رواية ياسين و ليلى (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر دليل الروايات بقلم زينه عماد
رواية ياسين وليلى الفصل الاول 1 - بقلم زينه عماد
معتز انت جيت إمتى؟
— كنت قاعد مع خالك من الصبح، بس إنتِ اللي مسألتيش.
حسّيت بإحراج بسيط، فقلت وأنا بابتسم:
— معلش بقى، إنت عارف شغل العيادة… وبصراحة كنت هتصل عليك تيجي نقعد مع بعض شوية.
— القلوب عند بعضها يا ستي، أهو أنا جيت.
سكت فجأة، كأني افتكرت السبب الحقيقي اللي كنت محتاجة أقابله عشانه.
لاحظ سكوتي، قرّب وقعد جنبي على نفس الكنبة.
— مالك يا ليلي؟ في حاجة؟
هزّيت راسي بسرعة.
— لا خالص، تعبانة من الشغل بس.
بصلي شوية، وبعدين قال بنبرة أهدى:
— طب بقولك… في محل آيس كريم فاتح جديد قريب، إيه رأيك نتمشى ونجيب؟ وتحكيلي… في أي زى زمان .
ابتسمت، لأني فعلًا كنت متأكدة إن معتز الوحيد اللي يقدر يخرجني من المود ده.
— موافقة، يلا بينا.
خرجنا نمشي، والشارع كان هادي والهواء لطيف.
بعد شوية صمت قال:
— مالك يا ليلي؟ في حاجة؟
تنهدت.
— مفيش حاجة متشغلش بالك بيا انت اى اخبار شغلك ؟.
وقف فجأة وبصلي.
— مش عليا يا ليلي.
مسك إيدي بهدوء.
— بصي… اعتبريني دلوقتي معتز صاحبك. سيبك من إننا مرتبطين وداخلين على خطوبة. أنا دلوقتي صاحبك اللي بيفهمك، واللي تحكيله كل حاجة.
اتنهدت بخنقة.
— ياسين رجع تاني.
اتشد شوية، بس حاول صوته يفضل ثابت.
— ياسين مين يا ليلي؟
بصيتله باستغراب موجوع.
— ياسين… يا معتز.
سكت لحظة.
— رجع إمتى؟
بلعت ريقي.
— أول امبارح… طلب يقابلني، وقابلته.
وساعتها حسّيت إن السكوت اللي بعد الجملة دي كان تقيل أكتر من أي كلام
— وقابلتيه فين؟
صوته كان هادي، زيادة عن اللزوم.
الهدوء ده خوّفني.
— في كافيه… قعدنا شوية ومشينا.
لفّ وبصلي أخيرًا.
نظرته مكنتش غضب، كانت وجع صريح.
— قالك إيه؟
اترددت.
الكلام كان تقيل، بس كنت وعدته أحكي.
— قال إنه ندمان… وإنه عمره ما نسي… وإنه رجع علشاني.
ابتسم ابتسامة صغيرة، مالهاش أي علاقة بالفرح.
— وانتي؟
سؤاله دخل في قلبي على طول.
سكت شوية قبل ما أجاوب.
— قولتله إن كل حاجة اتغيرت.
— بس؟
هزّيت راسي.
— بس.
قرب خطوة مني، بس وقف على مسافة.
— ليلي… أنا مش خايف منه.
سكت ثانية وكمل:
— أنا خايف عليكِ.
الكلمة وجعتني أكتر من أي عتاب.
— خايف ليه؟
— علشان باين إنك لسه مش عارفة تقفلي الباب ده.
نزلت عيني في الأرض.
كان عنده حق، حتى لو مش عايزة أعترف.
— أنا مش عايزة أرجعله، يا معتز…
رفعت عيني وبصيتله:
— بس وجوده لخبطني.
تنهد، تنهدة طويلة كأنها طالعة من صدر تقيل.
— اللخبطة دي لازم تخلص قبل أي خطوة جاية.
سكت شوية، وبعدين قال بنبرة ثابتة:
— خدي وقتك. فكري. بس متظلميش حد… لا أنا، ولا نفسك.
حسّيت بعيني بتدمع، بس تماسكت.
— وأنا مش عايزة أظلمك.
ابتسم بهدوء، ابتسامة حد بيحب بوعي.
— عشان كده بتكلم دلوقتي.
وقفت قدّامه، وقلبي بيدق بسرعة.
