رواية نصف انسانة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم السيد عبد الكريم
الفصل التاسع عشر يرويه عبد المجيد بيه والد حسام
مرّتْ عشر سنوات كاملة منذ أن قام عادل بيه بالتحقيق معي في جريمة القتل ، كل تلك السنوات ومازلتُ قابعا في السجن أقضي عقوبة ثمانية عشر عاما ، وخلال تلك السنوات خسرتْ شركاتي كل الأسهم في البورصة ، تبخر اسمي في السوق ، واختفتْ ثروتي ، أمّا ما تبقى من تلك الثروة فقد قامر به حسام وبدده على ملذاته ، وحينما صار ( على الحديدة ) باع الفيلا وقام باستئجار شقة حقيرة في أحد الأماكن الشعبية المطحونة ، ترافقه زوجته شيرين في تلك الحياة القاسية ، أمّا زوجتي فقد علمتُ أنها عادتْ إلي الإسكندرية لتعيش مع أخت لها ، كان حسام يأتيني مع زوجته في زيارات متباعدة غالبا ما تكون سريعة متعجلة كأنهما لا يطيقان رؤيتي .
كنتُ حريصا على ألا أترك خلفي دليلا على جريمتي ، وقد نجحتُ تقريبا في ذلك حتى ظهرتْ في حياتي نورا ، ذات يوم بينما أحمل الأسماك إلى الشقة التي تسكنها الجثة والتي شقة قاسم ، رأيت نورا ، ثم رأيتها في الفيلا تحتفل مع حسام وشلته بحفل عيد ميلاده ، فكان لابد أن أختفي حتى لا ينكشف أمري ، تسللتُ خارجا من الفيلا ، وتركتُ حفل عيد الميلاد ، ولم أقم بزيارة حسام يوم أن أجري العميلة الجراحية في المستشفى حتى لا تراني نورا وتلحظ الشبه بيني وبين الرجل الذي يحضر الأسماك إلي شقة والدها ، كنتُ أود أن أسد هذا الباب حتى لا تتسرب نسائم الشك والريبة إلى قلبها ، لذلك حينما افتتحتُ شركتي الجديدة ورأيتُ تلك الفتاة تُقبل نحوي لتقدم لي التهنئة وهى تنظر إلى عينيّ في ثبات قررتُ من فوري أن أتسلل إلى الطابق الثاني لاستكمال الاحتفال مع أصدقائي من رجال الأعمال .
أنا رجل أحلم دائما بالثراء ، وحينما حققته صرتُ عبدا له ، لم أكتفِ بما حققته من مال وجاه بل طمعتُ في المزيد ، كنتُ أريد الثراء الفاحش بصرف النظر عن الوسيلة ، وقد جاءتني الفرصة على طبق من ذهب حينما أخبرني الخواجة ( يوجين ) أن محمود الصياد عثر على جوهرة من نوع نادر تُقدر بملايين الجنيهات ، أنقدتُ الخواجة مالا ليخبرني أين اختفى محمود الصياد ، ثم أسرعتُ الخطى إلى القاهرة ، وقمت باستئجار شقة في نفس الحارة التي يسكن فيها ، أرسلتُ له من يخبره بأن مشتريا ثريا مهووسا باقتناء الجواهر اليونانية يريد شراء الجوهرة ، وحتى لا يشك في الأمر جعلتُ صاحب الرسالة يقول :
ـ أنا من طرف الخواجة ( اركون ) ...وهو بيقولك إن الخواجة يوجين قاله على كل حاجه ... واركون فى انتظارك في شقة الدور الثالث .
طبعا فعلتُ هذا بعد أن خططت لكل شيء ، الطوب والاسمنت والقطعة الحديدية وكل شيء ، أمّا الحاج سعيد صاحب البناية فقد أخبرني فور وصولي إلى القاهرة أنه لا يقوم بتأجير الشقق لعزّاب غير متزوجين ، أخبرته كذبا أن زوجتي وأولادي سيلحقون بي ، ووافق حينما لمعتْ عيناه وهو يري ما أقدمه له من أموال تفوق بكثير ما طلب ، وجاء الموعد ، وانفردت بـ محمود الصياد في شقة الطابق الثالث ، طبعا تعجبَ الرجل لأنه يعرفني جيدا ، فأنا لستُ الشخص المنتظر ، أخبرته أنني أعلم كل شيء واني صديق مقرب للخواجة اركون وهو في طريقه للوصول إلى هنا ، كان الرجل متشككا متحفظا حينما طلبتُ منه أن أرى الجوهرة ، ورغم تردده لكنه وافق أخيرا ، فجعلني أتفحصها بينما هي في يده ، لا أنكر أن لعابي سال كالكلب وأنا أتخيل أنني أملك ذلك الشيء اللامع المرصع الثمين ، استدار محمود ليذهب إلى المطبخ ، فهويتُ بكل ما أملك من قوة على رأسه بقطعه من حديد ، وسال ذلك الشيء القاني على جبهته ، وعندما هويتُ على رأسه بالضربة الثانية بدا مستسلما يصارع أنفاسه ، لن أنسَ نظراته الذليلة المتوسلة ما حييت ، سقطتْ الجوهرة من يده فالتقطتها ، ثم سقط جثة هامدة .
