رواية عهد الدباغ الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سعاد محمد سلامة

 رواية عهد الدباغ الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سعاد محمد سلامة 


بمنزل الدباغ
بشقة فاروق بغرفة نومه مع فرح
تمدد على الفراش، يحدق في السقف كأن تلك  اللمبة الصغيرة تحفظ تفاصيل لم تُمحى الهواء ساكن، لكن صدره مزدحم.
امتدت يده تلقائيًا ناحية الوسادة المجاورة، لمست فراغًا يعرفه جيدًا… فراغًا صار اسمُه فرح.
تسللت الذكرى بلا استئذان…
ضحكتها الخافتة وهي تُصلح ياقة قميصه، نظرتها حين كانت تخشى عليه أكثر مما تخشى على نفسها.
ثم صوتها وهي مريضة… واهنًا، مكسورًا، لكنه محفور في قلبه:
«أنا هموت…وإنت أكيد هتتجوز من بعدي…بس بتمنى… متفرطش في ياسين.»
انقبض قلبه بعنف، كأن الكلمات قيلت الآن، لا منذ أكثر من شهرين 
أدار وجهه للجانب، ضغط الوسادة على صدره، وكأنها درع أخير يمنع الانهيار.
مش هفرط فيه يا فرح…
قالها هامسًا، بصوت رجل أنهكه الوعد: 
هحميه أكتر ما أقدر … وياريت قدرت أَحمي نفسي.
مر شريط بعض ذكريات مع فرح أمامه
ليالي طويلة، خوف مضاعف، طفل كبر وهو يُشبه والدته في العينين فقط…، ربما غيابها عنه فى الفترة الأخيرة لمرضها قبل رحيلها..  جعل منه عدم وعي لقوة وقسوةة وجع الفُراق كذالك تعلقه بـ عهد بعد وفاة فرح كأنه شعر بأنها تسد مكان الأم الذي لم يتوغل منه فذاكرة الأطفال أحيانًا مُتقلبة المشاعر، وغير مستوعبة... كذالك ذاكرة لا تعي قسوة بعض الاشياء ... 
تنهد بتفكير عقله يستوعب ما يمر به
الآن… زواج جديد، قرار ثقيل من عهد، لا يشبه الحب، لكنه يشبه التضحية..على الأقل من جانب عهد... 
أغمض عينيه، وتنفس بعمق... 
لم يكن يخون الذكرى، بل يحاول النجاة.
يحاول أن يفي بوعدٍ قُطع على فراش موت…
وأن يُبقي ياسين في أمان، حتى لو دفع هو ثمن ذلك من قلبه... على يقين أن عهد لن تكون زيجة سهله وفي صمت الغرفة…
بدا كأن فرح تسمعه.لا تعاتبه…
فقط تراقب، وتنتظر.. 
تحرك فاروق أخيرًا، جلس على حافة الفراش، مرر يديه على وجهه بإنهاكٍ ثقيل، كأن السنوات هوت دفعة واحدة فوق كتفيه...
نظر حوله… الغرفة كما هي، لكن روحه لم تعد كما كانت... 
نهض ببطء، اتجه نحو الخزانة، فتحها دون تفكير.
رأى قميصًا قديمًا… قميصًا أصرت فرح أن تشتريه له،ذات يوم قال لها ضاحكًا إنه لا يحب هذا اللون الرمادي...
ابتسم رغم تلك الغصة بقلبه
وكلماتها ترددت 
-طلع عاجبك في الآخر…
كانت قد قالتها، منتصرة، وهو يهرب وقتها من عينيها... رغم انه بالفعل لا يُفضل ذلك اللون لكن وقتها تقبل ذلك كمجاملة منه فقط... 
أغلق الخزانة سريعًا، كأن الذكرى كادت تُعيد تلك المشاعر الرتيبة لقلبه... فرح لم تكُن سرابً بحياته، ربما لم تتوغل من قلبه، لكن تعود على عِشرتها الهادئة
اقترب من النافذة، فتحها قليلًا، تسلل هواء الليل الشبة بارد، حمل معه ضجيجًا بعيدًا للحياة… حياة لم تتوقف حين توقفت هي... نظر نحو السماء كأنه يحدث فرح بصوت مبحوح: 
سامحيني…  الطريق اللي ماشيه دلوقتي مش زي ما كنت متعود.. بس صدقيني… ياسين أمانتك، وهفضل واقف في ضهره لآخر نفس.
