رواية نصف انسانة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم السيد عبد الكريم

 رواية نصف انسانة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم السيد عبد الكريم

قبل بداية الفصل الدراسي الثاني بيوم واحد حضر عم حسين ، كان متعجلا قلقا هذه المرة ، لم يمكث في شقة أبي إلا ساعات ، ومن حسن الطالع أنّ أبي لم يكن موجودا ، وإلا لفاتحه في موضوع معتز ، كان عم حسين يحمل لي مجموعة من الأخبار : لقد أهداه أحد الأثرياء الذين يخلص في خدمته هاتفا مستعملا ، وانه استطاع أن يجمع لي مبلغا جديد من المال من أهل الخير وإمام مسجد القرية ، وأخبرني انه سيبيت اليوم عند أحد معارفه بالقاهرة حينما سألته عن سبب تعجله في الرحيل ، رحبتُ به وقبّلتُ يده فاحتضنني الرجل في عطفٍ وحنان وربّتَ على كتفي ومسح بيده اللينة على حجابي ، ولكم أتعجب على هذا الحنان الذي يفيض به هذا الرجل نحوي ، حنان لم أجده في أبي ، أخبرني عم حسين أنني مقبلة على قصة حب ، فارتبكت وتعجبت ، ياللكارثة !
ألهذا الحد يبدو عليّ ؟!
أنكرتُ بشدة ولكنه أخبرني أن كل ملامحي تفيض بالحب ، ثم ضحك ضحكة طويلة متقطعة ونصحني بألا أمنح قلبي إلا لمن يستحقه ، وأن كثيرا من قصص الحب انهارتْ عند أول اختبار حقيقي بعد الزوج ، ثم قال وهو يميل نحوي :
ـ بعد الجواز يا نورا بتزول الوسامة والمال وتبقي فقط الأخلاق والشهامة .

ثم قدّم لي ألفي وخمسمائة جنيها ، وأوصاني بضرورة النجاح والتفوق ، ورحل دون أن يستريح من عناء السفر ، وذهب إلى أحد معارفه، ولم ينسَ أن يجعلني أقوم بتسجيل رقمه على هاتفي .
لهذا الحد كان عم حسين رقيقا معي ، ولهذا الحد كان يفهمني ويقرأ ما في قلبي .
انتظمتْ الدراسة في الجامعة وفى أول لقاء بيني وبين حسام
قال لي في رقة :
ـ أنا عاوز أفرجك علي شقتي الجديدة .
رفضتُ في البداية ، لكنه كان يجيد استخدام أسلحته الفتّاكة التي أهمها رقته ووسامته فوافقتُ ، واتفقنا على يوم الخميس القادم مساء .

وحين جاء الخميس وانتهتْ المحاضرات هرول نحوي حسام مسرعا وذكرني بالموعد ، كنتُ أتعجب من إصراره العجيب ، لكن كعادتي كنتُ مسحورة .
عدتُ إلى البيت ومارست ُعادتي الجديدة في الكذب وأخبرتُ أبي أنني سأزور صديقتي لمراجعة بعض الدروس ، وافق أبي وذهب لغرفته ليستريح قليلا ، وجلستُ في الصالة أمام التليفزيون أنتظر مجيء الساعة السابعة مساء ، كنتُ قد ارتديتُ الحذاء الجديد واطمأننت على هندامي وحجابي ، وقبل أن أخرج أنقطع الإرسال فجأة ، طبعا اعتدتُ مشاهدة مثل هذا الموقف ، ولم يبدو مرعبا لي كما رأيته أول مرة ، حفظتُ هذا المشهد عن ظهر قلب ، فزفرتُ زفرة ملل وانتظرتُ أن يهوي الرجل ممتلئ الجسم على الرجل الآخر بقطعة من حديد ، لينظر الثاني نحوي في توسل ويقول
( انقذيني )
وفعلا تمّ كل شيء كما كان يحدث كل مرة ، لكن الإرسال لم يعدْ ، فبدأتُ انتبه لما يحدث ، الرجل قصير القامة مقوس الظهر قال ( انقذيني ) ولم يختفي ، والكاميرا مثبتة على وجهه الذي يسيل منه الدماء ، ثم قال الرجل وهو يمسح دماء وجهه :
ـ بلاش تروحي .
فتحتُ فمي بعد أن ذاعتْ عيناي ، وانتظرتُ أن يُكمل ، ثم عاد الإرسال ، إذن الرجل يحذرني من الذهاب ، هذه الجملة جديدة على المشهد ، ارتعشتُ بداخلي ، فأغلقت التليفزيون ورحتُ أبدد توتري في التجول في الصالة ، كنتُ تائهة متوترة قلقة ، دلفتُ إلى حجرتي وبدأتُ أتمتم ببعض الآيات فهدأ روعي واطمأنتْ روحي ثم خرجت .

