رواية عهد الدباغ الفصل السادس عشر 16 - بقلم سعاد محمد سلامة
العهد السادس عشر
❈-❈-❈
لم يتفاجئ فاروق من رد فعل عهد، ولا من فكرة أنها لن تقبل زواجهما بسهولة..
يعرفها جيدًا… يعرف عنادها حين تُجرَح، وكبرياءها حين تُدفع إلى ما لا تريد...
يعرف أن قلبها ليس سهل الاقتحام، وأن الموافقة عندها لا تأتي خضوعًا، بل قناعة تُنتَزع بعد معركة طويلة مع نفسها ومعه...
لذلك لم يغضب، ولم يحاول الضغط عليها...
اكتفى بالصمت، صمت رجلًُ يدرك أن الطريق إليها لن يكون قصيرًا ولا سهلًا، وأن الزواج ليس عقدًا فقط،فهنالك جرحًا فى القلب مازال بأوله بالتأكيد يحتاج وقتًا ليُشفى أولًا.
نظر إليها طويلًا، كأنه يحاول أن يقرأ ما خلف تلك النظرة المتحفزة...
ها هي واقفة أمامه بجسدٍ ثابت، لكن روحها في حالة اشتباك… خوف، رفض، وشيء آخر لم تعترف به حتى لنفسها.
قال بهدوءٍ متعمد بجرأة:
مش مستني منكِ قبول حدوث علاقة بينا دلوقتي.
رفعت حاجبيها بغضب، وكأنها لم تتوقع تلك الجملة، رغم إنصهار وجهها تخلت عن الخجل قائلة بإندفاع:
لا دلوقتي ولا بعدين شيل الفكرة دي من دماغك نهائيًا، قبل كده قولتلك جوازنا مجرد صفقة، أنا هنا بس عشان ياسين، وإنت حُر في حياتك، معتقدش صعب عليك تتجوز زوجة تالتة تعوض اللى إنت محتاج له.
اقترب خطوة، لا ليُحاصرها، بل ليُشعرها بجديته قائلًا:
جوازنا مش صفقة… ولا ضغط عشان ياسين.
وطالما وافقتِ، يبقى عن اقتناع. ولو رفضتي دلوقتي … أنا فاهم ليه.
سكت لحظة، ثم أضاف بصوت أخف:
بس متفتكريش إن الرفض هيخليني أضغط عليكِ.
ارتبكت أنفاسها، حاولت أن تُخفي ذلك بتصلُب مُفتعل قائلة ببسمة سخريه :
اساسًا وجودي معاك فى مكان واحد نفسه ضغط عليا يا فاروق..
ابتسم ابتسامة صغيرة، خالية من السخرية... بينما تهكمت عهد وحسمت قرارها أن تصفعه الصفعة الأولى... تعمدت هي الإقتراب منه، رفعت قدميها قليلًا حتى وقفت على اطراف أصايع قدميها وإقتربت من أذنه وتحدثت بيقين:
أنا سيبتك للآخر، بس عندي لك مفاجأة مدوية... يا... ملك.
أنفاسها القريبة منن عُنقه لها تأثير عليه جعلت جسده بالكامل يتشنج،لكن داخله يترقب...كذالك رغبةً أخرى فى ضم جسدها لجسده... لكن عادت تتحدث مرة أخري بنفس الثقة بل إزدادت نبرة صوتها بصيغة ترقُب:
جوازنا باطل شرعًا وقانونًا.
جعد بين حاجبيه وتبدل حاله، وعاد برأسه للخلف ينظر لها بغضب، وكاد يتحدث، لكن لمعت عيني عهد بشماته وهي تقول بتوضيح:
المفروض شرعًا وقانونًا لك مدة عِدة متقدرش تتخطاها... أربع شهور وعشر أبام يا...
توقفت لوهلة ثم أكملت وهي تتلاعب بأصابعها أمام وجهه، بتشفي قائلة بتهكم:
ياااا... ملك... أو نقول الملك صاحب العرش الوهمي.
شعر بغضب كبير، وبلحظة عصبية جذبها من عضديها قائلّا بإحتداد:
بتخرفي تقولي إيه...
توقف للحظة ثم ضغط بقوة على عضديها واستطرد حديثه بقسوة وبسمة سخرية:
أول مرة أسمع إن الراجل له عِدة هو كمان.