عاد إلى الفراش، لكن هذه المرة لم يتمدد.
جلس مستقيمًا، كمن اتخذ قرارًا لا رجعة فيه... 
الزواج القادم لم يكن بداية جديدة، بل فصلًا آخر من الوفاء… بطريقته القاسية...
وقبل أن يطفئ الضوء، همس كأنه يخاطبها: لو كنتِ هنا… كنتِ هتفهمي.
انطفأ الضوء، وبقيت الذكرى.
لا تؤلمه كما كانت…
بل تُذكره فقط، أن بعض الوعود لا تموت…حتى لو تغيّرت الوجوه.
.... ـــــــــــــــــــــ
على الجانب الآخر 
كانت عهد مُمددة فوق فراشها، تشعر كأن الفراش يبتلع جسدها كله... كم هي ضئيلة فى. هذه اللحظة... 
عينها مفتوحة تنظر فى نقطة واهيه ،كذالك ذهنها يسرح في أماكن بعيدة… أماكن لم تكن تريد أن تعود إليها...
كأن قلبها يحاول فهم ما يحدث من حولها، وما يحدث بداخلها.
سُمعت دقات قلبها تتسارع كلما خطرت صورة فاروق في ذهنها، لا كحاضر، بل كظل يلوح بين الماضي والحاضر... 
تذكرت حديث والدتها، تحذيرات الأهل، كل نصيحة حاولت أن تُعيدها إلى الطريق الآمن…
لكن قلبها كان يصر على البحث عن تفاصيله، عن تلك اللحظات التي جمعتها به، رغم الألم.
نهضت ببطء، جلست على طرف الفراش، أحضرت كوبًا من الماء، لكنها لم تشرب.
كانت تنظر إلى النافذة، ترى ضوء القمر يسقط على الشوارع، وتشعر بأن الليل كله يحمل معها شيئًا من فاروق…
كأن وجوده لم يغادر، حتى وإن كانت الحياة تضطرها أن تتخذ خطوات جديدة.
همست لنفسها بصوت خافت:
يمكن… الطريق اللي ماشيه مش الطريق اللي كنت عايزاه… بس لازم أعيش… لازم أحمي ياسين … وصية فرح.
استلقت مرة أخرى، لكن هذه المرة عيناها لم تغلقا بالكامل... 
كانت تنتظر، بطريقة ما، أن يحمل الليل معها رسالة، أو شعور، أو حتى صدى لصوت فرح…
ولكن كل ما كان موجودًا، هو صمت الغرفة، وذكريات تتسلل بهدوء بين الجدران…
❈-❈-
بعد. مرور أسبوع 
فجرًا 
كان فاروق يجلس في غرفته، يحدق في الهاتف بلا سبب، وكأن الانتظار سيعيد له كل شيء.
لم يرسل رسالة، ولم يحاول الاتصال… لكنه كان يعلم أن قلبه لا يزال مرتبطًا بعهد بطريقة لم يتوقعها.
كل تفاصيلها، ابتسامتها، طريقة ضحكها، وحتى صمتها… كلها كانت تطارده، تتسلل إلى غرفته مثل خيال لا يتركه وحده... 
تذكر كلماتها الأخيرة، نظراتها المزدوجة بين الغضب والخوف، بين الواجب والبُغض.
تساءل بصوت مبحوح:
ليه… ليه الدنيا بتفصلنا كده... 
رفع رأسه إلى السقف، كأنه يبحث عن إجابة من النجوم، من القمر، من أي شيء يمكنه أن يخفف هذا الصمت الذي يلتهم قلبه.
ثم عاد لتفكير ياسين… نعم، ياسين، الطفل الذي أصبح مسؤولية، وطريقًا آخر للوفاء... 
ابتسم بمرارة، ثم تنهد:
مهما حصل… هفضل واقف في ضهره… زي ما وعدت فرح. 
في الوقت نفسه، عهد كانت لا تزال على فراشها، تتقاطع مع أفكاره في صمت الليل، كأنهما شخصان يسيران على طريق واحد، لكن لا يلتقيان إلا في الذكريات.
كل منهما يحاول أن يعيش، أن يبرر، أن يتجاوز… لكن القلب لا ينسى، والذكريات ترفض أن تهرب.
