رواية نصف انسانة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم السيد عبد الكريم
الفصل الرابع عشر....ترويه( نورا قاسم )
مات أبي ، ومنذ أن مات وأنا أتجاهل السؤال الذي يدور بداخلي : ---- هل حزنتُ عليه ؟
أتجاهل هذا السؤال لأن إجابته أليمة عجيبة ، أنا لم أحزن على فقدان أبي ، لأني لم أشعر يوما أنه أبي ، حينما كنتُ أنام في برد الشتاء وينزلق غطائي لم أشعر بيد تشد غطائي لتغطيني ، حينما كنتُ أعود بدرجات نجاحي في الثانوية لم أجدْ من ينهال عليّ بالقبلات مغدقا عليّ الهدايا لتفوقي ، حينما اشتدّ فوق رأسي وهج الصيف لم أجدْ من يظلني ، حينما دقّ قلبي بالحب لأول مرة لم أجدْ من أحدثه وأفضض له ، حينما مرضتُ وحيدة في قريتي لم أجد من يداويني ، وتلك اليد التي تشد علينا غطاءنا في الشتاء وتظلنا من سعير الصيف وتقدم لنا الدواء في مرضنا هي الأب ، تلك الكلمة المختصرة اختفتْ من قاموسي منذ طفولتي ، هذان الحرفان المبعثران المتناسقان المتناغمان الموسيقيان المحببان ( الألف والباء ) فقدا قيمتهما في حياتي ، ولم أجد مخلوقا في عالمي الصغير جديرا بهذين الحرفين إلا عم حسين ، لم أزرف الدموع ولم ينقبض قلبي ولم أجد ذكريات يعاودها عقلي بشأن أبي ، لكن حزني الوحيد كان بسبب ما ينتظرني من زوجة أبي ، ولم يمر شهر واحد حتى قالتْها سعاد صريحة جلية :
ـ أبوكي مات .
أنا أعرف ما ترمي إليه ، هي تريد طردي ، لم أكنْ أتوقع أن تطردني بهذه السرعة ، قلتُ لها وأنا اصطنع الغباء :
ـ ربنا يرحمه ويصبرك يا مرات أبويا .
قالتْ في مكر :
ـ أنا قصدي انك تشوفي مكان تعيشي فيه يا حبيبتي .
قلتُ مبهورة الأنفاس في قلق :
ـ إزاي يعني؟ ... مش أنا بنته ولي حق أعيش معاكي في شقة أبويا .
قالتْ وهي تُخرج من صدرها ورقة صفراء قديمة :
ـ الشقة باسمي يا عنيا .
قالتْها وهي تضع الورقة تحت أنفي ، قرأت الورقة في ارتباك وأسى ، وعرفتُ أنه قد استأجر الشقة فى بداية الامر ، ثم اشتراها من الحاج سعيد ، ثم باعها لزوجته ، كنتُ أتوقع هذا ، لكن سبب قلقي وارتباكي أنني أين سأعيش؟ قلتُ وأنا أعيد لها الورقة :
ـ بس أنا هنا وحيدة ومعرفش حد ... استحمليني لحد ما أخلص جامعة وهرجع القرية ... وأوعدك إني هعيش هنا خدامة ليكى ولوفاء أختي .
قالتْ بعد أن مصمصتْ شفتيها :
ـ تخلصي جامعة !!!... يا حبيبتي أنا هبيع الشقة وبحقها هاخد الشقة اللي قدام شقة ماما .
قلتُ في نبرة لا تخلو من مذلة:
ـ طيب وأنا هعيش فين ؟
أجابتْ دون تفكير :
ـ انتي ناسية انك على ذمة راجل .
سألتُ في استغراب :
ـ إزاي يعني ؟
أجابتْ :
ـ معتز ... جوزك ... طالما كتبتوا الكتاب يبقي على الورق انتي مراته وقدام الناس انتي مراته وقدام ربنا انتي مراته .
سقطتْ دمعة جاهدتُ في كتمانها وأنا أقول :
ـ طيب خليني معاكي لحد ما تبيعي الشقة .
قالتْ وهي تحرك خصلات شعرها بأصابعها :
ـ وحياتك هجيب سمسار من الشهر اللى جاي .