بضحكة وجع أطلقتها عهد وبقوة نفضت يديه عن عضديها... وذهبت نحو حقيبة يدها أخرجت ورقة وعادت بها رفعتها نحو وجهه قائلة:
خُد إقرى، الورقة دي من دار الأفتاء نفسها، أقري الشروط كويس عشان تتأكد من كلامي.
أخذ الورقة منها وقرأها تبدلت ملامحه لوهلة كأن جسده بالكامل تصنم تفوه بصعوبه يشعر بالتشتُت، تفوهت عهد بتشفي:
إتسرعت لما محترمتش ذكري فرح وقبل الأربعين كنت عاوز تتجوز، عارف أنا ليه وافقت أتجوزك وطلبتها بنفسي، عشان أشوف منظرك ده، أنا مكنتش فقيهه فى الدين ولا فى الشرع، كل اللى أعرفه زي غيري كتير، عبادات وشوية فقة قليل، بس صدقة جه قدامي شيخ عالتلفزبون وأنا كنت فى رحلة فى بلد عربي، وسمعت سؤال للشيخ واحد بيسأله هو للراجل الأرمل أو المُطلق عِدة زي الست.. منكرش وقتها استهزأت بالسؤال، ومهتمتش بجواب الشيخ، بس لما شوفت حضرتك وأسلوب الضغط، وإنك عاوز تتجوز من غير ما تبين حتي حُزن على فرح، فرح اللى إنت كنت بالنسبة لها قيمة ومكانه كبيرة يمكن، لاء بالتأكيد أعلى مني أنا وبابا وماما... أول وآخر خلاف بينا كان بسببك، عمري ما هقدر أنساه، أظن إنت فاكره كويس... وقتها حتى محترمتش مرضها وفرقت بينا كنت بتجنبها عشان مصرخش فى وشها وأقول لها ده شخص أناني، والأيام أثبتت نظرتي فيك، إنت فعلًا أناني، كل هدفك نفسك وبس...
هفسرلك الكلام اللى فى الورقة، وتقدر كمان تسأل فى مشيخة الأزهر ويأكدوا لك اللى فى الورقة
أنا مُحرمة عليك لحد ما توفي عِدة زوجتك.. لأني أخت المرحومة، شوف يعني كنت تقدر تتجوز أي ست غيري عادي حتى لو فى نفس يوم وفاة فرح،لكن أنا بحكم الشرع... لازم إنت توفي عِدة الزوجه اللى زوجها توفي... يعني أنا مش مراتك ولا لك تحكم عليا بكلمة، وجودي هنا عشان ياسين وبس... وصدقني وجودي هنا مش هيطول... وهاخد ياسين معايا... لقب مُطلقة يديني الحق فى حضانة ياسين بسهولة.
صدمات يتلاقها وعقله يكاد يذهب.. لكن تفوه بسؤال كأنه يود تكذيب ما قالته:
والمأذون...
إبتلع ريقه وعاود السؤال:
والمأذون إزاي كتب الكتاب، هو أكيد فقيه فى الشرع.
تفوهت عهد بضحكة سخرية موجعة لقلبها وضحت ذلك:
المأذون ميعرفش إمتى فرح توفت... مجرد إتنين عاوزين يتجوزا خلصوا إجراءات الجواز وشاف قبول منهم... وللإسف المعلومة ممكن تكون غايبه عن عقل أهالينا... أو طبعًا أهلك اللى حابين راحتك مع زوجة تعوض مكان اللى راحت شابه... أنا بقول تنزل تجيب ياسين من الست والدتك... لأن إحنا مش متجوزين، ولازم وجود مِحرم معانا فى الشقة... عيب وحرام... وإنت مالكش فى الحرام... بتحب الحلال حتى لو هدوس على أحزان غيرك... قولتلك بكرهك وهفضل طول عمري أكرهك يا فاروق.
صدمات وكلمات كفيله بالفتك بعقل فاروق، لكن حاول السيطرة كي لا يفضح نفسه أمامها...
تنفّس بعمق، ثم تحدث ببرود ظاهري عكس الغلايان الذي ينصهر بداخله:
خدي وقتك يا عهد...
بس اعرفي إن اللي بينا… مش هينتهي برفض،أو حتى بكُرهك...