الليل يمتد بين الغرف، بين القلوب، بين الصمت والكلمات التي لم تُقال…
ويبقى السؤال معلقًا في الهواء: 
هل يمكن للوفاء أن يعيش بين الماضي والحاضر، بين الوجوه القديمة والجديدة
هل يمكن أن يصبح الطريق القادم فصلًا جديدًا من الحب، أم مجرد استمرار لصراع داخلي صامت
..... ـــــــــــــــــــــــــ
.... ــــــــــــــــــــــــــ
اشرقت شمس خريفية 
بغرفة السباحة الخاصة بمنزل الدباغ
كتم فاروق أنفاسه لدقائق قليلة أسفل المياة،ثم اندفع إلى السطح دفعةً واحدة، يلهث بقوة كأن صدره يرفض الهواء بعد طول خصام... انسابت قطرات الماء على وجهه، وتعلقت بأهدابه قبل أن تهوي، بينما يداه تستندان إلى حافة المسبح كمن يتشبث بآخر ما يربطه بالواقع... 
أغمض عينيه للحظة…
الصمت هنا خادع، حتى ارتطام الماء بجسده لم يكن صاخبًا كالأفكار التي تضرب رأسه بلا رحمة... 
ترددت صورة عهد في ذهنه فجأة،… بنظرتها المتحفزة، بصمتها الذي يبوح  أكثر مما تتحدث...
زفر بقوة، ثم عاد يغطس مرة أخرى، كأنه يحاول الهرب منها، من نفسه، من ذلك الإحساس الذي لا يريد الاعتراف به.
لكن الماء لا يمحو الذكريات…
بل يجعلها أوضح، أقوى، وأكثر إلحاحًا.
خرج هذه المرة أبطأ، جلس على حافة المسبح، وأسند رأسه إلى الجدار البارد خلفه...
تمتم بصوت منخفض، بالكاد يُسمع:
كل ما بهرب… بلاقي نفسي راجع لنفس النقطة.
وفي الفراغ الواسع لغرفة السباحة، لم يكن هناك من يسمعه…
سواه، وقلبه الذي بدأ يعلن إنسحاب لجامه... 
دقائق ودلف كنان خلع قميصه العلوي وظل بسروال وتوجه للمسبح تمطئ بخفه ثم قفز بقوة فى المياة... انتشرت بعض المياة حتي غمر منها جزء منها فاروق
سريعًا رفع كنان رأسه ونظر نحو فاروق قائلًا: 
إيه جابك تغطس فى البيسين عالصبح مش المسا كتب كتابك إنت وعهد... المفروض تكون دلوقتي تكون بتجهز نفسك مش تجي تغطس هنا ...الجوازة دي خطوة مش سهلة. 
ابتسم فاروق ابتسامة جانبية يشعر بترقُب،، ومسح المياه عن وجهه بيداه، وتحدث بهدوء فيه شيء من الشرود:  ساعات الواحد يحتاج يغرق شوية… قبل ما يطلع يتنفس من جديد.
اقترب كنان من حافة المسبح، أسند ذراعيه عليها، ونظر له بنظرة فاحصة:  غرقان بقالك سنين يا صاحبي، بس المرة دي مختلفة… دي خطوة عمر.
سكت فاروق لحظة، عيناه معلقتان بسطح المياه المرتعش، كأنه يرى فيها وجوهًا وذكريات، ثم قال بصوت منخفض:  عارف… بس في حاجات حتى الفرح ما يعرفش يمحيها.
ضرب كنان المياه بيده، فتناثرت القطرات من جديد قائلًا  ببسمة: 
ولا لازم يمحيها كفاية إنه يعلمك تعيش معاها.
رفع فاروق رأسه أخيرًا، نظر إليه نظرة امتنان صامتة، ثم دفع جسده للأمام وغاص في المسبح…
كأنّه يودع الماضي ليستقبل حاضر ومُستقبل غير معلوم.
ابتسم كنان، لديه شعور بحيرة فاروق فى مستقبله مع عهد
عهد كان لها تأثير على فاروق، كثيرًا.. لديه شكٌّ بمشاعر فاروق نحو عهد، لم تكن مقتًا كما بدا في الماضي، بل ربما شيئًا غامضًا لا اسم له بعد... 
تنهد كنان، وسأل عقله في صمتٍ مُرهِق متى يشعر هو الآخر بتلك الرجفة في قلبه... متى تأتيه مشاعر لا يضطر لتبريرها أو الهروب منها.. 
حتى الآن… لم تغزو أي فتاة قلبه كاملًا... 
كلهن كُن مجرد بدايات مبتورة، ووعود لم تكتمل، نظرات تعبر ولا تمكث حتى يشعر أنها، مشاعر واهية غير مُكتملة... 