ثم التقطتْ جهاز التحكم عن بعد ( ريموت كنترول ) ، وقالتْ دون أن تنظر نحوي :
ـ هصبر عليكي أسبوع واحد تكوني دبرتي أمورك ... أنا هروح عند ماما بكرة وهرجع الخميس اللى جاي ... أجي الاقيكي مشيتي .
قلتُ ساخرة :
ـ أسبوع ؟!
قالتْ :
ـ كنت ناوية اطلعك من الشقة انهارده ... بس خليها أسبوع علشان خاطر المرحوم .
نهضتُ وتوجهتُ إلى غرفتي فسمعتها تقول :
ـ متنسيش ... لما تمشي ابقي سيبي مفتاح الشقة مع توحيدة ... اللي ساكنة تحتنا .
في اليوم التالي غادرتْ سعاد وذكرتني بما قالتْه ليلة أمس فأومأت لها موافقة ، وجلستُ في الصالة أبكي ، تذكرتُ أمي ونصائحها ، كانتْ توصيني بأن أقابل السيئة بالحسنة وأن القناعة كنز، وأن الفقر مش عيب ، وأن الأخلاق هي ما تدوم ، وأن الحياء هو كنز الفتاة الحقيقي وأن المجتمع رحيم ، وبعد أن رأيت المجتمع وقسوته أود أن أصرخ في وجه أمي وأخبرها أنها كاذبة ، نعم كاذبة ، أين هو المجتمع الذي يرحم ؟
لماذا لم ترحمني زوجة أبي ؟
ولماذا لم يُعجب حسام بكنزي الحقيقي ؟
أقصد حيائي .
تذكرتُ حسام وخطرتْ ببالي فكرة ،
سأتصل به ، نعم كيفَ غاب عني هذا ؟!
أخرجتُ هاتفي وبحثتُ عن اسمه ، سأخبره أنني لا أستطيع نسيانه رغم كل شيء ، ارتعشتْ يدي وأنا أضغط على زر الاتصال ، ثم قلتُ :
ـ حسام ... عامل إيه ؟
فسمعتُ مَنْ يقول :
ـ حسام مين ؟
فعلا ليس صوته ، هل قام بتغيير رقم هاتفه ، لماذا ؟
قال الصوت على الجانب الأخر :
ـ عايزه مين حضرتك ؟
أجبتُ في تلعثم :
ـ مش دا رقم حسام عبد المجيد .
أجاب :
لا النمرة غلط ... أنا مش حسام ... ينفع حسن ؟
أغلقتُ الخط وأنا أبكي ، ثم سمعتُ سقوط أحد الأطباق بالمطبخ فقفزتُ مترين للأعلى وهرولتُ إلى المطبخ ، رأيتُ موقد البوتاجاز مشتعلا وعليه مقلاة كبيرة الحجم بداخلها أسماك تبقبق ، أسرعتُ إلى الصالة وأدرتُ محطة التليفزيون على قناة القران الكريم ، ثم هرعتُ إلى غرفتي وارتديتُ ثوب الخروج على عجل وثبّتُ حجابي على رأسي وأنا ارتعش ، خرجتُ راكضة فاصطدمتْ قدمي بحافة السرير ، شعرتُ بألم شديد ، سقطتُ ونهضتُ بصعوبة وأنا أبكي ، خرجتُ إلى الصالة أركض على قدم ونصف قدم ، تركتُ جهاز التليفزيون يعمل ، وحينما فتحتُ باب الشقة كنتُ أسمع بقبقة الأسماك في الزيت وصوت رجل يغني قائلا :
صيادين والرزق كتير صيادين ...صيادين
صيادين والرب كبير صيادين ...صيادين
بنحبوك يا ساكن بحري صيادين .. صيادين
كانتْ الأغنية ذات إيقاع موسيقي شعبي باعث للنشاط ، وكلماتها تحث على التوكل على الله في طلب الرزق ، هبطتُ درجات السلم متلاحقة الأنفاس وأنا أطوي ثلاث درجات في الوثبة الواحدة ، وحينما وصلتُ لمدخل البناية توقفت التقط أنفاسي فوجدتُ الدماء تسيل من قدمي ، تحاملتُ وأسرعتُ حثيثة الخطي ، وما هي إلا دقائق حتى كنتُ أطرق باب شقة مكة طرقات متتالية سريعة ، وما إن فتحتْ مكة الباب حتى سقطتُ مغشيا عليّ فاقدة الوعي .
