رواية نصف انسانة الفصل السادس عشر 16 - بقلم السيد عبد الكريم
الفصل السادس عشر.. ترويه ( نورا قاسم )
عاد معتز من الخارج ، فأسرعتُ نحوه بالورقة المرسومة ، فتلألأ وجهه كأنه عثر على كنز ، وسألني في لهفة إذا ما كنتُ متأكدة من أن الذي رسمته هو نفس الرجل الذي رأيته يقتل والده ، فأجبته موافقة ، ومن فوره دون أن يبدّل ملابسه أو يستريح غادر الشقة ، ففهمتُ أنه ذاهب إلى صديقه عادل ، وبعد مغادرته بقليل حضرتْ مكة لتطمأن على حالتي ، فاستأذنتُ من والدة معتز ودلفنا إلى غرفتي وقالتْ مكة :
ـ ها ... عامله إيه دلوقتي ؟
أجبتُ :
ـ الحمد لله كويسة .
قالتْ هى تغمز بإحدى عينيها :
ـ يعني أقول مبروك ؟
كنتُ غير متوقعة أن تسألني هذا السؤال لكنني أجبت مسرعة :
ـ لا طبعا .
قالتْ في تنهيده :
ـ ليه تاني ؟... الراجل قايد ليكى صوابعه شمع ... أنا ملاحظه كده.
قلتُ في شرود وأسي :
ـ عارفه يا مكة ... معتز واحد محترم أوى وأخلاقه عاليه أوى... ومنكرش إن اللى هتتجوزه هتبقي محظوظة بالحب والعطف... بس المشكلة إني بحس مع حسام إحساس تاني خالص .
قالتْ في غيظ وضجر :
ـ هو انتى لازم تخسرى كل حاجة علشان تتعلمي الدرس ... لازم تحطى ايدك في النار علشان تتعلمي ان النار بتلسع ... تملي قلبك بالأوهام والحرام وعاوزه الحلال يدخل إزاي ... فرّغي قلبك من الحرام علشان الحلال يدخل ... استحالة يجتمعوا مع بعض .
ثم صمتتْ حينما رأتْ بوادر دموع في عينيّ
فقالتْ في لهجة رقيقة واعتذار :
ـ أنا اسفة يا نورا ... يظهر إني تعصبت شوية ... بس يا ولية افهمي ... أنا مش ضد مشاعرك وأحاسيسك الجميلة دى بالعكس ... دى حاجة كويسة انك تحبي وتطلعي المشاعر دى كلها ... بس طلعيها فى الطريق الصح ... عارفه لو حسام جه وطلب ايدك ... كنت أول واحدة هفرحلك وهشجعك ... بس حسام ده واحد مدلل يحب يشترى كل حاجة بفلوسه ... يحب يمتلك كل حاجة ومش مهم بقا في الحلال ولا الحرام ... وكان مفكر انه ممكن يتشريكي بالهدايا والفلوس ... ولولا ربنا نجاكي كان زمانك بتبوسى رجله دلوقتي علشان يجوزك زى ما ......
ثم صمتتْ ولم تُكمل كأنها استدركتْ شيئا أو كأنها تريد أن تخفي عنّي أمرا ، فقلتُ في شرود :
ـ بس حاسه انه بيحبني .
قالتْ وهي تتميز غيظا :
ـ لا يا ختي مش بيحبك ...والنوع ده مش بتاع حب ولا جواز ... وبصي من الاخر كده علشان انتي من النوع اللى لازم يتصدم علشان يفوق ... اللى حسام كان عايز يعمله معاكي عمله مع شيرين .
انتفضتُ في ذعر وأنا غير مستوعبة ما تقول ، وقلتُ في توتر :
ـ إزاي يعني ؟
أجابتْ في نفاذ صبر :
ـ شيرين حامل يا هانم ... ها ... حلوة اللسعة دى ولا لسه مش ناوية تفوقي .
قلتُ في ذهول وعدم استيعاب :
ـ حامل ؟!... إزاي......عرفتي إزاي ؟
أجابت :
ـ أنا مشتركة فى معسكر الكلية الصيفي ... وكل البنات بيتكلموا عن الموضوع ده ... وشفت شيرين مرة واحدة بس فى المعسكر ... بقيت واحدة تانية ... غير شيرين اللى تعرفيها ... العيون الخضرا بقيت دبلانة والوش الأشقر اللى كان مليان حيوية بقي حزين وتايه ... نفسيتها اللى كانتْ شامخة ومتكبرة بقيت ضايعة منكسرة ... شفتي بقا البنت لما تخسر الحاجة دى بتبقى ايه ... بتخسر نفسها ... حتى لو كانتْ شيرين بنت الذوات .... يعني فلوسها وبرستيجها وفلوس أبوها مش هيعوضوها عن الحاجة دى ... لان فيه حاجات أغلى بكتير من الفلوس .
