رواية نصف انسانة الفصل العاشر 10 - بقلم السيد عبد الكريم
الفصل العاشر ... ترويه ( نورا قاسم ) قراءة ممتعة
حكيتُ لمكة كلّ ما حدث بيني وبين حسام بالتفصيل ، وفور انتهائي من الكلام قالتْ مذعورة :
ـ الله يخربيت الهبل بتاعك ... بابنتي اصحي للدنيا كده وفوقي من الوهم ده ... دا واحد بيتسلي بيكي ... اللى بيحب واحدة وعاوزها في الحلال يروح يخطبها من بيتها في النور قدام كل الناس .
قلتُ في خوف :
ـ يعني هو مش هيجوزني ؟
قالتْ في غضب بدا فى نبرتها :
ـ النوع اللي زيه بيتسلي مش أكتر ... ولمّا يفكر يجوز هيجوز.. مش هيجوز واحدة دخلت معاه سينما وركبت معاه المراجيح ... دا بيلعب بيكي .
قلتُ مسرعة :
ـ بس هو لو عاوز يعمل كده .... قدامه بنات كتير أشكال وألوان .
قالتْ في حزم :
ـ لأنه بيستمتع بصيد الفريسة أكتر من استمتاعه بالفريسة نفسها .
قلتُ ومازالتْ علامات الغباء على وجهي :
ـ إزاي يعني ؟
أجابتْ :
ـ من غير إزاي ... ما معتز شاب زيه بس رفض يقعد معاكي على انفراد لوحدكم رغم ان باباكي هو اللى قاله .... لانه عاوز كل حاجة فى تبقى فى النور ... تبقى فى الحلال .. وحسام ده بيقولك خبي عن أهلك الهدايا ... تقدري تقولي لأهلك انك بتخرجي مع حسام ... لا طبعا ... لانكم بتعملوا كده فى الضلمة ... واللي تعمليه فى الضلمة وانتي خايفة يبقي حرام ...مفكرتيش في اهلك اللى كلهم ثقة فيكي انك فى الجامعة بتدرسي وبتتعلمي وانتي فى السينما والمراجيع والمطاعم ... ديما سرحانه وشاردة وخايفة أحسن حد يشوفك معاه ... فلازم تتعلمي الكذب واللف والدوران وتنسي دراستك .
مرّ يوم واحد بعد زيارتي لمكة ، كنتُ كعادتي في صراع بين ما أفعله وبين ما بداخلي ، شعرتُ بالملل ورحتُ أسأل نفسي ، كيفَ سأقضي فترة إجازة نصف العام دون أن أراه ؟
وتذكرتُ المال ، لقد نفذ مالي ولم يظهر عم حسين ، كان قد وعدني أن يُحضر لي مالا في إجازة نصف العام ، فجأة شعرت ُ اهتزاز هاتفي وحين نظرتُ إليه وجدتُ رسالة من حسام :
ـ عايزك تصدقي قلبك .
اهتزّ قلبي وقرأتُ الرسالة أكثر من مرة ، ثم نمتُ وأنا أفكر ، كيفَ سأشترى هدية لحسام في حفل افتتاح والده لشركته الجديدة :
ـ المرة دي مش هينفع أروح من غير هدية ... كفاية منظري قدامه يوم عيد ميلاده لمّا كلهم قدّموا له هدايا إلا أنا .
ـ بس أجيب فلوس منين ؟
ـ أيوه افتكرت ... مفيش غير مكة ... هي قالتْلي قبل كده انها تعرف واحدة باباها صاحب مصنع هدوم وبيشغّل فيه ستات وبنات .
في اليوم التالي ذهبتُ لمكة وأخبرتها أنني أريد العمل ، وحينما سألتني عن السبب فقلتُ كاذبة :
ـ بصراحة قاعدة زهقانة فى البيت والاجازة لسه طويلة فقلتُ أعمل حاجة مفيدة .
أخفيتُ عنها أنني أريد المال من أجل شراء هدية لحسام ، لأنني وعدتها من قبل أن أقطع علاقتي به وأهتم بدراستي ومستقبلي .
قالتْ في حماس :
ـ طالما زهقانة كده ما تيجي تحضري معايا دروس وندوات على النت وهعملك ( اكاونت ) تدخلي بيه جروبات ومنتديات مفيدة ...تقرأي وتثقفي نفسك وتحفظى النصوص الشعرية المقررة علينا السنة الجاية ... وكمان تشاركي معايا فى تسميع قرأن للبنات .