وغادر الشقة بهدوء، تاركًا خلفه امرأةً تقف في منتصف المكان،
بين عقلٍ يرفض، وقلبٍ يكره عن حق.
أثناء نزوله شعر بفوران فى عقله سيُجن... دلف الى غرفة المسبح... ود تهشيم كل شيء حوله... لا بل تهشيم تلك القاسية... خلع سترته ثم مسك طرفي قميصه وشقه تطايرت الأزرار على الأرض، لم يهتم هنالك فوران ناري بجسده، نظر نحو المياة الشبه ثابته،وألقي بجسده فيها...كأنها ستمتص فورانه...ظل أسفل المياة لدقائق غير معلومة...حتى إنتهي تحمُل رأتيه إنقطاع الهواء،ثم رفع رأسه لأعلى،يشهق وهو يستنشق الهواء...ثم ذهب نحو حافة المسبح، ورفع جسده من المياة...
ظل جالسًا على حافة المسبح، الماء يقطر من شعره وكتفيه، ينساب ببطء كأن الزمن نفسه قرر أن يثقل خطاه... رفع يده ومسح وجهه بعنف، وكأنه يحاول نزع ذلك الثقل عن صدره... ظل لبعض الوقت حتى شعر ببرودة فى جسده..
وقف أخيرًا، خرج من المسبح بخطوات مترددة، التقط المنشفة وألقاها على كتفيه دون اكتراث، ثم اتجه نحو المقعد الخشبي القريب. جلس، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، وانحنى برأسه بين كفيه.
عاد صدى صوتها يرن في أذنيه…
لم تكن فقط كلمات واضحة، بل نبرة، إحساس، ذلك الوجع المكتوم الذي رآه في عينيها حين تحدثوا عن ياسين، عن البيت، عن الواجب
ضغط على فكيه بقوة.
أنا مش من حقي أتلخبط… ولا من حقي أضعف.
قالها كأنه يحاكم نفسه، لا يبرر.
نهض فجأة، سار بضع خطوات ذهابًا وإيابًا، أنفاسه متسارعة، ثم توقف أمام الزجاج العريض المطل على الحديقة. كان الليل قد أسدل ستاره، والأضواء الخافتة تنعكس على الزجاج فتُظهر صورته… رجل يبدو ثابتًا من الخارج، بينما داخله فوضى كاملة.
اقترب أكثر، حدق في انعكاسه، قائلًا بصوت خافت حاد:
تمام يا عهد تبقي موهومة لو فكرتي إنك إتشفيتي فيا... أنا فاروق الدباغ. "الملك" ٠٠مش وصف عالفاضي وهتشوفي.
أدار ظهره للزجاج، التقط ملابسه، ارتداها على عجل، كأنه يخشى أن يظل وحده أكثر من ذلك... وقبل أن يخرج من غرفة السباحة، توقف للحظة، نظر إلى المسبح مرة أخيرة… إلى الماء التي شبة عادت للسكون
همس بوعيد:
بس المرة دي… الغرق مش اختيار يا عهد.
ثم فتح الباب، وخرج، تاركًا خلفه صمت المكان…
ومواجهة مؤجلة، لكنها قادمة لا محالة
.... ــــــــــــــــــ
بينما عهد بمجرد خروج فاروق... رغم شعورها بالانهاك لكن داخلها تشعر …بعدم الأمان...لم تهتم بشيء سوا ياسين..ولن يهمها سؤال اجلال أو محي إن ترجلت لأسفل وأخذته منهم...بالفعل لم تتردد وترجلت لأسفل...لحُسن الحظ مازالوا موجودين بغرفة المعيشة.. إبتلعت ريقها، حين نهض محي سائلًا:
عهد إيه اللى نزلك دلوقتي..
قاطعته قبل أن يسألها عن فاروق، فتحدثت بتبرير!
نزلت عشان ياسين... أكيد هيتعب طنط... هاخده معايا.
نظرت لـ ياسين الذي نهض وإقترب منها تبسمت بغصة وإنحنت تحمله وغادرت دون إنتظار... صعدت الى الشقة
، أغلقت الباب ببطء كأنها تخشى أن يُصدر صريره اعترافًا لم تكن مستعدة له.