قلتُ في غباء وجهل وعبط :
ـ وهو كده مش هيجوزها بعد اللى عمله ؟
قالتْ وهي تتحس كتفها الأيمن :
ـ متعرفيش علامة الشلل الرباعى بتبدأ من هنا ولا من الكتف الشمال .
ابتسمتُ ابتسامة شاحبة وسمعتها تُكمل :
ـ ياستى هنعتبر انه هيجوزها ... هتفضل طول عمرها في نظرة واحدة رخيصة فرّطت فى نفسها ... حياتهم هتكون كلها شك ونكد ومشاكل ... ومش هي دى الطريقة اللى نبني بيها بيوتنا .
هنا تذكرتُ حياة أمي مع أبي ، أمي سلّمتْ نفسها له باسم الحب ، فحملتْ في أحشائها جنينا ، وأراد أبي التخلي عنها والهرب ، ورغم انه تزوجها لكنه لم يكن زواجا سعيدا ، كان زواجا مليئا بالشك والنكد والمشاكل ، زواجا نتج عنه مخلوقا مشوها مهزوزا فاقد الثقة مشتت الذهن ، هذا المخلوق هو أنا ، قلتُ ودموعي تسقط :
ـ مكة ... إزاي أعرف إني كرهت حسام ؟
أجابتْ في تلطف :
ـ لما تفتكريه أو تسمعي اسمه من غير ما قلبك يدق دقات الولع والهيام ... ساعتها اعرفي انك نستيه .
مرّ شهر كامل وأنا أعيش مع معتز ووالدته ، كانتْ من أجمل فترات حياتي ، لم ينقصني فيها إلا عم حسين ، فكم تمنيتُ أن يعيش بالقاهرة معنا ، لأول مرة في حياتي أشعر بهذا الدفء الأسرى والصحبة الآدمية وونس النهار ، فكان معتز يتفنن في إرضائي ، كما حَرص أن يظل طوال النهار خارج الشقة ، حتى أظل في كامل حريتي ، وقد أعتدتُ تلك الحياة وأحببتها ، ففي كل صباح كان معتز يُعد الفطور لي ولوالدته ، ثم ييقظنا ، فنتاول إفطارنا ، ثم ينزل إلى المحل ويتركني مع والدته التي سمحت لي بعد محاولات وإصرار دائم أن أساعدها في أعمال البيت والمطبخ ، وبعد الظهيرة يصعد حسام ليتناول معنا الغداء ويطمأن علينا ، ثم يعود للعمل ، ليعود آخر المساء وحينما علم أنني أحب نوعا معينا من الشيكولاته حرص أشد الحرص أن يحضره كل ليلة وهو عائد من المحل ، كنا نتناول العشاء ، ثم نحكي ونثرثر ونتبادل أطراف الحديث في أمور شتى ثم يذهب للنوم ، هكذا مرت الأيام تتخللها زيارات مكة ووالدتها بشكل شبه أسبوعي حتى بدأت الدراسة .
بدأ العام الدراسي الجديد وكنتُ في ضيق لأن عم حسين لم يحضر لي بالمال ، فأنا مقبلة على دفع تكاليف الكتب الدراسة وتجديد الكارنيه ، وفى حاجة للأموال اللازمة للموأصلاًت اليومية .
ذهبتُ إلى الجامعة في أول يوم من العام الجامعي الثاني ، ولم يكن معي سوي ثلاث عشرة جنيها ، وبدأتُ أحسب ، ست جنيهات ذهابا إلى محطة الزهور ، ثم أسير على الأقدام حتى الجامعة وأعود بنفس الطريقة ، إذن ستة جنيهات إضافية ، النتيجة : يتبقي معي جنيها واحد ، لا بأس .
