رواية عشق بين حنايا الروح الفصل العاشر 10 - بقلم نورهان العشري

 رواية عشق بين حنايا الروح الفصل العاشر 10 - بقلم نورهان العشري

كنتُ أعتقدُ سابقًا أن بُعدَ المسافات هو أقصى ما قد يمرّ به عاشقان، إلى أن تذوّقتُ مرارةَ أن تكون بجانبي، وقلبُك بعيدٌ كلَّ البُعد عن قلبي. حينها أدركتُ أن بُعدَ القلوب هلاكٌ لا نجاةَ منه، تتبعه نهايةٌ حتمية.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁
أخذت كاميليا تزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا، وهي تنظر بين الحين والآخر إلى أدهم الذي يقف أمام النافذة، معطيًا إياها ظهره، وتلك التي تنام على الأريكة بالغرفة، مغروز بيدها محلولٌ مغذٍ أمر الطبيب بإعطائه لها نظرًا لسوء أحوالها الصحية بعد إغمائها أمام الشركة.
قام أدهم مضطرًا إلى حملها للداخل، وأمر طبيب الشركة بالكشف عليها، وها هي منذ أكثر من نصف ساعة مستلقية على الأريكة غائبة عن الوعي، مما أدى إلى ازدياد غضب كاميليا التي قالت بنفاد صبر:
ـ أدهم بيه، مش ناوي تفهمني إيه اللي حصل؟!
زفر أدهم بنفاد صبر قبل أن يلتفت إليها قائلًا بغضب:
ـ مش لما أفهم أنا الأول أبقى أقولك!
نظرت إليه كاميليا بعدم تصديق:
ـ نعم! أنا نزلت لقيت البنت واقعة في حضنك، وتقولي مش فاهم؟ أمال لو فاهم كنت عملت إيه؟!
قال أدهم بانفعال:
"ـ لله يخربيتك، إيه واقعة في حضنك دي؟ هتجيبيلي مصيبة! واحدة أُغمي عليها ووقعت عليّا، أنا ذنبي إيه؟ إيه البلاوي السودة دي!
قالت كاميليا بسخرية:
ـ لا طبعًا ملكش أي ذنب! هو إنت ليك ذنب في حاجة؟ دانت حمل وديع!
قال أدهم بغيظ من سخريتها:
ـ كاميليا، بطّلي استفزاز وحياة أهلك. مش ناقصك. مش كفاية البلوة اللي معرفش اتحدفت عليّا من أنهي داهية دي!
ثم أضافت كاميليا:
ـ على فكرة، دي فضلت مستنياك الصبح أكتر من ساعتين عشان تقابلك، ولما عرفت إنك خرجت مشيت!
قال أدهم بحنق:
ـ أنا مش فاهم ناقص قرف زيادة في حياتي عشان تظهرلي فيها الست بتاعة دي كمان! لا وقال إيه، جاية طالبة مساعدتي!
قالت كاميليا باستفهام:
ـ وهي عايزة مساعدتك في إيه؟
قال أدهم:
ـ أنا عارف لها… بتقولي جاية عشمانة في شهامتك ورجولتك!
قالت كاميليا بسخرية:
ـ شهامتك! أممم، ده يظهر مش إنت بس اللي كنت مخدوع فيها، دي هي يا قلب أمها كمان واخدة فيك مقلب كبير قوي!
قال أدهم بغضب:
ـ بت إنتِ، مش عايز طول لسان! مش كفاية بنت خالتك اللي مطلعة عين أهلي، ناقصك إنتِ كمان!
وضعت كاميليا كفوف يديها في جيوب بنطالها قبل أن تقول بتخابث:
ـ بنت خالتي! أممم، تخيل بنت خالتي اللي مطلعة عينك دي لو كانت تحت وشافت الأمورة وهي في حضنك، كانت هتعمل فيك إيه؟
شعر أدهم بانسحاب الدماء من أورِدته للحظات ما إن تخيّل غرام وهي ترى تلك الفتاة ملقاة بأحضانه… حتمًا لن تنظر في وجهه مرة ثانية، وبهذا يكون قد حُكم عليه بالعذاب لبقية حياته. عند هذا الهاجس اندفعت الكلمات بلهفة من شفتيه وهو يقول:
ـ فال الله ولا فالك يا شيخة! الحمد لله إنها ما شافتنيش… ده من رحمة ربنا إنها لا يمكن تيجي الشركة عندنا!
حاولت كاميليا كتم ضحكتها بصعوبة وقالت بمكر:
ـ أممم، طب خد المفاجأة دي يا أدهومي غرام تقريبًا فاضلها عشر دقائق وتلاقيها داخلة علينا!
شعر أدهم بصدمة قوية جراء كلمات كاميليا التي أرعبت قلبه، فقال بلهفة:
ـ كاميليا، ما تهزريش!
قالت كاميليا بصدق:
ـ والله ما بهزر. أنا متفقة معاها من امبارح إنها هتعدي عليّا بعد ما أخلص، وتاخدني عشان نروح نشوف فساتين كتب الكتاب. ولسه بعتالي مسدج من شوية بتقولي إنها قدامها عشر دقائق وتكون تحت!
قال أدهم بلهفة:
"يا نهار مش فايت! طب أعمل إيه في البلوة السودة دي؟ أشيلها أرميها من الشباك، ولا أعمل إيه؟!
لم تتمالك كاميليا نفسها من الانفجار في الضحك على مظهره المرتبك، مما أدى إلى ازدياد حنقه منها، فقال من بين أسنانه:
ـ بتضحكي وشمتانة فيّا! ماشي، كل واحد له يوم افتكري ده!
قالت كاميليا بغرور:
ـ لا فكّك… وبعدين صلّح علاقتك معايا عشان ما أسلّمش تسليم أهالي، وإنت عارفني، هاه!
تحولت ملامح أدهم مائة وثمانين درجة عندما سمع كلماتها، وقال بمزاح:
ـ إيه يا كامي؟ دانا أخوكي، حبيبك اللي دايمًا في ضهرك. إنتِ نسيتي ولا إيه؟ دانا حتى كنت لسه بقول بيني وبين نفسي أحسن واحدة عندنا في العيلة هي البت كاميليا، جدعة ورجولة كده!
قالت كاميليا بسخرية:
ـ آه، إنت هتقولي؟ المهم خلينا نشوف البنت دي هتفوق إمتى ونمشيها قبل ما غرام تيجي.
قال أدهم بلهفة:
ـ أيوه صح… أنا عارف هي ميتة كده ليه؟ دي بقالها ساعة على الحال ده، ولا كأنها ما نامتش بقالها سنة!
اقتربت كاميليا منها تحاول إفاقتها بالربت بلطف فوق وجهها، إلى أن بدأت مرام في الاستيقاظ، ففتحت عينيها ببطء وأخذت تنظر حولها في محاولة لاستيعاب أين هي. ولكن ما إن وقعت عيناها على أدهم، الذي كان يغلي من الغضب وينظر إلى ساعته بين الفينة والأخرى، حتى عادت إليها ذاكرتها. حاولت أن ترفع رأسها في محاولة للنهوض، فداهمها الدوار مرة ثانية، فحاولت كاميليا إسنادها ووضعت خلف رأسها وسادة قبل أن تقول باهتمام:
ـ إنتِ كويسة؟
قالت مرام بوهن:
ـ أحسن شوية… إنتِ كاميليا مش كده؟
رفعت كاميليا إحدى حاجبيها في استغراب من معرفة تلك الفتاة بهويتها، فابتسمت مرام وقالت بهدوء:
ـ ما تستغربيش… أدهم كان حكيلي عليكم كلكم!
