رواية نصف انسانة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم السيد عبد الكريم

 رواية نصف انسانة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم السيد عبد الكريم

الفصل الخامس عشر.. يرويه ( معتز الصياد )
في العاشرة صباحا توجهتُ إلى قسم الشرطة ، قال سيادة الرائد عادل بعد أن هلل ورحب :
ـ عاش من شافك ياهندسة ... ايه الغيبة الطويلة دى ؟
أجبتُ في كياسة :
ـ اسمع يا عادل أنا خطبت ... قصدى اتجوزت و....
قال مقاطعا :
ـ كده من ورايا ... طول عمرك ندل و...
قاطعته قائلا :
ـ سيبنى بس أكمل كلامي .
قال مسرعا :
ـ سيبني أنا أرحب بيك يا راجل ... تشرب إيه ؟
ولم ينتظر مني إجابة لأنه نادي بصوت مرتفع :
ـ يا مراد ... يا عسكري .
ثم أكمل حينما دلف مراد إلى داخل مكتبه :
ـ قهوة مظبوطة يا مراد ... اغلي البن كويس ...اغليه يا مراد.
لمّا خرج مراد قلتُ :
ـ أبويا بيظهر لمراتي يا عادل .
قال وهو يحك رأسه :
ـ دا عنوان فيلم ده ولا إيه يا هندسة ... والله وحشتني قفشاتك .
قلتُ في نفاذ صبر :
ـ عادل ... بص ... اعتبرني مش صاحبك ... اعتبرني جاي أقدم بلاغ وخليك جد شوية .
قال في لا مبالاة :
ـ طيب استني أشرب القهوة علشان أفوقلك .
بعد وقتٍ طويلٍ قلتُ في غيظ :
ـ خلاص شربت القهوة ... ركز بقا معايا ... مراتي شافت أبويا و....
قاطعني في بروده المعتاد :
ـ مراتك اللى خطيبتك ... ولا خطيبتك اللى هي مراتك .
نهضتُ وأنا أقول :
ـ لا أنا همشي .
قال وهو ينهض محاولا منعي :
ـ يا عم بطل شغل العيال ده أنا بهزر معاك ... وبعدين أنا مش قلتلك تنسى موضوع أبوك ده ... فاكر لما بلغت انه اختفي ودورنا عليه من غير فايدة ... وأنا قلتلك انسي الموضوع ... أبوك يا حبيبي من ساعة ما لقي الجوهرة وهو طفشان وأكيد عايش باسم تاني برة مصر . اى نعم أنا خليت واحد صاحبي فى المطار يراقب سجل المسافرين بره مصر علشان خاطر عيونك بس أبوك طلع ذكي .. ابوك أكيد سافر قبل أنت ما تبلغ عن اختفائه .

قلتُ وأنا اضغط على كلماتي :
ـ لا أبويا مش عايش ... أبويا مات ... ومات موته مش طبيعية ... جثته متعلقة في مكان معين ...يعني مش مدفونة .... روحه بتتعذب ... علشان كده كنت ديما أشوفه فى كوابيسي ... فاكر ساعتها لا قلتُلى اني بشوفه بسبب الصدمة والانهيار العصبي ... ساعتها صدقتك ... لكن كون إن مراتي تشوفه وفى كل مرة يقولها انقذيني ... يبقى هو مات مقتول .
قال متهكما :
ـ بقولك يا زوز ... لولا إني صاحبك كنت حولتك للعباسية ... يا هندسة افهم ... أنا هنا مباحث ... تجيبلى دليل مادى وأنا اشتغل .... تقدم بلاغ وأنا أتحرك .... زى الدكتور ... علشان يشرح لازم تكون قدامه جثة ... لكن شغل العواطف والروحانيات والعفاريت ده ملناش فيه .
قلتُ في إصرار :
ـ المرة دى معايا أدلة أكتر .
قال سائلا في تركيز :
ـ كده أنت حبيبى ... أيوه كده ... أنا عاوز دليل وسيبني اعمل تحرياتى ... ايه هو الدليل بقا ؟
قلتُ :
ـ اوصفلك الراجل اللى مراتي شافته بيقتل ابويا .
قال فى جدية :
ـ حلو ... هى شافته فين والساعة كام ؟
وإزاي كانتْ موجودة وقت الجريمة ؟
قلتُ محاولا إغاظته :
ـ شافته في الحلم .
قال في تململ :
ـ ماشاء الله ... وانت بقا عايزني ......
قاطعته :
ـ أنا فاهم وعارف انكم عايزين كل حاجة مادية ومش بتعترفوا بالأحلام ولا التلميحات الماورائية بس انت لازم تساعدني يا عادل .
نظر بعيدا وأشعل سيجارة وقال :
ـ ياريتك ما اتبرعتلي بالدم ساعتها يا أخي ... بقولك ايه ... اجيبلك لتر دم تاخده ونبقي خالصين .
في هذه اللحظة عرفتُ أن عادل سوف يساعدني .