أنزلت ياسين...ثم أسندت جبهتها إلى الخشب للحظة، أغمضت عينيها، وزفرت نفسًا طويلًا مرتعشًا، كأنها كانت تحبس الهواء منذ دخلت الى الشقة... تبسمت بدمعة لـ ياسين قائلة:
يلا إدخل أوضتك.. وأنا خمس دقايق وهحصلك هنام معاك فى نفس الأوضة.
هلل ياسين، حتى أنه تناسي السؤال عن والده... وذهب الى الغرفة، بينما طاقة إحتمال عهد إنتهت..
قدماها خانتاها... تراجعت خطوتين، ثم جلست على طرف الأريكة دون وعي، حقيبة يدها ما زالت مفتوحة، والورقة التي ألقتها في وجه فاروق مائلة على الطاولة، كأنها شاهد صامت على معركة لم تنتهِ... تفوهت لنفسها تعترف بضعفها:
قوتي كانت قدامه بس…
قالتها في سرها، وهي تشبك أصابعها بقوة حتى ابيضت مفاصلها...
أمامُه كانت صلبة، حادة، لا تُكسر…
لكن الآن..
الآن كل شيء بها يهتز...
رفعت يدها إلى صدرها، حيث يخفق قلبها بعنف غير منتظم. لم يكن خوفًا… كان إرهاقًا... ذلك النوع من الإرهاق الذي يأتي بعد قرار مصيري، بعد أن تقول كل ما أخفيته دفعة واحدة، دون تراجع.
-فرح…
مر طيفها كطعنة باردة في عقلها وقلبها
ابتلعت غصتها، وحدقت في الفراغ... فرح شقيقتها … كانت لها مكانة خاصة في قلبها... وربما لهذا السبب تحديدًا كان غضبها من فاروق أعمق.. لأنه لم يحزن كما يجب، لم ينكسر كما توقعت، وكأن الرحيل كان تفصيلًا، لا فاجعة قاسمة وقاسية...
تحركت ببطء، نهضت، واتجهت نحو غرفة ياسين... فتحت الباب بهدوء، فرأته نائمًا، صدره يعلو ويهبط بسلام ولما لا فهو لا يعرف شيئًا عن صراعات الكبار... اقتربت منه، جلست بجواره، ومسحت على شعره بخفةوتفوهت بحنان:
أنا هنا عشانك… وبس.
همست بها، وكأنها تُقسم لنفسها قبل أن تُقسم له...
لكن الحقيقة المؤلمة كانت أوضح من أي قسم على يقين أن
فاروق لن يترك الأمر يمر هكذا.
نبرته الهادئة الأخيرة لم تخدعها… كانت تعرف هذا النوع من الهدوء، يسبق العاصفة...
نهضت، سحبت الغطاء على ياسين بعناية، ثم عادت إلى منتصف الشقة. المكان بدا أوسع، أبرد، خاليًا من حضوره الجسدي… لكن ثقله ما زال عالقًا في الجدران، في الهواء، في صدرها.
تقدمت نحو النافذة، فتحتها قليلًا، دخل هواء الليل بنسامته الشبة باردة، فارتجفت...
ضمّت ذراعيها إلى صدرها، وقالت بصوت مسموع لأول مرة منذ خروجه:
مش خايفة منك يا فاروق…
ثم صمتت لحظة، وأضافت بصدقٍ مُره:
بس أنا تعبت.
أغلقت النافذة، وأطفأت الأنوار واحدة تلو الأخرى، كأنها تُعلن نهاية جولة… لا نهاية حرب... ذهبت نحو غرفة ياسين... تمددت على الفراش الآخر، سُرعان ما غفت.
.....ــــــــــــــــــ.
عاد فاروق إلى الشقة، دخل بهدوءٍ محسوب، ذلك الهدوء الذي لا يشبه الطمأنينة بقدر ما يشبه قرارًا أُحكم إغلاقه داخل الصدر. أغلق الباب خلفه دون صوت.. كانت الشقة شبه مُظلمة، لأول مرة يشعر بالبرودة وهو في الشقة...مرر يده على وجهه، زفرة ثقيلة خرجت منه رغماً عنه، ثم اتجه نحو غرفة ياسين... فتح الباب بمواربة جزء صغير،كما توقع عهد لم تهتم،وجلبت ياسين... رأه نائمًا بعمق، ملامحه هادئة، بريئة، لا تعرف شيئًا عن تلك الحرب الدائرة باسمه... ألقي نظرة على الفراش الآخر بالغرفة... تنهد بجمود وقسوة...