قال أدهم بنفاد صبر:
ـ مرام… ممكن أعرف إيه اللي فكّرك بيا وجابك لعندي النهارده؟
جفلت مرام من لهجته الغير ودودة، وأيقنت بأن الطريق أمامها في استعادته صعب كثيرًا، لكنها الآن تريد مساعدته بالفعل، فهو الوحيد القادر على أن يقتصّ لها من ذلك الوغد الذي ينغّص عليها حياتها، لذلك آثرت الهدوء وهي تقول بضعف:
ـ أنا آسفة إني ظهرت في حياتك من تاني بعد اللي حصل منك زمان، بس صدقني في حاجات كتير إنت ما تعرفهاش. أنا والله ما سيبتك بإرادتي، أنا كنت مغصوبة على كل حاجة.
قاطعها أدهم بحدّة وهو يقول بصرامة:
ـ من غير شرح ومبررات، مش هتفيدني ولا هتفيدك بأي حاجة. ياريت تدخلي في الموضوع على طول… خدمة إيه اللي إنتِ عايزاها مني؟
مرام ببكاء حاولت كتمه ولم تفلح:
ـ الحيوان اللي كنت متجوزاه، من أول يوم وهو بيضربني وبيهينّي وبيعذبني… مشوفتش معاه يوم حلو. بس اضطريت أصبر عشان كان مداين إخواتي في مبلغ كبير، وكان بيهددني لو فكرت أطلق منه إنه هيرفع عليهم الشيكات اللي ممضّيهم عليها. فاتحملت قرفه، وربنا أراد وحملت في سيف ابني، اللي كان شوكة في ضهري وخلّاني أتحمل من تاني كل القرف اللي هو بيعمله، عشان ما أقدرش أروح لإخواتي اللي هيضربوني ويرجعوني ليه من تاني زي ما عملوا قبل كده.
محت عبراتها وهي تتابع بنبرة جريحة:
ـ فكرت وقررت إني لازم أعمل لنفسي قرشين وآخدهم وأهرب، وفعلاً جمعت من وراه مبلغ محترم وجهزت ورقي عشان أنزل مصر أستخبى في أي مكان بعيد عن عينه، لكنه عرف، معرفش عرف منين، وضربني وطردني ورحّلني على مصر وحرمني من ابني. الكلام ده السنة اللي فاتت، ومن شهر بس عرفت إنه ساب الخليج ورجع يعيش هنا في مصر، وأنا هتجنن… نفسي أشوف ابني، مش قادرة أتخيل حياتي من غيره.
كاميليا باستفهام:
ـ طب و أخواتك؟
مرام بحزن
ـ  إيدك منهم والقبر… كل شغلهم معاه، ومحدش يقدر يعارضه. قلت ألجأ للحكومة ورفعت عليه قضية، بس هو واصل قوي ومحدش عرف ياخد معاه حق ولا باطل، وبعد عذاب أخدت حكم بالحضانة، ومن وقتها مش عارفة ألمه عشان ننفذ الحكم. عشان كده جيتلك… إنت الوحيد اللي ممكن تساعدني. أرجوك يا أدهم ساعدني… أنا ما عملتش حاجة بإرادتي، كل حاجة كانت غصب عني. أنا اتعذبت واتذلّيت وشوفت المرار بمعنى الكلمة في السنة اللي فاتت دي، ومع ذلك مش فارق معايا كل ده، اللي فارق معايا ابني… هموت من غيره، والله هموت من غيره!
اختتمت مرام كلماتها وانخرطت في نوبة بكاء عنيفة، شاركتها بها كاميليا التي أشفقت على حال هذه الأم التي حُرمت من صغيرها بمثل تلك القسوة، فاحتضنتها برفق لامس قلب مرام كثيرًا، فبادلتها العناق بأقوى منه؛ فهذا أكثر ما كانت تحتاجه في تلك الفترة.
شعر أدهم بالشفقة على تلك المسكينة التي حُرمت من صغيرها، ولعن بداخله هؤلاء الأوغاد، أشقائها، فهو أبدًا لم يكن يرتاح لهم عندما كان على علاقة معها، ولكنه كان يتجاهل كل هذا من أجلها. أما الآن فقد ثبت له صحة حدسه، ولكن جزءًا منه كان يرفض تصديق روايتها هذه، فقال بلهجة باردة:
ـ وأنا إيه اللي يثبتلي صحة كلامك ده؟
نظرت مرام إليه بألم من عدم تصديقه لها، ولكن بداخلها كانت تعطيه كل الحق، لذا قالت بهدوء وهي تُخرج ملفًا ما من حقيبتها:
ـ كنت متوقعة إنك ممكن ما تصدقنيش، عشان كده جبتلك الورق اللي يثبت بيه صحة كلامي. اتفضل، ده ورق القضية اللي رفعتها.
نظرت إليه كاميليا بغضب من بروده واتهامه لها، فتجاهل نظرتها وقام بوضع الملف بلا اهتمام فوق مكتبه وهو يقول بلهجة باردة:
ـ تمام يا مرام، تقدري تتفضلي دلوقتي. وأنا هعرض الورق ده على محامي الشركة وهو هيشوف يقدر يساعدك إزاي. ياريت تسيبي بياناتك ورقمك في السكرتارية بره عشان يقدروا يتواصلوا معاكِ.
بداخلها كانت تتوقع منه الغضب والثورة لكرامته التي أهدرتها بغباء، ولكن أن يُحادثها بمثل هذا البرود وأن يقطع كل تواصل بينهم بتلك الطريقة لم تتوقعه أبدًا. فهو قد نوى مساعدتها رغم عدم إفصاحه عن ذلك، لكنه يُعلن بطريقة غير مباشرة أنه لن يكون هناك أي اتصال بينهم، وهذا ما أصابها بإحباط كبير، لكنها لن تتراجع عن هدفها. لذا تجاهلت كل هذا ونظرت إليه بامتنان ممزوج ببعض الألم وقالت بنبرة واهنة:
ـ ميرسي قوي ليك يا أدهم… وآسفة إني اقتحمت حياتك كده، وآسفة على اللخبطة اللي سببتها لك… بس أنا كنت يائسة قوي. مش هاخد من وقتك أكتر من كده، عن إذنك.
لم تتلقَّ منه سوى إيماءة بسيطة من رأسه وملامح جامدة، فتوجهت نحو باب الغرفة بعد أن شكرت كاميليا على مساعدتها، فبادلتها كاميليا بابتسامة صادقة مشفقة عليها. وما إن خرجت مرام حتى انفجرت كاميليا في وجهه قائلة بغضب:
ـ إنت إزاي كده هاه؟ إزاي تكون معدوم الإحساس للدرجة دي؟!
قال أدهم بغضب:
ـ كاميليا الزمي حدودك، ووطّي صوتك، وما تدخليش في اللي مالكيش فيه!
قالت كاميليا باستنكار:
ـ ألزم حدودي؟ تصدق فعلاً إنت حلال اللي غرام بتعمله فيك. إزاي عايز قلبها يحنّ عليك وإنت قلبك حجر على واحدة غلبانة طالبة مساعدتك وإنت ترفضها بالطريقة دي؟!
نظر أدهم إليها بذهول قبل أن يقول بانفعال:
ـ إنتِ حولة؟ أمال أنا واخد منها الورق ليه، عشان أُقلي عليه طعمية؟ وبعدين على ذكر غرام بنت خالة حضرتك، فدي السبب في كل حاجة وحشة أنا عملتها فيها. بسببها كرهت صنف الحريم كله، وما بقيتش أثق فيهم!
شعرت كاميليا بأنها تمادت معه وبأنها قد ظلمته، فقالت بصوت هادئ قليلًا:
ـ ماشي، عارفة إنها غلطت في حقك، بس ده ما يمنعش إنك تساعدها. حرام، دي أم وزمانها هتموت من القهرة عشان ضناها.
قال أدهم بنفاد صبر:
ـ هساعدها يا أغبى خلق الله، بس لما أتأكد إن كلامها صح، ووقتها مش هجري أخدها بالحضن برضه! هوكّل محامي كبير ليها، وهستخدم معارفنا عشان أعرف طريقنا فين، بس ده كله هيكون بطريقة غير مباشرة. بمعنى أوضح، هيبقى دايمًا في وسيط بيني وبينها، عشان مش عايز أي عقبة تانية بيني وبين غرام اللي ما بتصدقش تلاقي حجة تبعد بيها عني!
