رواية عهد الدباغ الفصل السابع عشر 17 - بقلم سعاد محمد سلامة

 رواية عهد الدباغ الفصل السابع عشر 17 - بقلم سعاد محمد سلامة 

#عهدالدباغ 
العهد السابع عشر 
❈-❈-❈
امام غرفة نوم يارا
فتحت الباب ثم وقفت تلف يديها حول.صدرها قائلة بنزق: 
خير ايه جابك دلوقتي وإيه اللى معاك ده 

أجابها كنان بمرح : 
معايا تشكيلة لب ومكسرات قولت بما إن مفيش حد غيرك عانس...قصدي فاضل من غير جواز  قولت اجي نكمل سهر ونسمع فيلم كارتون. 

تنهدت بضيق  وهي تفك ذراعيها قائلة باستهزاء: 
فيلم كارتون، ده آخرك أنا مش طفلة، أنا مبحبش أفلام الكارتون. 

برخامه أجابها بفرض وهو يدخل الى الغرفة: 
خلاص نسمع فيلم رومانسي، أخوكِ عاطفي وقلبه رقيق. 

-رقيق..
هكذا إستهزأت يارا ثم أكملت بنفس النبرة:
إنت مش رقيق،إنت ركيك.

ابتسم بقبول وهو يجلس على آريكة بالغرفة،قائلًا ببرود:
يلا شغلى التلفزيون يمكن نلاقي فيلم حلو نتسلى فيه. 

بالفعل أشعلت يارا التلفاز، ولسوء الحظ كان فيلم رعب، ثم جلست جوار  جواره على الآريكه تسحب من تلك المكسرات تضعها فى فمها بينما تضايق كنان فى البداية من ذلك الفيلم، لكن مثلما إندمجت يارا مع الفيلم إندمج هو الآخر، لكن هنالك مشهد ظهر بالفيلم، رغم أنه مُرعب لكن بدأ كنان وصلة من الضحك الشديد... نظرت له يارا باندهاش قائلة: 
بتضحك على إيه... ده فيلم رعب والمشهد مُخيف.

مازال يضحك لكن ليس على مشهد الفيلم، بل، على شيء آخر ذكره به ذاك المشهد لخيال المآته الذي يتوسط الحقل
يفتح عيناه كأنه يُراقب الأبطال، تذكر تلك الفتاة المُشعثة... هدأت ضحكته لم تُبالى به يارا وأكملت مشاهدة الفيلم 
لم تمر دقيقة حتى خرج صوت صرخة عالية من التلفاز، تزامنت معها شهقة يارا وهي تنتفض فجأة، لترتمي دون وعي بالقرب من كنان فوقع اللطبق من يديه، 
ظل كنان في مكانه، نظر ببطء الى تلك المكسرات التى تناثرت على سجاد الغرفة ثم قال ببرود مصطنع:
هو أنا اللي ركيك… ولا إنتِ اللى خفيفة من مشهد إتنفضتي وقعتي المكسرات عالأرض يا غبيه. 

تداركت يارا  نفسها بسرعة، وهي تعدل جلستها قائلة: 
أنا اتخضيت بس! وبعدين متكبرش الموضوع.

رفع حاجبه ساخرًا:
لا لا، واضح جدًا إنك مش طفلة، خالص… طفلة بتستخبى ورا أخوها.

ضربته بخفة على ذراعه وهي تغمغم:
اسكت يا كنان، الفيلم ده مستفز.

عاد المشهد المرعب للظهور، فمد كنان يده ببطء، وسحب وعاء المكسرات من يدها قائلًا:
بما إنك مركزة في الفيلم، ووقعتي الطبق بتاعي أنا هاخد الطبق ده بداله. 

نظرت له بحدة قائلة برفض:
على فكرة دي مكسراتي.

هز رأسه بجدية:
لا، دي مكسرات بتاعتي، جمع بتاعتك من عالسجاد.

نظر لها بضيق بنفس اللحظة
انطلق صوت مفاجئ آخر، فصرخت يارا مجددًا، لتلتصق هذه المرة بالوسادة، بينما ضحك كنان قائلًا بصوت عالي:
انتي مرعبة أكتر من الفيلم، والله. 

رمقته بنظرة غاضبة قائلة:
لو خوفتني كمان مرة، هقفل الفيلم.

