رواية نصف انسانة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم السيد عبد الكريم
الفصل الثالث عشر....ترويه ( نورا قاسم )
خرجنا من المستوصف بعدما أخبرتني الطبيبة أنني مازلتُ عذراء ، كنتُ بالية كخرقة ممزقة ، وتشوهتْ صورة الحب في قلبي ، وصوّر لي عقلي أن كل شاب ما هو إلا وغد حقير ، كنتُ على شفا حفرة من الضياع وفقدان كل شيء ، مجتمعنا لن يرحم ، فمجرد سماع كلمة مطلقة تتطلع أذهان المجتمع إلى أفكار شيطانية ، فما بالكم بفتاة فقدت عذريتها ؟
ما الفرق بين الزوجة وبين الفتاة التي فقدت عذريتها ؟
الزوجة هي أنثى أحبّتْ فتزوجتْ ، والتي فقدتْ عذريتها فتاة أحبّتْ ولم تتزوج ، هل ذنبي أنني أحببته ؟!
هل كانتْ كل مشاعره نحوي مجرد مشاعر مصطنعة مزيفة لنيل هذا الشيء ؟!
لماذا لم يتخيل أنني منحته قلبا بكرا شفافا زجاجيا ؟!
هنا تذكرتُ ما قاله لي عم حسين من قبل :
ـ امنحي قلبك للى يستحقه .
حينما عدنا إلى بيت كوثر انتحي بي عم حسين جانبا وأوصد الباب ثم قال في حزن حكيم :
ـ التجارب تصقل القلوب ... المهم تتعلمي من تجاربك .
ثم صمتَ قليلا وأردف وهو يتأمل وجهي كأنه يراه لأول مرة :
ـ قعدت نفس القعدة دى مع أمك من 28 سنة .
انتبهتُ لما يقول وأرهفتُ السمع حتى يُكمل فقال بعد تململ :
ـ بس هي اختارت تكمل ... كانتْ مجبرة تكمل ... مجبرة علشان الفضيحة ... ولمّا كملت... اكتشفتْ إنها اختارت الطريق الغلط .
دلفتْ كوثر الغرفة وقدمتْ لنا العشاء وخرجتْ فأكمل عم حسين :
ـ وانتي ضحية الطريق الغلط اللي اختارته أمك .
قالها ثم بدأ في تناول الطعام ، ولمّا رأي الجمود على وجهي مدّ يده نحو فمي بالطعام قائلا :
ـ تناولي طعامك يا نورا ... الدنيا لسه هتستمر ومش هتقف علشان حد ... انتي محتاجة شوية مرونة ... مرونة تغيري بيها مشاعرك وطريقك اللى ماشية فيه .
كان يقدم لي الطعام بيده ، وكنتُ أمضغه دون شهية ثم عاد يقول :
ـ أمك اختارت اللي هى حبته ... وسابت اللي كان بيحبها ...اللى هي حبته دخل بيتها من الشباك وفى الضلمة ... واللى كان بيحبها دخل بيتها من الباب وفى النور ... بس هي اختارت طريق الضلمة .... اللى كانتْ بتحبه كان عايز منها حاجة واحدة ... نفس الحاجة اللي كان عايزها منك زميلك اللي بتحبيه ...... واللى كان بيحب أمك كان مستعد يعمل كل حاجه علشانها ... لدرجة انه خد عهد على نفسه انه ميجوزش بعدها ... ولمّا ماتت جدد العهد انه يعيش خدام لبنتها لأنها من ريحتها ... مش مهم هو يتعرى طالما بنتها بتلبس ... مش مهم هو يشقى طالما بنتها هتسعد ...مش مهم هو يجوع طالما بنتها بتاكل ...حتى لو هيأكلها فى بوقها .
قالها وهو يمدّ يده بملعقة أرز نحو فمي .
طبعا فهمتُ الآن كل شيء ،
أمي قابلتْ في حياتها شابين ، اختارتْ أبي وتركتْ عم حسين ، اختارتْ مَنْ أحبته وتركتْ مَنْ كان يحبها ، اختارتْ طريق الظلام وتركتْ طريق النور ، أبي لعب في حياة أمي الدور الذي يلعبه حسام معي الآن ، وعم حسين لعب في حياة أمي الدور الذي يلعبه ...... من ؟ّ!