أغلق الباب بهدوءٍ أشد، واستدار.
وقع بصره على الردهة… ذهب نحو الأريكة أشعل ضوء جانبي...نظر نحو الطاولة، الورقة التي ما زالت هناك..، جذبها ثم أعاد قراءتها مرة أخرى بتدقيق... الكلمات لم تتغير، لكن وقعها كان أثقل، كأنها تُقرأ الآن بعقلٍ أكثر حذرًا..
وضع الورقة على الطاولة مرة أخرى، ثم إضجع بظهره على الأريكة، وأسند ظهره، وحدق في السقف...
لم يكن فقط غاضبًا هذه المرة… كان يُفكر...
عهد ليست امرأة عابرة...
ولا كل ما قالته كان انفعالًا عابرًا...
أدار رأسه ببطء، وكأن صوته يصلها رغم غيابها قائلًا بتوعد وإصرار:
فاكرة إنك سبقتيني بخطوة… بس الحرب لسه ما بدأتش...
نهض أخيرًا، اتجه نحو غرفته، أغلق الباب خلفه، وترك الردهة غارقة في صمتٍ ثقيل...
وفي قلب الشقة، كان الليل شاهدًا على عودة رجلٍ لن يعتذر…
بل ليُعيد ترتيب اللعب على طريقته.
❈-❈-❈
بغرفة نوم محي
نظرت إجلال إلى محي بحيرةٍ ثقيلة، وكأن سؤالًا يضغط على صدرها منذ دقائق حتى لم تعد قادرة على كتمانه...
تحدثت بصوت حائر بعدما فاض ما بداخلها:
مش عارفة ليه… لما شوفت عهد قدامي حسيت بصدمة... المفروض دي أول ليلة ليها مع فاروق.
تنفس محي ببطء، أطلق زفرة طويلة ثم سحب نفسًا طويلًا بتثاقل، وعيناه مُعلقتان بها كأنهما يحملان الإجابة التي لا يريد نطقها... ثم تفوه بصوتٍ هادئ لكنه حاسم:
لأنكِ كنتِ فاكرة إن الموضوع هيعدي ببساطة… جواز وخلاص... بس اللي شوفته في عين عهد ماكانش عين ست داخلة على ليلة فرح.
رفعت إجلال حاجبيها، توتر صوتها وهي تسأل بإستفسار:
أمال كان إيه.. أنا شفت خوف… شفت واحدة كأنها داخلة على محكمة مش على بيت جوزها.
هز محي رأسه ببطء، مرر يده على ذقنه الخشنة قائلًا:
عهد عمرها ما كانت ضعيفة، بس اللي اتفرض عليها أكبر منها...كمون فاروق داخل الجوازة دي وهو فاكر إنه كسب، وهي داخلة وهي حاسة إنها بتتسلب.
ابتلعت إجلال ريقها، وهمست:
بس فاروق… بيحبها.. ولا على الأقل شايفها مراته.
ضحك محي ضحكة قصيرة بلا روح:
فاروق بيحب السيطرة... بيحب يحس إن كل حاجة تحت إيده… حتى المشاعر.
سكت لحظة ثم أكمل بنبرة أخطر:
أول ليلة مش دايمًا بتبقى بداية، أحيانًا بتبقى كسر... والسؤال مش هي أول ليلة ليهم...
السؤال الحقيقي… مين فيهم هيطلع منها.
ساد الصمت بينهما لثواني، صمت ثقيل كأنه اعتراف غير منطوق...
حركت إجلال رأسها بعصبية، ثم قالت وهي تحاول التماسك:
يعني إنت شايف إن الليلة دي مش هتعدي بسهولة.
نظر لها محي نظرة جانبية، فيها شيء من القسوة وشيء من المعرفة:
مفيش حاجة في الجوازة دي سهلة من أولها... عهد مش داخلة بقلبها، وفاروق… مش داخل بنية يطبطب.
تنهدت إجلال، جلست على طرف الفراش وكأن قدميها لم تعودا تحملانها:
أنا خفت عليها... وهي واقفة قدامي حسيت إني شايفة بنت صغيرة اتزقت جوه حياة مش بتاعتها.
