرة بوعيد، ثم وجه أنظاره لكاميليا التي كانت ترتعب من نظرته، وما إن خطا خطوة تجاهها حتى في لحظة واحدة قام يوسف بجذبها خلفه ووقف لأول مرة في حياته أمام جده كندٍّ له. العين بالعين، وكأنه يقول: احذر، فأنا من سيواجهك إن اقتربت منها.
تراجع رحيم بغضب متوجهًا إلى غرفة المكتب صافقًا الباب خلفه، وسرعان ما اندفعت نيفين قائلة بغضب:
ـ وقفت قدام جدي راس براس عشان خاطرها؟
نظر إليها يوسف بغضب، وما إن أوشك على الحديث حتى اندفع مراد وصفع نيفين على وجهها صفعة مدوية قائلاً بغضب:
ـ اخرسي بقى… وكفاية اللي عملتيه.
نظرت نيفين مصدومة من فعلته، فلم يمهلها الوقت للحديث حتى قال بحدة:
ـ اتفضلي اطلعي على أوضتك… مش عايز أشوف وشك قدامي. يالا.
تحركت سميرة تجاهها وقامت بجرها إلى الأعلى بخوف من مظهر مراد، الذي توجه إلى يوسف وتمتم بعبارات أسف مقتضبة قبل أن يخرج متوجهًا إلى مرسمه.
فنظر يوسف إلى والدته وشقيقته قائلاً باستفهام:
ـ إيه يا ماما انتِ و روفان مش هتباركولنا؟
توجهت روفان إلى كاميليا تعانقها بفرح:
ـ مبروووك يا كامي. مليون مبروك يا قلبي.
بادلتها كاميليا العناق ثم توجهت تجاه يوسف، فعانقته، فوضع قبلة فوق رأسها وعينه لا تفارق والدته التي كانت تنظر إليه بعتاب. فقال بهدوء:
ـ مش هتباركيلنا يا ماما؟
تقدمت صفية في صمت تجاه كاميليا التي كانت تطالعها بحرج، فقامت باحتضانها وقبلتها على جبينها قائلة:
ـ مبروك يا حبيبتي.
ترقرقت العبرات في مقلتيها وهي تقول:
ـ انتِ زعلانة من اللي حصل صح؟
زفر يوسف بحنق ونظر إلى والدته معاتبًا، فبادلته اللامبالاة، قبل أن تحتوي وجه كاميليا بين كفيها وتقول بحنان:
ـ أنا ما تمنّتش غيرك للواد دا، وانتِ عارفة كدا. ومش زعلانة من اللي حصل عشان دا كان حلم حياتي. أنا بس زعلانة إنه حصل بالطريقة دي.
كاميليا باعتذار من بين عبراتها:
ـ أنا أسفة
اندفع يوسف الذي غضب بشدة حين رأى حزنها فقال حانقًا:
ـ كاميليا متتأسفيش لحد، و لو في حد مفروض يتوجهله لوم، فهو أنا يا ماما. هي مالهاش ذنب في حاجة.
نظرت إليه صفية قائلة بتقريع:
ـ هو انت إن شاء الله هتعرفني أتعامل مع بنتي إزاي؟ كاميليا دي بنتي قبل ما تكون مراتك وأول وآخر مرة تدخل بينا.
يوسف بتذمّر:
ـ ما أنا مش هشوفك بتلوميها وهسكت!
صفية مدعية الغضب:
ـ شكلك كدا عايزني أبتدي شغل الحموات بدري. روح يا حبيبي كمل اللي انت بدأته، ربنا يعينك وماتقلقش على كاميليا معايا.
قالت صفية جملتها الأخيرة ناظرة إلى غرفة المكتب، فزفر يوسف بتعب ثم قال بتحذير:
خلي بالك منها يا ماما أوعي تخلي حد يضايقها، وأنا مش هتأخر عليكم.
نظر يوسف إلى كاميليا بابتسامة مطمئنة ثم أرسل لها غمزة على الهواء جعلت الخجل يسيطر عليها، خصوصًا عندما تحدثت صفية باستنكار:
ـ شوف الواد وقلة أدبه! مش عامل احترام لحد وبيعاكسها قدامي إزاي!
ثم نظرت إلى كاميليا وقامت بتسديد لكمة خفيفة لكتفها قائلة بغضب:
ـ وانتِ يا مسهوكة… إزاي تسمحيله يعمل كدا؟
كاميليا باندهاش:
ـ الله! وأنا مالي؟ أنا عملت إيه؟
صفية بسخرية:
ـ أبدًا… انتِ بتعملي حاجة! انتِ يدوب جننتيلي الواد العاقل اللي حيلتي. كان عندي واحد متخلف وواحد عاقل دلوقتي بقى واحد مجنون وواحد متخلف. عليه العوض في خلفتي يارب.
أدهم بتهكم:
ـ حبيبة قلبي يا ست الكل… تسلمي والله.
تدخل مازن في الحوار قائلًا بحسد:
ـ الواد أخوك دا بيضاله في القفص يا عم يا أدهم خطف المزة وكتب الكتاب وعلا الجواب، وهيهيص بقى! وإحنا قاعدين زي خيبتها هنا!
أدهم بسخرية:
ـ متقلقش هيدخل يجيب البيضة من القفص، هيلاقي ديناصور جوا يبلعه هو والبيضة.
مازن بذعر:
ـ واد يا أدهم! لا الديناصور يعرف إني أنا وانت اللي شهدنا على عقد الجواز!