الساعة الحادية عشرة مساء فتحتُ عينيّ لأري نفسي ممدة على سرير، وعلى يميني شخص ما يقبض على يدي ، ومن خلفه سيدة دامعة العينين ، سمعتُ السيدة تقول :
ـ حمد الله علي سلامتك يا نورا .
حينما دققتُ النظر عرفتُ أنها والدة معتز ، قال معتز وهو يقبض على يدي أكثر :
ـ اطمني انتي بخير.
علي الناحية اليسرى سمعتُ مَنْ تقول :
ـ سلامتك يا نورا ... كده تخضينا عليكي .
كانتْ المتحدثة هي مكة التي كانتْ تجلس بجوار والدتها ، قلتُ بصوت لا يكاد يكون مسموعا :
ـ أنا فين ؟!
قال معتز في عطف :
ـ متقلقيش ... شوية وهنروح .
هنا دخلتْ إحدى الطبيبات ، فأفسح معتز لها الطريق ، اقتربتْ منيّ الطبيبة ونزعتْ من يدي إبرة كانتْ تحمل خرطوما صغيرا ثم قالتْ :
ـ تقدروا تروحوا ...بس الغيار على الجرح كل يوم لمدة 4 أيام .
قلتُ في هلع :
ـ جرح ؟! ...جرح إيه ؟
أجابتْ الطبيبة قائلة :
ـ 6غرز في كعب رجلك ... نزفتي كتير لاني مشيتي على رجلك المجروحة ... على العموم ترتاحي وتلتزمي بالعلاج ... وتيجي بكرة نغيرلك على الجرح .
هنا تذكرتُ تعثري في طرف السرير الحاد ، والدم الذي رأيته يسيل من قدمي في مدخل البناية ، وكيفَ ركضتُ على قدمي المجروحة حتى وصلتُ إلى شقة مكة ، غادرتْ الطبيبة بعد أن أعطتْ معتز بعض الأوراق ، ثم تقدم نحوي وهو يقول :
ـ اتكي عليا لحد تحت ... العربية مستنية .
خرجنا من المستشفي وكانتْ سيارة أجرة في انتظارنا ، بعد قليل توقفتْ السيارة في أول الحارة ، قالتْ والدة مكة :
ـ خليها تطلع تبات مع مكة يا معتز .
قال معتز :
ـ لا يا خالتي ... عندنا وعندكم واحد .
قلتُ في نفسي :
ـ يالهوي ... ايه ده ... هو بيقول ايه ؟!
ثم قلتُ مسرعة في ضعف :
ـ لا لا ... أنا هروح .
قالتْ والدة معتز وهي يفتح باب السيارة :
ـ ترروحي فين يا نورا وانتي تعبانة كده ؟
ثم تذكرتُ الرعب الذي رأيته في شقة أبي ، لذلك وافقت .
في شقة معتز تمددتُ على سرير صغير ، كنتُ في غرفة أنيقة متوسطة الحجم ، ليس معي سوي مكة التي قالتْ :
ـ خضتينا عليكي ...احكيلي اتعورتي إزاي .
قلتُ في ضعف :
ـ قوليلي انتي الاول ... الدكتورة قالتْلكم إيه ؟
أجابتْ :
ـ انخفاض في الدورة الدموية ودا اللى سبب الإغماء ..دا غير الجرح اللي في رجلك .... قوليلى إيه اللى حصل بالضبط ؟
حكيتُ لها ما قالتْه لي زوجة أبي ، وما حدث معي في المطبخ والصالة وسقوطي على الأرض بعد تعثري في حافة السرير فقالتْ :
ـ بصي ...انتي لازم تحكي لمعتز على كل حاجة .
قلتُ ُوكنتُ قد نسيتُ أنني في شقتهم :
ـ يالهوى ..احكي إيه ...أنا أصلاً مش عارفه هبات هنا ازى مع واحد ....
قاطعتني قائلة :
ـ واحد جوزك .
ثم ضحكتْ وهي تُكمل :
ـ دا لمّا عرف ساب كل اللي في ايده وقفل المحل وجه جري هو وأمه وخدك على المستشفي .