اقترب محي منها وضم كتفيها ، صوته خفت لكنه صار أعمق:
الخوف الحقيقي مش عليها بس… الخوف من اللي الليلة دي هتسيبه جواها... في حاجات أول ما تتكسر ما بترجعش زي ما كانت.
رفعت عينيها إليه بسرعة:
تقصد إيه.
ابتسم ابتسامة جانبية خالية من المرح:
أقصد إن بعد الليلة دي، عهد يا هتبقى أقوى من الكل… يا هتتعلم إزاي تقفل قلبها كويس.
سكت قليلًا ثم أضاف بنبرةٍ حاسمة:
وفاروق.. لو فاكر إنه هيكسبها بسهولة، يبقى لسه ما عرفش هو دخل مع مين.
انقبض قلب إجلال، وهمست وكأنها تحدث نفسها:
ربنا يستر… الليلة دي شكلها بداية حرب مش جوازة.
أجابها محي وهو يعتدل على الفراش:
والحروب يا إجلال… دايمًا بتبدأ في. بمناواشات... بلاش تشغلي نفسك بيهم، الوقت بينهم كفيل يغير مشاعرهم... ويمكن اللى بدأ بمناوشات يتتهي بسلام لما القلوب تتألف.
❈-❈-❈
فى الصباح الباكر لم يستطيع فاروق النوم ولا حتى الهدوء وعقله مشغول بما قالته عهد، كيف تغافل عن ذلك... لام نفسه... نهض وفتح خزانة الثياب، بدل ملابسه بأخرى ولم ينتظر عليه التأكد باليقين.
بعد وقت دلف الى مشيخة الأزهر، طلب أحد شيوخ الفتوى...
جلس معه، سُرعان ما حكى له عن ذلك الزواج... وعن صحته...
وضح له الشيخ قائلًا:
فعلًا الزواج ده باطل شرعًا وقانونًا... فى حالات الشرع أجاز عِدة للرجل، قبل الزواج...
مثل زواج...أخت الزوجة السابقة...أو خالتها...او عمتها فى حالة الطلاق
لازم مرور مدة عِدة الزوجه السابقة.
-والسبب.
هكذا سأل فاروق وأجابه الشيخ، بتلك الآيه القرآنية
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [سورةالنساء:23] .
وفي حالة وفاة الزوجة السابقة يجوز الزواج من أختها فورًا لإنقطاع الصلة بالوفاة.
-مش فاهم الزواج فى حالة وفاة الزوجة من أختها حلال ولا لازم عِدة.
هكذا سأل فاروق... وأجابه الشيخ:
العِدة مجازًا حتى كنوع من الحُزن على المتوفية... وليه التسرُع... لابد من مُراعاة المشاعر.
بعد وقت خرج فاروق من مشيخة الأزهر.. داخله صراع... لكن حسم أمره سيساير عهد، حتى يصل لقلبها، ومثلما طلبت الزواج منه كي تتشفي به، سيجعلها راغبة بذلك الزواج.
❈-❈-❈
أصبحت الأيام تمُر... بعد أكثر مرور شهر ونصف
مساءً
بشقة محسن
خرجت رابيا من الحمام تنظر الى ذلك الترموميتر بيدها، تنتظر بترقُب ها هي النتيجة تظهر أمامها بوضوح لا تحتمل شكًا همست بخفوت:
حامل.
وضعت إحد يديها على بطنها...مشاعر مُضطربة كالمرتين السابقتين...لكن هذه المرة تشعر بإختلاف...حياتها مع محسن بالفترة الأخيرة مختلفة...هادئ ولطيف..حتي انها تشعر أنه أقترب منها وأصبح بينهم لغة حوار غير السابق...
تبسمت،وهي بداخلها تتمنى:
نفسي فى ولد المرة دي.
سُرعان ما لامت نفسها:
ولد زي بنت محسن مش بييفرق معاه..
وأعترضت مرة أخرى:
برضوا مفيش مانع أتمني ولد يبقي أخ للبنات،وسند لـ محسن.
بين همس واعتراض لم تنتبه لدخول محسن الا حين وضع يده على كتفها قائلًا:
بنادي عليكِ ليه مش بتردي سرحانه فى إيه.