مال نحوها مبتسمًا بمكر:
اقفليه… بس اعترفي الأول، الرومانسي كان هيبقى أرحم.

تنهدت باستسلام وهي تعود بظهرها للأريكة:
المرة الجاية إنت تختار الفيلم… بس لو طلع كارتون، هطردك.

ضحك كنان وهو يمد يده لها بالمكسرات:
اتفقنا… بس اعترفي، العانس دي كانت محتاجة سهرة.

قذفته بنظرة نارية، ثم خطفت قبضة مكسرات من يده:
غور من هنا قبل ما أطلعلك أنا فيلم رعب حقيقي.

ضحك مجددًا، بينما عاد صوت الصراخ من التلفاز… لكن هذه المرة، سبقته ضحكة كنان.

ارتفع صوت صرخة جديدة من التلفاز فقفزت يارا واقفة فجأة وهي تشير إليه بغضب:
لااا! اقفل الفيلم حالًا… ده مش طبيعي. 

مد كنان يده وأمسك جهاز التحكم عنبُعد قبلها بثانية، وهو يقول ببرود مستفز:
لا، طبيعي جدًا… الخوف بيطلع الحقيقة.

نظرت له بغيظ قائلة:
حقيقة إيه إني قاعدة جنب واحد ركيك ومستمتع. 

ضحك بسخرية وهو يبدل القناة عمدًا لقناة أفلام رعب أخرى:
ركيك ده أنا ثابت أعصاب، إنما إنتِ اللي بتصرخي زي صُفارة إلانذار.

اندفعت نحوه محاولة انتزاع جهاز التحكم قائلة:
هات الريموت يا كنان بدل ما أفرجك على فيلم رعب من إنتاجي. 

أبعد يده للخلف رافعًا الريموت عاليًا:
لا… إعترفي إنك جىانة الأول. 

قفزت محاولة الوصول إليه قائلة بغضب:
قليل الذوق. 

جبانة ولسانك طويل… تركيبة خطيرة.
دفعت كتفه بغيظ قائلة:
انت مستفز أوي. 

اختل توازنه قليلًا، فسحبها من معصمها دون قصد، لتسقط فوق الأريكة بجواره. تجمدا للحظة… ثم قالت بحدة وهي تحاول النهوض:
سيب إيدي يا حيوان بدل ما أمد إيدي عليك.. 

ضحك وتركها فورًا، رافعًا كفيه باستسلام قائلًا:
حاضر… خناقة من غير لمس، عشان ما تقوليش استغل الفرصة.

وقفت أمامه تعقد ذراعيها:
إنت جاي تستفزني ولا إيه. 

نهض هو الآخر، مواجهًا لها قائلًا:
لا، جاي أرفه عنك، بس واضح إنك بتحبي العصبية أكتر من المكسرات.

ضحكت بسخرية قائلة:
أهو ده اللي بيفكرك إنك ركيك… فاكر الاستفزاز هزار.

اقترب خطوة وهو يرفع حاجبه قائلًا:
وأنا فاكر إنك قوية… طلعتي بتخافي من ظلك.

رفعت إصبعها في وجهه بغضب وتهديد:
آخر مرة تستهين بيا.

- وآخر مرة أجيب مكسرات لواحدة بتعض أخوها لما تخاف. 

سحبت الوسادة من الأريكة وقذفتها نحوه بقوة قائلة:
خد دي بدل المكسرات. 

التقطها بسهولة وهو يضحك قائلًا:
هو ده آخرك... ده مستوى الخناقة عندك. 

خطف وسادة أخرى ولوح بها قائلًا بتحذير مرح:
استعدي… الجولة التانية. 

صرخت وهي ترفع وسادة ثالثة:
كنان، قسمًا بالله لو لمستني…

-هتعملي إيه؟
قالها وهو يضحك، لترد بسرعة:
هنفخك وأقول إنك ركيك رسمي. 

توقّف فجأة، ثم تحدث بجدية مصطنعة:
لا… دي تهمة خطيرة.

تبادلا النظرات لثانية… ثم انفجرا ضاحكين في نفس اللحظة.

بنفس الوقت إنفتح باب الغرفة، نظرا الأثنين نحو الباب، تبدلت نظرة يارا الى ضعيفة...بينما تحدث كنان بتفاجؤ:
الحج محي. 