هنا تذكرتُ معتز ...
لكن عم حسين أخبرني أن أمي أُجبرتْ على الاستمرار من أجل الفضيحة ،
وتذكرتُ قصة سحر ، الفتاة التي كانتْ ترافقني سريري في مصنع الملابس ، هي أحبتْ ولم تتزوج ، هل استسلمتْ أمي لأبي دون جواز شرعي ؟!
هنا انقبض قلبي وجال بعقلي سؤال أحاول أن أتجاهله :
أنا من أكون ؟!!!
وكأنّ عم حسين عرف بما يدور في عقلي
لأنه قال وهو يضغط على كلماته :
ـ انتي بنت حلال يا نورا .... لمّا أمك رفضتني ...اختفيتُ من حياتها ... بس ظهرت تاني علشان أجبر ابوكي انه يجوزها قبل ما يهرب ويسيب جنين في أحشائها ... اجوزها فعلا ... وحسين مات بعد الولادة بأسابيع .
قلتُ مستفسرة :
ـ حسين مين ؟!
أجاب :
ـ المولود الأول ... أخوكي ...اه نسيت أقولك إن أمك سمته حسين .
قالها وهو يدمع وقد توقف عن تناول الطعام .
سادتْ دقائق صمت طويلة بيننا تذكرتُ فيها حسام ومعتز وحياة ، ولمّا طال الصمتُ قال عم حسين ليتخلص من براثن الذكرى :
ـ انسى اللى حصل يا نورا ... ابدأي من جديد ... قرري هتكملي ولا هتغيري طريقك ... انتي لسه صغيرة ... وشباب كتير هييجوا يدقوا بابك في النور .
ثم تركني وخرج .
في اليوم التالي عاد بي عم حسين إلى أبي وتركنا وسافر إلى القرية ، وكنتُ في حاجة لأن أستريح ، لكن الاستراحة طالتْ ، لأنني لازمتُ السرير أيام ، والأيام صارتْ أسابيع ، انقطعتُ عن الجامعة ، وكنتُ أتحجج لأبي بالمرض والإرهاق ، ولم أسلم من توبيخات زوجة أبي ، ورغم هزالي الجسمي وجُرحي النفسي كنتُ أقوم بما تأمرني به ، ثم أعود إلى سريري فى وهن وفقدان توازن ، وكان أبي يستيقظ في منتصف الليل على صوت صراخي وأنا أنادي على حسام ، وكثرت أسئلة أبي ، حسام من ؟!
كنتُ فعلا أهلوس وأتحدث مع نفسي في يقظتي وفى نومي ، ولا أنام إلا ساعات قليلة ، نوم متقطع لا يخلو من كوابيس ، كنتُ أري في كوابيسي حسام يقترب من جسد مسجي مستسلم علي سرير مرتفع ، لكنه كلّما اقترب كان يمنعه رجل نحيف الجسم أسمر الوجه مقوس الظهر ، لم يكن الجسد المسجي إلا أنا ، ولما يكن الرجل الذي يمنعه سوى الرجل الذي تسيل الدماء من وجهه في التليفزيون ، كنتُ أستيقظ صارخة باسم حسام فأفتح عيني لأرى أبي وزوجته حول سريري ، فأسمع زوجة أبي تقول في تلذذ :
ـ البت ممسوسة يا قاسم .
وكان أبي يربّتُ على كتفي ويحوقل وهو يمدّ يده نحوي بالمصحف الصغير الذي تركه معتز .
ذات نهار استيقظتُ على يد تهزّني وحينما فتحتُ عينيّ رأيتُ مكة تبكي ، كانتْ قد جاءتْ لزيارتي وحين علمتْ بحالي ورأتْ ما أنا فيه لم تتمالك دموعها ، احتضنتني وقبلتني وقالتْ :
ـ هتخفي يا نورا .
ثم مدتْ يدها ووضعتها على جبهتي وضغطتْ برفق وأخذتْ تقرأ أية الكرسي وأواخر سورة البقرة والمعوذتين ، فشعرتُ براحة وسكينة وانتظمتْ دقات قلبي وهدأ روعي ، لاحظتْ مكة الهدوء الذي اعتراني حينما انتهتْ فقالتْ في شفقة :
ـ أنا لاحظت غيابك من الكلية وسألت عليكي ... ابوكي قالي انك تعبانة ... بس مكنتش أعرف انك تعبانة أوي كده ... فمشيت ...لكن لما سألت عنك تاني وابوكي عرف انى زميتلك حكالي عن حالتك .