سألتها في جهل :
ـ مكة هو انتي بتاخدي فلوس مقابل دروس القرآن ؟
قالتْ مبتسمة :
ـ فلوس ايه بابنتي ... دي حاجة كده بعملها علشان تنفعني في قبري لمّا أموت .
قلتُ مسرعة :
ـ بعد الشر عليكي .
ثم أردفتُ قائلة :
ـ بصي خليها للاجازة الكبيرة في الصيف ...أوعدك هتعلم منك المشاركة والتفاعل فى النت وأشارك معاكي في تحفيظ القرآن ... بس دلوقتي كلّمي صاحبتك اللى باباها معاه مصنع .
قالتْ :
ـ ماشي يا شابة .
في اليوم التالي كنتُ في مصنع الملابس ، كان بعيدا جدا عن القاهرة ، لذلك فرحتُ حينما أخبرني صاحب المصنع أنّ هناك مبني معد خصيصا للمبيت ، كان الرجل أشيب الشعر وقورا له وجه مستدير مريح ويبدو الرخاء وراحة البال علي مظهره وهيأته ، سألني بعض الأسئلة على غرار :
هل سبق لكي العمل من قبل وأشياء من هذا القبيل ، عرفتُ أنه سيتكفل بإقامتي وإطعامي ، كما عرفتُ أنني سأحصل على ثلاثة ألاف جنيها شهريا وأخبرته أنني سأعمل شهرا واحدا فقط ـ فترة الإجازة ـ لأنني طالبة في الجامعة .
كانتْ المشرفة تيقظني مع الفجر ، أتناول إفطاري مع مجموعة من الفتيات ، ثم نبدأ العمل مع شروق الشمس ، وعند الظهيرة كنا نحصل على استراحة لمدة ساعة ، كنتُ أصلي فيها الظهر ثم أتناول الغداء مع الفتيات ونحن نثرثر ثم نعود للعمل حتى يحل الظلام ، كان العمل شاقا قاسيا ، وكانتْ كلتا يديّ لا تكف عن الحركة ، ما بين ترتيب الملابس أو حملها إلى المخزن أو وضعها على اسطوأنات كهربائية متحركة أو ترتيبها بشكل معين أو غمرها في مياه ساخنة ، وحينما كنتُ أشعر بالممل والتعب كانتْ المشرفة تنقلني إلى المطبخ كمساعدة لسيدة مسنة كانتْ تقوم بطهي طعام العاملات ، فكنتُ أذهب معها في سيارة معدة لشراء الخضروات ، وحين أعود أقوم بمساعدتها في تجهيز الطعام أو تنظيف الأطباق ، كنا أكثر من سبعة وأربعين فتاة وثلاث مشرفات ، وطاهية طعام ، كانتْ كل فتاة تحصل على راتب شهري حسب خبرتها أو حداثتها ونوع العمل الذي تقوم به ، كنا ننام في غرف واسعة مجهزة للنوم والمعيشة ، في كل حجرة مجموعة من الأسرّة الأفقية التي تشبه أَسرّة المدن الجامعية ، غرف متواضعة لكنها تفي بالغرض ، وفى المساء كنتُ أستمع لأحاديث البنات اللاتي كن في أعمار مختلفة ، منهن اليتيمات مثلي ، ومنهن المطلقات ، ومنهن الأرامل ، كنتُ أستمع إلى قصصهن وحكاياتهن دون أن أشاركهن الحديث إلا نادرا ، وكانتْ أحاديثهن ومزاحهن يخفف عنّي مشقة العمل ، كنُت أفعل ذلك من اجل حسام ، كنتُ أتذكره كل ليلة وأحلم ، وابتسم في نفسي حينما أتذكره وهو يقول :
ـ سيبي قلبك هو اللى يتكلم .
وكان كل ما يشغل بالي هو الهدية التي سأشتريها له ، وكنت أرد على نفسي :
ـ ما هو أنا لازم اجيبله هديه تكون حلوة ..اشمعنا شيرين يعني .
بعد أسبوع من العمل المرهق الشاق كان وجهي قد شَحُب ، وبدا الضعف على جسدي ولازمني الصداع وفقدان التوازن بسبب قلة ساعات الراحة وكثرة ساعات العمل ، وحينما كان الملل والتعب يسيطران عليّ كنتُ أتصفح رسائل حسام على هاتفي فيعود لي نشاطي وتتجدد حماستي .