نظر محي باندهاش قائلًا بعصبية:
لاء بابا،إنت ماشي خلف خلاف فى الشغل تقولي يا بابا وهنا الحج محي،بعدين إيه ده،الاوضة مقلوبة كده ليه،كمان صوت أختك وصل لى أوضة النوم.

إدعت يارا البراءة وذهبت نحو محي تقف جواره قائلة بتمثيل :
هو السبب يا بابا دايمًا بيفتري عليا وبيغِل مني وبيحقد عليا من دون سبب،تصور يا بابا،أقوله شغل لينا فيلم كوميدي ننبسط بيه شغل فيلم رعب،ولما خوفت وارتعشت إتعصب عليا وقلب الأوضة كده.

نظر لها كنان لم يندهش بذلك فذلك ليس أول مرة،لكن حاول الدفاع عن نفسه وككل مرة يتعصب عليه محي بمرح أخفى ضحكته قائلًا بحِدة مُصطنعه:
على أوضتك  وممنوع تستقوي على أختك.

نظر باندهاش وحاول الحديث:
مين اللى يستقوى على مين يا بابا،دي مفترية إنت كل مره تصدقها دي كدابة.

أخفي محي بسمته قائلًا بصرامة مُفتعله:
قولت على أوضتك.

إمتثل كنان لذلك وذهب نحو باب الغرفه بنفس الوقت حضنت يارا محي،الذي ضحك بينما يارا أخرجت لسانها بعناد لـ كنان الذي تفوه:
أهي بطلع لى لسانها الكدابه،اللى هتدخل النار وإن شاء الله هتعنس.

ضمها محي ضاحكًا يقول بدفاع:
يارا ألف مين يتمناها.

تهكم كنان بمرح قائلًا:
طبعًا على سُمعتك يا  بابا لكن هي يتفات من وشها بلاد بتاع اللاسكواش،عمرك شوفت بنت بتلعب اسكواش،ملهاش فى الانوثة...البنات تلعب تنس طاولة،بلياردوا،تلعب بابچي حتى...

قاطعه محي بصرامة مُفتعلة:
على أوضتك،بدل ما تسهر وتزعج أختك،إشتغل على الصفقات اللى بتاخد قصادها أتعاب من أخواتك،وهما اللى بيخلصوها...وإنت بتتحنجل لهم.

أخفي كنان بسمته قائلًا:
مين الفتان فيهم اللى قالك كده،أنا..

إستدار له محي بنظرة غاضبة..
إبتلع ريقه قائلًا باستسلام:
خلاص رايح اوضتي،أشتغل عالصفقات بلاش تزغرلي كده أنا رقيق وبتأثر.

تنهد محي بصبر...بينما غادر كنان نظر الى يارا قائلًا:
يلا يا حبيبة بابا كفاية سهر،تصبحي على خير.

تبسمت له قائلة بمحبة:
وإنت من أهله يا بابا.

غادر محي وترك يارا... التى تبسمت تشعر  بشعور سعيد من إحتواء والدها لها دائمًا، رغم أنه يعلم انها تدعي على كنان... تشعر أنه عزوتها التي تستند عليها دائمًا لا تخشي شيء 
ذهبت نحو فراشها لكن صدى كلمة  كنان تردد فى رأسها "عانس" 
تعلم أنه يقولها بمرح، وليست أول مرة منذ طفولتهم وهو يقول لها ذلك... لكن فجأة شعرت برهبه من تلك الكلمة لاول مرة، رغم أنها مازالت باواخر العشرينيات... لحظة خاطفه مر برأسها موقف حدث قبل ساعات. 
بالنادي الرياضي
بعد إصرار من نديم على أن تتناول معه القهوة بعد إنتهاء مباراة جمعتهم وإنتهت بالتعادل... ذهبا الى مطعم مفتوح بالنادي لحظات ساد الصمت
لكن هذه المرة كان مختلفًا…
لا يضغط على الصدر، بل ينساب ببطء، كأنه يمنح كليهما فرصة لالتقاط أنفاس ضاعت منهما.. 
حركت يارا الكوب بين أصابعها، راقبت انعكاس شعاع الشمس على سطحه،
ثم قالت بهدوءٍ مفاجئ:
إنت طلبت نشرب قهوة مع بعض، أكيد مش عشان  تبص لى كده من سُكات. 