نظرت إليه كاميليا بإشفاق من حاله، فمن الواضح أنه يعشق غرام كثيرًا، فقالت بتعاطف:
ـ قد كده بتحبها يا أدهم؟
قال أدهم بيأس:
ـ بحبها؟ دي كلمة تافهة قوي قصاد مشاعري ناحيتها يا كاميليا… أنا ما كنتش متخيل إني بحبها قوي كده قد النهارده. أنا ما كنتش طايق نفسي الدقايق اللي شلت فيها مرام لحد هنا، كنت حاسس إني بخونها… ضميري كان بيأنبني، وكنت عايزها تمشي بأي طريقة.
قالت كاميليا بتأثر:
ـ طب ما تقولها كده، وهي أكيد هتحس بيك، خصوصًا إنها بتحبك هي كمان.
قال أدهم بسخرية:
ـ هي بتديني فرصة أتكلم أصلًا؟ دي زي ما تكون مش حافظه غير: ابعد عني، لو آخر واحد في الدنيا مش هتجوزك، اقلم نفسك إني برّه حياتك… وأول ما تشوفني بترميهم في وشي. تطلع عفاريت عليها!
قالت كاميليا بتعقل:
ـ لا بقى، إنت لازم تهدى وتمتص غضبها وتخليك ذكي. غرام بتقولك كده عشان تجننك فتبعد عنها، عشان عارفة إنها لو سمعتك هتضعف قدامك وممكن تتأثر بكلامك، عشان هي برضه بتحبك. يبقى إنت تطلع ذكي وتفوت عليها الفرصة.
قال أدهم بتعب:
ـ أنا تعبت يا كاميليا والله، وبرغم كده قلبي مش راحمني ومش عايز غيرها. نفسي بس في فرصة أقعد أتكلم معاها زي البني آدمين، أقولها اللي جوايا ناحيتها بهدوء. نفسي تشوف في عنيا ندمي إني جرحتها… عايزها تدي فرصة لقلبها إنه يحسّ بيا.
قالت كاميليا بتخابث:
ـ طب واللي يساعدك ويخلق لك الفرصة دي تعمله إيه؟
قال أدهم بلهفة:
ـ أديله عنيا.
قالت كاميليا بمزاح:
ـ لا، خلي عنيك دي لغرام عشان تعرف تثبتها بيها. بص، أنا طبعًا بحب غرام جدًا وعايزاها تفرح معاك، بس برضه ما يمنعش إن ليا مصلحة.
قال أدهم بقرف:
ـ طبعًا، دانتِ بنت الحسيني! يعني لو ساعدتيني لوجه الله أبقى مستغرب. اتنيلي أنجزي، عايزة إيه؟ وهتساعديني إزاي؟
قالت كاميليا باندفاع:
ـ تساعدني أطرد الزفتة اللي اسمها سمر دي من الشركة. أو أقولك بلاش قطع أرزاق، هي آه تستاهل قطع رقبتها، بس يلا عشان ما يبقاش حرام علينا. ننقلها أي مكان في الشركة المهم يكون بعيد عن يوسف وخلاص!
كان أدهم ينظر إليها بعدم فهم، إلى أن ذكرت اسم أخيه، فعندها تجمعت الخيوط برأسه، فخرجت منه ضحكة مجلجلة أغضبت كاميليا التي قالت بحدة:
ـ بتضحك على إيه إن شاء الله؟!
قال أدهم من بين ضحكاته:
ـ إنتِ غيرانة على يوسف من سمر السكرتيرة؟!
قالت كاميليا بكذب:
ـ لا طبعًا، سمر مين دي اللي أغير منها؟! أنا بس خايفة على مظهره قدام العُملَا بتوعه، ده منظر سكرتيرة مش واجهة خالص.
قال أدهم قاصدًا استفزازها:
ـ مين دي اللي مش واجهة؟ دي البت صاروخ، ده أنا والواد مازن بنحقد عليه حقد السنين!
قالت كاميليا بغضب ووعيد:
ـ لا والله بقى بتحقدوا عليه؟ طب حلو قوي، أنا بقى هشوف رأي كارما وغرام في الموضوع ده!
قال أدهم بمزاح:
ـ إيه يا كاميليا، ما حدش يعرف يهزر معاكِ؟ سمر مين وبتاع مين؟ دي عاملة زي عروسة الحلاوة، لا تمشي من هنا طبعًا. هننقلها الأرشيف تحت، ولا يشغلك الموضوع أصلًا. المهم قوليلي هتساعديني إزاي أتكلم مع غرام؟"
قالت كاميليا بانتصار:
ـ أيوه كده تعجبني… أما بخصوص غرام، هقولك!
★★★
اختارت غرام ملابسها بعناية فائقة، وأيضًا زينتها، فارتدت بذلة سوداء أنيقة، وارتدت ما يلائمها من الحُلي، تاركةً شعرها ينسدل بحرية خلف ظهرها. كما وضعت أحمر شفاه أحمر قانٍ يُبرز جمال شفتيها، وقامت بتزيين عينيها الجميلتين بشكل هادئ أبرز جمال لونهما. وارتدت حذاءً فاخرًا ذا كعب عالٍ كان يدق على أرضية الشركة الرخامية، فيجذب الأنظار التي ما إن تقع على تلك الحورية التي تمشي في دلال يليق بها كثيرًا، حتى يجعل كل من يراها تنقطع أنفاسه من شدة إعجابه بها. وكان هذا حال النساء أيضًا اللاتي كنّ يطالعنها بانبهار، رافقها إلى أن وصلت إلى مقر التدريب لتناظرها كاميليا بإعجاب سرعان ما تحول إلى مكر، وهي تقترب معانقةً إياها قائلة بمزاح:
ـ إيه الحلويات دي؟ شكلنا كده جايين وناويين على نية مش حلوة!
قالت غرام محاولة ادعاء اللامبالاة:
ـ لا أبدًا يا بنتي، نية إيه؟ أنا ولا في بالي أصلًا… وبعدين ما أنا حلوة على طول..
قالت كاميليا بمكر:
ـ يا بت! قال وأنا عمالة أقول اتأخرتِ دي ليه، اتاريكي كنتِ مشغولة في اختيار الأوتفيت بتاعك!
قالت غرام:
ـ والله أبدًا، بس حصل حاجة كده الصبح هبقى أحكيلك عليها بعدين. أنا حتى ما نزلتش الجامعة النهارده.
عبثت كاميليا في هاتفها قبل أن تتجاهل حديث غرام قائلة:
ـ طب بقولك إيه، اسبقيني إنتِ على تحت على ما أخلص اللي بعمله وأستأذن وأجيلك.
وافقت غرام، لكنها شعرت بخيبة أمل كبيرة عندما لم تره، وكان من الواضح أنها لن تراه اليوم. فها هي في طريقها إلى المصعد الذي توقف بها في المنتصف، فلم ترَ من الذي دخل إليه، فكانت تعبث بهاتفها بحنق، ولكن داهمتها رائحة جعلت جميع حواسها تتأهب، واندفع الأدرينالين بداخلها. رفعت رأسها فوجدت عينين فيروزيتين تطالعانها بعشق، لتزداد ضربات قلبها وتتسارع أنفاسها عندما قال أدهم متصنعًا الصدمة:
ـ غرام! إنتِ بتعملي إيه هنا؟
ارتبكت غرام بوضوح؛ فهي كانت تخطط لمقابلته لكنها فقدت الأمل عندما غادرت الطابق الخاص به، لتتفاجأ به وجهًا لوجه معها في هذا المكان المغلق، مما أدى إلى ارتباكها كثيرًا. لكنها حاولت الثبات قدر الإمكان عندما قالت:
ـ كنت جاية لكاميليا.