أدهم وقد ذعر هو الآخر:
ـ يا نهار مش فايت! دا هيعمل مننا بوفتيك! إحنا هنعمل إيه في المصيبة دي؟
مازن بتفكير:
ـ بص بقولك إيه، إحنا لازم نخلع منرجعش غير لما يكون نسي الموضوع.
أدهم باقتناع:
ـ والله فكرة! هو أساسًا مش طايقني إحنا نروح نقعد عندك لينا يومين يكون الجو هدي.
مازن بتردد:
ـ بس كدا هنغدر عالواد يوسف ونسيبه لوحده في وش المدفع!
أدهم محاولًا إقناعه:
ـ ولا هنغدر ولا حاجة هو يعني يوسف وهو بيقضي شهر العسل هياخدنا معاه؟! وبعدين الصاحب له عند صاحبه إيه؟
مازن بلا مبالاة:
ـ مالوش حاجة أبو دي صحوبية! هتودينا ورا الشمس. يالا بينا يا عم من هنا.
وبالفعل خرج الاثنان مهرولين إلى الخارج، ما إن سمعا صراخ رحيم الذي، عندما وجد يوسف قادمًا إليه وعلى وجهه إمارات الرضا، أصيب بالجنون:
ـ إيه؟! عندك مصيبة تانية جاي تقولها لي؟
يوسف بجمود:
ـ لا أبدًا ولا مصيبة ولا حاجة. أنا جاي أكمل اتفاقي معاك.
رحيم باستفهام:
ـ اتفاق إيه دا؟
أخرج يوسف ورقتين من جيبه وأعطاهما له قائلًا بخشونة:
ـ دا تنازل مني عن حقي في ميراث الحسيني أنا مش عايز حاجة منك.
زاد غضب رحيم وهو ينظر إلى الورقة، فقال بغضب:
ـ بتتنازل عن كل حاجة عشان خاطر بنت زهرة! ماشي يا يوسف انت اللي ابتديت.
يوسف بجمود:
ـ أنا مبتهددش يا جدي، وياريت متخلينيش عدو ليك، عشان انت فاكر إني برده حفيد عاصم الجمال، واللي طول عمره نفسه يستلم ورث أمي ويدير شركته.
صُدم رحيم من مغزى حديثه وقال باستنكار:
ـ انت بتهددني يا يوسف؟
يوسف بنفي:
ـ أنا مش بهددك… أنا هعمل معاك ديل انت الكسبان فيه.
رحيم بتهكم:
ـ ديل إيه دا إن شاء الله؟!
يوسف بهدوء:
ـ أنا هفضل اشتغل في الشركة، وهاخد مرتب زيي زي أي موظف عادي، ومش هبيعك ولا هروح أمسك شغل جدي وبالمقابل سر كاميليا دا يندفن معانا تحت التراب.
عودة للوقت الحالي
ظل يوسف ينظر إليها لوقت طويل حتى تأكد أنها غفت بفعل المنوم الذي طلب من الطبيب إعطاؤه لها، فقرر أن يقوم بالخطوة التالية التي توجب عليه فعلها. فتوجه إلى الباب وفتحه قبل أن يلقي عليها نظرة أخيرة، ولحسن حظه كان الجميع في الكافيتريا الخاصة بالمشفى، فتوجه مباشرة إلى سيارته، قادها بسرعة كبيرة وقد كان الغضب تمكن منه بصورة كبيرة وظهر ذلك في الصوت القوي الذي صدره احتكاك إطارات السيارة بالأرض الحجرية أمام باب القصر. فدب الزعر في قلب نيفين التي كانت ترتجف من مظهره الغاضب عندما ألقت بقنبلتها، وذلك التهديد المُرعب الذي تفوه به، وقد كانت سميرة تلطم خديها من الرعب، والذي وصل إلى الذروة عندما سمعوا صوت يوسف الغاضب وهو ينادي بأعلى صوت قائلاً:
ـ نيفييين!
صار جسدها يرتعش بفعل الخوف، غير قادرة على الرد، لتنظر سميرة من الأعلى فتجده ينظر إليها بغضب واحتقار تجلى في نبرة صوته عندما قال:
ـ بنتك فين؟
هنا خرجت نيفين تقنع نفسها بأنها لم ترتكب أي خطأ، وإنما فعلت الصواب، وأنه غير قادر على أذيتها، فقامت بالنزول أسفل الدرج وهي تقول بصوت مهزوز بفعل الخوف:
ـ أنا أهوه.
يوسف بوعيد:
ـ تعالي ورايا عالمكتب.
أطاعته نيفين وقد كانت أسنانها تصطك من فرط الرعب، وتوسعت حدقتاها عندما دخلت إلى المكتب فوجدته جالسًا على الكرسي، واضعًا أمامه سلاحه الناري، وقال بلهجة آمرة:
ـ ادخلي واقفلي الباب وراكِ.
فعلت نيفين ما طلبه منها، فوجدت أنظار سميرة التي كانت تقف أمام الباب تطالعها بشفقة لأول مرة في حياتها، فقد كانت تخشى عليها من غضبه، ولكن ذلك لا يعني أنها لم تكن غاضبة منها بسبب تهورها واندفاعها، والذي قد يكلفها الكثير. فظلت تدعو ربها ألا تخطئ نيفين أمامه بشيء، فهي تعلم مقدار ذكاءه وغبائها. فظلت تزرع المكان ذهابًا وإيابًا، وفجأة تسمرت في مكانها عندما سمعت صوت ذلك الطلق الناري، الذي جعلها تضرب بصدمة فوق صدرها قائلة:
ـ خلص عليها!
يتبع ……

•تابع الفصل التالي "عشق بين حنايا الروح" اضغط على اسم الرواية

تعليقات