ثم دلفتْ إلى الغرفة أم معتز من خلفها أم مكة ، قالتْ والدة معتز :
ـ مكة كفاية عليكي كده روحي مع مامتك ... احنا سهرناكم وتعبناكم .
قالتْ مكة :
ـ متقوليش كده يا خالتي ...لولا إن الباشمهندس أصرّ إن نورا تبات هنا احنا كنا هنشيلها فى عنينا .
قالتْ أم معتز :
ـ ربنا يبارك في عمرك يا بنتي .
قبّلتني مكة ، وصافحتني والدتها وغادرا ، ثم جلستْ والدة معتز بجواري وقالتْ :
ـ هجيب الأكل واجيلك عبال ما معتز يكون جه من تحت .
قلتُ مسرعة :
ـ لا لا ...أنا مش جعانة .
هنا سمعتُ معتز يقول ويبدو أنه سمع حديثنا :
ـ خليكي هنا انتي ياست الكل وأنا اللى هجيب الاكل .
ثم وضع مجموعة من الأدوية وخرج ، ثم عاد بعد لحظات وبين يديه صينية صغيرة عليها طعام وقال وهو يضعها على سريري :
ـ بصي بقا ...العلاج فيه مكسنات وأقراص ومضاد حيوي فلازم تاكلي ..عايزك تخلصي الأكل ده كله .
ضحكتْ والدته وقالتْ وهي تخرج :
ـ وأنا هقوم أعمل الشاي .
كنتُ محرجة مرتبكة ضعيفة ولم أتكلم فقال من فوره :
ـ أنا هخرج علشان تاكلي براحتك ... لو احتجتي اى حاجة اندهي .
قلتُ في ارتباك وخجل وضعف :
ـ شكرا .
كنتُ أتناول الطعام وأنا شاردة الذهن شاعرة بدوارخفيف برأسي وألم في قدمي ، كيفَ سأبيت هنا ؟!
لا أستطيع أن أعيش حياتي الطبيعية هنا ؟!
كيفَ سأبدل ملابسي وأصلي ، وأقضي يومي هنا ؟!
ياله من كابوس !
حينما فرغتُ من طعامي سمعتُ طرقات على الباب فقلتُ :
ـ تفضل .
دلف معتز إلى الغرفة وهو يقدّم لي مشروبا من العصير ثم قال :
ـ أنا وأمي هنشرب شاي ... بس أنا عملتلك عصير .
قلتُ في صوت أشبه بالهمس :
ـ شكرا .
وتذكرتُ حسام حينما كان يحضر لي في كل مرة عصير الفراولة ، رأيتُ معتز وقد حمل صينية الطعام الفارغة وقال :
ـ دا بيتك ... خدي راحتك .
استدار ناحية الباب وقبل أن يخرج نظر نحوي وقال :
ـ لو مصلتيش العشا ابقي صليه حتى وانتي قاعدة ...على فكرة أنا هبات بره علشان تتحركي براحتك .
قالها ثم خرج .
شربتُ العصير ورحتُ أجول بعينيّ الحجرة ، كنتُ أرى نافذة مسدول عليها ستارة كبيرة ذات لون أبيض ، على اليسار مكتب صغير عليه مجموعة من الكتب خلفه دولاب ملابس ، وعلى اليمين بالقرب من السرير منضدة عليها زهرية وكتب وزجاجة مياه ، وبجوار المنضدة باب الغرفة ، طرقتْ والدة معتز الباب ثم دلفتْ قائلة :
ـ أنا هنام بقا يا نورا ... اندهي عليا لو احتجتي حاجة .
قلتُ سائلة :
ـ هو معتز هيبات فين ؟
أجابتْ :
ـ هيبات تحت في المحل .
قلتُ :
ـ طيب وليه ؟..... كان بات هنا وأنا كده كده بكره هرجع البيت .
قالتْ :
ـ لو سمعك بتقولي كده هيزعل ... هو مش هيسيبك تروحي إلا لمّا تخفي خالص .... ولا انتي زهقتي مننا من أول ليلة ؟
قلتُ على الفور :
ـ لا لا مش كده خالص ...أنا أصلاً محرجة أوي إني تعبتكم ... ومش عارفه هينام إزاي في المحل في الحر ده ؟
أجابت :
ـ المحل فيه مروحة وهو أخد معاه غطا وفراش .