أخفت الإختبار خلف ظهرها قائلة بمراوغة:
أبدًا مش سرحانه.. كنت محتاج حاجه.
أجابها بهدوء:
أيوة، أنا عندي عشا عمل مع عميل... وإحتمال أتأخر، بلاش تستنيني نامي إنتٌ.
أومأت برأسها، بينما تبسم محسن قائلًا:
تمام طلعي لي بدلة وقميص على ما أخد شاور عالسريع.
بعد قليل تبسم محسن لـ رابيا وهي تجلس على الفراش تنظر لإنعكاسه في المرآة وهو ينتهي منن تصفيف شعره ثم نثر عطره... كان وسيمًا أنيقًا... رغم إستغناؤه عن رابطة العُنق التى تعلم أنها تُسبب له إختناق أحيانًا... لوهلة أرادت أن تقول له لا تذهب وإبقي معي حتى لو لكي أنظر لك فقط... لكن إنتبهت حين وضع يده على كتفها وضحك قائلًا:
برضوا سرحانه، إيه اللى شاغل عقلك أوي كده، عالعموم هعرف لما أرجع، أو بكره الصبح... لازم أمشي دلوقتي.
جحظت عينيها حين شعرت بأنفاس محسن فوق وجنتتها كذالك تلك القُبلة الناعمة فوق وجنتتها ثم إنصرافه... خفقات قلبها تعقبت مع خُطاه... عقلها يستوعب فى ذهول، تبدُل حال محسن معها بالفترة الأخيرة...
لكن فاقت من شرودها على تردُد صوت والدتها حين أخبرتها بتبدل حال محسن معها، فقالت لها:
لا يكون تغيره ده فى دماغه حاجة زي جوازة تانيه...إنتِ لازم تخلي بالك وفتشي فى هدومه،وتبقي شاطرة لو فتشتي فى موبايله.
-جوازة تانية
كلمتان مُرعبتان... خفق قلب رابيًا بخوف أن تصدق حدث والدتها
…لكنها تماسكت سريعًا، طردت الفكرة من رأسها بعناد، وهمست لنفسها وهي تعاود الجلوس على طرف الفراش:
لا… محسن مش كده.
نظرت إلى الباب الذي أغلقه خلفه، ثم إلى الاختبار المخفي في يدها، أخرجته ببطء كأنها تخرجه من سر..
عادت تضع كفها فوق بطنها مرة أخرى، هذه المرة بحنوٍ أكبر، وكأنها تحتمي بما بداخلها.
حاسه إنك ولد يمكن ربنا باعتك عشان تطمني… أو عشان تربطنا أكتر.
نهضت، تقدمت نحو المرآة، نظرت في انعكاسها طويلًا...
امرأة تحمل خوفًا، وأملًا، وغيرةً لا تريد الاعتراف بها… لكن قلبها، رغم كل شيء، كان يميل للتصديق لا للشك...
اقتربت من الخزانة، فتحتها قليلًا ثم أغلقتها فورًا، كأنها تخجل من الفكرة نفسها...
هزّت رأسها بقوة قائلة بنهي:
لأ… مش هفتش. اللي بيني وبينه أكبر من وسوسة.
لكن الكلمات المرعبة عادت تدقّ رأسها بإلحاح:
جوازة تانية…
تنفست بعمق، وعادت تضم بطنها بحمايةٍ غريزية:
حتى لو في حاجة، أنا مش لوحدي.
جلست على الفراش، أطفأت النور، وتركت الغرفة تغرق في سكونٍ تام…
سكون يحمل بداخله سرًا صغيرًا، قادرًا إما أن يُنقذ كل شيء…
أو يفتح بابًا لم تكن مستعدة له بعد.
❈-❈-❈
بالنادي الرياضي
بعد إصرار من نديم على مباراة بينهما، قبل المباراة فاجئها بسؤال كان كصفعة خفيفة:
هتفضلي كده لحد إمتى.
صمت للحظة، ثم قالت بسؤال:
كده إزاي.
أجابها ىمراوغة لكسب بعض الوقت معها: بس مش متعود أشوفك كده.
- كده إزاي؟
كان سؤالها اقترب منها خطوة، وكأنه يتحداها تنفس بعمق:
بتتهربي مني.