أحيانًا يقترب خطوة، ثم يتراجع اثنتين، كأن قلبه يتمرد ويرفض التوقف عند أحداهن، أو كأنه ينتظر شيئًا لا يعرف ملامحه بعد... 
ربما لم يأتب الوقت…
أو ربما القلب، حين يختار، لا يُخطئ الطريق، لكنه يتأخر عمدًا حتى لا يخطئ إختيار من تُشاركه حياته وطموحه. 
••••❀
بأحد المدابغ
تفوح رائحة الكراهية لـ محي الدباع من بين أنفاس تلك الآرجيلة مختلطة بدخان الأرجيلة الكثيف،
كأن كل زفرة يطلقها تحمل حقدًا مُعتقًا،تبدلت ملامحه عيناه ضيقتان تلمعان بشرٍ قديم،
وأصابع خشنة تعبث بخرطوم الأرجيلة بعصبيةٍ مكتومة،
كأن الجلد من حوله يشهد على ما يدور داخله.ارتسمت ابتسامة جانبية على فمه،
ابتسامة لا تحمل وعدًا، بل تهديدًا،
وفي تلك اللحظة أدرك المكان كله
أن الشر حين يولد،لا يصرخ…
بل يبتسم في صمت.. 
نظر الى ذلك الجالس جواره الذي تحدث بفحيح الثعابين: 
عرفت إن الليلة كتب كتاب "الملك" قد إيه الواد ده محظوظ مراته مكملتش أربعين يوم متوفية وهيتجوز تاني، ومن مين من أختها، مبيضيعش وقت دايمًا قدامه البديل. 
تهكم الآخر قائلًا: 
محظوظ دايمًا، عنده قُدرة على الإقناع هيغلب يعني مع أخت مراته... أنا وصلي إن مراته الآولانية كانت تحت سيطرته بالكامل، يعني سهل يسيطر على أختها كمان... إبن محي الدباغ بقي ودراعه اليمين.. لاء درعاته الإتنين. 
ضحك الاخر بفحيح قائلًا: 
قصدك تعبان محي الدباع، أنا وصلي معلومة لو صحيح يبقي قريب هيحصل فجوة بين محي الدباع  والملك. 
توقف الآخر عن تنفيث الأرجيله ونظر له بإندهاش سائلًا: 
قصدك إيه، معلومة أيه. 
أجابه بتوضيح: 
قصدي إن فاروق بيلعب من تحت لتحت، فاكر المناقصة اللى قبل الأخيرة، اللى كان داخلها محي الدباغ زينا وخسرها... وصل لي معلومة إن الشركة اللى رسيت عليها تبقي بتاع فاروق ومحي الدباغ ميعرفش بكده... الدليل إصراره ياخد المناقصة الأخيرة. 
جحظت عين الآخر يستوعب لكن شكك بالأمر قائلًا: 
مستحيل، ده وقتها كان فاروق مع محي وبان على وشه الزعل... 
قاطعه الآخر: 
التمثيل سهل. 
-مش يمكن يكون كلامك صحيح، بس يكون إتفاق بينهم مثلًا. 
هكذا تسأل فأجابه الآخر: 
معتقدش... مش محي اللى يسمح بكده وهو بيتباهي إن ولاده تحت سطوته مش منافسين له... والخبر جالي من موظف من بنك تاني غير اللى بيتعامل معاه محي الدباغ... أرصدة دخلت لحساب بإسم فاروق الدباغ... كمان فتح إعتمادات إئتمانية بإسمه، لو تحت سيطرة محي ليه هيروح بنك تاني. 
حاول فهم حديثه بعقله... ونفث دخان كثيف قائلًا: 
المعلومة دي لو صح،ومحي الدباغ ميعرفش بها... تبقي أول مسمار يندق فى دماغ محي الدباغ والخبطة اللى هتزعزع إمبراطوريته اللى بيتباهي بها. 
••••❀
بمنزل الدباغ 
بغرفة المعيشة كانت تجلس أم صبري مع إجلال... تسألت بفضول: 
والله فرحت لما قولت لي إن فاروق هيتجوز أخت المرحومة مراته... قولت أهي أحن على أبنه... بس ليه مكنش إستني شهر ولا إتنين... وكان عمل حفلة صغيرة.. البت برضوا مسبقش لها الجواز.. أه صحيح أختها ماتت صبيه بس من حقها برضوا تفرح بجوازها... يلا كله خير. 