لاحظ أدهم ارتباكها وتورد خديها لتصبح كالتفاح الشهي القابل للالتهام، وهو أكثر من مرحب بالتهامها في هذه اللحظة بالذات، فقد أضناه الشوق، لكنه حاول التحكم في انفعالاته قائلًا بمكر:
ـ أممم، كاميليا؟ أمال هي فين؟!
كان قربه منها يوترها كثيرًا، مما أدى إلى قولها بانفعال:
ـ بتخلص اللي وراها وجاية، وطلبت مني أستناها تحت. ها، خلصت التحقيق بتاعك ولا لسه؟
ابتسم أدهم لا إراديًا على توترها وانفعالها، فقد شعر بمدى تأثيره بها، وهذا أسعده كثيرًا، فهي تعشقه لكنها تكابر. فاقترب منها خطوة بسيطة، فتراجعت هي أخرى قائلة بغضب:
ـ أدهم، مكانك لو سمحت.
اقترب منها أكثر وكأنه لم يسمعها، فتراجعت حتى التصقت بحائط المصعد خلفها، فحاصرها بوضع يديه على الحائط من الجهتين، وبإحدى يديه ضغط على زر إيقاف المصعد، وقال بصوت خفيض أرسل قشعريرة لذيذة بأنحاء جسدها:
ـ عارفة؟ ساعات القدر بنصعب عليه، فيبعتلنا فرص كده على طبق من دهب، وأنا بصراحة مش غبي عشان أضيّع فرصة بعتهالي القدر عمرها ما هتتكرر تاني.
شعرت غرام بالرعب من توقف المصعد، وأيضًا من حديثه الذي يحمل معاني كثيرة أربكتها، فقالت بأنفاس مقطوعة:
ـ أدهم، ابعد عني… إنت عايز مني إيه؟
قال أدهم بلهفة:
ـ فرصة! فرصة واحدة تقعدي تسمعيني فيها، وتسيبيني أقولك كل اللي في قلبي، وما تمشيش غير لما أقولك إني خلصت.
ازدادت حدة تنفسها، وودّت لو تخبره أن يذهب إلى الجحيم من فرط التوتر الذي تعيشه الآن، فوجدته يقول وكأنه قد قرأ ما يدور بداخلها:
ـ ما تفكريش كتير، عشان مش هتخرجي من هنا غير لما توعديني تديني الفرصة دي.
أذعنت غرام لطلبه؛ فهي لم تعد قادرة على تحمل قربه منها بتلك الطريقة المهلكة لقلبها، فقالت باختصار:
ـ أوعدك.
ما إن خرجت الكلمة من بين شفتيها حتى انطلق المصعد للأسفل، فتنفست الصعداء وقالت ببرود:
ـ ممكن ترجع مكانك لو سمحت؟ أديك خدت الوعد اللي إنت عايزه.
نظر أدهم إليها بخيبة أمل وقال بيأس:
ـ هو إنتِ مش من البنات اللي بتخاف من الأماكن المغلقة والأسانسيرات والحاجات دي؟
قالت غرام بتهكم:
ـ قصدك البنات الهايفة دول؟ لا، مش منهم.
قال أدهم باستفهام محبط:
ـ يعني مفيش أمل يُغمى عليكي في حضني وأعملك تنفس صناعي وحاجات الأفلام دي؟
قالت غرام بسخرية:
ـ أديك قلت حاجات أفلام!
قال أدهم بإحباط وبصوت خفيض لم يصل إلى مسامعها:
ـ يا فرحة أمك بيك يا أدهم، دي طلعت ما بتحسّش أصلًا.
كانت ترفع حاجبها بمكر لم يخفَ عليه، فقد كانت تنوي ألّا تنفذ وعدها له لتريه أنها لن تخضع لقوته. وضربت بعرض الحائط كل القرارات التي أخذتها بأن تعذبه قليلًا ثم تعطيه فرصة ثانية. لكنها تفاجأت عند وصول المصعد إلى الطابق الأرضي حين امتدت يداه تمسك بكفها بتملك، وهو يسير بها في الشركة بتعالٍ متجهًا إلى الباب الرئيسي. حاولت انتزاع كفها من بين يديه قائلة بنبرة حانقة ولكن خافتة حتى لا تلفت الانتباه أكثر، فقد كانت العيون دون شيء تطالعهم بذهول:
ـ إنت اتجننت؟ إيه اللي بتعمله ده؟ سيب إيدي!
قال أدهم بانتصار:
ـ أبقى اتجننت فعلًا لو سيبت الفرصة تضيع من إيدي.
قالت غرام بلهجة خجلة من نظرات المحيطين بهم:
ـ أدهم، ما تستهبلش وبطّل جنان… الناس كلها بتبص علينا.
قال أدهم من بين أسنانه:
ـ لما كنتِ جاية وعاملة فيها عرض أزياء و بتطقطقي بكعب جزمتك وتهزي في شعرك يمين وشمال، ما خدتيش بالك إن الناس كلها بتبص عليكِ؟ وبعدين اطمني، هما كده عرفوا إنك تخصيني، يعني أي حد يفكر يبصلك منهم هخرمله عينه.
زاد حنقها وغضبها منه حتى أرادت لو تفجر رأسه، لكنه طالعها بابتسامة مستفزة، وقام بلف يده حول خصرها عندما جاء السائق بالسيارة الخاصة به، فأجلسها في الكرسي المجاور له، وجلس يقود السيارة نحو مكان لا تعرفه. لتبدأ بالصراخ عليه عندما انطلق بالسيارة قائلة بغضب:
ـ إنت أكيد اتجننت صح؟ الناس تقول عليا إيه دلوقتي!
قال أدهم بهدوء متجاهلًا ثورة انفعالها:
ـ أكيد هيقولوا إنك خطيبتي.
قالت غرام بانفعال:
ـ بس أنا مش خطيبتك!
قال أدهم باستفزاز:
ـ على اعتبار ما سوف يكون يعني.
قالت غرام بحدة:
ـ عمره ما هيكون يا أدهم يا حسيني… وقف العربية دي بقى، مش رايحة معاك في مكان.
حاول أدهم التحكم في أعصابه قدر الإمكان وقال بهدوء:
ـ طيب، دلوقتي بعد ما حضرتك جيتي الشركة وإنتِ زي القمر كده، وقعدتي تتمختري يمين وشمال قدام الناس كلها اللي كانت عينيهم هتطلع عليكِ، كان قدامي اختيارين: يا إما أطلع سلاحي وأفجر دماغ كل واحد فيهم بصلك بإعجاب، يا إما أعرفهم كلهم إنك ملكي وتخصيني عشان محدش يتجرأ بعد كده ويفكر يبصلك. فاختاري إنتِ، لو مكاني كنتِ هتعملي إيه؟
عززت كلماته غرورها الأنثوي كثيرًا، فقد شعرت بأنها شيء ثمين لديه، يغار عليها حتى من نظرات إعجاب بسيطة من موظفيه، لكنها أبت أن تُظهر ذلك، وإن تجلّى في نبرتها التي هدأت كثيرًا عن ذي قبل عندما قالت:
ـ بس أنا مش ملك حد، وما حبتش أبدًا اللي إنت عملته ده.
شعر أدهم بذلك اللين في نبرتها، فعلم أنه على الطريق الصحيح، فقال بنبرة متحدية:
ـ طب عيني في عينك كده!
التفتت غرام للجهة الأخرى خوفًا من افتضاح أمرها، وقالت بمراوغة:
ـ لا، عينك على الطريق قدامك، عشان بصراحة مش مستعدة أموت في عز شبابي عشان واحد مجنون زيك.
فطن أدهم لمحاولتها الهروب فقال بمزاح:
ـ والله المجنون ده كان أعقل خلق الله قبل ما يشوفك… ما شاء الله سرك باتع!