بدأت علاقتي بعادل حينما كنا في مدرسة واحدة بالثانوية ، وذات نهار رأيته ممدا على الإسفلت اثر اصطدامه بسيارة كانتْ تمرق بسرعة البرق ، التفّ حوله الفضوليون بينما قمتُ باصطحابه إلى المستشفي وتبرعتُ له بالدم قبل أن يجري عملية جراحية ، وتكونتْ صداقة بيننا ، وكثيرا ما كان ينصحني أن اترك الميكانيكا وابحث عن عمل بإحدى الدول العربية لكنني كنت أرفض من أجل الإقامة مع والدتي .

قال عادل قبل أن ينهض من مقعده :
ـ بص يا معتز ... أنا طالع مأمورية دلوقتي ... هستناك بالليل فى البيت ... وهمسع منك كل اللى عايز تقوله .... بس هسمعه كصديق ... لكن زى ما انت عارف مش هعرف أتحرك إلا لو كان فيه دليل مادي .

عدتُ إلى المحل وبعد الظهيرة توجهتُ إلى شقتي ، طرقتُ الباب فسمعتُ نورا تقول :
ـ تفضل .
دلفت فوجدتها في حالة صحية جيدة ، قلتُ مسرعا :
ـ عامله إيه ؟
أجابتْ برقة :
ـ كويسة ... الحمد لله .
ثم سألتني :
ـ عملت إيه ؟
أجبتها :
ـ الأول نتغدا علشان تاخدي العلاج وبعدين نتكلم ... هساعد أمي في المطبخ وارجعلك .
رأيتها تنهض قائلة :
ـ لا استنى ... أنا هساعدها .
قلتُ معترضا :
ـ لمّا أتاكد انك خفيتي كويس هخليكي تساعديها ... دلوقتي استريحى .

وبعد قليل أحضرتُ الطعام ونادتها أمي لكنني لم أتناول معهما الطعام ، كنت حريصا ألا أخدش حيائها رغم أنها زوجتي ، كنتُ أعلم أنها تعرضتْ لتجربة قاسية مع زوجة أبيها ، وأردتُ أن أعوضها عن تلك الأيام القاسية وأكون لها نعم الزوج والأب والأخ والصديق ، كنتُ سعيدا حينما فتحتْ لي قلبها وحكتْ لي عن أسرارها وأخبرتني بأن زوجة أبيها أمهلتها أسبوعا لمغادرة الشقة ، ثم إن رؤيتها لأبي على شاشة التليفزيون يؤكد أن أبي قد قُتل ولم يسافر ، حينما أخبرتني أنها سمعتْ صوتا يغني بأغنية صيادين بدأ عقلي يسترجع خيط الذكريات حينما كنتُ أعيش مع أبي في الإسكندرية .