كانتْ تشاركني في سريري فتاة اسمها سحر في الخامسة والعشرين من عمرها ، شاحبة الوجه ، مبلبلة الفكر ، وذات ليلة استيقظتُ من النوم على صوت بكائها ، فانتفضتُ مذعورة بعدما ظننتُ أن مكروها أصابها ، فربّتُ على كتفها وقمتُ بتهدئتها وطلبتُ معرفة سبب البكاء ، وبدأتْ تحكي :
ـ ولدتُ وكبرتُ وأنا في بيت العائلة ، أبى وعمي شقيقان ، وأمي زوجة عمي شقيقتان ، وان كان كل إنسان لا يملك إلا أبا واحدا وأما وواحدة ... فأنا كنتُ أشعر أنني أملك أبوين وأمين ، تعرفي الجو الأسري لما تقعدوا تاكلو مع مامتك وباباكي واخواتك وعمك ومرات عمك وولادهم على مائدة واحدة .. كنا نضحك ونهزر ونلعب مفيش فرق بينا ... أسرة واحدة سعيدة متماسكة ... ومع الوقت حسيت إن ابن عمي عينه منّي ... كان مش بيفوّت فرصة إلا ويحكيلي عن حبه .... بس مكنتش شيفاه حبيب ... كنت شيفاه أخ وبس ...ولما تقدّملي ورفضته كانتْ الصدمة للجميع ... لأن رفضي ده هيكون هو اللى هيفرق العائلة ... بس مش هكون أنا تمن سعادتهم وتماسكهم ... إزاي أعيش مع واحد عمري حسيت ناحيته بالحب ... ومكنش ده أهم أسباب رفضي ... قلبي كان متعلق بواحد تاني حبيته وحبني ... لكن كانتْ غلطتي إني عملت معاه كل حاجة باسم الحب ... كل حاجة .
ثم ارتفع صوت نحيبها وارتشفتْ دموعها التي بللتْ وجنيها وأكملتْ :
ـ ولما قلتُله إني حامل ولازم يتقدملي في أقرب وقت لاقيته بيهرب مني .... ولما هددته إني هفضحه ... هرب وسافر ... وكان لازم أهلي يلاحظوا شرودي وحزني ودموعي اللي بتنزل بمناسبة ومن غير مناسبة .... في الأول اعتقدوا إني عندي مس شيطاني .... وبيتنا بقي سيرك للدجالين والنصابين اللى بيدّعوا انهم بيعالجوا المس ... بس السؤال اللي كان محير أهلي
( هى بنتنا جرالها إيه ؟!!!)
لكن حجم بطني اللي بدأت تكبر كان أبلغ إجابة ...... حبسوني في أوضة وحرموني من الأكل .... وفي ليلة لقيت واحد بيفكني ... هرّبني من البيت وركبني أول قطار للقاهرة .... الواحد ده كان ابن عمي اللي كان بيحبني .....فاكرة آخر جملة قالها لي وهو القطار بيتحرك ... ( أهل الخير في القاهرة كتير ... ابدأي حياة جديدة هناك )
ابني مات في بطني .... وأهل الخير دلّوني على المصنع ده .
أشفقتُ عليها وبكيتُ لحالها ، وكأن الله كان يرسل في طريقي من يحذرني مما أنا مقبلة عليه ، لكنني كنتُ كمَنْ وُضع على عينيها غشاوة ، كنتُ أمضي في طريقي الشائك دون وعي كالمسحورة .
في نهاية الأسبوع الثاني نفذتْ طاقتي فقررتُ ترك العمل لعدم قدرتي على التحمل ، وها أنا حصلتُ على مبلغا ماليا لا بأس به ، أنقدني صاحب المصنع ألف وخمسمائة جنيها نظير عمل أسبوعين ، وأثني عليّ وعلى أخلاقي وانتظامي في العمل ، وأخبرني أن المصنع يرحب بي ما إن فكرتُ في العودة للعمل .
عدتُ إلى القاهرة وأنا سعيدة بهذا الانجاز ، واستعددتُ للحفل ، قمتُ بشراء قميصين بلونين مختلفين ورابطتي عنق لحسام ، واشتريتُ لنفسي حجابا جديدا ، فكان إجمالي ما دفعته ألف ومائتي جنيها .