دق قلبها لمزاحه الذي راق لها كثيرًا، لكنها قالت بسخرية:
ـ هاتها فيّا بقى… وبعدين قول إحنا رايحين فين؟ أنا مش فاضيالك على فكرة.
تجاهل حديثها، وصفّ السيارة على جانب الطريق، وترجل منها، ثم فتح بابها وأمسك بيدها. حاولت التملص منه، فحدجها بنظرة حادة قبل أن يقول:
ـ وبعدين؟ نعقل إحنا وسط الناس.
لم تجبه، بل رافقته إلى ذلك اليخت الذي ما إن دخلاه حتى بدأ بالحركة، مما جعل الرعب يدب في أوصالها، فقالت بخوف:
ـ إحنا رايحين فين؟
قال أدهم بلا مبالاة:
ـ أبدًا، هنقعد نتكلم مع بعض شوية، وبعد كده هروحك، بس لازم أضمن إنك ما تلاقيش مكان تهربي مني فيه.
اغتاظت غرام من حديثه فقالت بانفعال:
ـ يا سلام، ما أنا ممكن أنط في المية عادي جدًا.
أدهم بانفعال وبلهجة متوعدة:
ـ يا ريت، عشان أنط وراكي!
شعرت غرام بالخجل من تلميحاته، فقالت بحدة:
ـ على فكرة بقى، إنت قليل الأدب!
أدهم بتقريع:
ـ إيه التفكير المنحرف ده؟ دانا كنت هنط وراكي عشان أنقذك، أمال أسيبك تغرقي صح؟ خيرًا تعمل شرًا تلقى!
غرام بسخرية:
ـ يا عيني على الطيبة بقى عشان تنقذني صح!
أدهم متصنع الغضب:
ـ أمال يعني عشان أتحرش بيكِ مثلاً؟ اتفضلي قدامي.
طاوعته غرام وهي تسبه بأبشع الألفاظ بداخلها، وما أن خطت بضع خطوات حتى تسمرت في مكانها من الصدمة.
طية الروح العاشرة ❤️‍🩹
كنتُ أعتقدُ سابقًا أن بُعدَ المسافات هو أقصى ما قد يمرّ به عاشقان، إلى أن تذوّقتُ مرارةَ أن تكون بجانبي، وقلبُك بعيدٌ كلَّ البُعد عن قلبي. حينها أدركتُ أن بُعدَ القلوب هلاكٌ لا نجاةَ منه، تتبعه نهايةٌ حتمية.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان رائد ينظر بفزع إلى تلك الغرفة المقلوبة رأسًا على عقب، وسرير والدته الذي كان مدمرًا بالكامل، وتلك الخزنة السرية التي وجدها مفتوحة على مصرعيها. فزع بشدة وسقط قلبه بين ضلوعه من شدة الرعب والندم لتركها بمفردها في مكان غير مؤمن. كان يظن أن لا أحد يعرف بوجودها سوى ذلك الوغد المسمى راغب، والذي لم يكن يتصور أنه سيتجرأ على فعل هذا الشيء، لكنه تجاوز بفعلته هذه كل الخطوط الحمراء.
شعر رائد بالغضب الشديد منه وأقسم أنه سوف يقتله ما أن يتأكد من علاقته باختفاء والدته. فقام بمغادرة الشقة، وهو لا يرى أمامه من شدة الغضب، الذي تجلى في قيادته لسيارته بجنون إلى أن وصل إلى بيتٍ ما، فتوجه إليه وترك هاتفه وكل شيء متعلق به، حتى أنه بدل ثيابه كما يفعل كل مرة، واستقل الهليكوبتر وتوجه إلى ذلك المكان الخفي الذي كان راغب يعتبره قلعته، التي آمنها جيدًا حتى لا يستطيع أحد اختراقها. وإن حدث أن اخترقها أحدهم، حتمًا لن يخرج منها حيًا.
كان راغب يشرب بشراهة من شدة الغضب حتى دخل عليه مساعده فاتح، الذي قال بأدب:
ـ راغب بيه، إحنا عذبنا نص رجالتنا لحد دلوقتي، ولا واحد فيهم اعترف بحرف واحد عن البت دي يبقى فعلاً ما يعرفوش مكانها.
قام راغب برمي الكأس الذي بيده وقال بصراخ:
ـ أمال مين يعرف؟؟ البت زي دي هتهرب لوحدها إزاي؟ مفيش نملة تقدر تدخل هنا وتطلع على رجليها يبقى لازم يكون في خاين جوا ساعدها!
فاتح بهدوء:
ـ وارد تكون لما النور انقطع هربت القصر، مخبأة كتير واستَخبت في أي عربية من اللي خرجوا اليوم ده وهربت منها بأي طريقة…
راغب باستخفاف:
ـ الكلام ده تضحك بيه على عيل صغير مش عليا… وبعدين هفترض أن كلامك حقيقي… النور اللي قطع فجأة ده، ودي أول مرة تحصل من عشرين سنة من يوم ما بنيت المكان ده، إيه صُدفة بردو؟ المكن اللي شحنه خلص فجأة لأول مرة بردو كمان صُدفة؟
فاتح بهدوء:
ـ حضرتك، إحنا جبنا الخبراء وكلهم أكدوا أن الموضوع طبيعي ومش بفعل فاعل ولا حاجة، ومع ذلك استجوبنا كل الناس اللي في القصر وعذبنا كل اللي حضرتك شكيت فيهم، عذبناهم لدرجة إن في ناس ماتت، وهددناهم بأهلهم، ومفيش حد فتح بقه… معني كده أنهم ما يعرفوش حاجة.
راغب بغضب جحيمي:
ـ أمال مين اللي يعرف؟؟
فاتح بنبرة ذات مغزى:
ـ يمكن اللي يعرف ده قريب من حضرتك أوي، وإنت مش شايفه.
راغب باستفهام:
ـ تقصد مين؟
لم يجب فاتح، إنما أعطاه تسجيل فيديو. وما إن رآه حتى جن جنونه، تزامنًا مع دخول سميرة من الباب لتتوجه إليها أنظار راغب، الذي جن جنونه عندما أومأ فاتح برأسه، فقال بحدة:
ـ روح إنت شوف أخبار الشحنة اللي جاية في الطريق إيه، وماتجيش غير لما أقولك.
انطلق فاتح إلى حيث أمره راغب، الذي نظر إلى سميرة بجنون وقال بأمر:
ـ تعالي هنا.
اندهشت سميرة من لهجته ومظهره الذي بث الرعب في قلبها، فقالت بخوف:
ـ في إيه يا راغب؟
صرخ راغب بها قائلاً بلهجة مرعبة:
ـ قولتلك تعالي هنا!
اقتربت منه سميرة برعب، فأمسك بخصلات شعرها بعنف وقال بوعيد:
ـ إنتِ عارفة جزاء الخيانة عندي إيه صح؟
كانت سميرة ترتجف من شدة الخوف والألم معًا، فقالت من وسط بكائها:
ـ خيانة إيه يا راغب، كف الله الشر… مين اللي خانك؟
قال راغب:
ـ من غير ما نستهبل على بعض… جاوبيني، إنتِ ليكِ يد في هروب البت اللي كانت تحت دي؟
سميرة باستفهام:
ـ بت مين؟ والله ما أعرف حاجة.
زاد جوابها هذا من غضبه، فقال بصراخ وهو يشد خصلات شعرها بعنف حتى كاد أن يقتلعه:
ـ البت السكرتيرة اللي رائد كان ماشي معاها كانت تحت وهربت… أو عشان أكون دقيق، حد هربها..
سميرة برعب:
ـ والله ما أعرف عنها حاجة.