رفع نديم عينيه إليها، لم يبتسم، لم يراوغ   قائلًا  بوضوح: 
إيه عرفك إني ببص ليكِ، أنا لابس نضارة شمس مخبيه عنيا. 

شعرت يارا بالتوتر... فجأة
اتسعت المسافة بينهما للحظة، ليس فكريًا فقط كذالك داخليًا،
كأن ذلك  اعترافًا غير مكتمل وقف في المنتصف ينتظر من يبدأ منهما... 

- زمان
قالتها يارا بنبرةٍ منخفضة،
كنت مستنية كلمة واحدة… بس منك إنت، مش من حد تاني.

شدّ على فكه، يشعر بندم وكأن الكلمة هزت داخلع 
"زمان"
وجعته أكثر مما أراحه حاول التحدث بتبرير:
يارا أنا كان قدامي فرصة وخوفت... 

ضحكت ضحكة قصيرة، خالية من المشاعر قائلة:
  أكبر كذبة اتقالت ليا … وصدقتها.

صمتت قليلًا، ثم أضافت: 
بس  لما الثقة بتتكسر مرة، صعب ترجع تااني. 

مال نديم للخلف، زفر ببطء تساءل وكأنه يحاكم نفسه قبل أن يُبرر: 
وأنا  كنت فاكر إن البُعد هيخليني أنساكي… طلع بيقربك أكتر.

نظرت إليه نظرة طويلة،
نظرة امرأة تزن الماضي والحاضر في كفتين غير متساويتين.

- الوجع القديم إنتهي. 
قالتها بهدوء حاسم. 
وأتبعت بهدوء: 
دلوقتي بقيت أهدى،مش خسارة ماتش اللى تأثر فيا،أنا بخلق من هزيمتي عزيمة.. أنا "يارا محي الدين الدباغ". 

شعر نديم بآسف، لكن مازال يبحث عن إعتذار قد تتقبله سألها دون أن يهرب بل يفرض نفسه:
يعني ممكن  لسه في فرصة تانية. 

لم تُجبه مباشرة،
نهضت، أعادت نظارتها السوداء إلى مكانها حول عينيها... 
لكن هذه المرة لم تكن درعًا… بل اختيارًا وهي تُجيبه:.
الفرصة التانية أوقات بتبقي أكبر غلطة يا نديم. 

قالتها وهي تستدير نصف استدارة،.. ثم تنفست بقوة وعادت تتحدث: 
كمان ما بترجعش زي ما كانت الفرصة الأولى… بس ساعات بتخلق شكل جديد.

خطت خطوة مبتعدة، لم تتوقف ولم تنظر خلفها... 
تركته واقفًا بين أمل لم يُولد بعد،وخوف من أن يولد ناقصًا.
أما هو،
فأدرك متأخرًا…
أن بعض القلوب لا تُستعاد بسهولة،بل يُعاد اكتشافها،بصبرٍ…وبجرأة الاعتراف بالخطأ.

عادت من ذلك حين شعرت بنغزة في قلبها الخائن الذي مازال لم يطيب من الخذلان القديم...حين ضعفت بالماضي وصارت خلف إحساس مُخادع.
❈-❈-❈
بشقة فاروق
قُبلة كانت شرسة، سببها الغيظ... إستوعبت عهد ذاك سريعًا شعرت بغضب شديد، وقامت بدفعه بقوة بيديها... إبتعد عن شفتيها لكن تمسك بيديها بقبضة قوية بعدما إستهجنت عليه وكادت ترفع يدها لتصفعها لكن قوته كانت الأعلى تأثيرًا...
قبضة يداه على مُعصميها أضعفت قوتها لكن لم تُضعف لسانها الذي تفوه بغضب:
إنسان معدوم المشاعر أقل وصف ليك هو إنك "وحش" مش بيفكر غير في...

قاطعها ببسمة غضب كانت أشبه بسكين بارد مرسوم على شفتيه، وقال بصوت منخفض لكنه مشحون:
كملي… قوليها للآخر، مش ده اللي دايمًا  بتقوليه عني. 

شد على معصميها أكثر، فشهقت ألمًا لكنها لم تنكسر، رفعت ذقنها بعناد وعينيها تقدحان شررًا:
وحش… أيوه وحش ما بتعرفش غير إنك تفرض قوتك على اللى قدامك،بس ده مش هينفع معايا...سبق وقولت لك...

