رواية نصف انسانة (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر دليل الروايات بقلم السيد عبد الكريم
رواية نصف انسانة الفصل الاول 1 - بقلم السيد عبد الكريم
أنا دلوقتي عندي سبعتاشر سنة، عشت مع أمي تسع سنين مش فاكرة منهم غير حاجتين: خناقها اللي عمره ما كان بيخلص مع أبويا، وتحذيراتها ليا إني ماقعش في الحب…
وكإنها كانت حاسة إنها هتموت بدري… وفعلاً ماتت… ماتت بسرعة البرق… لدرجة إني لقيت نفسي لوحدي وأنا عندي عشر سنين.
وتكفّل بيا واحد من رجالة القرية، ربّاني وصرف عليّا، كان اسمه عم حسين الأعرج.
مش كان غني… ده كان أفقر واحد في البلد. ولحد دلوقتي مش فاهمة هو ليه عمل كده…
أنا ماقعدتش معاه في بيته، هو أصلاً ماكانش ليه بيت… كان ساكن في كوخ مغطي بالقش ورا الجامع.
ولما كبرت عرفت إن اللي كان بيصرفه عليّا ماكانش من جيبه… ده كان صدقات وتبرعات من أهل الخير.
كنت في سن ما يسمحليش أفهم أبويا مات إزاي… بس فهمت يعني إيه أكون يتيمة، لما كنت باخد بواقي أكل الناس… ولما كان يجيبلي هدوم مستعملة صدقة من الأغنيا.
ولما طلبت مدرسة العربي نكتب موضوع تعبير عن الأم… ماعرفتش أكتب حاجة… حياة أمي معايا كانت زي نقطة ندى… أول ما الشمس طلعت اختفت.
قضيت تلات سنين في الثانوية بثوبين بس… وحجاب واحد… وجزمة واحدة أكل عليها الدهر وشرب.
ولما طلبت من عم حسين يجيبلي جزمة جديدة، قال إنه يعرف ست غنية في البلد اللي جنبنا عندها بنت قدّي، وهيسألها يمكن تتصدق عليّا بجزمة من جزم بنتها.
والطبيعي إن اليتيمة دي كانت أنا.
الست ما ادّتْش حاجة… فقام عم حسين ورّب جزمتي القديمة اللي كانت مقطوعة من ناحية الشمال.
وأنا سايحة في الذكريات، سمعت حد بيخبط على بابي، غطّيت شعري وفتحت.
– هنسافر بالليل يا نورا،
قالها عم حسين وفرحان.
بصيت للأرض وقلبي بيدق بطريقة مش مظبوطة… وسمعته يقول:
– خلاص حلمك هيتحقق يا بنتي.
قلت بتردد:
– بس أنا خايفة يا عم حسين.
قال وهو بيحط ألف جنيه في إيدي:
– لأ… بالعكس. أمك كان نفسها تعيش وتشوف اليوم ده.
بصيت للفلوس وسكت كتير… قام هو وقال:
– الساعة عشرة بالليل هنسافر… ولما نوصل القاهرة هديكي ألف جنيه تاني.
وقال الكلمتين ومشي.
عم حسين الأعرج مش قريبي… قرايبي؟
أنا أصلاً ماعرفتش إن ليا قرايب.
بس أهل البلد كانوا ينادوني: "نورا بنت حسين الأعرج".
والأعرج ده لقب لازمه من يوم الحريقة… اليوم اللي فقد فيه أبوه وأمه وأخته.
ماحضرتش الحريقة… بس هو حكى لي.
قال إن حريقة كبيرة مسحت 13 بيت… وهو اتلسع واتكسرت رجله لما نط من الدور التاني… ورجله ما رجعتش زي الأول.
وعمّه خد أرض أبوّه… وسيبه هو يتيم وفقير وماشي بعكاز.
والغالب إن اليُتم اللي عاشه هو اللي خلاه يشيلني على كفّ إيده لما بقيت زيه… بلا أم ولا أب… وأنا عندي عشر سنين.
بس الحقيقة… إني طلعت أنا الحمقاء لما افتكرت إن ده السبب الوحيد… عم حسين كان مخبي سر كبير.
الساعة عشرة بالليل كنت ماشية وراه… شايل شنطة سفري الصغيرة، فيها شوية هدوم وكتب وأوراقي.
مشينا لحد المحطة، وركبنا القطر على القاهرة، قرب مني وقال:
– اسمعي يا نورا… أبوكي لسه عايش.
ماتفاجئتِش… ولا دموعي نزلت زي ما توقّع.
بص لي مستني رد فعلي… ولما ملقاش كمل:
– أبوكي سيب أمك وسافر لما عرف إنها مش هتخلّف تاني.
صوت القطر كان عالي… بس كنت سامعة كل كلمة:
– أبوكي دلوقتي متجوز في القاهرة… وعنده بنت… ومحدش يعرف السر ده غيري.