أومأت اجلال قائلة: 
أه كله خير، هي قالت مش عاوزه أكتر من كتب الكتاب وبس وفاروق طاوعها... ودلوقتي ولا بعد كام شهر، إيه هيتغير، الحزن مش بيروح من القلب... وفاروق أهم حاجه عنده إن إبنه يرجع لهنا فى بيت جده محي الدباغ. 
أومأت أم صبري بتفهم... بنفس الوقت دلف عليهن كنان قبل أن يتحدث تحدثت أم صبري بعتاب: 
لسه زعلانه منك يا كنان، بسبب الديك الرومي... ليه تدبحه ده كان عتيق عندي والله وكان  بركة العشه، ده كانت الفرخه الرومي تبيض وترقد مفيش بيضة متفقسش كتكوت، عملت منه سُلالة. 
ضحك كنان قائلًا: 
هو اللى غلط فى الأول وخربش عربيتي الجديدة بعدين مش خسارة فيا كان طعمه ممتاز هو والملوخية وصنية البطاطس ولا الرز، كانوا طعمين أوي. 
ضحكت اجلال تعلم أن كنان يستفز أم صبري... بينما تذمرت ام صبري بادعاء قائلة بعناد: 
صحة على قلبك لو عاوز ديك تاني، أتصل على غزال تجيب واحد وتجي. 
-غزال
إسم ذو معني رقيق عكس تلك الشعثاء، الذي يليق بها "خيال المآتة" أكثر، زفر نفسه، بينما تفوهت أم صبري بعفوية: 
تعرفي يا حجة اجلال غزال بنت أخويا إيديها ما شاء الله بتكبس(زي مساچ) لى كتافي وضهري، إيديها تتلف فى حرير... إتعلمت من مركز العلاج الطبيعي اللى بتشتغل فيه جنب دراستها. 
تبسمت اجلال بإعجاب قائلة: 
غزال من وقت عزا المرحومة فرح مشوفتهاش، سلملي عليها، وقولى لها خالتك اجلال زعلانه منك عشان مش بتسألي عنها. 
أومأت ام صبري قائلة  بتبرير: 
إنت عارفة الدراسة والشغل فى مركز العلاج الطبيعي واخدين وقتها دي بترجع عالنوم... رغم والله غُلبت فيها، مصاريفها مش كتير عليا، بس هي بقي دماغها ناشفه وبتقول انها شابه وإن مشتغلتش دلوقتي  هتشتغل إمتى، الدكتور صاحب مركز العلاج مبسوط منها بيقول ممتازة ولما هتخلص دراستها هيشوف لها شغلانه بدراستها فى المستشفي بتاع مراته، عندها مستشفي نسا وتوليد.. يلا هانت فاضل سنة غير اللى هي فيها، تعرفي الدكتور ده عنده إبن أخوه دكتور يعتبر هو اللى ماسك مركز العلاج الطبيعي، وأوقات كتير غزال بتساعده، ربنا يرزقها بالحلال. 
-آمين
هكذا آمنت اجلال، بينما إندهش كنان، كذالك هنالك شعور آخر غير معلوم شعر بضيق حين شعر بتلميح أم صبري عن الطبيب الشاب، ربما بداخلها تود شيء آخر. 
نفض ذلك عن رأسه سريعًا لا يبالي. 
••••❀
بالنادي الإجتماعي 
للتو إنتهت يارا من مباراة ثم صافحت ذلك الخصم الذي تقبل الهزيمة برحابة ثم تحدث: 
بما إني خسرت الماتش خليني أعزمك على عصير أبلع الهزيمة. 
كادت ان ترفض لكن لاحظت نديم الذي يقترب من مربع اللعب فأومأت ببسمة موافقة... 
ذهب الإثنين الى إحد الطاولات، جلسا معًا، كان يتحدث وهي لا تهتم فقط تسمع، الى أن جاء نديم الذي لا يعلم حقيقة مشاعره بعد 
…لا يعلم سوى أن اجتناب يارا المتعمد يثير داخله انزعاجًا غريبًا، لا يشبه الغيرة الصريحة ولا اللامبالاة التي كان يتصنّعها... 
توقف نديم قرب الطاولة، عيونه ثبتت عليها قبل أن ينطق... 
كانت تضحك ضحكة خفيفة، ليست تلك التي يعرفها عنها، ضحكة مجاملة باردة، بينما الرجل المقابل لها يميل قليلًا للأمام، يتحدث بثقة زائدة... 