قاطعها بقوة ، وصوته خرج أجشًّا كأنه يفرض حقيقة لا تقبل النقاش:
إنسي الكلام اللي قولتيه قبل كده… ومتأكد إنك عارفة كويس إن جوازنا شرعي وقانوني.

توقفت أنفاسها للحظة، وعيناها اتسعتا ليست بذهول، بل غضب مكتوم، لكنه لم يمنحها فرصة للرد، أكمل بنبرة أكثر حِدة:
منكرش إني اتلخبطت من حكاية العِدة دي، بس ده ما يغيرش حاجة… جوازنا قائم، وهيفضل قائم... كان غباء مني لما فكرت بعدها.. قولت مستحيل كنتِ هتقبلي تعيش معايا فى مكان واحد وفي شُبهة حُرمانية... حتى لو. جوازنا بدافع مصلحة ياسين أنا قابل يا عهد. 

هزت رأسها برفض، ضحكة قصيرة خرجت منها، لكنها كانت موجوعة أكثر منها ساخرة:
قائم في دماغك بس يا فاروق… إنما في قلبي وعقلي مُنتهي من قبل ما يبدأ...ومصلحة ياسين يبعد عن شخص أناني زيك.

اقترب خطوة، صوته انخفض لكنه صار أخطر:
العقد اللي رابطك بيا غصب عن أي حد… حتى عنك إنتِ.

رفعت نظرها إليه بتحدي، ودمعة خانتها لكنها لم تسقط:
ما ينفعش تجبرني أعيش جوا جواز أنا مش حاسة فيه بالأمان.

تصلب وجهه، وكأن كلمة "الأمان" وخزته، ثم قال بصرامة حاول أن يخفي بها حقيقة هو يعلمها جيدًا:
الأمان.. مش دايمًا إحساس… ساعات بيكون قرار.

إقتربت بغضب تصفعه بيديها على صدره قائلة: 
وحش… أيوه وحش... ما بتعرفش غير الأخد، عمرك ما فكرت إني بني آدمه ليها كرامة ومشاعر. 

عاد يقبض على يديها بقوة... 
اقترب بوجهه منها حتى كادت أنفاسه تحرق وجنتيها، وقال بنبرة حادة:
كرامة.. وانتي فاكرة اللي بتعمليه ده اسمه كرامة. 

- أنا لسه معملتش حاجة،إنت متعرفنيش أنا مش ضعيفة زي فرح...  دايمًا فاكر إنك تملك كل حاجة…الحاجه الوحيدة اللى ملكتها فيا هي... غضبي وكُرهي. 

ضحك ضحكة قصيرة خالية من المشاعر...، ثم ترك معصمًا واحدًا فجأة فاختل توازنها قليلًا، لكنه أمسك بخصرها قبل أن تسقط، لا حبًا… بل سيطرة... وتحدث بايحاء مباشر: 
شايفة حتى وأنا بسيبك… برجع أمسكك، .

دفعته بكتفها هذه المرة، نجحت، خطوة واحدة فقط لكنها كانت إعلان حرب:
سيبني، أنا مش لعبة في إيدك، ولا عندي نقطة ضعف بتطلعها وقت ما تحب...

سكن لثانية، نظرة غريبة مرت بعينيه، مزيج من غضب مكبوت ووجع لا يعترف به، ثم قال ببرود متعمد:
وأنا مش بحب الضعف، بالعكس … وقفتِك قدامي بالشكل ده... بتبهرنؤ.ي

ابتلعت غصتها، .
ساد الصمت، ثقيل، خانق…
وصوت أنفاسهما وحده كان الشاهد على معركة لم تنتهِ، بل بدأت لتوها... صمت مشحون، ونظرات متشابكة، وكل واحد منهما يدرك أن هذه المعركة لم تعد عن "زواج" فقط…
بل عن من سينكسر أولًا... 
❈-❈-❈

بعد مرور عدة ايام صباح
ككل صباح مازالت عهد لم تتأقلم مع عادات تلك العائلة ولا حتى مع أفرادها.. تتخذ الحذر...حتى أوقات الطعام... مازال داخلها  هاجس أنها مجرد فترة لا أكثر وتترك ذلك المنزل،التى أحيانًا كثيرة تشعر باختناق من وجودها فيه..
نهضت من فوق فراشها،وذهبت الفراش الآخر بالغرفة أيقظت ياسين،الذي إستيفظ يبتسم لها...تحدثت بحنان:.
يلا قوم عشان تروح حضانتك وأنا كمان أروح المطار أبدأ شغل من جديد تاني...هترجع من الحضانة على شقة ناناه ميرفت مش عاوزة شقاوة لحد ما أرجع بالليل.