نمتُ ليلتي في سكون عميق ، لم تهاجمني الكوابيس ، ولم تهزني يد زوجة أبي صباحا وهي تطلب مني طنا من الأعمال من تنظيف وغسل وطهي ، حينما استيقظتُ صباحا لم أجد ما أفعله ، وخجلي منعني من أن أخرج من غرفتي بعدما ظننتُ أن والدة معتز مازالتْ نائمة ، نهضتُ وتحاملتُ على قدمي وجلتُ في الحجرة ، ثم جلستُ على المكتب الصغير ورحتُ أتصفح الكتب ، كانتْ عن الهندسة وعن القوي الميكانيكية ، وبعض دواوين المدائح النبوية لأحمد شوقي ، وبعض الكتب التاريخية ، وخطب منبرية عليها شعار وزارة الأوقاف ، كنتُ شاردة وأنا أتصفح عناوين تلك الكتب ، ثم أفقتُ من شرودي اثر سماعي طرقات على باب الغرفة ، ولمّا طالتْ الطرقات دون أن يدخل صاحبها قلتُ :
ـ تفضل .
ـ ما شاء الله ... انتي انهارده أحسن بكتير .
قالها معتز متهللا في حبور بعد أن رآني أجلس على مكتبة ، توترتُ قليلا فلم أكنْ أتوقع مجيئه مبكرا في هذا الوقت وقلتُ :
ـ الحمد لله أحسن .
ثم أردفت :
ـ هي الساعة كام دلوقتي ؟
أجاب بسؤاله :
ـ هو تليفونك مش معاكي ؟
قلتُ مرتبكة :
ـ لا ..أصـ ....أصلي نسيته في الشقة .
قال بعدما جلس على طرف السرير :
ـ طيب وبتسألي ليه على الساعة ؟... وراكي مشوار .
قلتُ وأنا انظر إلى الكتب التي تستقر على المكتب :
ـ لا ...عادى يعني .
قال في مرح :
ـ بصي ...طالما قدرتي تقومي وتتمشى كده على رجلك ... يبقى زى الشاطرة تقومي تتوضى ... وعند كعب رجلك تمسحي على الضمادة وتيجي تصلي عبال أنا ما أكون جبت الفطار من تحت .
ثم أكمل وهو يبتسم :
ـ على فكرة أنا هجيب الفطار من تحت ... يعني مش هكون موجود في الشقة ...علشان عرفك بتتكسفي ...يلا خدى راحتك .
فقلتُ بصوتٍ منخفض :
ـ حاضر .
نهض واستدار وسمعته يقول :
ـ يا سلام ...أول مرة أشوف واحدة بتتكسف من جوزها .
وحينما أنهى جملته وهو يوصد الباب خلفه كنتُ ابتسم .
بعد قليل دلفتْ الغرفة والدة معتز واطمأنتْ على حالتي وأخبرتني أنها مستيقظة منذ ساعة لكنها رفضتْ أن تيقظني حتى لا تزعجني ، أخبرتها أنني أريد الصلاة ، فأصرتْ أن اتكأ عليها ولم تتركني لا وأنا على سجادة الصلاة وخرجتْ .
حينما انتهيتُ من صلاتي شعرتُ براحة كبيرة ، ورحتُ أفكر في تلك الأسرة الصغيرة ، وكيفَ يعيشان في هدوء وترابط ، معتز بدا لي ودودا شهما ...
لكن ...
أه .....
مازلتُ أحب حسام ...
ومهما فعل معتز فان هناك أوتارا في قلبي لا يستطيع أن يهزها إلا حسام ، ذلك الشعور الغريب العجيب وتلك الأحاسيس المتضاربة المحببة لنفسي لا أشعر بها إلا مع حسام ،
حسام .......
أين أنتَ يا حبيبي ؟!
لماذا فعلتَ ذلك معي ؟!
لماذا جعلتني أعشقك وكنت تخطط لي الشر ؟!
هل كنتَ غائبا عن وعيك وقتها ؟!
هل كانتْ نزوة في ساعة ضعف ثم قررتَ الابتعاد حينما أحسستَ بالذنب نحوي ؟!