في صباح يوم الخميس كنتُ أتجول الشوارع حتى وصلتُ إلى ضالتي واشتريتُ بعض أدوات التجميل ( مكياج ) ، تعجبتُ كثيرا حينما عرفتُ أسعار تلك الأشياء ، كانتْ أسعارها خرافية فادحة ، كانتْ هذه المرة هي المرة الأولي التي أشتري فيها مثل هذه الأشياء ، واكتفيتُ بشراء أشياء قليلة ، لكنني وجدتُ نفسي في مأزق :
ـ طيب أنا هحط مكياج إزاي في البيت قدام مرات أبويا ؟!
ثم اهتديتُ إلى فكرة :
ـ أيوه ...أنا أروح عند مكة وأحط مكياج براحتي .
ـ بس مكة هتعملّي فيها ست الشيخة وأنا مش عايزه نكد انهارده خالص .... وأنا أصلاً وعدتها إني أقطع علاقتي بحسام .... طيب وبعدين هتعملي ايه يا نورا ؟!
كنتُ غارقة في مشكلتي ثم عزمتُ أخيرا أن أذهب إلى الحفل دون تجميل .
وفي الساعة الرابعة بعد الظهر أخبرتني زوجة أبي أنها ذاهبة إلى والدتها المريضة وأنها سوف تبيت ليلتين ، اهتزّ قلبي فرحا ، وما إن خرجتْ زوجة أبي حتى جلستُ أمام المرآة ، وبدأتُ أتفنن في تغيير وجهي ، كنتُ سعيدة بما أفعل ، متشوقة لرؤية ردة فعل حسام حينما يراني بشكلي الجديد ، وقبل أن أخرج رحتُ أطمأن لميكاج وجهي ، وحذائي الجديد وحجابي الذي اشتريته اليوم ، ورحتُ أتخيل كيفَ أن حسام سَيُعجب بهذا التغيير ، وسيزيد إعجابه بي وينسي شيرين ، وقلتُ في نفسي :
ـ أيوه كده يابت يا نورا ... كده بقيتي أحلي .
ـ مش هو برضه عايزني أبقي منفتحة ومتحضرة .
ثم نظرتُ للمرآة مرة أخري ، وعدتُ أحدث نفسي :
ـ شيرين مين دى بس اللى أحلي منّي .
ـ دا أنا بس لو معايا فلوس اشتري كل أدوات المكياج اللي شفتها .
*********** تنبيه هام. ***********
فيه متابعين كلمونى وقالوا إنهم عملوا جروب بيتكلموا فيه عن الرواية وطلبوا اقولكم علشان تدخلوا معاهم لو حابين تدخلوا الجروب اضغط هنا 👇👇
عشاق رواية نصف إنسانة
*******************************
بعد ساعات كنتُ أمام الفيلا ، وحين دلفتُ للداخل كان الهرج يسود كل شيء ، موسيقي ،أزهار، مشروبات ، ورجال يرتدون سترات أنيقة ، وسيدات وبنات يكشفن أكثر مما يلبسن ، وحسام والشلة ، أحمد وشريف وشيرين ، حين رأني حسام قال لي بلهجة جافة :
ـ نورتي .
قالها ثم انصرف .
تعجبتُ من هذه اللهجة لأنني شعرتُ بالتجاهل ، ولكن خمنتُ أنه مشغول بالترحيب بالضيوف والمهنئين ، كانتْ شيرين ترتدي فستأنا ضيقا أعلى الخصر، قصيرا ينتهي أعلى ( الركبة ) مكشوفا من الأعلى ، كانتْ تتنقل من مكان لمكان كالفراشة ، انزويتُ على أحد المقاعد وبدأتُ أراقب ما يحدث ، منتظرة أن يأتي حسام .
وبعد مرور نصف ساعة رأيتُ رجلا يشير بيده فصمتَ الجميع ، وبدأ الرجل يتحدث ، قال كلاما كثيرا عن أخلاق (عبد المجيد بيه ) وذكائه وقدرته علي المنافسة في السوق ، وتحدث عن عصاميته ومسيرته العملية التجارية الناجحة ، وبعد أنهى كلامه توالتْ التهاني على والد حسام ، هنا فطنتُ لشيء ، والد حسام هو الرجل الأنيق الأصلع الذي رأيته في عيد ميلاد حسام من قبل ، وسألت نفسي ، لماذا انصرف سريعا يوم عيد ميلاد حسام ؟
والاهم لماذا لم أراه في المستشفى مع حسام يوم إجراء العملية ؟
رأيتُ أن الجميع يتسارعون لمصافحة الرجل ، وأنه من الذوق أن أفعل مثلهم ، فسرتُ في خطوات غير واثقة وصافحته ، لكنه حينما نظر لي بدا التوتر على وجهه ، نظرت في عينيه ولا أعلم لماذا شعرت بأنني رأيتُ هاتين العينين من قبل ، هنأته على افتتاح شركته الجديد متمنية له التوفيق ، فشكرني الرجل في شيء من التوتر ، ثم عدتُ إلى مقعدي .