أومأ لها مُبتسمًا...

بعد قليل دلف الإثنبن الى المطبخ،تحدثت عهد:
هحضر فطار،تفطر بسرعة عشان باص الحضانة على وصول.

أومأ بقبول جلس على أحد مقاعد المطبخ بينما إتجهت عهد الى الموقد بدأت بصناعة بعض الطعام... 

بينما قبل دقائق إستيقظ فاروق، وخرج من غرفته الى الحمام القريب  من المطبخ.. أخذ حمامً باردًا كعادته... 
خرج  يضع منشفه حول خصره تصل لمنتصف ساقيه، ومنشفة أخري صغيرة جفف بها وجهه ثم وضعها حول عُنقه، لإقترابه من المطبخ توغل الى أنفه تلك الرائحة الخاصة بالطعام.. بفضول أو بالأصح بتعمُد منه ذهب الى المطبخ هكذا بلا إهتمام لارتداء ملابس... 
ابتسم حين رأي عهد تقف أمام الموقد ظهرها له ترتدي منامة صيفيه بنصف كُم باللون الأرزق القاتم يتخللها بعد اللزهور الصغيرة باللون الازرق الفاتح وبنطال بلون أزرق موحد... كذالك ياسين يجلس على مقعد أمام طاولة صغيرة بالمطبخ يستمع بكلمات عهد هو الآخر يعطيه ظهره... 
منظر جعل قلبه يرتجف بائسًا على فرح ربما لا يتذكر حدوث موقف كهذا، فدائمًا كان فطورهم ومعظم أوقات الطعام كانت مع العائلة... مازالت عهد لم تتأقلم مع أطباع العائلة... أو هاجس آخر هي لا تود ذلك التأقلُم... تظن أنها زيجة وقت وستُغادر، لكن موهومة بذلك لن يحدث ذلك.. تنهد  بروية ثم تنحنح قائلًا: 
صباح الخير. 

بتلقائية من عهد نظرت نحوه.. لكن سُرعان ما حادت ببصرها ونظرت للموقد... تشعر بخجل، لاحظه فاروق فإبتسم، بينما نهض ياسين وتوجه نحو فاروق قائلًا براءة طفل: 
صباح الخير يا بابا، عهد بتحضر الفطار، تعالى إفطر معانا. 

نظر فاروق نحو عهد التي ظلت صامته، ... اقترب خطوات داخل المطبخ، صوته خرج أكثر ليونة عن قصد:
ريحة الأكل تشهي.

لم تنظر عهد نحوه  وإدعت الأهتمام بتحضير الطعام، توترت حين شعرت به يقترب بداخل المطبخ، تركت معلقة التقليب، كي تذهب نحو الثلاجة، لكن لم تنتبه وكادت تتعرقل بسبب نعومة الأرضية تلهف فاروق سريعًا كانت قابعة بين يديه مُلتصقة بصدره العاري، بلا وعي رفعت يديها فوق كتفيه، لحظات مجرد لحظات كان مثل الممسوس من الكهرباء وهي بين يديه مُلتصقة  بجسده هكذا، يديها الدافئتين فوق كتفيه تشبثتا به كأنهما تبحثان عن أمانٍ مؤقت.
تصنم كل شيء لثواني قليلة أنفاسه الساخنة لامست وجنتها، وصدره العاري كان أقرب مما توقعت، أقرب مما يسمح به عقلها... نبضه وصلها واضحًا، إيقاعًا قويًا أربك ثباتها... بلا وعي، تشابكت نظراتهما أخيرًا؛ لم تهرب هذه المرة... عيناها ارتعشتا
تحدث بصوتٍ منخفض، يخالطه قلق صادق:
خلي بالك…

لم تجبه. اكتفت بابتلاع ريقها بصعوبة، ثم سحبت يديها سريعًا  كأنها تخشى أن يفضح الصوت ما يدور داخل عقلها .... تراجعت خطوة واحدة للخلف، فارتطم ظهرها بحافة الرخامة، أشاحت بوجهها سريعًا، محاولة استعادة توازنٍ تهاوى فجأة.
تراجع هو الآخر، خطوة محسوبة، احترامًا لمساحتها، وإن لم يستطع كبح اضطراب قلبه.. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، مرتبكة، وتحدث بنبرة هادئة متعمدة:
الأرضية ناعمة… خدي بالك.