تحدث نديم بنبرة حاول أن يجعلها عادية:  مساء الخير.
رفعت يارا عينيها ببطء، التقت نظراتهما لثانية فقط… ثانية كافية ليرى في عينيها تحديًا صامتًا.
ابتسمت، لكنها لم ترد، رد الآخر: 
مساء النور يا نديم.
سحب كرسياً دون استئذان، جلس على الطرف المقابل، واضعًا ذراعيه على الطاولة:
تسمحولى أقعد معاكم...ولا شكلي قاطعتكم. 
تحدث الشاب الآخر سريعًا رغم ضيقه: 
أبدًا، إحنا كنا بس... 
قاطعته يارا بهدوء: 
لا، كنا هنشرب عصير ونخلص كلامنا.
التفتت إليه نظرة سريعة تحمل رسالة خفية... تحمل معني جلمة واحده"كفاية ماذا تريد".
فهمها… أو هكذا ظن.
ساد صمت قصير، ثقيل، لا يُسمع فيه سوى ضجيج المكان من حولهم.
نديم شعر لأول مرة أن وجود شخص آخر بجوارها يزعجه بهذا الشكل، كأن هناك مساحة كانت تخصه وحده… وانتهكت.
قال أخيرًا وهو ينظر لها مباشرة: 
أنا جاي مخصوص عشان أعرض عليكٌ نلعب ماتش سوا.
.
رفعت حاجبها بخفة وقالت بثقة:  
للآسف مش هقدر ألعب ماتشات تانية اللنهاردة المسا عندي موضوع عائلي ولازم أبقي موجودة يعني يادوب كنت هشرب العصير وأمشي. 
ابتسم نديم نصف ابتسامة، تلك التي تخفي ارتباكه...أو ضيقه..أو ربما الاتنين.
نهضت يارا، أمسكت بحقيبتها قائله! 
هستأذن وأسيبكم تقدروا تلعبوا مع بعض. 
مرت بجانبه دون أن تنتظر، تاركة خلفها طاولة، رجلًا محرجًا، ونديم يقف مكانه لثانية…
يحاول أن يفهم وعقله يسأل
هل ما يشعر به انزعاج... 
أم شيء أخطر بدأ يتسلل لقلبه دون إذن. 
تبعها نديم بخطوات بطيئة، ليس لأنه متردد… بل لأنه كان يحاول استيعاب ما يحدث داخله... 
كيف لوجودها مع غيره أن يشعل هذا القدر من التوتر هو الذي أقسم أن قلبه لي صالحًا لمثل هذه المعارك... 
وصلت يارا إلى مكان سيارتها، توقفت فجأة، فاضطر هو للتوقف خلفها مباشرة...
التفتت إليه، كانت قريبة أكثر مما ينبغي، رائحة عطرها الخفيف أربك توازنه.
تحدثت بعصبيه دون أن تنظر في عينيه: 
خير جاي ورايا ليه.
أجابها ببساطة، ثم أضاف بنبرة أقل ثباتًا: 
كنت محتاج نتكلم  بس واضح إنك كنتي مشغولة.
رفعت رأسها أخيرًا، نظرت إليه نظرة مستقيمة، بلا مجاملات: 
نتكلم فى ايه مفيش بينا كلام.
تعصب وبلا وعي رفع يده يقبض على عضدها سائلا بنبرة استفهام:
مين الشاب للى كنت قاعدة معاه...بالنسبه لد إيه.
نفضت يده عنها بعصبية قائلة:
وأنت مالك... شيء مبخصكش وياريت تلتزم حدودك معايا. 
قالت ذلك وفتحت باب السيارة صعدت لها وغادرت سريعًا بلا إهتمام... بيينما 
وقف ندؤم  مكانه ثانية، يراقب مغادرتها 
وأدرك متأخرًا…
أن المباراة الحقيقية لم تكن على أرض الملعب،بل في قلبه هو.
بينما بالسيارة شعرت يارا بغضب ضربت على المقود قائلة بعصبية: 
تبقي غبية يا يارا لو وقعتي فى فخ نديم مرة تانية.. 
وكان القرار لابد من حل آخر. 
••••❀
بغرفة فاروق القديمة قبل الزواج
تأنق بسُترة باللون الأسود أسفلها قميصًا باللون الأبيض، إستغني عن رابطة العُنق فلا داعي لها... فالأمر مُختصر على عقد القران... 