يا لها من ذكريات !
وهل ينسي المرء مكان مولده ؟!
لن أنسَ تلك الذكريات ، كنتُ ابن الثامنة أرافق أبي في قارب الصيد ، فقد علّمني المسئولية منذ صغرى ، كنتُ أساعده في بعض الأعمال البسيطة وأحمل طعامه وأقوم بطي شِبَاك الصيد في آخر اليوم ، كنتُ أفعل ذلك في الإجازة الصيفية ، كان أبي من قائمة عشرة رجال يعملون لدى المعلم رجب ، وهو رجل متسلط ثري يملك قوارب صيد وعمال وتصاريح وأماكن نفوذ على الشاطئ ، وهو ممن يستطيعون إنعاش السوق أو كساده متى أراد ، كان أبي يعمل على قاربه ليبيع له ما رزقه الله به بنصف الثمن ،
لماذا نصف الثمن ؟
لأن أبي لا يملك قاربا ولا تصريحا ، لكن الرجل كان يعامل أبي معاملة طيبة نظرا لإخلاص أبي له ، فكان كل ليلة خميس يمنحه مكافأة مجانية ، هذه المكافأة لم تكن إلا أسماكا .

وجاء يوم لا أنساه ، إن ما يتعلق بذهن الصغار لا يزول بسهولة ، عاد أبي من العمل متأخرا ، وكنتُ نائما وأحسستُ بقبلة باردة على جبيني وأنا نائم فتيقظتُ لكنني اصطنعتُ النعاس ، وسمعتُ ما دار بين أبي وأمي :
ـ اخرجي ما في الكيس يا نادية .
قامتْ أمي بإخراج سمكة هائلة الحجم اعتقدتُ وقتها أنها تزن خمسة كيلوجرامات ، واعتقدتْ أمي إن هذا نصيب أبي هذا الأسبوع ، لكنها تعجبتْ حينما عرفتْ أن السمكة بطنها مشقوق ، فقال أبي ليزيل عنها تعجبها :
ـ السمكة دى من نصيبي ... قدمها لي المعلم رجب اليوم مكافأة ... وبالصدفة شقيت بطنها ولقيت دى .
هنا فتحتُ عينيّ دون أن يراني أحدهما فرأيتُ جوهرة لامعة متوسطة الحجم غريبة الشكل ، وحين رأتها أمي قالتْ :
ـ يالهوى ... اوعي تكون سرقتها .
أجاب أبي مسرعا في ضحكة قصيرة :
ـ دى من نصيبي ومن رزقي .
قالتْ أمي في انبهار وهى تتأمل تلك الجوهرة :
ـ وهتعمل ايه ؟
أجاب أبي مبتسما :
ـ ودا سؤال برضه يا نادية ... بكرة هوريها للخواجة ( يوجين ) ... هو الوحيد اللي هيعرف يقدر تمنها .

في صباح اليوم التالي اصطحبني أبي إلى صرافة الخواجة يوجين ، كان رجلا أبيضا أحمرا كأنه مُصاب بضربة شمس ، له شعر أبيض متناثر ، حملق الرجل في الجوهرة وقال بلهجة عربية محطمة :
ـ إزاي لقيت القرط ده يا راجل ؟!
قالها وهو يقلب الجوهرة بين كفيه بعينين لامعتين ذائغتين ، أجاب أبي بعد أن جذبها منه :
ـ دا مش شغلك يا خواجة ...أنا عاوز اتمنها .
قال الخواجة في شك :
ـ دا اسمه قرط شانيير ( Charniéres ) معروف عندنا في اليونان ... من الذهب الخالص عيار 18 و...
ثم صمتَ قليلا كأنه يتذكر شيئا وقال :
ـ والذهب مرصّع بحجر ماس قطع باغيت ... عليه روديوم أسود .
قال أبي متلاحق الأنفاس في فخر :
ـ أنا مفهمش روديوم أسود ولا أبيض ...أنا عاوز أعرف تمنه كام ؟ ...وابيعه فين ؟
قال الرجل بعد تفكير :
ـ دا قرط نادر من أشهر ماركات المجوهرات اليونانية ... بس لو عاوز تبيعه يبقى ليا الحلاوة .
قال أبي وقد أشرق وجهه :
ـ أكيد ... أكيد يا خواجه .
قال الخواجة وهو يدوّن شيئا في ورقة :
ـ دا عنوان الخواجة ( اركون ) ... فى القاهرة ...قوله انك من طرفي ... هو مهووس بالماركات دى وهيشتريه منك .
قال أبي وهو يقبض على يدي ويهمُّ بالانصراف :
ـ طيب يجيب كام ؟
أجاب الخواجة بعد أن ضَيَقَ عينيه :
ـ مش أقل من 2 مليون جنيه .
حينما أولاه أبي ظهره منصرفا سمعتُ الخواجة يقول :
ـ متنساش الحلاوة .