حتى أمك الله يرحمها… كانت تعرف إنه عايش… بس ماكنتش تعرف إنه اتجوز عليها.
اتضايق وهو بيكمل:
– معقولة يسيب أمك الست العاقلة ويتجوز غيرها؟… بس مراته الجديدة مطلعاه من هدومه… وموريّاه النجوم في عز الظهر.
بص للحقول من الشباك وقال:
– انتي هتعيشي عنده لحد ما تخلصي الجامعة.
القطر هدى علشان يقف في محطة، فسمعته بوضوح:
– الدراسة بدأت من شهر ونص… بس ماكنش معايا فلوس ساعتها… علشان كده اتأخرنا…
كان المفروض نسافر من شهر… بس أنا فقير… ومحدش عايز يشغّلني بسبب…
وسكت… بص على رجله.
مدّيت إيدي وربّت على كتفه.
قال:
– اعرفي إن كل الفلوس دي من جمعيات خير وناس طيبة…
أنا بقولك كده علشان تعرفي قيمتهم.
في القاهرة هتشوفي ناس من كل لون…
بس إوعي تخرجي من توبك…
وما تستنيش من أبوكي حاجة…
ولا من أي حد…
ربنا بس.
ومسح على راسي وهو يقول:
– يمكن كلامي قاسي… ويمكن أول مرة تسمعيني بتكلم كده…
بس انتي عليك مسؤولية كبيرة…
أنا مستعد أجوع علشانك…
المهم دراستك… ده حلم أمك.
قلتله وأنا دموعي واقفة في عيني:
– ليه بتعمل كل ده عشاني؟
قال وهو بيهرب من عيني:
– متقلقيش… هبطل أعمل كده لما أموت.
وكمل:
– الشيخ وعدني يديكي جزء من التبرعات.
ولما شاف دموعي قال:
– دموعك دي دليل إنك قد المسؤولية… ومش هتبصي غير لمستقبلك.
سكت شوية… وقال:
– انتي رايحة حياة جديدة… حياة مليانة ألوان… واللي في سنّك هيشوف كل حاجة بلون الحب…
إوعي تسلّمي قلبك…
البنت الشاطرة قلبها ما يروحش غير للي ييجي يدق بابها في النور.
وضحك وهو يقول:
– متنسيش إني درست سنة تجارة… ولولا الحريقة وعمي الطماع كان زماني راجل متعلم وموظف.
بعد الفجر كنا ماشيين في شارع ضيّق من شوارع المناطق الشعبية.
أنا ماخرجتش من قريتنا قبل كده… كنت منبهرة بالنور… باللافتات… بالزحمة.
باقرأ كل يفط المحلات علشان أحفظ الطريق… هعيش هنا أربع سنين… ولا حد هيودّيني الجامعة.
ولما وصلنا للحارة اللي ساكن فيها أبويا، دورت على علامة تحفظني العنوان… ملقتش غير يافطة مكتوب عليها: (الميكانيكي).
واضح إني فعلاً حمقاء.
دخلنا الحارة… وقف عم حسين قدام عمارة قديمة وقال وهو بيديني ألف جنيه تاني:
– كده معاكي كل اللي قدرت أجمعهولِك.
طلعنا الدور التالت… خبط…
فتح راجل حسيت من أول نظرة إنه أبويا.
ضمني وقال:
– نورا… يا حبيبتي.
ماحسّتش بحاجة… كنت باردة ناحيته.
سنين وأنا فاكرة إنه مات… وإذ بيلاقي نفسه قدامي…
وأنا؟
كبرت من غيره… واحتجته في أهم وقت… واختفى.
دخلنا الصالة… أربع كراسي قدامهم فرش باهت… واحد مقطوع متغطي بسجادة صلاة.
بعد شوية الباب اتفتح…
طلعت مراته… سعاد.
شكلها كده مايبشرش بخير.
بصت لنا بنظرة كلها شك…
أبويا قال:
– تعالي يا سعاد سلّمي على نورا.
جت زي الطاووس، مدت إيدها وقالت:
– تشرفنا.
وبصت لأبويا نظرة كلها معاني… ودخلت الأوضة… وهو اتبعها مرعوب.
قلبي اتقبض… حسّيت إن الشقة دي مش هتكون أرحم من حياتي القديمة.
قطع تفكيري صوت عم حسين:
– خلي بالك من الفلوس… وصرفي بالراحة.
قبل ما أرد… سمعت خناق جوه.
واضح إنهم بيتخانقوا على الأوضة اللي هنام فيها.
الشقة غرفتين وصالة…
وكان ممكن أنا أنام في الصالة… عادي.
اتعودت على الحياة القاسية.
وكذا مرة اشتغلت خدامة في بيوت الأغنيا عشان قرشين في الصيف.