بعد قليل غادر الرجال المتأنقون مع عبد المجيد بيه للطابق الأعلى لاستكمال احتفالهم ، وغادر بعض المدعوين ، وكنتُ متوقعة أن يلحظ حسام مكياجي وحجابي الجديد ، ويأتي ليتحدث معي وهذا لم يحدث ، عادتْ الموسيقى الصاخبة وازدحمتْ صالة الحفل بالشباب والبنات وبدأوا في الرقص ، كانتْ شيرين ترقص وتتمايل حسب أنغام الموسيقى ، فكانتْ تهتز بسرعة وببطء وبدلال حسب لحن الأغنية وموسيقتها ، لكنها طوال هذه الرقصات لم تفارق حسام ، وبعد ساعتين لم يحدث جديد ، فقط رقص وضحكات عالية وأضواء تسطع ومشروبات تُقدم والموسيقى لم تتوقف ، وحينما انبعثتْ موسيقى هادئة رأيتُ حسام يرقص مع شيرين وقد تشابكتْ أيديهما وتقاربتْ أجسامهما ، فتارة يدنو منها وتارة يُحيط أعلى خصرها بذراعه ، وحين اندمجا في الرقص ألتفّ الشباب والبنات وصنعوا حولهما دائرة وبدأوا في التصفيق مشجعين .
كنتُ لا أملك الجراءة لفعل ذلك ، ولم تتاح لي الفرصة لأن أقدم الهدية لحسام ، وتذكرتُ تلك الأيام التي قضيتها في المصنع لأكثر من اثنتي عشرة ساعة عمل يوميا لأستطيع شراء تلك الهدية ، شعرتُ أنني في المكان الخطأ وأنني في نظر هؤلاء مجرد بنت فقيرة ( غلبانة ) ، تحطمتْ معنوياتي وتبخرتْ حماستي .
نهضتُ وسرتُ في خطوات بطيئة إلى الخارج حاملة الهدية ، وفى حديقة الفيلا أخرجتُ من حقيبتي بعض المناديل الورقية وبدأتُ أزيل مكياج وجهي ، كنتُ أفعل ذلك وأنا أبكي ، كان بكاء حارا مريرا ، كانتْ دموعي تهطل كالمطر ، وحينما ارتفع صوتي بالبكاء خشيتُ أن يسمعني أحدهم فخرجت ، سرتُ في الشارع الواسع وأنا أسمع دقات قلبي ، وكنتُ كلما نجحت في تجفيف دمعة كانتْ تهرب مني دمعة أخري ، لاح أمام عينيّ فجأة مشهد مكة وهى تحفظ الفتيات الصغار القرآن ، وسمعتُ همسا بداخلي يقول :
ـ دا كامين ... لازم تصدقي اللي على اليمين .
وتذكرتُ تحذيرات أمي وأنا في سن الثامنة بألا أقع في الحب
سرتُ قرابة خمس عشرة دقيقة ، فتشتُ في حقيبتي فوجدتُ المائة جنيه المتبقية مما حصلتُ عليه من المصنع بعد شراء ما اشتريته ، ووجدتُ الهاتف الذي أهداني إياه حسام ، ووجدتُ بعض المناديل الورقية ، وسخرتُ من نفسي حينما رأيتُ فرشاة لتلميع الحواجب ، كنتُ قد وضعتها قبل خروجي خوفا من أن يُتلف تراب الشارع طلاء وجهي ، وخُيّل لي أن حسام يحدثني مناديا :
ـ نورا ....يا نورا
فسقطعتُ دموعي مرة أخري ، لكنني انتبهتُ أن الصوت لم يكن خيالا ، لأنني رأيتُ حسام فعلا ينادي بصوت مرتفع وهو يقود السيارة بجواري :
ـ انتي سرحانة فى إيه؟... عمال أنادي عليكي وانتي ولا هنا .
قلتُ ُبصوتٍ ممتزج الدموع :
ـ انت عايز مني إيه ؟
قال في تعجب :
ـ ياه ... انتي بتعيطي !... طيب تعالي اركبي .