في الطابق الخامس كان ينتظرني ودلفتُ لداخل شقته ، وجلستُ في الصالة ، صالة واسعة مريحة محاطة بالستائر ، بها أكثر من أريكة وأكثر من مقعد ، رحب بي حسام ، ثم غاب فترة تأملتُ فيها أركان الصالة ، ثم عاد حاملا كوبا من عصير الفراولة ، ثم ابتسم وجلس بجواري قائلا :
ـ وحشتيني .
لماذا لم أشعر بالارتباك المحبب لنفسي ؟
لماذا لم أشعر بدقات قلبي المتلاحقة ؟
لأنني كنتُ مرعوبة ، طغي شعور الرعب على أي شعور سواه ، قلتُ في هلع :
ـ أنا همشي .
قال مسرعا :
ـ هو انتي لحقتي تقعدي ... استني هفرجك على الشقة .
قلتُ معترضة :
ـ لا لا.... حسام أنا مش مرتاحة .
قال مبتسما وهو يدنو مني :
ـ ليه ؟
أجبتُ :
ـ مش عارفه ... بس أنا مش مرتاحة .
قال ومازال في إصراره :
ـ طيب نقعد شوية .
فقلتُ مقترحة :
ـ طيب تعالي نقعد على كافتيريا .
كنت أود أن أجلس في مكان عام ، لأول مرة أشعر بالخوف من حسام ، حسام الذي ملك كل كياني وتربع على عرش قلبي صار غريبا مخيفا ، ربما كنتُ واهمة في ذلك ، لكن أنا التي تتعذب نفسي في الصراع بين الحرام والحلال أجد نفسي فجأة في مكان مغلق غير مريح مع ولد ، وكأنني كنتُ بلا عقل حينما وافقته على المجيء هنا ، قال حسام جادا بعد أن ابتعد عنّي قليلا :
ـ خلاص ماشى ... مش مشكلة ... طالما مش مرتاحة ... اشربي العصير عبال ما أجيب مفتاح العربية وننزل .

كانتْ يدي ترتعش وأنا أشرب العصير ، رشفة ، ثم رشفة ، رشفات ، لماذا أشعر بفقدان التوازن ؟!
لماذا تظهر بقعة سوداء أمام عينيّ ؟!
العصير منعش ، رشفة أخري ، البقعة السوداء أمام عينيّ تتسع ، كم أحبك يا حسام ! أحبك ولن أكون لأي مخلوق غيرك ، أنتَ الوحيد الذي حركتَ مشاعري وجعلتني أحب الدنيا وأخرج من شرنقتي وانطوائي ، رشفة أخري ، البقعة السوداء تتسع ، ما ألذ مذاق هذا العصير !
ـ لازم تصدقي اللى على اليمين .
هذه العرّافة مضحكة جدا ، لن أصدق الذي على اليمين أيتها العرافة الحمقاء ، ولن أصدق الذي على اليسار أيضا ، سأصدق قلبي ، نعم ، حسام أخبرني بهذا ، لابد أن أصدق قلبي ، وقلبي يحب حسام ،
لماذا جدران الصالة تتحرك ؟!
نعم تتحرك بشكل دائري بطيء ، كلا ، تتحرك بشكل سريع ، أشعر بأن الخدر يجري في دمي ، وأخر ما كنتُ أراه أنني بين ذراعي حسام وهو يصحبني إلى غرفة أخري ، ثم تلاشت الموجودات حولي .