ولما الخناق اشتد سمعت سعاد تقول:
– ووفاء هتبات فين؟!
رد أبويا:
– في أوضتنا يا سعاد.
بصيت لعم حسين:
– أنا خايفة.
همس:
– دا بيتك زي ما هو بيتها… وأكتر.
خرج أبويا مستسلم… قبل ما يتكلم قلت:
– يا بابا… أنا هبات في الصالة.
قال وهو مش قادر يبص في عيني:
– اعذريني يا نورا… شقتنا أوضتين… بس متقلقيش…
وفاء هتبات معايا… وانتي هتاخدي أوضتها.
ونادى:
– الفطار يا سعاد.
بعد نص ساعة كنا قاعدين على سجادة ناكل.
شفت أختي وفاء… سمراء وضعيفة… عمرها سبع سنين.
للحظة حسدتها إنها عايشة مع أبوها وأمها.
بعد الأكل قال عم حسين وهو تعبان:
– أنا هرتاح شوية… وبعد الضهر هرجع البلد.
بعد شوية أبويا وداني أوضة وفاء…
سعاد بصت لي بنظرات نار…
الأوضة صغيرة… سرير صغير… دولاب قصير… ترابيزة ومقعد.
بدأت أرتب هدومي…
ثوبين قديمين…
وثوب جديد اتصدقت بيه ست غنية…
وكنت ناوية ألبسه أول يوم في الجامعة…
بس جزمتي الوحيدة ماتنفعش معاه…
وهي أصلًا مقطوعة من الناحية الشمال…
بس مش مهم…
هحاول أوفر فلوس وأشتري جزمة مستعملة أحسن.
رميت جسمي على السرير…
وبكيت…
ونمت.
صحيت لقيت عم حسين مشي… وأبويا مش في الشقة.
وفاء صحتني.
طلعت الصالة لقيت سعاد قاعدة بتتفرج على التلفزيون.
قلت:
– مساء الخير.
ما بصّتش عليّا وقالت:
– وانتي إن شاء الله هتقعدي معانا لحد إمتى؟
قلت وأنا قاعدة على كرسي قديم:
– أيام الدراسة بس… وفي الإجازة هرجع البلد.
قالت وهي لسه بتتفرج:
– أبوكي قرب ييجي.
وبصت ناحيتي:
– المطبخ من هنا… قومي جهزي الأكل.
قمت ببطء…
واضح إني هعيش نسخة أصعب من سندريلا…
وأبويا؟ مستسلم…
وسعاد؟ شكلها هتعصرني عصرة.
بس ما فيش بديل… ولازم أتحمل.
ليه أمي قالتلي إن أبويا مات؟
ليه ماجاش يوم ماتت؟
ليه سابها؟
ليه اتجوز؟
علشان ولد؟!
بالليل كنا قاعدين ناكل على الأرض بنتفرج على التلفزيون.
سعاد قالت:
– إمتى هتشتري لينا حاجة نشيل فيها التلفزيون بدل عمود الطوب العالي ده؟
بصيت لقيت التلفزيون فعلاً واقف على عمود خرسانة.
أبويا قال:
– قريب… وكمان هغيّر حوض الحمّام المكسور.
وفاء قالت بضحك:
– عاوزة عجلة زي بتاعة هيام جارتنا.
سعاد بوسِتها وقالت:
– حاضر… أبوكي هيشتريهالك.
وقامت وقالت لي:
– اعمليلي شاي… وهاتيه الأوضة… ومتنسيش تغسلي المواعين.
أبويا قال معترضًا:
– بس نورا لازم تنام بدري… عندها جامعة بكرة.
قالت وهي داخلة أوضتها:
– وأنا بقى اللي هقوم بدور الخدامة ولا إيه؟!
قلت لها وأنا مكسورة:
– لا يا مرات أبويا… أنا اللي هعمل كل حاجة… أنا متعودة.
سابتنا ومشت…
بصيت لأبويا…
شفته مكسور…
وميّل براسه إنه آسف…
وقام.
رجعت الأكل للمطبخ… وغسلت المواعين.
اتأخر الوقت.
ولما رجعت أوضتي لقيت التلفزيون لسه شغال.
دورت على الريموت عشان أطفيه…
بس فجأة الإرسال قطع…
وظهر مشهد أبيض وأسود…
مشهد أول مرة أشوفه…
كأنه فيلم قديم.
راجل قصير نحيف مايل بظهره… ماسك سمكة ويديها لراجل أطول منه…
الطويل رفض ياخدها…
وضرب القصير بحديدة على دماغه.
اتشجّت راسه…
وقع…
وقرب للكاميرا…
والدم نازل على جبهته…
وبصّ لي من الشاشة وقال كلمة واحدة:
– انقذيني.
يتبع
•تابع الفصل التالي "رواية نصف انسانة " اضغط على اسم الرواية