جرى كل شيء كما خططتُ ، جررتُ الجثة إلى أحد جدران الحائط ، وبدأت أبني عمودا خراسانيا حول الجثة اللينة ، وضعتُ الطوب والاسمنت وبعض الجبس في سرعة وخوف وهلع وترقب وقسوة ولين وتشف وشفقة وأشياء أخرى متضاربة .
لقد اختفى محمود الصياد من الوجود ، ولم تُجدِ نفعا ما فعلته زوجته من بحثٍ في المستشفيات والشوارع والحارات ، وتقديم بلاغات لأقسام الشرطة ، المهم أنني صرتُ ثريا بعد أن بعتَ الجوهرة بسبعة ملايين من الجنيهات ، تركتُ الفقر وودعتُ الجوع وصرتُ عبد المجيد بيه ، دخلتُ السوق بكل ما أملك من شطارة وكذب ونصب وتزوير ورشوة وصفقات مشبوهة ، فأنا لا أهتم بالوسيلة كما أخبرتكم ، أسستُ شركتي الأولى ، وتوالتْ الشركات في الصناعة والسمسرة والبيع والاستيراد والتصدير ، كنتُ مخطئا حينما ظننتُ أن محمود الصياد اختفى للأبد ، لأنني رأيته في نومي لأول مرة يقبض بكلتا يديه على حنجرتي ، ظننتُ أنها المرة الأولى وستكون الأخيرة ، ربما مجرد كابوس بريء وسيرحل ، لكن الأمر تكرر ، وصار مقلقا ، صرتُ لا أنام ، الرجل لا يفارقني ، فما أن أضع رأسي على وسادتي حتى يهجم الرجل على حنجرتي صارخا :
ـ أنا جعان ....جعان ... عاوز سمك .
وهنا خطرتْ ببالي فكرة ، أن أقدم لجثته الأسماك لعلها تهدأ في مرقدها ، لكن الأمر تطلب مني خطة جديدة ، وعليّ وحدي أن أقوم بالخطة ، فمَنْ ذا الذي أثق به لأخبره بجريمتي ؟
عدتُ إلى المنطقة الشعبية ، وبدأتُ أبحث عن مطعم ، وكان الحناوي رجلا فقيرا يملك مطعما ضيقا متسخا ، تناولتُ وجبة الغداء في المطعم ، وأخبرته بإعجابي بما يقدمه للزبائن ، سُرّ الرجل كثيرا واخبرني أنني أنا أنظف زبون دخل المطعم من قبل ، منحته ثلاثين ألف جنيها ليقوم بتجديد المطعم فقبّل الرجل يدي ودمعتْ عيناه ، أخبرته أنني أحب فعل الخير وسأقوم بشراء بعض الأسماك بشكل متكرر لأتصدق بها على رجل مسكين ، لكني لا أريد أن يعرف هذا الفقير المسكين أن تلك الأسماك صدقة وهبه ، حتى لا أجرح مشاعره ، فتأثر الحناوي من كلامي حينما قلتُ :
ـ الدنيا لسه بخير يا حناوي ... أنا كل فترة هاجي أخد منك طلبات ... بس الراجل الغبان ده مش لازم يعرف إني أنا اللى بتصدق عليه .
حينما رأيتُ الغباء مرتسما على وجهه قلتُ موضحا :
ـ بص ... أنا هودى السمك للراجل الغلبان على إني ديليفرى ... يعني موظف عندك ...وطبعا هغيّر شكلي ...ولو في يوم من الأيام جه يسأل عني قوله أي حاجه .... المهم محدش يعرف إني أنا اللى بعمل كده ... قلتُ جملتي الأخيرة حينما بدتْ الريبة على وجه الرجل قلتُ :
ـ علشان زى ما انت عارف مش عاوز ثواب الخير يضيع .