ثم نظرتْ نحوي وتحسستْ جبهتي وقالتْ :
ـ مش هطلب منك تحكيلي حاجة ... بس لما تكوني حابة تحكي بلاش تترددي .
حكيتُ لها كل شيء ، حكيتُ لها الأسرار التي أخبرني بها عم حسين عن أمي ، وحكيتُ ما حدث من حسام في الشقة ، كنتُ أحكي بصوت مرتجف متقطع ووجه عبوس مقتضب ، وكانتْ مكة تشمئز وتقطّب حاجبيها تارة وتستغفر الله تارة وتحمد الله تارة حتى انتهيت ، فقالتْ لي :
ـ ارجعي للى نجاكي يا نورا... ارجعي لربنا ... كلنا بنغلط ... بس ربنا بيحب اللى لمّا يغلط يرجعله ويتوبله ... بس أهم حاجة تكون توبة نصوح ... عارفة يعني ايه توبة نصوح ... يعني مترجعيش للذنب اللى تبتي منه تاني .
قلتُ في تردد وضعف :
ـ أنا بشوفه بصورة بشعة في كوابيسي بس لسه قلبي متعلق بيه ...
لسه بحبه .
قالتْ في لين :
ـ ومين أولى بالحب ده ... الأولي انك تحبي ربنا اللى نجاكي فى اللحظة الأخيرة ... تحبيه وتحمديه انه بعتلك فى حياتك إنذارات كتير تحذرك من الطريق اللي ماشية فيه .
قلتُ في براءة :
ـ أنا بحب ربنا .
قالتْ :
ـ لو بتحبيه مش هتعصيه ... مش هتغضبيه ...أنا عارفه إن مشاعرنا مش بنقدر نتحكم فيها أحيأنا ... عارفه إن قلبك مليان مشاعر وأحاسيس وشوق ... ودا مش عيب ... بس طلعيها فى الطريق الصح ... طلعيها فى الحلال ... طلعيها للى ييجي يطلب ايدك فى النور ... ويكون حريص انه يؤجل كل مشاعره هو كمان لحد ما تكتبوا الكتاب ...علشان هو كمان يطلع مشاعره ليكي في الحلال ... يانورا لو استعجلتي الحلال مش هتحسي بطعمه بعد الجواز .
ثم غيرتْ من نبرتها لتخفف عني :
ـ ياه لو المشاعر دى كلها تطلع لجوزك ... دا يبقى محظوظ ابن المحظوظة .
قلتُ وأنا ابتسم ابتسامة واهنة :
ـ جوزي مين !؟
أجابت :
ـ معتز .
قلتُ في غضب :
ـ بس أنا مبحبوش .
قالتْ مسرعة كأنها تريد أن تخرسني :
ـ وامك مكنتش بتحب عمك حسين .
وكانتْ فعلا هذه الإجابة كفيلة بأن أخرس وأسرح في خواطري .
تعددتْ زيارات مكة للاطمئنان على حالتي ، وكنتُ أشعر بتحسن حينما أراها ، وكانتْ حريصة في كل زيارة أن تنصحني بقراءة آيات من القران والتقرب إلى الله ، وفعلتُ ما نصحتني به ، لكن الكوابيس لم تتركني ، وصراخي باسم حسام استمر حتى ملّتْ زوجة أبي وتشاجرتْ مع أبي أكثر من مرة ، وحينما طالتْ ملازمتي للفراش وتدهورتْ حالتي وشحب وجهي وذاغتْ عيناي واصفرّتْ وجنتاي قرر أبي أن يخبر معتز ، تفاجأتُ ذات ليلة بأبي يخبرني بأن معتز ووالدته في انتظار السماح لهما برؤيتي في غرفتي :
ـ رؤية ايه دى ... مش هو ملتزم وعامل فيها شيخ .