تذكر قولها قبل أيام
أنا مش عايزة أي مظاهر يا فاروق…
لا فرح، ولا زفة، ولا حتى تهنئة زيادة هو كتب كتاب  وبس… في هدوء.
ابتسم ابتسامة باهتة، كأن الطلب كان طوق نجاة لا شرطًا... 
أدرك وقتها أن عهد لا تطلب التخفي خجلًا، بل احترامًا لأوجاع لم تُدفن بعد… أوجاعه وأوجاعها معًا... 
مرر نظره على الموجودين، ثم قال بنبرة ثابتة لا تحتمل نقاشًا: 
كتب الكتاب بس… من غير أي مظاهر.
ده طلبها… وأنا موافق.
ساد صمت قصير، تلاه همسٌ غير راضٍ، ونظرات متسائلة.
لكن فاروق لم يلتفت.
كان يرى في بساطة الطلب وفاءً غير معلن… لفرح، ولزمن لم يُغلق بابه بعد.د
عاد إلى داخله، إلى تلك الجملة التي اوصته بها فرح
: «أنا هموت… بس متفرطش في ياسين.»
وتيقن أن هذا الزواج…
لن يكون احتفالًا بالبدايات،
بل عهدًا جديدًا بالحماية،
وصمتًا يليق بكل ما فُقد.
…ومع ذلك، لم يكن الصمت سهلًا.
تقدّمت إجلال بخطوة، حاولت أن تُلطّف الجو بابتسامة متكلّفة: 
يعني حتى قعدة بسيطة؟ ناس قرايب… كلمة حلوة. 
رفع فاروق عينيه ببطء، نظر إليها نظرة رجل حسم أمره منذ زمن: 
القعدة هتبقى محترمة، والمأذون والشهود موجودين. أكتر من كده… مش هيحصل.
لم يقل ذلك من أجل عهد بل إحترامً لذكرى  او بالاصح  الاثنتين معًا.
تنهد وأخرج هاتفه بلا وعي.توقف عند اسم عهد… لم تتصل...
اكتفى بأن يستعيد ملامحها وهي تقول طلبها دون ضعف، ودون دموع.
كان قد ظنها قسوة…
ثم فهم لاحقًا أنها شجاعة... عهد لم تكن تريد مظاهر؛لأن قلبها مثقَل بما يكفي،
ولأن دخولها حياته لم يكن انتصارًا، بل مسؤولية.
تنفّس بعمق، وحدث نفسه: 
مكن ربنا اختار الهدوء علشان اللي جاي محتاج صبر… مش تصفيق.
وفي تلك اللحظة، مر ياسين من أمامه، يحمل لعبته الصغيرة، توقف فجأة، نظر إليه بعينين واسعتين: 
بابا… إنت زعلان
شده فاروق إليه، قبّل رأسه بحنوٍ موجوع:  لا يا حبيبي… بابا بس بيفكر.
لم يكن يفكر في العقد،
ولا في الشهود،
ولا في كلام الناس…
كان يفكر.. كيف سيحمي طفلًا،
ويحترم ذكرى،
ويمنح امرأة اسم زوجة…
دون أن يكسر أحدًا في الطريق...
بعد وقت 
استمرت التحضيرات في الخارج،
بينما فى بشقة والد عهد
كان فاروق في الداخل يوقع، دون قلم،
على عهدٍ أثقل من أي عقد قِران.
بينما قبل لحظات 
كانت عهد بغرفتها تشعر بانقباض فى قلبها، مشاعر موجعة للغاية لم تكُن تتخيلها يومً، الزام جديد  عليها طفل وزوح... قد تتخلى عن مسؤولية زوج لكن لن تتخلي عن مسؤولية طفل أختها.. حسمت أمرها.. زواجها من فاروق مجرد زواج على ورق لن يزيد عن ذلك. 
••••❀
بعد وقت انتتهت مراسم عقد القران 
غصبً غادرت عهد مع فاروق الذي يحمل ياسين.... 
مجرد وقت كان الصمت مُسيطرًا حتى وصلا الى منزل الدباغ... إستقبلهم.. 
اجلال.. أخذت ياسين معها قائلة: 
خد مراتك وإطلع شقتك يا فاروق وسيب ياسين معايا الليلة أشبع منه بقاله فترة غايب عن عنيا. 
غصبًا امتثلت عهد لمسكة يد فاروق وصعدت معه، بعد ان كادت تعترض وتأخذ ياسين، لكن حمسته اجلال ببعض الكلمات ففصل البقاؤ معها... 