هل كنتَ تنوى أن تتزوجني أم كنتَ تتسلي بي ؟!
ثم تذكرته حينما كان يرقص مع شيرين وحينما جذبني من يدي وركضنا مثل الأطفال لنركب المرجيحة ، يا لها من ذكريات !
كنتُ بين يديه كالدمية المسحورة يقلبني بكفيه كيفَ يشاء :
ـــ سيبي قلبك هو اللي يتكلم ...
ـــ يظهر إني هحب كتابة الأبحاث ....
ـــ قوليها بلسانك ولو مرة واحدة يا نورا ...
ـــ انتي حلوة من غير مكياج .......
ـــ ثمرة الفروالة بتفكرني بقلبي المسكين اللي هي مش حاسة بيه ....
شعرتُ بسائل ساخن يبلل شفتيّ وأنا أتذكر كل هذا ، لم يكن هذا السائل سوى دموعي التي انهمرتْ دون إرادة منّي ، سمعتُ مَنْ يطرق الباب ، فقلتُ وأنا أجفف دموعي :
ـ تفضل .
دلفَ معتز يحمل الفطور وحينما رأى أثر الدموع في عينيَ وعلى وجنتيَ تغيرتْ ملامح وجهه ثم وضع صينية الطعام الصغيرة على السرير وقال في لطفٍ وعطف :
ـ دموع ؟! ... مالك يا نورا ؟
قلتُ مسرعة في عدم ثقة :
ـ لا مفيش .
قال في أسى وتأنيب نفس :
ـ فيه اى حاجة دايقتك مني ؟.... على فكرة أنا هطمن عليكي وهنزل المحل ومش هطلع إلا بالليل... يعني قعادي هنا مش هيكون كتير .
قلتُ وأنا أنهض من على سجادة الصلاة :
ـ ليه بتقول كده ؟!... ولو كان على دموعي فأنا طبيعتي كده ... بعيط كتير من غير سبب .
قال وهو يُشير لي كي أجلس بجوار الطعام :
ـ بصي يا نورا ... أنا مش صغير ... أنا عارف انك مدايقة إننا كتبنا الكتاب من غير فترة تعارف وتقارب ... بس ياستي أنا مكنش ينفع اقرب منك إلا في الحلال زى ما قلتلك ... وعامة اعتبرينا في فترة الخطوبة ... وبعد فترة الخطوبة لو لسه مش مرتاحة أنا هختفي من حياتك .
قلتُ وأنا أنظر بعيدا :
ـ الموضوع ...
قاطعني قائلا :
ـ الموضوع انك متتكلميش وتاكلي علشان تاخدي العلاج ... وعلى المغرب كده هتيجي ممرضة تغيرلك على الجرح .
قلتُ :
ـ بس مش الدكتورة قالتْ نروحلها المستشفى تغيرلى على الجرح ؟
أجاب :
ـ أنا اجيبلك المستشفي كلها هنا ... المهم انك تكوني بخير .
ثم استدار وقال وهو يخرج :
ـ أنا في الصالة هفطر مع أمي ... لمّا تخلصي فطار خبطي على الباب من جوه عشان أجي .
حينما انتهيتُ من فطوري فتحتُ الباب وحملتُ الصينية بعد أن قررتُ أن أخدم نفسي لأخفف عنهما أعباء إقامتي معهم ، وما إن رآني أحمل الصينية حتى هرول نحوى وقال معاتبا وهو يحملها عنّي :
ـ لا لا كده ازعل ... انتي تستريحي وأنا هعمل كل حاجة .
شعرتُ بالحرج من حسن معاملته ودلفتُ إلى حجرتي ، ثم طرق الباب ولم يدخل إلا بعد أن سمعني أسمح له بالدخول ، جذب زجاجة دواء وأفرغ جزء منها في ملعقة ثم ناولني إياها وهو يقرأ بطريقة مضحكة :
ـ اه ... دي مرة بعد الفطار ...تمام تمام ...استني ...قولي بسم الله الشافي المعافي ... شاطرة شاطرة .