فارتاح لما قلتُ، ووعدني بأن يظل الأمر سرا ، وأخذ يعدد مزايا الصدقة في الخفاء ، وجزاء ذلك عند الله ، ثم سألني قبل أن أغادر :
ـ هو اسمه ايه الراجل الغبان ده ؟
قلتُ وأنا أغادر :
ـ قاسم عبدالعزيز .
ثم ذكرتُ له عنوانه ، وغادرت .
حينما كانتْ تشتدّ عليّ الكوابيس وتهجم علىّ كالجاثوم كنتُ أذهب إلى شقتي بالطابق الخامس وألبس ( الباروكه ) وأقوم بلصق الشارب المستعار واتجه إلى الحناوي ، ثم أحمل الأسماك الى شقة قاسم ، وأقسم لكم أن الكوابيس كانتْ تختفي وقتها لمدة لا تزيد عن أسبوع ، ثم تعود من جديد فأعلم أن الجثة جائعة ، فأكرر التنكر من جديد .
سارتْ الأيام سعيدة رائعة :
ـ فأنا لم أترك خلفي دليلا واحدا على جريمتي .
ـ واختفيتُ من حياة نورا التي كان من الممكن أن تكشفني .
ـ وترددتُ على بيت قاسم بالأسماك فى غياب نورا بالجامعة .
ـ وقاسم كفّ عن السؤال واعتاد الأمر .
ـ وأقوم بإطعام الجثة بثلاثة كيلوجرامات من الأسماك كلّما جاعت .
يا لها من حياة سعيدة !
لكن من قال أن الحياة تسير على وتيرة واحدة ، جاء اليوم الذي لن أنساه ، كنتُ وقتها فى شركتي :
ـ ضبط واحضار !!!
دقّ قلبي وتذكرتُ جريمتي ونورا ، وراح عقلي ينسج الأهوال ، هل وشي بي الحناوي ؟
لكن هو لا يعرف شيئا عني ، حتي اسمي لا يعرفه ، لم يغب عنّي وقتها أن أقوم بتلفيق اسما زائفا ، ثم بدتْ لي هذه الخواطر مجرد سخافات ، وتوكلتُ على الله ، وذهبتُ إلى قسم الشرطة ، وحدث ما حدث ،
لماذا اعترفتُ وقتها ؟
باختصار لأن السد قد انهار ، عادل بيه شاب ذكي بارد الأعصاب ، ويبدو انه خطط لكل شيء :
ـ لا فرصة للمحامين .
ـ لا فرصة لدراسة القضية .
ـ لا فرصة لتأجيل التحقيق .
ـ ثم إنني ذهبتُ إلى القسم وأنا لا أعرف تهمتي .
كنتُ أظن أنها مجرد تهمة من منافس في التجارة ، وقد اعتدتُ على ذلك حتى صار لا يمثل لي أي قلق .
أثناء التحقيق وحينما دلف الحاج سعيد ثم الحاج الحناوي وصار مكتب عادل بيه سيركا علمتُ أنها مسألة وقت ، مسألة وقت وسوف ينهار السد ، وما لم تعرفوه أن التحقيق استمر سبع ساعات متواصلة ، فبعد دخول نورا إلى المكتب كنتُ أعلم أن إنكاري لن يدم طويلا ، واعترفت .
قلتُ لكم أنها مسألة وقت ، وقلتُ لكم أن عادل بيه خطط لكل شيء .
أرى أن أحدكم يريد أن يسألني عن خطتي القادمة ، طبعا سؤال ساذج إن سمحتوا لي ، لأنني أخطط للهروب ، نعم وضعتُ خطة للهروب ، وسأقوم بتنفيذها خلال شهور قليلة ، فقط في انتظار الفرصة السانحة ، لقد قضيتُ عشر سنوات هنا ، ولن أقوي على تحمل ثمانية سنوات أخريات ، ثم إن العمر يمضي ، ولن أموت هنا ، سأهرب ، وسيحدث ذلك قريبا جدا ، وقتها سأنتقم ، لكن سيكون انتقامي رهيبا شنيعا شبيها بما يحدث في الأساطير .
رواية نصف إنسانة
تأليف : السيد عبد الكريم
•تابع الفصل التالي "رواية نصف انسانة " اضغط على اسم الرواية