فتح فاروق باب الشقة.. رغم أنه مازاا ممسك بيد عهد لكن تركها دخلت أولًا... 
شعرت بإختناق فاض بهو وإنفجرت من لمسة يده لها سحبت يدها بعنف وإنفجرت قائلة بنهي: 
ممنوع تلمس إيدي. 
نظر لها مُستهزءًا بصمت، إستطردت حديثها  بإستهجان قائلة: 
نفسي اعرف إنت إزاي أنسان معدوم المشاعر إلانسانيه... وفكرت..  تتجوز قبل ما يمُر على وفاة مراتك أربعين يوم، إزاي قدرت تنسي عِشرتها معاك بالسرعة دي. 
كان رده مُستفز: 
وماله الحي أبقي من الميت...وأنا راجل وليا إحتياجات. 
نظرت له بذهول، تعلثمت بالحديث سائلة بإحتقان: 
وإيه هي الإحتياجات اللى متقدرش تستغني عنها دي اللى تخليك تنسي عِشرة خمس سنين مع أختي بسهولة كده. 
إقترب خطوة ينظر لها بتسلية قائلًا  بإستفزاز ممزوج بوقاحة وهو يُشير نحو غرفة النوم: 
زي أي راجل محتاج ست في حياته ليه، أكيد مش عشان اتنمظر وأتغزل بجمالها. 
فهمت مغزي حديثه شعرت بالحياء والتوتر،لكن إستهجنت بالرد دون تفكير:
يعني عاوز ست تنام معاها مش أكتر.
أخطأت بذلك رفعت ثوب الحياء عنها،وهذا ما كان يُريد الوصول إليها...سُرعان ما ندمت على ما تفوهت به... وتخصبت وجنتيها حياءً  تلوم نفسها... كيف قالت ذلك بتلك الفجاجة  
لاحظ إحمرار وجنتيها تبسم بوقاحة وهي تتلفت براسها تنظر بكل الاتجاهات عدا وجهه بالتأكيد تهرب من مواجهة النظر إليه، رغم أنه على يقين أنه ليس شخص شهواني لكن تعمد إستفزازها أكثر قائلًا: 
بالظبط كده... عشان كده إضطريت أتجوز تاني بسرعة،أصل اللى إتعود عالموضوع ده صعب يستغني عنه...لما نبقي مع بعض هتفهمي قصدي أكتر. 
ضعطت على شفتيها بقوة تحاول تلجيم غضبها من ذلك الوقح المُستفز، رفعت نظرها له بتحدي قائلة: 
تمام... عشان تعرف من أولها كده جوازنا هيبقي على ورق بس.... أنا هنا بس عشان أهتم بشؤون إبن أختي، إعتبرني مُربية له..  تقدر تتجوز ست تانية تلبي لك إحتياجاتك دي وغير كده... 
قاطعها يضحك بإستفزاز: 
غير كده إيه إنت بتحلمي، أنا لو عاوز مُربية لابني سهل أجيبله بدل الواحدة  عشرة بفلوسي، أنا عاوز... 
توقف عن إسترسال حديثه وتعمد السير حتى أصبح خلفها مباشرة تشعر بانفاسه قريبه منها، حتى شعرت برجفة قويه سببت رعشة فى جسدها، حين تعمد حضنها من الخلف  مُقيدًا جسدها ثم أزاح خصلات شعرها عن عُنقها مُتعمدًا وضع قُبلة حادة، ثم تحدث  بهمس وهو يضع كف إحد يديه على موضع قلبها يلتصق بها بقوة: 
أنا واقفت أتجوزك  عشان  عاوزك ست... 
قلبًا وقالبًا. 
-ولا عزاء لميت... 
هكذا قالت ثم صمتت لحظة،
ثم أضافت، وهي تنظر مباشرة لفاروق لأول مرة:
وأنا مش هكون بديل عن حد،ولا زوجة لتلبية رغباتك.
اهتز شيء في عينيه،لكنها لم تتراجع... 
شعرت بثقل النظرات،لكنها وقفت كما هي، غير قابلة للكسر... وفي داخلها،
اتخذت عهد قرارها،حتى لو لم تنطقه بعد
«اللي يدخل حياتي بدافع الواجب لازم يعيش بنفس الوجع». 

 •تابع الفصل التالي "رواية عهد الدباغ" اضغط على اسم الرواية 

تعليقات