ثم أخرج قرصا مسكنا وآخر مضادا حيويا ووضعهما في كف يدي وهو يقرأ بطريقة مضحكة :
ـ 3 مرات يوميا بعد الأكل ..يا سلام ...مظبوط مظبوط ... كده تمام ... لا ...خديهم حباية حباية ... استني نسيت الميه ... نستيني الميه يا نورا .
ثم قام بصب أناء الماء في كوب وناولني إياه .
ثم أعاد الأدوية إلى المنضدة وقال وهو يهمّ بالخروج :
ـ بعد الغدا تاخدى من الأقراص بس ... أنا هخلص شغل في المحل ..وهصلي الضهر فى الجامع ...بعدها رايح شغل بره وهرجع بالليل ... محتاجة اى حاجة اجبهالك معايا .
قلتُ سائلة :
ـ هو انت بتعمل كده ده معايا ليه ؟
بدا العجب على وجهه من السؤال لكنه أجاب :
ـ لو مش هعمل كده مع مراتي ...قصدى مع خطيبتي ...اومال هعمله مع مين ؟!
ابتسمتُ رغما عنّي فقال حينما رأي ابتسامتي :
ـ هو ينفع أعاكس ؟
قلتُ في غباء :
ـ إزاي يعني ؟!
أجاب :
ـ ابتسامتك حلوة أوى .
قالها ثم خرج .
فى منتصف النهار حضرت مكة للاطمئنان على حالتي ، واعتذرتْ عن تأخرها في المجيء بسبب انشغالها في الصباح بتحفيظ القران للفتيات الصغار ، ثم سألتني إذا ما كنتُ أخبرتُ معتز عمّا حدث بيني وبين زوجة أبي وعن الأسماك والزيت وما رأيته في المطبخ ، وحينما علمتْ أنني لم أخبره شجعتني أن أحكي له ، فلربما وجدا حلا واستطاع مساعدتي ، وأخذنا نحكي ونثرثر في أمور كثيرة حتى استأذنتْ وانصرفتْ بعد أن دعتْ لي بالشفاء .
في المساء حضرتْ إحدى الممرضات وبدّلتْ ضمادة جُرحي وطمأنتني وغادرتْ ، جلستُ وحيدة أبدد الوقت في تصفح الكتب وقراءة الدواوين وأفتح النافذة تارة لأستنشق الهواء وأسلي نفسي بمراقبة الحارة والمارة ، ثم أخرج إلى والدة معتز أثرثر معها تارة أخرى ونحن نشاهد التليفزيون ، ثم أعود إلى الغرفة لأتصفح الكتب ، وبينما أنا أتصفح كتابا ضخما وأقلب صفحاته وجدتُ صورة بالألوان لرجل أعرفه جيدا ، الرجل أسمر قصير القامة مقوس الظهر ، حملقتُ في ملامح الرجل ، كان واقفا على شاطئ البحر ، لماذا بدا لي مألوفا وجه هذا الرجل ؟!
لأنه نفس الرجل الذي رأيته تسيل منه الدماء على شاشة التليفزيون ، ورأيته أيضا يمنع حسام من الاعتداء عليّ في تلك الليلة ، جذبتُ الصورة من بين الصفحات وأنا أرتعش وغادرتني السكينة التي عرفتها منذ أن أقمتُ في هذا البيت ، وتوترتْ أعصابي وانفلتتْ ، وضعتُ الصورة تحت وسادة السرير وحين حضر معتز ودلف غرفتي وجدني شاحبة فسأل مذعورا :
ـ نورا ... مالك ؟... انتي تعبانة ؟
أخرجتُ الصورة من تحت الوسادة ثم قلتُ فى هلع :
ـ الراجل ده بشوفه فى أحلامي وكوابيسى وخيالي بيصوّرلى إني بشوفه على التليفزيون .
أمسك الصورة ونظر فيها فارتفع حاجباه واتسعتْ عيناه تعجبا وقال سائلا بلهفة :
ـ انتي عارفه الراجل ده يبقى مين ؟
أجبتُ في جهل :
ـ مين ؟!
قال :
ـ دا يبقى أبويا .
يتبع
لو لقيت تفاعل هنزل الفصل 15 الساعة 9 مساء وياريت اللى يعمل لايك يسيب اى تعليق وهو ماشي
رواية نصف إنسانة
•تابع الفصل التالي "رواية نصف انسانة " اضغط على اسم الرواية