أجبتُ :
ـ انت ملكش دعوة بيا أصلاً .
فترجل من سيارته وجذبني من يدي وقال :
تعالي بقا وبطلي عناد .
أدار محرك السيارة وقال :
ـ مالك زعلانة ليه ؟... ومشيتي بدري كده ليه ؟
قلتُ وصدري يعلو ويهبط وأنفاسي تتلاحق ودموعي تهطل :
ـ هقعد أعمل إيه؟ ...اقعد أتفرج عليك وانت بترقص مع الست هانم ومش شايل ايدك من عليها ... بس لك حق .. ما هي شاطرة وبتعرف ترقص وتعرف تلبس لبس مكشوف وتقول كلام حلو .. لكن أنا ...أنا ......
ولم أستطيع أن أكمل جملتي بسبب دموعي المنهمرة وأعصابي المنهارة ، وهنا فقط اكتشفتُ أنه يضع على مقود السيارة يد واحدة ، بينما يده الأخرى تضغط على يدي برفق ، فنزعتُ يدي ولم أتكلم ، فلاحتْ نظرة منه على الحقيبة البلاستيكية التي كنتُ أحملها على قدميّ ، فجذبها وفتحها دون تفكير وأخرج قميصين ورابطتي عنق وقال :
ـ كمان هدية ... طيب أنا استاهل كل ده .
قلتُ مسرعة :
ـ لا دى مش هدية ... وانت ملكش كلام معايا بعد كده أصلاً .
قال مبتسما :
ـ انتي ليه خايفة تقولى انك بتحبيني ؟ ليه خايفة تطلعي مشاعرك ؟
كنا قد وصلنا إلى منطقة الجامعة ، توقف بالسيارة ونظر نحوي وقال وهو يجفف دمعي بأصابعه :
ـ قوليها بلسانك ولو مرة واحدة يا نورا ... قلبك بيقولها ... إحساسك بيقولها .... عنيكي بتقولها .
قلتُ في نفسي وأنا شاردة :
ـ مش عيب البنت تقول للولد انها بتحبه ... كده هتبقي مش محترمة .
وكأنه سمع ما يدور في عقلي فقال وهو يدنو مني ومازال يجفف دموعي بأصابعه :
ـ مش عيب ولا غلط انك تقوليها .
قلتُ :
ـ كفاية عليك شيرين ... أكيد بتقولهالك كل يوم.
قال مبتسما :
ـ وأنا مالي ... ما تقولها .
قلتُ في عصبية :
ـ وانت مالك إزاي يعني ... مش هي بتحبك وانت بتحبها .
أجاب ومازال مبتسما :
ـ هو أنا يعني علشان ما سبتها ترقص معايا يبقي أنا بحبها ... أنا سبتها ترقص معايا علشان أتأكد من حاجة معينة ...ودلوقتي تأكدت خلاص .
قال جملته الأخيرة وهو يدنو من خدي بشفتيه ، وقبل أن يلمسني ، فتحتُ باب السيارة ونزلت .
في المساء كنا أنا وأبي نتناول العشاء ونشاهد التليفزيون ، كنا نمد أعناقنا ونرفع وجوهنا لنتمكن من مشاهدة التليفزيون ، فتذكرتُ سعاد حينما طلبتْ من أبي أن يشتري منضدة أو مكتب لتضع عليه التليفزيون بدلا من هذا العمود الخراساني المرتفع ، قطع أبي شرودي قائلا :
ـ فكرتي يا بنتي ولا لسه ؟
أجبت :
ـ فكرت في إيه ؟
قال ضاحكا :
ـ و دي حاجة تتنسي .... أقول إيه لمعتز ؟
قلتُ في ضيق :
ـ أنا مش هجوز دلوقتي .
قال ساهما :
ـ عمك حسين كلمني وقال انه هييجي كمان أسبوعين ... محدش هيقنعك غيره .
بعد ساعتين أويتُ إلي سريري وتأهبتُ للنوم ، وفجأة اهتزّ هاتفي فوجدتُ رسالة من حسام اهتزُ لها قلبي :
ـ القمر اللى زيك مش محتاجة تحط مكياج ... لانك جميلة من غير مكياج .
كانتْ هذه الرسالة كفيلة بأن تجعل قلبي يهتز من الفرح .
يتبع
•تابع الفصل التالي "رواية نصف انسانة " اضغط على اسم الرواية