أومأت دون أن ترفع عينيها، وعادت إلى الموقد، التقطت الملعقة وكأنها طوق نجاة، تُخفي خلفه خجلها وتوترها.

جلس ياسين من جديد، غير واغي بتلك اللحظة التي عبرت بينهما كوميضٍ خاطف... أما فاروق…
فبقي واقفًا لثانيةٍ إضافية، يدرك أن ما حدث لم يكن مجرد تعثُر عابر، وأن بعض الصدف حين تلامس القلب تترك أثرًا قد لا يزول بسهولة... 

إنشغلت عهد أو بالأصح حاولت إخفاء أرتباكها...أنقذها صوت رنين هاتف فاروق.. 
تنحنح فاروق قائلًا: 
هروح أشوف مين بيتصل على الصبح. 

بعد ذهابه.. تنهدت عهد تستنشق بعضًا من الهواء.. كأنه كان يكتم على نفسها. 

بعد دقائق عاد فاروق للمطبخ، كانت عهد تجلس بالمقابل لـ ياسين.. جلس فاروق على مقعد ثالث قائلًا: 
تسمحولي أشاركم الفطار. 

نظرت نحوه عهد سرعان ما شعرت بالغيظ منه، بسبب تركه لمعظم أزرار قميصه مفتوحة وصدره العاري بوضوح من أسفله...شعرت بتوتر،إزداد حين نهض ياسين،قائلًا:
شبعت هروح أجيب شنطة الحضانه من الأوضة.

ظل فاروق وعهد وحدهما مجرد دقائق فقط؟شعرت بمشاعر غير مفهوم منها أنهت تشعر بالاختناق أو ثُقل فوق صدرها...
بينما فاروق عيناه لم تحيد عنها،لاحظ  تناولها لبعض أصناف الطعام...تساؤل بفضول:
ليه مش بتاكلي غير بياض الببض بس.

أجابته:
مش بحب الصفار.

إبتسم قائلًا:
غريبه مع إن الصفار له فايدة.

تفوهت عهد بسؤال:
وإيه الغريب فى كده. 

أجابها وهو ينظر لها: 
غريب إنك تحبي نص الشيء، والنص التاني لاء. 

أجابته ببساطة: 
عادي،مش غريبه.

نظر لها وإبتسم،ثم ساد صمت لحظات قطعه باسين الذي عاد يحمل حقيبه صغيرة على ظهره قائلًا:
صوت الباص وصل.

نهضت عهد قائله:
يلا بينا...

لكن قاطعها فاروق قائلًا:
خليكِ أنا نازل،وهاخده معايا.

ابتسم ياسين ومد يده لـ فاروق الذي إحتوى يده وغادرا معًا 

بينما عهد توجهت نحو شّرفة بالشقة تتبعتهم بعينيها،صعود ياسين لسيارة الروضة كذالك فاروق الذي رفع نظره نحوها،تبسم ثم صعد لسيارته مغادرًا

تنفست عهد،وسريعًا بدلت ثيابها بأخري...ثم غادرت دون إخبار أحد.

بعد قليل كانت بالمطار،تحدثت مع إحد زميلاتها قائلة:
عمدي ظروف الفترة دي،مش هقدر أسافر رحلات خارج مصر هشتغل عالسفر الداخلى جوا مصر.

شملتها زميلتها قائلة:
تمام أنا عندي رحله لفرنسا بعد ساعه،يلا أشوفك لما أرجع ونتكلم براحتنا.

ابتسمت لها وذهبت الى مدرج الطائرات  

❈-❈-❈
ظهرً بأحد المطاعم. 
كان محسن مشغولًا بإتصال هاتفي...زفر نفسه ثم وضع الهاتف على طاوله أمامه،مجرد دقائق وسمع من خلفه من تتحدث بدلال:
آسفة أتأخرت عليك. 

نهض واقفً بذوق قائلًا: 
بصراحة أه، أنا مش بحب أنتظر حد يا 
جُمانة. 

 •تابع الفصل التالي "رواية عهد الدباغ" اضغط على اسم الرواية 

تعليقات