قاطعها راغب بشر وهو يقول:
ـ أمال نزلتي المستودع تعملي إيه؟
سميرة بارتباك:
ـ كنت عايزة أشوفك بتخوني مع مين؟
راغب باستنكار:
ـ بخونك؟ هو إنتِ مراتي يا روح أمك وأنا معرفش؟
استطاعت سميرة تخليص خصلات شعرها من بين يديه وقالت بانفعال:
ـ لا، مش جوزي، بس إحنا الاتنين في مركب واحدة ولازم أكون عارفة بتعمل إيه من ورايا، وبعدين يا راجل يا زبالة، عايز تعمل إيه في البت اللي ابن أخوك بيحبها؟ مش خايف عليها، ده ممكن يموت فيها!
على عكس توقعها، لم يغضب، إنما قهقه بشر وقال:
ـ مش لما يبقى ابنه الأول… الكلب ده يبقى ابن عامر الحسيني وبعدين إذا كنت أنا اللي قتلت أخويا نفسه وما خوفتش، يبقى هخاف على حتة عيل زي ده؟!
جحظت عين سميرة من هول ما سمعت، فخرجت الكلمات من فمها دون إرادة عندما قالت:
ـ بتقول إيه؟
راغب بسخرية:
ـ اتصدمتي من إيه بالظبط؟ إنه ابن عامر الحسيني ولا إني قتلت أخويا؟ هي حكاية واحدة بس منفدة على بعض وإن شاء الله هتبقى نهايتها، هخلي رحيم الحسيني وأحفاده يحصلوا اللي قبلهم عشان أبقى علمت على العيلة كلها راجل راجل.
اختتم حديثه بضحكة شريرة جعلت بدنها يقشعر من هذا الشيطان القابع أمامها، فقالت بذهول:
ـ يخربيتك، تقصد إيه؟
قال راغب:
ـ أقصد أن أنا كمان اللي قتلت عامر بعد ما عرفته حقيقة صاحبه الخاين، اللي أنا بردو دبرت الخطة ووقعت بينه وبين أعز أصحابه.
سميرة بتيه:
ـ أنا مش فاهمة حاجة… فهمني، تقصد إيه؟
ابتسم راغب بشر قبل أن يتذكر ما حدث في الماضي وشرع بسرده عليها، فقال بدون أي ذرة ندم:
ـ عامر ومحمود كانوا أعز أصحاب لبعض من أيام الدراسة، وبعد ما خلصوا، حتى لدرجة إن عامر أول ما اتعين في شركة أبوه جاب محمود عشان يشتغل معاه كنت أنا في الوقت ده لسه بدرس، وكان رحيم الحسيني لسه بصحته وماسك منصبه في الشركة، وفي عز قوته وجبروته، وكان رافض صداقة محمود وعامر بحجة إنه مش من مستوى ابنه.
سميرة بتهكم:
ـ دا طبعه من زمان أوي بقى!
راغب بجفاء
ـ الحقير كان بيتعامل معاه بأسوأ معاملة، اللي زادت بعد ما خلصت وروحت اتعينت في الشركة أنا كمان. وطبعًا هو كان رافض وجودي زي ما رافض وجود محمود، وكان بيدينا كام ملطوش كل أول شهر وكأننا بنشحت منه، عشان كان عايز يطفشنا. بس عامر كان بيساعدنا من وراه.
سميرة باندهاش:
ـ غريبة فكرته زي أبوه!
راغب بغل:
ـ كان بيتمنن علينا. المهم فضلنا على كده فترة، لحد ما عامر اتعرف على بنت سكرتيرة عنده وحبها تبقى ناهد أم المحروس رائد. والغريب بقى أن محمود كمان حبها، بس كتم ده في قلبه عشان صاحب عمره، وقال إنها عمرها ما هتبصله لأنه فقير وعامر غني. ولما اتهمته إنه ضعيف مد إيده عليه وطردني من البيت.
شهقت سميرة بصدمة ليتابع بقسوة :
ـ اتحرقت من جوايا، أنا خايفة عليه وهو يمد إيده عليا ويطردني عشان عامر بيه! حلفت لهخدها منهم الاثنين. وفعلاً حاولت أشاغلها، والهَانم عملتلي فيها خضرة الشريفة واشتكتني لمحمود اللي بهدلني وكان هيمد إيده عليا تاني وقتها حلفت إني هنتقم منه، وفعلاً حاولت ألعب في الحسابات اللي هو كان ماسكها، عشان أكيد لو رحيم عرف كده هيرميه بره الشركة… ووقتها عامر مش هيقدر يعمل له حاجة. بس عامر كان شيطان وقدر يعرف إن أنا اللي عملت كده، وطردني بره الشركة عشان يرضي أبوه اللي كان مصمم يطردنا إحنا الاثنين، وكل ده كان قدام محمود اللي كان زي الكلب، مقدرش يفتح بقه ولا يدافع عني ووقتها حلفت إني هنتقم منهم كلهم، وحصل.
كانت سميرة تستمع إليه مذهولة من تعابير وجهه البشعة التي تحكي مقدار بشاعة هذا الرجل، الذي تابع قائلاً بحقد:
"بعدها على طول عرفت أن عامر اتجوز البت دي من ورا أبوه، فكرت أقول له بس لاقيت إنه كبير، هيعمل له إيه؟ هيخليه يطلقها وممكن كمان ما يقدرش عليه. قمت فكرت أكسر قلبها وأهينه هو وهي ومحمود.
سميرة بفضول:
ـ عملت أيه؟
ـ بدأت أتقرب له وأقوله إني ندمان، وهو زي العبيط صدق. وقلت له يسلفني أي مبلغ عشان أبدأ شغل لي على صغير، وإني خلاص تبت ونويت أشتغل بجد، فساعدني. واتفقت معاه أني أعمل شركة صغيرة أنا وواحد صاحبي، وأنه هيكون هو فيها شريكنا بالنص عشان يضمن حقه. ودي كانت الحيلة اللي بيها أقدر أقنع عامر أن محمود بيخونه ويشتغل لحسابه.
سميرة باستفهام:
ـ ازاي؟
ـ سرقت ورق مناقصة مهمة لشركة الحسيني كان عند محمود وكسبتها. عامر كان هيجنن وسأل مين صاحب الشركة دي، وطبعًا كان كل حاجة على الورق باسم شريكي، فماداش خيانة، بس بقي يحرص من محمود. وفعلاً الشركة كبرت ووقفت على رجلها.
صمت لثوان وهو يبتسم على الفضول الذي يلون ملامحها ليُتابع بفخر:
ـ في الوقت ده قدرت أوصل للبنت الخدامة اللي كانت بتشتغل عند عامر وناهد في البيت، ولاغتها بقرشين وخليتها تسرق لي ورق مناقصة كبيرة للشركة، صورته وخليتها ترجعه مكانه تاني. وقلت إن دي الضربة القاضية لعامر الحسيني، منها أشككه في مراته ومنها أشككه في صاحبه.
سميرة باندفاع:
ـ و كسبت المناقصة؟
راغب بفخر:
ـ طبعًا، وعامر اتصدم صدمة عمره لما خسر المناقصة دي، خصوصًا إن أبوه كان ناوي يمسك الشركة لو رست المناقصة عليهم، وده خلاه يحسب ألف حساب لكل حاجة عشان ما يخسرش، بس أنا كنت دايمًا سابقه بخطوة وخليت البنت الخدامة تجيب لي كام حاجة خاصة من بتوع ناهد وحطتها في شقة محمود مع نسخة من ورق المناقصة من غير ما يعرف، لأنه كان مسافر في الوقت ده في شغل تابع للشركة.
صمت يسترجع الذكريات والحقد يلوح في سماء عينيه وبين أوتار صوته حين تابع:
ـ هو اللي أصر أنه يسافر لأن العاشق الولهان كان يا عيني عايز يبعد عن أي مكان فيه ريحة ناهد، اللي بقت مرات صاحبه ومينفعش يفكر فيها أصلاً. وأنا شجعته طبعًا واستغليت ده عشان عامر يفكر إنه بيهرب قبل المناقصة كتمويه. وبعتله رسالة من فاعل خير إن مراته بتخونه مع صاحبه، وإن هي اللي ورا خسارته المناقصة دي عشان الشركة تبع محمود، وبعتله نسخة من العقود بينا. وفعلاً راح عند محمود البيت ودخل لأنه كان معاه مفتاح عشان كان بيروح يبات عنده كتير قبل ما يتجوز، وشاف حاجات ست الحسن والجمال وورق المناقصة وكل اللي كنت مخططله حصل.