قلتُها في نفسي وأنا أعدّل من جلستي وأقوكم بإحكام غطاء رأسي ، ثم سمعتُ وقع خطوات ، حينما فتح أبي الباب دقّ قلبي مسرعا ، واقتربتْ منّي والدة معتز وقبّلتني ومسحتْ على حجابي ودعتْ لي بالشفاء وجلستْ بجواري على طرف السرير وهى لا تزال تدعو ، جلس أبي على مقعد مواجه لي ، وسمعتُ معتز يُلقي السلام ، ثم جذب مقعدا وأداره ناحية أحد الجدران وجلس عليه ، رددتُ السلام بصوتٍ واهن ضعيف ، ورأيتُ والدة معتز تنظر إلى ابنها بغيظٍ واضح ، وسمعتُ معتز يقول :
ـ ألف سلامة عليكي يا نورا .
فمالتْ أمه نحوه هامسة :
ـ طيب بص عليها وانت بتكلمها ... البنت تقول علينا ايه ؟
لم يكترثْ لملاحظة أمه وقال بلهجة ثابتة واثقة دون أن ينظر نحوي :
ـ لو سمحتي قولي ورايا .
واخذ يقرأ بعض الآيات وكنتُ أكرر خلفه ، كان صوته عذبا رائعا يدعو إلى السكينة فشعرتُ بالراحة ، ثم أخذ يدعو بأدعية كثيرة وقال :
ـ حافظى على قراءة الآيات دى كل يوم بعد صلاتك يا نورا .
ثم أردف :
ـ طيب نستأذن احنا يا أمي .
قالتْ الأم في غيظ :
ـ استني شوية لما اطمن عليها يا معتز ... مش عارفة نشفان الدماغ دي جايبها منين .
قال أبي ضاحكا :
ـ لسه بدري يا باشمهندس ... اشرب الشاي الاول .
قال معتز وهو ينهض :
ـ طيب نشربه في الصالة ونسيب نورا تاخد راحتها .
ثم خرج مع أبي ، بينما ظلتْ والدته معي التي قالتْ اثر خروجهما :
ـ متزعليش منه يا بنتي ... هو قعد القعدة دى مش تجاهل منه... لا والله .
ثم تفرّستْ ملامحي وأردفتْ :
ـ ما عاش اللى يتجاهل عروستنا القمر ... بس لو اعرف هو جايب نشفان الدماغ ده منين .
في الأيام التالية حافظتُ على صلاتي وكنتُ أقرأ عقب كل صلاة تلك الآيات التي نصحني بقراءتها معتز ، وداومتُ على قراءة بعض الأدعية التي علّمتني إياها مكة ، تحسنتْ حالتي الجسدية قليلا وزال شحوب وجهي شيئا فشيئا ، وبدأتْ نضارة وجهي تعود ، لكن قلبي مازال مجروحا ، كنتُ مازلتُ أشعر بأنني تائهة ، مازال قلبي تتسارع دقاته حينما أتذكر حسام رغم كال ما فعله ، وتكررتْ زيارات مكة لتطمأن على حالتي ،كانتْ في كل مرة تحكي لي تفاصيل ما يجرى في الكلية ، واشترتْ لي الكتب الدراسية ، وكانتْ حريصة أن تسهر معي ليلة كل خميس لتذاكر معي ما فاتني من محاضرات وتكررتْ زيارات معتز ووالدته ، لكن معتز كان يكتفي بالجلوس مع أبي في الصالة ، بينما تدلف والدته إلى غرفتي تثرثر ونتحدث ونضحك ، كانتْ سيدة طيبة مرحة بلا هموم ، وكانتْ زوجة أبي تُبدي ترحيبا مبالغا فيه لأسرة معتزة لا حبا طبعا ، ولكن لأن إتمام الزواج هو الطريقة الوحيدة للخلاص مني .
تحسنتْ صحتي وذهبتُ إلى الجامعة خائفة متوترة ، تذكرتُ اليوم الأول الذي دخلتُ فيه مدرج الكلية ، لأنني شعرتُ بنفس الارتباك ، كان العام الدراسي على وشك الانتهاء ، والامتحأنات على الأبواب ، في المحاضرة كنتُ منزوية بعيدا في أخر المدرج ، كنتُ أستمع لأستاذ المادة بأذنيّ لكن قلبي كان يبحث عن حسام ، ولاحتْ لي ذكرى تلك الليلة التي شربتُ فيها العصير وغبت عن الوعي ، كانتْ الأسئلة التي تتكرر بداخلي ، هل حسام فعلا كان ينوي فعلها ؟!