— أنا عايزاك يا معتز… أنا ما ضحكتش عليك، ولا قلتلك إني نسيت ياسين، ولا قلتلك إني بحبك.
ضحك ضحكة قصيرة، عصبية.
— عارف يا ليلي!
رفع صوته شوية:
— عارف… بس كنت فاكر إني أقدر أغيّر ده. كنت فاكر إن مع الوقت، ومع العِشرة، ومع كل اللي عملته علشانك… هتنسيه.
قربت منه بسرعة.
— أنا مش عايزاه والله، مش عايزاه.
لفّ وشه فجأة وكأنه بيحاول يتحكم في نفسه.
— آيس كريم بالتوت صح؟
بصيتله بصدمة.
— سيبك من الآيس كريم دلوقتي! إنت زعلت؟
لفّ وبصلي بعصبية.
— لا يا ليلي.
— معتز… بصلي طيب.
بصلي، ونبرته كانت عالية ومكسورة في نفس الوقت.
— أزعل؟!
قرب خطوة مني:
— أكيد أزعل يا ليلي! طبيعي أزعل!
— البنت اللي بحبها وبقالي تلت سنين بحاول أخليها تحبني، تيجي في الآخر تقولي إن حبيبها القديم رجع!
مد إيده بعصبية في الهوا:
— وإن قلبها لسه بيدق له… ومش عايزاني أزعل؟!
صوته علي، والناس حواليّنا بدأت تبص.
— حتى لو أنا فاهمك بعقلي… قلبي مش هيفهم!
— قلبي مش آلة!
دموعي نزلت وأنا بحاول أتكلم.
— أنا آسفة…
قاطَعني بانفعال.
— لا!
— متتأسفيش!
— إنتِ مغلطيش…
سكت ثانية وكمل بصوت أوطى بس أقسى:
— بس أنا اللي غلطت لما استنيت.
شد نفس عميق.
— خطوبتنا كانت الأسبوع الجاي.
الجملة نزلت عليا زي الضربة.
كمل وهو بيضغط على أسنانه:
— شوفي هتعملي إيه يا ليلي.
— يا تختاري… يا تسيبي.
لف ومشي،
وسابني واقفة،
حاسّة إن الغضب اللي في صوته
كان أوجع من أي دموع.
كنت برجف، مش عارفة من السقعة ولا من العياط.
حسّيت بسقعة غريبة ماشية في جسمي كله.
هو لاحظ، رغم عصبيته، ورغم كل اللي قاله.
وقف فجأة وبصلي من فوق لتحت.
— إنتِ مش لابسة جاكيت ليه؟
نبرته كانت حادة:
— ده جو تخرجي بيه باللبس ده يعني؟
بلعت ريقي.
— نسيته عند رنا.
اتنهد بعصبية، ومن غير ما يستنى رد، قلع الجاكيت بتاعه.
كنت لسه هاعترض، أقول لا، بس هو بصلي بصّة سكات…
البصّة اللي بتقفّل أي كلام.
سكت.
مد الجاكيت ناحيتي.
أخدته منه، وإيدي كانت بترتعش، ولبسته.
الدُفا ما دخلش جسمي قد ما دخل قلبي لحظة واحدة، غصب عني.
بص قدّامه وقال بنبرة أقل حدّة:
— بلاش آيس كريم… عشان متسقعيش أكتر.
هزّيت راسي.
— تمام.
سكت ثانية، وبعدين قال وهو بيكمل مشي:
— يلا… عشان أوصلك.
مشيت جنبه، من غير ولا كلمة.
الغضب لسه موجود،
الوجع لسه موجود،
بس الجاكيت اللي على كتافي
خلّاني أحس إن لسه في حاجة ما انتهتش…
حتى لو كانت بتتوجع.وصلنا قدّام البيت.
وقفت عند الباب، إيدي على المقبض، ولسه داخلة.
— ليلي…
صوته جه من ورايا.
لفّيت ببطء، ومكنش عندي عين أتكلم.
— أنا آسف إني اتعصّبت عليكي…
صوته كان أهدى، وفيه ندم واضح.
— مكنش ليا حق.
سكت شوية وبعدين كمل:
— متضغطّيش على نفسك.
— ولو عليا… لو هجوزك له بإيدي بس تكوني مبسوطة، هعملها.
الكلام دخل قلبي ووجعني في نفس الوقت.
— وبعدين… نصيحة من أخ.
— ياسين فعلًا مش مناسب ليكي.
هزّيت راسي.