سميرة بانبهار:
ـ يخربيت دماغك!
راغب بغرور مريض:
ـ اسمعي التقيل. لما رجع محمود من السفر لقى أنه ممنوع من دخول الشركة، وطبعًا اتجنن وجري على ناهد عشان يعرف إيه اللي حصل بعد ما عمل المستحيل عشان يقابل عامر وما عرفش. وهي طبعا حكتله إنه بهدلها وطلقها عشان شك إن في حاجة بينهم. بعدها حاول يوصل لعامر اللي كان بيقضي شهر العسل مع مراته التانية بنت الحسب والنسب، صفيه هانم، اللي أبوه كان مُصر يجوزهاله عشان بنت شريكه، وهو اتجوزها بعد جوازه من ناهد بيوم.
عند هذه الكلمات شهقت سميرة بصدمة وقالت بانفعال:
ـ إنت بتقول إيه؟؟ بقى، صفيه كانت متجوزة عامر على ضُرة؟
ـ عليكِ نووور.
سميرة باستنكار:
ـ بقى عارف حاجة مهمة زي دي وما تقولليش!
راغب باستهزاء:
ـ عشان تروحي تبوظيلي الدنيا بغبائك صح!!
سميرة بغضب:
ـ دي كانت فرصتي عشان أشمت فيها.
راغب بتقريع:
ـ مش بقولك غبية وكنتِ هتضيعيلي كل تخطيطاتي… وبعدين ماهو رمي ناهد دي وفضل مع صفيه لحد ما مات.
سميرة بنبرة ذات مغزى:
ـ قصده لما انت قتلته…
راغب بشر:
ـ إيوا، قتلته. أنا بصراحة قولت اضرب عصفورين بحجر واحد. لما حاولت اشاغل ناهد دي تاني عشان اتجوزها وأحرق قلبه، جريت اشتكتني لمحمود اللي الحب والشهامة حرقوا قلبه وجه بهدلني واستغلها فرصة عشان يتجوزها. ماهو بيحبها وقال إيه عشان يحميها مني. فأنا رقدت له بقى وقلت لازم أغرزه معايا في كل حاجة.
سميرة باستفهام:
ـ ازاي؟
ـ شريكي ده كان له سكك في تجارة السلاح بتجيب خميرة حلوة، فاتفقت معاه أننا هنكون سوي في المصلحة من غير ما يعرف محمود بيه، أحسن هيعملنا فيها صاحب القيم والمبادئ وهيقرفنا. وفعلاً الدنيا مشيت معانا، وتجارة السلاح كسبتنا كتير، ومع الوقت علاقتي اتظبطت مع ناس فوق أوي، ونقلنا شغلنا ألمانيا، بس طبعا سككنا في مصر موجودة. لحد ما في يوم محمود اكتشف كل حاجة عن تجارة السلاح دي وحلف لا يفضحني. حاولت أنيمه وأقوله إن أنا هقطع معاهم بس واحدة واحدة، عشان دي ناس مؤذية وأنا مش قدهم، واقنعته أنه ينزل يمسك فرع مصر، وفعلاً نزل، وبدأت أشعلل الدنيا بينه وبين عامر تاني وكان الموضوع على كيفي بصراحة.
سميرة بذُعر:
ـ كل دا و مكتفتش باللي عملته فيهم! طب و بعدين؟
راغب بلامُبالاة:
ـ ولا قابلين. نسيني محمود شوية بس رجع يقرفني تاني، وهنا قررت إني أخلص منه وقررت أنفذ انتقامي اللي بقاله سنين متأجل. فوصلت للبت الخدامة اللي خدمتني قبل كده واستغليت مرض ابنها وخليتها تروح لعامر وتقوله إن محمود هو اللي طلب منها تسرق ورق المناقصة وتسرق حاجات من دولاب ناهد وتجيبها عنده عشان يوهمه إن في حاجة بينهم ويخليه يطلقها. وطبعًا ده بعد ما بقى معاه فلوس كتير من شركته اللي هي شركتي أصلاً، وطبعًا عامر اتجنن، وفي اليوم ده كان في مناقصة مهمة، وكانت في منافسة بين شركة عامر وشركتنا، وعامر خسرها فكان هيجنن. وجاه كلام الخدامة جننه أكتر وقرر إنه لازم ينتقم من محمود اللي حرمه من حب حياته وابنه. آه، مانا نسيت أقولك إنها قالت له إن ناهد كانت حامل منه قبل ما تتجوز محمود وجت اللحظة اللي كنت مستنيها لما عامر راح لمحمود وقتها.
سميرة بلهفة:
ـ يا نهار مش فايت. راحله؟!
راغب بشر:
ـ طبعا أنا كنت مخطط إنه يقتل الواد كمان معاه، بس محمود خباه كويس قبل ما عامر يوصل، ومن حسن حظي إن الواد شاف أبوه وعامر بيقتله.
سميرة باستفهام:
ـ طب وناهد دي كانت فين وإزاي ما وقفتش لعامر وفهمته اللي حصل؟
راغب بمكر:
ـ ودي حاجة تفوتني! طبعًا كان لازم أبعدها عن المكان عشان كل حاجة تمشي زي ما أنا مرتبها. بعتلها اللي يقولها إن بنت عمتها بتموت وفي المستشفى ولازم تروح تشوفها، وفعلًا طلعت تجري عليها. وقتها رجالتي كانوا مستنيينها وخطفوها وودوها على مستودع قديم يخصني عشان تستني دورها، أصلها كانت آخر واحدة ناوي أخد انتقامي منها. كنت ناوي أحط لها جثة حبيب القلب وابنها ومحمود في تابوت واحد عشان تعرف إن ولا واحد فيهم قدر يحميها مني، بس للأسف قلبها كان ضعيف، وأول ما شافت جثة حبيب القلب طبت ساكتة، وبعد كده حصل حريق كبير في المخزن، وكنت فاكر إنها ماتت فيه لحد قريب اكتشفت إنها عايشة، بس معرفش ده حصل إزاي ولا عارف حتى أوصلها.
شردت نظراته في نقطة بعيدة وهو يقول بوعيد:
ـ بس وحياة غلاوتها عندي، لهجبها راكعة تحت رجليا، بس المرادي عشان تستلم جثة المحروس ابنها…
لأول مرة شعرت سميرة بالرعب من أحد، فهي بكل شرها وحقدها لم تصل حتى لنصف شره. مما جعلها تفكر جديا في إعادة حساباتها؛ فهذا الرجل قد غدر بجميع من حوله، فما الذي يجعلها تثق في أنه أنه لن يغدر بها هي الأخرى!
قاطع سيل أفكارها ذلك الدخول العاصف لرائد، الذي قال بصوت جهوري مصوبًا فوهة سلاحه نحو راغب:
ـ راغب نصار… وديني له، هقتلك!
★★★
في المساء تأخر يوسف كثيرًا بالعودة إلى المنزل، مما جعل القلق يأكلها من الداخل، فظلت واقفة أمام شرفتها تنتظر قدومه، إلى أن تخطت الساعة الواحدة ليلًا، فزاد ذلك من قلقها. فحاولت مراسلة أدهم لتسأله عن سبب تأخره، فأخبرها بأنه في اجتماع عمل مع عملاء مهمين، فقالت بغضب:
ـ ولما هو اجتماع شغل، مروحتش معاه ليه؟
أدهم بحنق:
ـ وإنتِ مالك إنتِ؟ وبعدين متقلقيش، هو مش لوحده، معاه سمر السكرتيرة بتاعته.. يلا تصبحي على خير.