وما الذي منعه ؟ّ!
هل عاد له ضميره في اللحظات الأخيرة ؟!
ولماذا اختفي من الكلية ؟!
عرفتُ مع الأيام انه ترك الجامعة وانتقل إلى جامعة عين شمس ، لم تختفِ شيرين ، فقد رأيتها أكثر من مرة في الجامعة ، ورأيتُ أحمد وشريف ، ولم أجرأ يوما أن أسال أحدا منهم عن اختفاء حسام .
انتهتْ الامتحأنات وحضر عم حسين إلى شقة أبي ، وكنتُ متوقعة أنني سأعود معه إلى القرية لأقضي الإجازة الصيفية ، لكن ما حدث لم يكن في حسابني .
في نفس اليوم الذي حضر فيه عم حسين قدم لي فستأنا أنيقا جميلا وطلب مني أن أرتديه ، فظننتُ أننا سنعود للقرية ، وحين جاء المساء كنتُ في غرفتي ، كنتُ أسمع صوت أناسٍ يتحدثون مع أبي في الصالة ، سمعتُ طرقات متعجلة على باب غرفتي ، وما إن فتحتُ الباب حتى رأيتُ مكة تدلف غرفتي مبتسمة ، ثم أوصدتْ الباب واحتضنتني وقالتْ :
ـ عندي خبرين حلوين يا شابة .
قلتُ فرحة :
ـ خير فرحيني معاكي .
قالتْ بعد أن قبّلتني في كلتا وجنتي :
ـ احنا نجحنا يا بت .
فابتسمتُ وفرحت ثم سقطتْ دموعي فجأة ، فقالتْ مكة مسرعة :
ـ بقولك نجحنا مش اتطلقنا .
فجففتُ دموعي واحتضنتها وقلتُ :
ـ انتي ساعدتيني ووقفتي جمبي كتير وكنتي تضيعي وقتك وتيجي تجبيلى المحاضرات وتذاكري معايا .
قالتْ في تنهيده ساخرة :
ـ ارجوكي لا داعي للتصفيق ... نحن نعمل في صمت .
ثم لكزتني وقالتْ في مرح :
ـ يخرب عقلك كنتي هتنسيني الخبر التاني .
قلتُ مبتسمة :
ـ اه صحيح إيه الخبر التاني ؟
أجابتْ وهي تغمز بإحدى عينيها :
ـ هتعرفي بعد شوية .
كدتُ أن أقول شيئا لكنني صمتُ حينما سمعتُ صوت زوجة أبي يأتي من الصالة تقول :
ـ تفضلوا .
قالتْها بعد أن أطلقتْ زغرودة طويلة لها ذيل ، فسقط قلبي بين ضلوعي ، وسقطتْ دموعي وقلتُ :
ـ ماشاء الله ... يعني أنا بقا آخر من يعلم ... أنا مش هجوزه .
قالتْ مكة في جدية :
ـ ومين قالك اجوزيه ... دى خطوبة ... يعني هتتعرفوا على بعض أكتر .
قلتُ في غضب :
ـ اتعرف عليه واقعد معاه واتكلم معاه ... مش دا حرام ... مش دا كلامك ؟
قالتْ وهي تبتسم :
ـ ما هو أنا لو جاوبت على سؤالك ده يبقى هحرق المفاجأة .
قلتُ ساخرة :
ـ هو فيه مفاجآت تاني اكتر من إني هتخطب من غير ما أعرف .
وقبل أن ترد سمعتُ مَنْ يطرق باب غرفتي ، وبعد لحظات دخل عم حسين واستأذنتْ مكة بالخروج ، اقترب عم حسين منّي وأمسك بيدي وقال :
ـ هسألك 3 أسئلة .
ضغط على يدي ونظر في عيني وقال :
ـ تعرفي حد حبك أكتر منّي ؟
أومأت برأسي علامة النفي ، فقال :
ـ بتثقي فيا ؟
أومأتُ برأسي إيجابا ، فقال :
ـ تسمحيلي اختار معاكي طريقك ؟
قبل أن أرد نهض وهو مازال يقبض على يدي في لطف ، فنهضتُ وسرتُ معه إلى الصالة التي ازدحمتْ بالمهنئين والجيران والأصدقاء ، رأيتُ والدة مكة ووالدة معتز ووفاء وأبي ورجلا أخرا أعتقد أنه من سكان الطابق الثاني ، كان معتز متأنقا في بذلة سمراء تحتها قميص أبيض اللون دون رابطة عنق ، ولاحتْ لي من بعيد زوجة أبي سعيدة وهي تبرطع من الصالة إلى المطبخ لإحضار المشروبات ، فقلتُ في نفسي :
ـ دى انتي فرحانة اكتر من العريس نفسه .