سأذهب إلى الجامعة وسأنتظر مجيء عم حسين بالمال ، وان تأخر سوف أبيع الهاتف المحمول الذي أهداني إياه حسام من قبل ، وحينما ذهبتُ إلى الجامعة وسألتُ عن أسعار الكتب الدراسية في المكتبات ، وجدت انه تم حجز جميع الكتب الدراسية ، هنا علمتُ أن معتز هو الذي فعل ذلك ، نعم تأكدتُ من ذلك ، لأنني حينما عدتُ آخر اليوم وجدته يمدّ لي يده بمبلغ كبير من المال ثم قال لي :
ـ أنا حجزتلك كل الكتب الدراسية ، ودى فلوس علشان تطلعي الكارنيه وعلشان الموصلات وتشترى هدوم جديدة ... وفي أي وقت تحتاجي فيه فلوس اوعى تتردى .
ـ لا لا ... أنا معايا فلوس أصلاً... وفلوس كتير كمان .
هكذا قلتُ كاذبة ، لكنه ابتسم وهو يضع المال في يدي ويقول :
ـ لا لا عيب لمّا الست تقول لجوزها لا .
كان الخجل باديا على وجنتيّ ورعشة أناملي ، لكنني تشجعتُ وقلتُ :
ـ مش هينفع أصلاً ... كفاية إني قاعدة معاكم هنا و....
لم يمهلني أن أكمل لأنه وضع إصبعه على شفتي معترضا على ما أقول
ثم قال :
ـ ايه الكلام ده ؟.... دا أنا اللى خايف أكون مقصر معاكى فى حاجة ... انتي هنا فى بيت جوزك .. يعني بيتك ... يعني أنا اللى ساكن عندك انتي وأمي ... يعني انتو اللاتنين تقدروا تطرودني ... بس أكيد مش ههون عليكى ... قصدي عليكم .
فابتسمتُ وكانتْ ابتسامتي مؤشرا على قبولي المال ، وحينما خلوتُ بنفسي في الغرفة وجدتُ بين يدي سبعة ألاف جنيها .
ـ ايه ده كل دي فلوس ؟!... لا كده كتير أوى أصلاً .
كانتْ هي المرة الأولي التي أملك فيها مثل هذا المبلغ لدرجة أنني أخطأتُ في العد أكثر من مرة .
في الصباح سمعتُ مَنْ يطرق باب غرفتي ، ولمّا طالتْ الطرقات علمتُ أنه معتز وينتظر السماح بالدخول ، فوضعتُ الحجاب على رأسي وقلتُ :
ـ تفضل .
دلف إلى الحجرة مبتسما وهو يقول :
ـ اصحى بقا ياكسلان ولا مش رايحه الجامعة النهارده ؟
أجبتُ في خجل :
ـ رايحه .
فقال :
ـ طيب يلا ... زى الشاطرة كده تقومي تصلي وعبال ما تلبسي أكون جهزت الفطار وصحّيت أمي .
وقبل أن ينصرف تذكرتُ المال فقلتُ مسرعة :
ـ استنى .
نظر نحوي منتظر ما سأقوله ، فقلتُ وأنا أخرج المال من تحت وسادتي :
ـ الفلوس دى كتير ... وأنا مش هحتاج كل ده أصلاً .
قال متعجبا :
ـ كتير ايه ؟... دا أنا نفسي أجيب القمر واحطه بين ايديكي .
قلتُ في حرج :
ـ أنا مش هحتاج الا تمن الكارنيه بس ... هعمل ايه بكل الفلوس دى ؟
أجاب :
ـ ما أنا قلتلك تجيبي هدوم ... حبيتي تشترى لنفسك حاجة ... وبعدين انتي بتتأخري في الجامعة ... يعني علشان لو حبيتي تشربي حاجة ... تاكلي حاجة .
هممتُ أن أقول شيئا فسمعته يقول :
ـ متتكلميش تاني بقا ويلا كده هتتاخري على الجامعة .
بعد ثلاثة أيام وبينما أنا في المحاضرة أستمع لأستاذ المادة ، رأيتُ فجأة شيرين ، وكانتْ هي المرة الأولى التي أراها فيها منذ امتحأنات العام السابق ، لم أعرفها إلا حينما دققتُ النظر ، هل هذه هي شيرين حقا ؟!
لماذا هي شاحبة ذابلة ؟
وأين ابتسامتها وشبابها وروحها المرحة المنطلقة ؟
ولماذا ترتدي مثل هذا الثوب الواسع الفضفاض المحتشم ؟ وكأنها تريد أن تخفي شيئا ما بداخل هذا الثوب ، وتذكرتُ ما قالتْه لي مكة من قبل :
ـ شيرين حامل يا هانم .
انتهتْ المحاضرة ، ونظرتُ في ساعتي لأعرف موعد المحاضرة التالية :
ـ لسه هستنى ساعة ... إيه الممل ده ؟!