خلال أسبوع كنا في القاهرة ، استأجر أبي الشقة التي نسكن فيها الآن ، لم أكن منبهرا بالعيش في تلك الحارة الشعبية بعدما أعتدتُ حياة البحر والشاطئ ، وبعد شهر من انتقالنا إلي القاهرة اختفى أبي ، خرج ولم يعد ، كنتُ صغيرا وظننتُ أنه في سفر ، وكنتُ كلما سألتُ أمي كان تجيب عليّ بدموعها ، وحينما تكرر سؤالي بإلحاح أخبرتني أنه غادر مصر للعمل ، علمتُ بعد ذلك أن أمي أبلغتْ الشرطة وبحثتْ عنه في المستشفيات وأقسام الشرطة دون جدوى ، كنتُ أبكي كلّما تذكرته وأرى ذكرياتي معه من خلال دموعي ، أراني وأنا أحمل له الطعام ثم أركب معه على ظهر القارب وأرتب له شبكة الصيد وأصنع له الشاي ، كنتُ أفعل ذلك بمهارة وبلذة ، كان أبي كل شيء في حياتي ، كان يحبني ، لذلك لم أصدق يوما قصة اختفائه هذه ، كنتُ أشاركه أوقاته في العمل طوال الإجازة الصيفية ، وحينما كان يلم الشبكة ولا يجد أسماكا لم يكن ليغضب ، كان يدعو الله طالبا الرزق ثم ينشد الأغنية التي أحفظها عن ظهر قلب :
ـــ صيادين والرزق كتير صيادين ...صيادين
ـــ صيادين والرب كبير صيادين ...صيادين
ـــ بنحبوك يا ساكن بحري صيادين .. صيادين

كنت أحب هذه الأغنية لما فيها من إيقاع جميل وكلمات تدعو إلى طلب الرزق والاعتزاز بمهنة صيد الأسماك ، درستُ في الثانوية العامة وحفظتُ القران على يد الشيخ ( عبد الحميد ) أحد مشايخ الأزهر الذي علّمني كثيرا في الفقه والتفسير وقربني منه ، فلازمته فترة طويلة وتعلمتُ منه كيفَ أداوى السحر والمس بالقرآن الكريم والرقية الشرعية ، وكان الرجل عفيفا ، فلم أره يتقاضى مليما نظير ما يقوم به من فعل الخير ، ونصحني أن التحق بالقسم العلمي نظرا لتفوقي وتخرجتُ في كلية الهندسة ، وحينما لم أجد عملا في مجال هندسة القوى الميكانيكية أراد الشيخ عبد الحميد أن يخفف عني حزني ، فوعدني أن يتحدث مع أحد علماء مشيخة الأزهر، لكن تخصصي وقف حائلا أمام التحاقي بوظيفة في الأزهر الشريف ، لم يفقد الشيخ عبد الحميد الأمل ، واقتنص فرصة حاجة وزارة الأوقاف لعمَال مساجد وقدمتُ بمؤهل الثانوية العامة وتم قبولي ، ثم استكملتُ دارستي انتسابا في الأزهر ورُقيتُ إلى مقيم شعائر ، وفى نفس الوقت لم أنسَ الهندسة ، فبدأتُ أمارس هوايتى وافتتحتُ محلا برأس مال قليل وسرعان ما ذاع صيتي في مجال ميكانيكا السيارات ، واشتريت المحل بعد أن كان إيجارا ، واشتريت البيت الذي أسكن فيه ، كل هذه الأحداث وكل هذه السنوات ولم يغب عني والدي لحظة واحدة ، كنتُ أراه في أحلامي في حالة جيدة إلا أن عينيه كانتْا حائرتين تودان قول شيء ما ، كنتُ متيقنا أنه يريد أن يخبرني شيئا .