— شكرًا يا معتز.
دخلت بسرعة قبل ما دموعي تنزل.
قفلت الباب ورايا ولسه باخد نفسي، فجأة سمعت صوت رفيع جاي من الصالة وهو بيجري:
— ليليييي!
لقيتها جاية عليا، صغيرة، شعرها مرفوع بدبوسين، وبتنطط من الفرحة.
مدّت إيديها الصغيرين وهي مبتسمة:
— بصي بصي!
ضحكت وضحكة الأطفال ملّت المكان:
— أونكل معتز إداني حاجة حلوة!
نزلت على ركبي وبصّيتلها.
— إدالك إيه يا قمر؟
فتحت كفها الصغيرة بالعافية، وكان فيها شوكولاتة صغيرة ولعبة بلاستيك.
— دي ليا… وقال دي ليلي!
حضنتها غصب عني.
— طيب خلاص، دي أحلى هدية.
بصّتلي ببراءة، ومدّت إيدها على وشي.
— إنتي زعلانة؟
هزّيت راسي بسرعة.
— لا يا حبيبتي.
شدّت طرف الجاكيت اللي عليّ بإيدها الصغيرة.
— ده بتاع أونكل معتز؟
ابتسمت ابتسامة مكسورة.
— آه.
قرّبت مني وحضنت رجلي.
— متزعليش… أنا بحبك.
الكلمة البسيطة كسّرتني.
شيلتها في حضني وأنا بغمض عيني،
وأول مرة أحس
إن الطيبة اللي في الأطفال
أصدق من كل الكلام الكبير.يومين وأنا قاعدة في البيت.
مش عايزة أشوف حد، ومش عايزة أروح العيادة.
لدرجة إن المرضى كانوا بيرنوا عليا وأنا مش برد، حاسة بغرابة… لأول مرة مش قادرة آخد قرار.
ماكنش قدامي غير حل واحد… روحت لمرات خالو. فرق العمر بيني وبينها مش كبير، وهي مربياني وفهماني.
— ممكن أتكلم معاكي؟
ابتسمتلي بلطف:
— أكيد يا لولو، اقعدي يا قلبي. مالك مش بتروحي العيادة ليه؟ خالو زعلك في حاجة؟
تنهدت، وحسيت كلماتي طالعة بصعوبة:
— لا… موضوع تاني.
— طب… حابة تحكيلي؟
— آه.
قعدت أكلمها، وقلبي مليان لخبطة:
— مش عارفة أختار… أكيد خالو حكالك عن حوار ياسين.
ابتسمت بحذر:
— آه… حكالي.
حكيت لها كل حاجة بصراحة:
— أنا محتارة… ياسين، معرفش أنا لسه بحبه ولا لا… بس لما رجع حسيت إني مبسوطة وعايزاه، وكأن مشاعري القديمة رجعتلي. وفي نفس الوقت، معتز كويس… هو وقف جنبي كتير، وبيحبني، وجاهز يعمل عشاني أي حاجة. وبجد أنا بحترمه… بس معرفش بردو هل بحبه ولا لأ.
بصتلي بحزم:
— طيب… إيه عرفك إن ياسين عايز يبقى معاكي؟ هو قاللك كده؟
هززت راسي:
— لا… بس لو هو مش عايز يبقى معايا، هيرجع ليه.
— معرفش… بس ممكن تسأليه.
— هل هو فعلا عايزك ولا لأ… عشان ما تخسريش معتز، وما تخسريهوش هو كمان.
اتنهدت بعمق، وحسيت ثقل القرار على قلبي.
— بس قبل أي حاجة… يا ليلي… اليوم اللي هتقرري فيه مين واحد فيهم شريك حياتك، لازم تنسي التاني.
بصيتلها وقلت بحزم:
— حاضر… هعمل كده.دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا.
قعدت على السرير، ومدّيت إيدي على الموبايل.
فتحته… واتصدمت.
أكتر من مية مكالمة من ياسين.
قلبت فيهم ثانية، وبعدين رنّيت عليه.
— ألو… ليلي؟
— ألو يا ياسين… ممكن نتقابل؟
صوته كان متوتر.
— إنتي كنتي فين بقالك يومين؟ أنا بحاول أوصلك ومش عارف، وعيادتك مقفولة!
— كنت محتاجة أرتاح شوية.
سكت لحظة وسألته:
— إنت فاضي؟
— فاضيلك.
— في نفس الكافيه؟
— تمام.