كنتُ أنتظر موعد انتهاء المحاضرات حتى أسرع إلي البيت ، وتذكرتُ عامي الأول في الجامعة عندما كنتُ أهرب من بيت زوجة أبي إلى الجامعة ، سبحان مغير الأحوال !
أنا الان أهرب من الجامعة لأعود الى البيت .
وبينما أنا شاردة في تلك الخواطر سمعتُ مَنْ يقول لي :
ـ ازيك يا آنسة نورا ؟
حينما رأيته ارتبكتُ قليلا ثم قلتُ :
ـ الحمد لله ... كويسة ... ازيك يا أستاذ شريف ؟
في الحقيقة كنتُ أود أن أسأله عن أشياء كثيرة ، لماذا ترك حسام الجامعة ؟ لماذا انتقل إلى جامعة عين شمس ؟ وهل تزوج من شيرين ؟
وأزال عنّي شريف عبء هذا الحرج حينما قال :
ـ كنتي فين طول الصيف ؟ محدش شافك في المعسكر ولا الرحلة ؟
أجبت كاذبة :
ـ كنت مسافرة .
قال في مكر :
ـ يعني متعرفيش اللى حصل ؟
قلتُ :
ـ لا معرفش ... هو حصل إيه ؟
قال وهو ينقل كتابا من يده اليمني إلى اليسرى :
ـ تعالى نقعد على الكافتيرا علشان احكيلك .
كدتُ أن أوافق لأنني أريد أن أعرف ، لكنني رفضتُ حينما تذكرتُ معتز :
ـ يعني الراجل مديني فلوس مكنتش أحلم بيها ومش مقصر معايا فى حاجة وبيخدمني بعنيه ... وأنا أقعد مع ولد على الكافتيرا .... المفروض أخلي عندي شوية دم أحافظ على ثقته دى حتى لو مش هتجوزه.
ـ بس أنا هقعد معاه علشان أعرف إيه اللي حصل ... مفهاش حاجة .
ـ لا يا نورا ... انتي على ذمته وحرام اللى بتعمليه ده .
حينما طال شرودي قال شريف :
ـ مالك يا آنسة نورا ؟
انتبهتُ وقلتُ :
ـ بص أنا أصلاً مستعجلة ... معنديش وقت أقعد على الكافتيريا ... بس لو فيه حاجة مهمة قولها هنا .
قال بعدما أشار لي وانتحي بي جانبا بعيدا عن ازدحام المارة :
ـ الموضوع ياستي إن شيرين غلطت مع حسام .
ثم نظر شاردا وبرقتْ عيناه وأكمل :
ـ تخيلي ... شيرين اللى كنت بحبها ومستني اليوم اللي اتخرج فيه علشان اخطبها تعمل كده ومع مين ؟
قلتُ في غيظ :
ـ تحبها ايه ؟... انت مكنتش شايف هى كانتْ بتحب حسام إزاي ؟
أجاب :
ـ كنت شايف كل حاجة... ولمّا كنت بسألها كانتْ بتقولى صداقة .
ثم ضحك ضحكة قصيرة ساخرة في مرارة وأكمل :
ـ صداقة .... هي فهمتني كده ... وأنا كنت مغفل ... أيوه كنت مغفل علشان صدقتها .... بس هي فعلا كانتْ بتحبه ... وكتير كنت بسأل حسام ... كان بيقولي انه مش بيحبها ... وفعلا مكنش بيحبها .
قلتُ وقد راق لي الحدث :
ـ مش جايز كان بيحبها وكان بيكذب عليك :
قال ومازال في شرود :
ـ ما أنا تأكدت خلاص انه مش بيحبها .
قلتُ متلهفة :
ـ اتاكدت إزاي بقا ؟
أجاب :
ـ استحالة واحد يحب واحدة ويعمل معاها اللى عمله حسام مع شيرين .
وكأنه بكلماته هذه قد ضغط على جرح قديم في قلبي ، فارتبكتُ وشعرتُ كما يشعر من يتعرقل في قدمه المصابة ، ثم سمعته يقول وهو ينظر إليّ في تركيز :
ـ عارفه ... أنا مش زعلان ... هى تستاهل ...اهي بتجري وراه زى الكلب علشان يقبل بس انه يجوزها .