في المساء كنتُ أحتسى الشاى مع عادل بيه صديقي وزميل الدراسة القديم ، قلتُ بينما هو يشاهد مباراة كرة قدم :
ـ سيبك من الماتش وركز معايا يا عادل ... قولى ابدأ منين .
قال في تململ :
ـ كون انك بتشوف أبوك فى أحلامك ... وكون إن مراتك قصدي خطيبتك قصدى مراتك اللى هى خطيبتك بتشوفه في أحلامها ...دا كله مش دليل إن أبوك مات ...ومات مقتول كمان زى ما بتقول .
قلتُ وأنا أرشف الشاي :
ـ بس مراتى شافت الشخص اللى بيقتل أبويا .
قال في انبهار رافعا صوته :
ـ حلو أوى ... شافته فين بقا ؟
أجبتُ مسرعا :
ـ في التليفزيون .
قال في لا مبالاة :
ـ غريبة يا زوز ... مع إن التليفزيون بيذيع الماتش دلوقتي .
قلتُ في جدية :
ـ يعني هي مصلحتها إيه إنها تكذب .
أجاب في ثقة :
ـ وأنا استحالة أصدق الكلام الفارغ ده ... يعني إيه الإرسال يقطع ويظهر أبوك على الشاشة بالأبيض والأسود والارسال يرجع تاني ... دا اتحاد الإذاعة والتليفزيون متعرفش تعمل الفانتازيا دى .

قلتُ وأنا أغلق جهاز التليفزيون حتي أغيظه :
ـ الكلام ده تقوله وانت ظابط شرطة ... لكن دلوقتي انت صاحبي .
قال وهو يشعل سيجارة :
ـ اه ... هترجع تاني تذلني بلتر الدم اللى تبرعتلي بيه .

قلتُ في غيظ :
ـ يا عادل انت ليك صلاحيات تدوّر وتعمل تحرياتك ...اتصرف بقا .

قال بعد لحظات صمت :
ـ طيب اسمع ... طالما مراتك قصدى خطيبتك ... يا عم هى مراتك ولا خطيبتك ولا طليقتك لخبطتني .

قاطعته في نفاذ صبر :
ـ خالتي ... خالتي يا عادل ...انجز بقا .

قال :
ـ طالما خالتك شافته في التليفزيون وأحلامها كذا مرة خليها ترسمه ... وأنا هقارن الصورة المرسومة بكل صور مجرمين الجنايات ... وربنا يستر بقا ... علشان حاسس إن فصلى من الشغل هيكون على أيدك وعلى أيد خالتك .
قلتُ وأنا أنصرف محاولا إغاظته :
ـ خطيبتى يا عادل ... خطيبتيى .

في اليوم التالي كانتْ نورا قد تحسنتْ تماما واستعادتْ نضارتها وابتسامتها ، واصطحبتها إلى شقة زوجة أبيها التي كانتْ قد عادتْ ، واستقبلتنا السيدة استقبالا جافا ، ثم طلبتُ منها عقد بيع الشقة وقمتُ بتصويره بهاتفي ، وجمعتْ نورا ملابسها وأغراضها وكتبها وقبل أن نغادر عرفتُ من سعاد أنها ستبيع الشقة ، وسألتني إن كنتُ أعرف أحدا يريد شرائها ،
ثم انصرفنا .

في نفس الليلة جلستُ مع نورا وقلتُ :
ـ عاوزك بقا تركزى وترسمى الراجل اللى بتشوفيه بيقتل أبويا .
قالتْ في عجب :
ـ أرسمه ... ارسمه إزاي يعنى ؟... أنا مبعرفش أرسم أصلاً .
قلتُ في رقة :
ـ انتي بتقولى انك شفتى المشهد ده كتير ... يبقى تعصرى دماغك بقا وترسمى الرجل بملامحه بهدومه بنظرته بالشر اللي فى عنيه .
أوماتْ برأسها موافقة ، فتركتها وبجوارها مجموعة أوراق بيضاء فارغة وأقلاما ، ثم انصرفتُ .