قفلت وأنا حاسة إن قلبي سابقني.
لبست بسرعة، ونزلت.
وصلت الكافيه، دخلت، وعيوني بتدور عليه.
— ليلي… أنا هنا.
قربت وقعدت قدامه.
— إزيك يا ياسين؟
ابتسم ابتسامة قلق.
— أنا كويس، أهم حاجة اقعدي.
بصلي بتركيز:
— مالك؟ كنتي تعبانة؟
ما لفّتش ولا دُرت.
— ياسين… إنت بتحبني؟
اتخض شوية.
— إيه السؤال ده؟
— جاوبني.
رفعت عيني في عينه:
— بتحبني؟
من غير تردد:
— بحبك.
بلعت ريقي.
— وعايزني بجد؟
صوتي علي شوية:
— ولا كلام وخلاص؟ وهتهرب زي المرة اللي فاتت؟
اتنهد، وبص في الأرض ثواني، وبعدين قال:
— والله كان غصب عني.
— كنت مدرسك ساعتها، ومكنش ينفع يكون بينا أي علاقة غير كده.
رفع عينه:
— وإنتي عارفة بلادنا… مش بترحم.
— يعني لو قلتلك تيجي تتقدملي… هتوافق؟
من غير تفكير:
— طبعًا هوافق.
وبعدين كمل بسرعة:
— بس في كام حاجة لازم أعملها الأول.
قلبي شدّ.
— زي إيه؟
ابتسم ابتسامة غامضة.
— تعرفي بعدين.
سكت شوية، وبعدين الكلام طلع مني بعفوية موجوعة:
— ياسين… أنا محتارة قوي.
— إنت لغبطلي حياتي.
مدّ إيده قدّامه، بس ما لمسنيش.
— هصلّح كل حاجة والله.
— بس اديني فرصة.
بصلي بصدق، وصوته واطي:
— أنا بحبك يا ليلي.
قعدت ساكتة.
أول مرة أحس إن الكلمة اللي كنت مستنياها سنين
جات…
بس في وقت يخوّف أكتر ما يطمن.ــــ لازم أمشي دلوقتي، ورايا العيادة.
— أوصلك؟
هززت راسي.
— لا… معايا عربيتي.
ابتسم وقال:
— طب انا هقعد شويه ورايا كمان ساعه مشوار
— تمام… سلام.
الحقيقة إن مكنش ورايا عيادة أصلاً.
كنت ناوية أمشي وأقابل معتز… أنهي كل حاجة وما أخليش أي حاجة معلقة أكتر من كده.
ومع إني ماشيه، سمعت حد بينادي عليا بصوت مألوف:
— دكتورة ليلي! دكتورة ليلي!
لفّيت، وطلعت مدام هالة واقفة قدامي.
— إيه دا؟
ابتسمت وقالت:
— ازيك؟
— أنا كويسة الحمدلله… وإنتي؟
— الحمدلله… حاولت أتواصل معاكي الفترة الأخيرة، كنت فين؟
— كنت باخد ريست شوية… معلش.
ضحكت خفيفة وقالت:
— جوزي بدأ يتعدل معايا، ونصائحكم شكلها جابت نتيجة… لدرجة إنه النهارده قاللي إنه هيأخدني مشوار.
ابتسمت لي وقالت:
— طب كويس يا ستي… أهم حاجة خليكي واثقة في نفسك.
كنت ماشيه ناحية عربيتي، لاقيتها راكنه قدامي… حسيت إن قلبي اتوقف شوية.
مدّت إيدها وقالت:
— بصي… وأنا ماشيه، لاقيت عربيته راكنه هنا… هو أكيد قاعد جوا، لأنه بيحب الكافيه ده أوي… تعالي نعمل له مفاجأة، وبالمرة أعرّفك عليه.
قلت بسرعة:
— طب أنا مستعجلة والله… ورايا مشوار مرة تانية.
ضحكت وقالت:
— لا لا والله أبداً… تعالى بس.
سحبتني وراها لحد ما دخلنا الكافيه، وقلبي بيدق بسرعة.
وفجأة، شاورت بإيدها وهي بتقول:
— ياااسين…
قففت فجأة، وحسّيت كل حاجة حواليّ تتلخبط…
لأول مرة، المفاجأة دي كانت أقوى من أي قرار كنت ناوية آخده.
~~~~~~~~~~~~
•تابع الفصل التالي "رواية ياسين وليلى" اضغط على اسم الرواية