ابتلعتُ ريقي وشعرتُ بخدر يجرى في قدميّ ، وتخيلتُ أن هذا سيكون مصيري مع حسام لولا عناية الله في تلك الليلة ،
ولا أعرف لماذا شعرت الآن بشوق جارف نحو معتز ،
حاولتُ جمع شتات أعصابي وقلتُ بصوت جاهدتُ كي يخرج متزنا :
ـ طيب وده جزاؤها إنها حبته ؟
أجاب :
ـ لا طبعا ... بس دا جزاء إنها رخيصة ... ما انتي كمان حبيتي حسام بس مطلش منك حاجة لانك محترمة وعرفتي تحافظى على نفسك .
قلتُ مسرعة في عصبية :
ـ لو سمحت أنا محبتش حد ... وأنا.....وأنا.....أه أنا حاليا مخطوبة ... وبحب خطيبي أوى وهو بيموت فيا ... ولو يعرف إني تكلمت معاك أصلاً هيموتني .
قال في أسف :
ـ أنا آسف ... مقصدش حاجة ... أنا بس ما صدقت لقيت حد افضفضله ... خاصة انى بعدت عن الشلة ومبقتش أطيق أشوف حد منهم ...لا حسام ولا شيرين ولا محمد .
شعرتُ بالشفقة وأحسستُ بصدقه ، فقلتُ محاولة أن أخفف :
ـ انت بس خلي بالك من دراستك وهتتخرج وتلاقي بنت الحلال اللى تقدر حبك .
قال :
ـ شكرا .
قلتُ سائلة :
ـ وشيرين هتعمل إيه ؟
أجاب :
ـ والد شيرين هدد حسام انه هيرفع قضية يتهمه فيها باغتصاب بنته ... بس والد حسام بيحاول يسكتهم بالفلوس والعربيات علشان خايف على سمعته في السوق .
بعد ثلاثة أيام دلف معتز الغرفة ثم جلس مبتسما وقال :
ـ مفاجأة .
قلتُ :
ـ إيه ؟
لم يتكلم بل أخرج من جيب بنطاله ورقة طويلة عريضة ووضعها أمام عيني فأخذت أقرأ ، كان عقد شراء شقة زوجة أبي ، قلتُ مندهشة :
ـ دا العقد باسمك .
قال ومازال يبتسم :
ـ اشتريتها من مرات أبوكى .
ثم نظر ساهما كأنه ينظر للفراغ وقال :
ـ بس مش دا المهم ... المهم إن الراجل اللي كان بيجيبلكم سمك أكيد هيظهر تاني .
قلتُ في عدم فهم :
ـ ودا ايه دخله بالموضوع ؟
أجاب بعد أن زفر زفرة طويلة :
ـ هو ده الخيط اللى هيوصلنا بالقاتل .
ثم نظر نحوي في عطف وأكمل :
ـ أنا وعادل رتبنا كل حاجة .
بعد يومين كنتُ مع مكة والشيخ عبد الحميد في الشقة الجديدة ، شقة زوجة أبي التي صارتْ شقة معتز ، كانتْ فارغة من أي أثاث ، وقفنا في الصالة ، بينما تجول الشيخ عبد الحميد الشقة وهو يتمتم بآيات الله وهو يضع يده تارة على أحد الجدران ، وتارة أخرى على حواف نوافذ المطبخ وحجرة النوم الكبيرة ، حينما انتهى من عمله قال :
ـ يا معتز أنا شايف إن الأمور طبيعية ... بس علشان أتاكد أكتر لازم تجيب تليفزيون وتحطه في الصالة .
قال معتز مستفسرا :
ـ ليه ؟
أجاب الشيخ :
ـ لازم حد فينا يشوف المشهد.. ونعرف ابوك هيقول ايه بعد اللى حصل .
قلتُ في خوف :
ـ إزاي يعني ؟
أجاب :
ـ كل واحد فينا هيبات لوحده هنا 3 أيام ... ولو مظهرش المشهد على التليفزيون أو محصلتش حاجة غريبة في المطبخ ... هنركز على الأيام المرتبطة بالارقام .
قال معتز :
ـ أرقام ؟
أجاب الشيخ :
ـ اه ... مثلا الليلة القمرية ... مثلا يوم 7 فى الشهر الهجرى أو يوم 13
ثم أكمل وهو يضع يده على كتف معتز :
ـ الأيام دى بيكون لها ارتباط بظهور الأرواح المعذبة اللى بتدور على الراحة .