وابتسمتُ حينما رأيتُ من بعيد مكة تقف في المطبخ وتساعد زوجة أبي ، كتمتُ ابتسامتي وسمعتُ معتز يقول وهو ينظر نحو أبي :
ـ يا عمي بعد أذنك أنا قلتلك خلي نورا والستات لوحدهم ...وأنا وانت مع الرجالة لوحدنا لحد ما المأذون ييجي .
ـ يالهوي ...مأذون ... اه علشان كده مكة قالتْ لو جاوبتك هبقي بوظت المفاجأة ... يا سلام على المفاجآت .
قلتُ ذلك في نفسي ، وسمعتُ زوجة أبي تقول وهى تقدّم المشروب العاشر لمعتز:
ـ رجالة ايه اللى وحدهم وستات ايه اللى وحدهم يا خويا؟ ... دى ليلة في العمر خلينا نفرح .
قالتْها ثم زغردتْ ، فقلتُ في نفسي وأنا أكتم ابتسامتي :
ـ اشرب بقا يا شيخ معتز .
وهنا سمعتُ دقات على باب الشقة ، فاتجهتْ زوجة أبي تتمايل وهي تزغرد وحينما فتحتْ الباب ورأتْ المأذون أطلقت زغرودة أخرى وهى تتقصع وتتمايل فقلتُ في نفسي :
ـ اقطع دراعي لو كنتي فرحتي الفرحة دى لما أبويا اجوزك .
تم كل شيء سريعا ، وبين لحظة وأخرى صرتُ زوجة لمعتز ، نعم زوجته ، هو الآن زوجي ، يملكني ، ويملك كل شيء فيّ إلا قلبي الذي مازال متعلقا بحسام .
بعد أقل من ساعة انفضّ السيرك ، غادر الحضور ومعهم عم حسين الذي أخبرني أنه سيبيت عند كوثر، واستأذن أبي وذهب لغرفته وكانتْ زوجته قد سبقته ، وجدتُ نفسي وحيدة مع معتز ، ساد صمت لم نسمع فيه إلا دقات الساعة الكبيرة المستقرة على الحائط ، ثم قال معتز فجأة :
ـ إن شاء الله ربنا يوفقني وأسعدك وأكون الزوج الصالح ليكي .
لم أرد ، فقال من فوره :
ـ ألف مبروك يا حبيبتي .
قلتُ في غيظ :
ـ حبيبتك ؟! ... لحقت تحبني ؟
أجاب مبتسما :
ـ أنا بحبك من زمان .
قلتُ متعجبة :
ـ زمان إزاي يعني ؟
أجاب :
ـ من ساعة ما شفتك وانتي نازلة من عند مكة .
قلتُ ساخرة :
ـ ومش حرام برضه تبص على البنات اللى طالعة واللى نازلة .
أجاب :
ـ لا مش حرام ... لو هبص علشان اجوزك مش حرام ...لمّا والدتي رشحتك لي وكانتْ مرتاحة ليكي مكنتش أعرفك ولا شوفتك ... وفي مرة وانتي طالعة عند مكة ... والدتي جات قالتْلى انك فوق ... وكان لازم أبص عليكي وانتي نازلة ... سألت عنك وعن أخلاقك وعملت استخارة ... وخدت القرار .
قلتُ في غيظ :
ـ طيب وأنا ... مش المفروض أنا كمان يكون لي قرار ؟
أجاب مسرعا :
ـ جايز تكوني مش بتحبيني ... بس عارف انك هتحبيني لمّا نقرب من بعض... ومش هسمح لنفسي نقرب من بعض إلا في الحلال ... علشان كده طلبت من والدك تكون خطوبة وكتب كتاب .
لم أتكلم ولم يتكلم ، ساد صمت قصير ثم اقترب منّي وقبّل جبهتي فارتبكت وقلتُ في نفسي :
ـ هو الشيخ معتز تحول 180 درجة كده إزاي .. مش دا اللى كان بيبص في الأرض لمّا يشوفني .