حين أفقتُ شعرتُ بأنني كنت أركض أمام كلب مسعور ، فتحتُ عينيّ قليلا ثم أغمضتهما ، تحسستُ جبهتي وأنا مغمضة العينين ، ما هذا ؟!
هل هذا شعر رأسي ؟
هل أنا عارية الرأس ؟
فتحتُ عينيّ مرة أخري وبدأتُ أجمع شتات تركيزي ، أين أنا ؟
وما هذه الغرفة ؟
حسام ... الشقة ..العصير .
انتفضتُ مذعورة كالملسوعة ، أنا عارية الرأس ، شعري يتناثر على وجهي ووجنتي
سرير...
غرفة نوم ...
ستائر....
هنا فهمتُ كل شيء ، ركضتُ في الغرفة كأسد حبيس ، وجدتُ حجابي ملقي على الأرض بجوار السرير ، ثوبي ممزق قليلا من الأسفل ، جذبتُ حجابي ووضعته على رأسي دون إحكام فسقط مني ، الشقة خالية ،
أين ذهب ؟ّ!
أين هو ؟!
رأيتُ مرآة هائلة الحجم في الغرفة لم انتبه لها من قبل ، صدري يعلو ويهبط ، أنفاسي متلاحقة غير منتظمة ، دموعي تهطل ، كنتُ غير قادرة على إحكام ارتداء حجابي بسبب يدي المرتعشتين ، خرجتُ إلى الصالة ، كوب العصير فارغ ...
حقيبة يدي .....
أمسكتُ بالحقيبة وأخرجتُ الهاتف ، قرأت اسم عم حسين ، وبيد متعجلة مرتعشة مبللة بالعرق ضغطتُ زر الاتصال :
ـ الحقني يا عم حسين .
بعد قليل كنتُ أخرج من الشقة ، وفى الشارع انزويتُ عند مدخل البناية ، لم تتوقف دموعي ، أنا فقدتُ كل شيء ،
هل هذا ثمن ثقتي به ؟!
كان يحبني ، هو أخبرني أنه يحبني ، كنتُ أعتقد أنه يريد أن يريني الشقة لأنه ينوي الزواج منّي ، كم حلمتُ بك زوجا يا حسام .
مرّ وقت التهمتُ فيه نفسي حتى رأيتُ عم حسين يتكأ على عكازه مهرولا نحوي :
ـ حصل ايه ؟ ...وبتعملي إيه هنا ؟
كانتْ إجابتي متقطعة غير مفهومة :
ـ هو ... العصير ... نمت ... أنا مبقتش بنت .
كنتُ أتحدث مرتجفة أكاد لا أرى عم حسين من دموعي المتدفقة ، جذبني من يدي وأوقف سيارة أجرة ( تاكسي ) وانطلقنا إلى مكان لا أعرفه ، في الطريق طلب منّي أن أتصل بأبي وسمعته يحدثه قائلا :
ـ أنا هبات انهارده عند أختي يا قاسم ... أيوه سامعك ... أنا حسين يا قاسم ... نورا معايا ...لا متقلقش ...هي هتبات معايا .

بعد قليل كنتُ في بيت شقيقة عم حسين ، لم أعلم من قبل أن لديه شقيقة هنا ، كنتُ شاحبة الوجه ذابلة العينين ، وما إن رأتني شقيقته
حتى شهقت وقالتْ :
ـ مين دي ؟ ومالها كده ؟
سمعته يجيبها قائلا :
ـ مش وقته يا كوثر ... تعالي ودّينا عند أقرب دكتورة .
قالتْ السيدة وهي تضرب بيدها على صدرها :
ـ يالهوي ... طيب إيه الحكاية يا حسين ؟
قال وهو يخرج حافظته نقوده ويعد ما بها من نقود :
ـ هقولك بعدين .

في مستوصف الرحمة الطبي كنا نجلس ، كان الوقت يمر بطيء ثقيل ممل قاتل ، كنتُ أشعر بأن روحي تُنزع منّي كل ثانية ، لدي رغبة جامحة في التقيؤ ، كنتُ أتعجب لماذا يقتل المرء نفسه ، لكنني في هذه اللحظة فهمتُ الإجابة ، حينما نادتْ الممرضة اسمي شعرتُ بأن قدميّ لا تقويان على حملي ، ساعدتني كوثر ودلفنا إلى داخل الغرفة ، لم تسأل الطبيبة عن السبب ، بل قامتْ تمارس عملها قبل أن تكمل كوثر كلامها ، مرّ دهرا حتى رأيت شفتي الطبيبة تنطقان بكلمة قصيرة موجزة سريعة :
ـ بنت .
هذه الكلمة جعلتني أولد من جديد ، وعلمتُ وقتها كيفَ تتغير مصائر الناس من كملة ينطقها طبيب ، كيفَ تتغير حياة أناس من مجرد نتيجة تحليل أو أشعة ، سمعتُ كوثر تقول :
ـ لكن يا دكتورة ....
قاطعتها الطبيبة في نفاذ صبر وهي تضغط على زر على مكتبها :
ـ قلتلك كله تمام .

•تابع الفصل التالي "رواية نصف انسانة " اضغط على اسم الرواية

تعليقات