عدتُ من الخارج بعد الساعة الحادية عشرة ، طرقتُ باب غرفتها وولجتُ حينما سمعتها تأذن بالدخول :
ـ ها .... رسمتيه ؟
أجابتْ في فتور :
ـ بصراحة كل مرة أرسمه أحس إنه مش هو ...وبقطع الورقة .
قلتُ في لين :
ـ مش مشكلة ... خدى وقتك ... استريحى انهارده وكمّلى بكرة .
وقبل أن أنصرف سمعتها تقول :
ـ انت رايح فين ؟
أجبتُ :
ـ هشوف أمي لو محتاجة حاجة... وهنزل أبات في المحل .
قالتْ في خجل بعد أن بدا الارتباك على ملامحها :
ـ لا ...بات هنا .
لم أصدق ما أسمعه من الفرحة واقتربتُ منها دون وعي وقبل أن أقبل جبهتها تراجعتُ في اللحظة الأخيرة حرصا على راحتها ، وتذكرتُ وعدى لها حينما أخبرتها بأنني لن أفعل شيئا يرفضه قلبها ، فلربما هي طلبتْ مني المبيت هنا من باب الجدعنة وليس من باب الحب .

مرتْ ثلاثة أيام كنتُ حريصا فيها على راحة نورا ، كنتُ أحكي لها عن نفسي ثم ألقي بعبارة غزل غير مباشرة وأنصرف ، وفى تلك الأيام لم تفلح في رسم صورة الرجل ، فكنتُ أشجعها وأطلب منها معاودة الرسم ، حتي جاء مساء اليوم الرابع ، كنتُ عائدا من الخارج فرأيتها تجلس في الصالة مع أمي ، وما إن رأتني حتى هرعتْ إلى غرفتها وجاءتْ لي بالصورة المرسومة في خجل وفرح طفلة صغيرة ، نظرتُ إلى الصورة فرأيتُ رجلا ممتلئ الجسم له شارب عريض يتردي جلبابا ، جذبتُ منها الصورة وأنا أقول :
ـ متأكدة يا نورا ؟
أجابت :
ـ أيوه متأكدة طبعا .
لم أبدل ملابسي واتجهتُ مسرعا إلى عادل ، وحينما رآني قال ساخرا كعادته :
ـ ايه ... مرات خالك شافت المشهد بالألوان المرة دى ولا إيه ؟
قلتُ :
ـ عارف لولا إني متعود على غلاستك كنت اديتك بالبوكس فى وشك .
قال وهو يغلق باب الشقة :
ـ وعلى إيه ؟... الطيب أحسن ...ادخل عبال ما أعملك قهوة .
قلتُ مسرعا :
ـ لا قهوة ولا كافتيريا .
ثم وضعتُ الصورة المرسومة تحت أنفه ، فتأملها طويلا طويلا حتى ظننتُ انه أصيب بالعته ، فقلتُ من فوري :
ـ إيه ؟ ... بتشبه علي حد من المجرمين ؟
قال في ذهول :
ـ انت أكيد عايز تفصلني من الشغل .
قلتُ بعدما ظننته يسخر كعادته :
ـ هى الصورة مش شبه حد من المجرمين ولا ايه ؟
أجاب في نفس الذهول وهو يتأمل الصورة :
ـ مجرمين إيه الله يخرب بيتك .
قلتُ متعجبا :
ـ ايه ؟... فيه ايه ؟
قال وهو يشير إلى جلباب الرجل المرسوم :
ـ عارف لو الراجل ده لبس بدله بدل الجلابيه هيطلع مين ؟
قلتُ في غباء :
ـ هيطلع مين ؟
أجاب :
ـ عبد المجيد بيه شاهين

•تابع الفصل التالي "رواية نصف انسانة " اضغط على اسم الرواية

تعليقات