قال وكأنه عَلِمَ بما يدور في عقلي :
ـ من ساعة فاتت مكنش ينفع أبص عليكى ... دلوقتي بشرع ربنا سبحانه وتعالى انتي مراتي ...بس متخافيش ..استحالة اعمل حاجة قلبك مش موافق عليها .
هنا تذكرتُ ما كان يقوله حسام :
ـ سيبي قلبك هو اللى يتكلم .
غادر معتز وجلست وحيدة في الصالة ، فتحتُ التليفزيون وشردتُ في خواطري لا أصدق أنني أصبحت زوجة لشخص لا أحبه ، ورأيتُ على شاشة التليفزيون الإرسال قد انقطع وظهر المشهد المعتاد :
ـ ايه الملل ده ؟!
انتظرتُ حتى ينتهي المشهد متوقعة أن يحدث جديد ، لكن المشهد انتهي دون جديد ، الرجل قصير القامة نظر نحوي عبر الشاشة وقال متوسلا بينما الدماء تسل على جبهته :
ـ انقذيني .
التقطتُ جهاز التحكم عن بعد ( ريموت كنترول ) وهممتُ أن أغلق التليفزيون ، لكن تراختْ يدي قبل أن أطفأه ، فتحتُ فمي من الدهشة حينما رأيت أن الإرسال قد انقطع مرة ثانية ، وظهر على التليفزيون مشهد أعرفه جيدا ، رأيت نفسي فاقدة الوعي بين ذراعي حسام وهو يضعني على سرير ، ثم نظر الي جسمي الممدد ، ونزع حجابي ومد يده إلى ملابسي ، ثم تسمر مكانه حينما رأي على الجانب الأخر من السرير الرجل الأسمر قصير القامة وهو يبتسم ، فسقط حسام مغشيا عليه ، ثم اقترب الرجل إلى الشاشة وقال كأنه يحدثني :
ـ أنا انقذتك ... انقذيني انتي كمان ... نفسي ارتاح .
ثم عاد الإرسال .
فى تلك الليلة لم تفارقني الكوابيس ، رأيتُ نفسي أردتي فستان زفاف أنيقا وأجلس على مقعد مرتفع ، والحضور يتمايلون مع أنغام الموسيقى ، وزوجة أبي تزغرد ، ووجه أمي يبتسم في الفراغ ، وحينما نظرتُ على يساري لأرى عريسي وجدته ، وجدتُ حسام في بذلة العريس ، أنيقا يبتسم لي ابتسامته الجذابة ، فدقّ قلبي فرحا ، وقبل أن أميل ناحية حسام شعرتُ بمن يضع يده على كتفي الأيمن ، فنظرتُ للناحية اليمنى فرأيتُ معتز يجلس على مقعد بجواري وقد ارتدى هو الآخر بذلة زفاف أنيقة ، فجأة لم أجد الحضور والمهنئين ، كان معتز يشدّني لناحية اليمين ليظفر بي زوجة ، وحسام يشدّني ناحية اليسار ليظفر بي زوجة ، ثم تركاني واقترب كل منهما الآخر ، وغابا في شجار مميت ، ثم رأيتُ رجلا خلف معتز يشجعه ، وخلف حسام رجلا اخر يشجعه ، اشتدّ القتال بينهما اثر التشجيع وتصفيق الرجلينِ المشجعينِ ، وحينما دققتُ النظر في كلا الرجلين خُيلَ لي أن الرجل الذي يشجع حسام هو الرجل الذي أراه على شاشة التليفزيون وقد هوي بقطعة من حديد ليشج رأس الثاني، والرجل الذي يشجع معتز هو ذلك الرجل الذي رأيته على شاشة التليفزيون وقد شُجتْ رأسه وسالتْ الدماء على جبهته .
في صباح تلك الليلة استيقظتُ على صراخ وعويل وشهيق فخرجتُ من غرفتي مزعورة حافية القدمين بثياب نومي لأري زوجة أبي منهارة وقد انفلتتْ أعصابها وحينما سألتها عن السبب علمتُ أن أبي قد مات .
يتبع
•تابع الفصل التالي "رواية نصف انسانة " اضغط على اسم الرواية