خلال أيام قليلة كان معتز قد أحضر جهاز تليفزيون ووضعه على منضدة في الصالة ، كما أحضر بعض المقاعد ، وسرير في حجرة النوم الكبيرة وبعض مستلزمات المطبخ ، وبدأنا في تنفيذ الخطة ، مكث الشيخ لمدة ثلاثة أيام ولم يظهر له شيئا ، ومكث معتز ثلاثة أيام بلا جديد ، وحينما جاء دوري أصرّ معتز أن تبيت معي والدته حتى لا يصيبني مكروها إذا ما جدّ جديد ، مرتْ ثلاثة أيام أخرى كنتُ أجلس في الصالة لبعد منتصف الليل أشاهد التليفزيون ، بينما تنام والدة معتز في حجرة النوم ، لكن لم يحدث شيئا ، وشعرتُ أن ما نقوم به مجرد سخافات ، حتى أخبرنا الشيخ عبد الحميد بعد فشل خطته أننا أخطأنا بشأن وضع التليفزيون على المنضدة ، كما أخبرنا أننا سنعيد نوبات المبيت من جديد ، لكن سنضع جهاز التليفزيون على العمود الخراساني المحاط بالطوب كما كان الأمر في وجود أبي وزوجته ، وبدأنا نعيد الخطة ، وعند نوبة مبيتي في الليلة الثانية انقطع الإرسال ورأيت نفس المشهد القديم ، كنتُ متوترة هذه المرة رغم إني اعتدتُ رؤية هذا المشهد مرات عديدة ، بينما أنا أشاهد المشهد كنتُ أضع اصبعي على زر الاتصال برقم معتز كما اتفقنا ، انتهى المشهد بنظرات والد معتز المتوسلة والدماء تسيل من جبهته هذه المرة ، لكنه لم يقل كلمته المعتادة ( انقذيني ) لكنه قال مبتسما :
ـ قربتوا أوى .
ثم انقطع الإرسال ، فعاد اسماعيل ياسين يحذر بكل عبط ريا وسكينة من وجود سيدتين قاتلتين بالإسكندرية ، فابتسمتُ من سذاجة الفنان اسماعيل يس ، ثم عدتُ لما أنا فيه ، وضغطتُ على زر الاتصال ، ولم تمض دقائق حتى حضر معتز ، وأيقظتُ والدته وحكيتُ لهما عما رأيته ، قال معتز :
ـ يبقى الشيخ عبد الحميد كان عنده حق .
بعد ثلاثة أيام وعند منتصف الليل جئنا الى الشقة من جديد ،
قال عادل بيه :
ـ يا معتز ... أنا من رأيى بلاش اللى ناوى تعمله ده ونستنى لمّا الراجل اللى بيبع سمك ده يظهر تاني .
قال معتز في إصرار :
ـ جايز ميظهرش تاني يا عادل .
قال الشيخ عبد الحميد موجها كلامه إلى عادل بيه :
ـ احنا مش هنخسر حاجة يا عادل يابنى .. سيب معتز يشوف شغله .
جلس عادل بيه على أحد المقاعد في عدم اقتناع ، وبدأتُ أراقب في فضول وخوف ما ينوي معتز فعله ، حمل معتز جهاز التليفزيون بين يديه فبدا العمود الخراساني المحاط بالطوب واضحا ، وأخرج معتز من حقيبة قماشية بجواره فأسا ومطرقة وجهاز ( شنيور ) ، وبدأ يحطم في هذا العمود ، كان تحطيمه صعبا للغاية ، لأنني رأيت العرق يبلل وجه معتز وقد برزتْ عضلات يديه وهو يهوى على العمود بالفأس ، ثم قام بتوصيل قابس الشنيور بالكهرباء ، وبدأ الشنيور يزمجر في إصرار ، كنتُ أنظر لما يحدث بعيون ذاهلة ، وعادل بيه ينفس دخان سجائره حتى إذا ما انتهتْ سيجارة أشعل الأخرى ، بينما الشيخ فم عبد الحميد لم يتوقف عن التمتمة ، وتحطم أعلى الجانب الأيمن من العمود ، فتشجع معتز وأخذ يتابع التكسير والتحطيم في إصرار ،
ثم ....
ثم بدتْ لنا فى ضوء مصباح الصالة جمجمة تلمع ، ، فشهقتُ ووضعتُ كلتا يديّ على عينيّ وأنا أحبس صراخي ، فترك معتز ما بيده وأسرع نحوي وأحاطني بذراعه ، وقادني غالى غرفة النوم وهو يقول في تلطف ورفق:
ـ متخفيش ...اقفلى عليكى الباب من جوه لحد ما نخلص .
•تابع الفصل التالي "رواية نصف انسانة " اضغط على اسم الرواية