ضحكت ضحكة قصيرة بلا مرح قائلة بثبات:
وهتهرب منك ليه الهروب محتاج سبب، يا نديم.
تقدم خطوة أخرى، المسافة بينهما تقلصت، وكأن المكان كله اختفى ولم يبقى سواهما وأجابها بمكر:
وإنتِ فاكرة إن السبب مش واضح.
تصلبت ملامحها للحظة، ثم قالت بهدوء موجع:
الوضوح أحيانًا بيكون كذبة مريحة.. بنصدقها عشان نعيش الوهم.
ساد صمت من جديد، لكن هذه المرة كان محمّلًا بببعض الأحاديث
في عينيه سؤال، وفي عينيها ألف إجابة مؤجلة..انتهت تلك النظرات حين
أعلن الحكم بداية الجولة، فالتفتت يارا سريعًا، التقطت الكرة، وقالت دون أن تنظر خلفها:
ركز في اللعب يا نديم… الأحاسيس الوهمية مش بتكسب ماتشات... أخرها هتفوق على مفيش.
تبسم نديم يفهم معني حديثها، لكن هو أصبح على دراية بمشاعره... كذالك مل من صد يارا، ولابد من أخذ خطوة.
❈-❈-❈
ليلًا بشقة فاروق
فتحت عهد باب الشقة ثم دلفت بهدوء لكن إنصدمت حين
رأت فاروق يجلس على أحد مقاعد الردهة...
فكرت بتجاهله.. لكن هو رفع رأسه ببطء، نظر لها من أعلى لأسفل، تلك النظرة التي لا تحمل إعجابًا خالصًا ولا رفضًا صريحًا، بل شيئًا بينهما… شيء اسمه الضيق.تحدث باستهجان:
كنتِ فين.
شعرت بالضيق من نظرته لها كذالك طريقته فى السؤال لكن أجابته:
كنت فى حفلة تبع شركة الطيران اللى بشتغل فيها.
-وخدتي الاذن من مين قبل ما تخرجي
قالها وهو ينهض، صوته هادئ لكن مشدود كوترٍ على وشك القطع.
وقفت عهد مكانها، لم تتراجع، فقط رفعت ذقنها قليلًا قائلة:
مش محتاجة أخد إذن من حد.
اقترب خطوة، المسافة بينهما صارت خانقة تشنج فكه، مرر يده على عنقه بعصبية، وتحدث بنبرةٍ أخفض لكنها أكثر حدة، مُرددًا أجابتها عليه:
مش محتاجة أخد إذن من حد... تمام.. كمان مش عاجبني لبسك.
ابتسمت ابتسامة خفيفة بلا دفء:
ماخدتش رأيك فى لبسي، وأنا شايفة أنه مناسب ليا ومحترم. .. وعن إذنك أنا راجعة مصدعة.
كادت أن تتجه نحو الغرفة التي تمكث فيها مع ياسين، بخطواتٍ متعجلة، وكأنها تهرب من شيءٍ يضغط على صدرها…
لكن يده انقضت على معصمها بقوة، أوقفها غصبًا....
تأوهت بخفوت، والتفتت إليه بصدمة، فوجدت عينيه مشدودتين، تضيقان بغضبٍ مكتوم... تحدث بصوتٍ منخفض خشن:
رايحة فين لسه الكلام مخلصش.
حاولت أن تسحب يدها، لكن قبضته ازدادت قسوة، حتى شعرت بنبضها يتوجع تحت أصابعه... تحدثت بأمر:
سيب إيدي يا فاروق.
اقترب أكثر، المسافة بينهما أنفاسه الساخنة تلفح وجهها قائلًا بغضب:
هتكسبي أيه يا عهد من تمردك.
رفعت رأسها بتحدي رغم الألم:
هكسب نفسي.
لحظة صمت مشحونة، ثم جذبها خطوة نحوه بعنفٍ غير مقصود، فاختل توازنها للحظة...أصبحب بين مدار يديه
تبسم وهو يشعر برجفتها، لكن كبرياءه منعه من التراجع...
رفع إحد يديه وضعها حول عُنقها من الخلف ثبت رأسها، وبلا إنتظار هجم على شفتيها يُقبلها قُبلة شرسة.
•تابع الفصل التالي "رواية عهد الدباغ" اضغط على اسم الرواية