قال كلماته قاصدًا إغاظتها، ثم أغلق الهاتف في وجهها دون أن يدري بأنه قد أيقظ بداخلها شعلة من الغضب الجحيمي، جعلها تكاد تحطم الغرفة من شدة نيران الغيرة التي اجتاحت جسدها. فظلت على حالتها تلك لوقت طويل، إلى أن سمعت صوت سيارته في الأسفل، فحاولت تهدئة نفسها عن طريق تمارين التنفس، وقد أقسمت ألا تدعه يشعر بغيرتها الجنونية حتى لا يستخدمها ضدها. وقامت بتعديل ملابسها، وشددت من حزام الروب الخاص بها، ونزلت إلى الطابق الأرضي.
فلمحها يوسف وهي قادمة من الأعلى، فصار يطلق صفيرًا من بين شفتيه دليلًا على حالة مزاجه الجيدة، وتجاهلها كليًا، وتوجه إلى غرفة المكتب، فأوقفته كلماتها الغاضبة:
ـ حمد لله عالسلامة.. ما كنت تبات بره!
شعر بمدى غضبها، لذا تجاهل النظر إليها، وظل معطيًا إياها ظهره، حتى عندما اقتربت منه فشعر بها خلفه، فقال بلامبالاة:
ـ خير؟ إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟
ـ مجاليش نوم، قلت أستناك.. هتفضل مديني ضهرك كتير؟
لم يجبها يوسف، فقد كان منهك القوى وغير قادر على مجادلتها، خاصةً وهو يعلم كل العلم بأنه في حالته تلك لن يستطيع مقاومتها كثيرًا، وهو أمر لن يقبل به إطلاقًا. طال صمته، فقامت بالالتفاف لتقف في مواجهته مباشرة، تطالعه بغضب كبير حاولت إخفاءه كثيرًا ولم تفلح، وساعد في إشعاله أكثر كلماته اللامبالية:
ـ عايزة إيه يا كاميليا؟
ـ عايزة أعرف كنت فين؟
قالتها بلهفة أثارت اندهاشه، فقال باستفهام:
ـ ليه؟
كاميليا بغيظ:
ـ يمكن عشان أنا مرات حضرتك ولا حاجة!
ضحكة خرجت من بين شفتيه على مظهرها الغاضب وكلماتها التي أثارت اندهاشه، فقال بسخرية:
ـ وكونك مراتي يخليكِ متعصبة أوي كده؟
كاميليا محاولة التظاهر باللامبالاة:
ـ لا أنا مش متعصبة ولا حاجة.. ممكن تتفضل تجاوبني ولا ده مش من حقي؟
يوسف بتسلية:
ـ أه طبعًا، طبعًا من حقك، ودي تيجي.. كنت في اجتماع مهم، وتعبت أوي فيه، وعايز أطلع أنام وأرتاح، ممكن بقى تتفضلي تروحي تنامي إنتِ كمان.
صدق حديث أدهم، فقد كان في اجتماع، وحقًا تلك الشمطاء كانت معه، وذلك زاد من غضبها، فقالت بحدة أثارت دهشته:
ـ ولما في اجتماع مهم، مخدتش أدهم معاك ليه؟
تجاوز يوسف دهشته وحدتها وقال بصرامة:
ـ هاتي اللي عندك يا كاميليا وقولي في إيه؟
كاميليا وقد سيطرت عليها غيرتها، فقالت باندفاع:
ـ إنت كنت واخد الزفتة اللي اسمها سمر دي معاك؟
نظر إليها يوسف بذهول، فهل حقًا هذا هو سبب غضبها لهذه الدرجة؟ هل تغار إلى هذا الحد؟ عند هذا التفكير لم يمنع نفسه من إطلاق ضحكة تسلية زادت من غضبها كثيرًا، فقالت من بين أسنانها:
ـ أقدر أعرف بتضحك على إيه؟
تقدم يوسف منها بنظرات غامضة وملامح متوعدة، قائلًا بلهجة ذات مغزى:
ـ آه، سمر! ده كل اللي مضايقك أوي كده إني كنت معاها؟ للدرجة دي بتغيري؟
كان يتقدم منها خطوة فتتراجع هي أخرى، وهي ترد عليه محاولةً إنقاذ كبريائها، فقالت باستهجان:
ـ أغير! أنا أغير ومن مين؟ من واحدة زي دي!! لا ده إنت الظاهر فعلًا تعبان ومحتاج تنام.
يوسف محاولًا استفزازها:
ـ ومالها دي؟ ما هي زي القمر أهي!
وكأنه صب الوقود فوق نيران غيرتها، لتقول بانفعال:
ـ مين دي اللي زي القمر؟ السلعوة دي زي القمر؟ إنت ذوقك بقى بيئة أوي كده.
يوسف بتهديد:
ـ لسانك كمان بقى طويل أوي، وصدقيني هكون مبسوط وأنا بقصهولك.
كاميليا وقد أتتها فكرة طفولية، لكنها لم تبالِ بعواقبها، فأعماها غضبها عن خطورتها، فقامت باستفزازه قائلة:
ـ لا والله، طب أهوه
وقامت بإخراج لسانها بأكمله أمامه حتى تستفزه، ثم قالت بتشفٍّ
ـ ده عشان بس تعرف هو طويل قد إيه.
أظلمت عيناه فجأة، وتحولت زرقتها إلى ظلام دامس، فتقدم منها لتتراجع هي برعب من مظهره، فكادت أن تصطدم بالطاولة خلفها، لتمتد يداه تجذبها من خصرها تمنع سقوطها، وبعنف غير مقصود قام بدفعها لتصطدم بالحائط خلفها، ليأسرها بين براثنه بعنف وشوق بالغين.
فقد أعمتْه حركتها الطفولية تلك، فاشتعلت نيران الرغبة الممزوجة بالعشق في داخله، فخرج كل شيء عن سيطرته، ولم يعد يرى سوى حبيبته الفاتنة الوحيدة القادرة على إثارة جنونه. فصار يعمق اقترابه منها و يغترف من رحيقها بنهم، لم يخلُ من عقاب ذلك اللسان السليط الذي تسبب في إيقاظ غضبه وشوقه.
ولكن برغم غضبه منها ومن ضعفه أمامها، لم تطاوعه يداه بالقسوة عليها أبدًا، مما زاد من غضبه. فابتعد عنها بعد موجة شوق ممزوجة بالغضب والرغبة، يكللهما العشق الذي جعله يضعف أمام إغوائها مرة أخرى، فشعر بالغضب الذي دفعه لتبرير ضعفه أمامها، قائلًا بأنفاس لاهثة:
ـ ده عقابك لو حاولتي تستفزيني تاني.. وتفكري إنك كده انتصرتي عليّ في التحدي السخيف بتاعك ده!
استعادت كاميليا وعيها من هجومه الكاسح الذي لم ينجُ منه كلٌّ من جسدها وروحها، ولكن بقدر قوته كان عشقه الذي دفعها لاستفزازه مرة ثانية، فقالت بصوت مبحوح من فرط التأثر:
ـ والله إني أقدر أحرّك جبل الجليد اللي جواك ده وأنرفزه، فده يعتبر انتصار عظيم في التحدي السخيف اللي إنت ابتديته أصلًا.
يوسف باستنكار:
ـ أنا اللي ابتديته؟ إنتِ عايزة إيه يا كاميليا دلوقتي؟؟
كاميليا بصدق:
ـ عايزة أعرف هنفضل كده لحد إمتى؟ إنت وحشتني أوي.
ستصيبه تلك المرأة بسكتة دماغية ذات يوم. فهو كان يتوقع ثورتها بسبب كلماته، لكنها فاجأته بتصريحها الذي جعل دقات قلبه ترقص فرحًا، لم يكتمل بالطبع بسبب ما يعانيه منها. لذا، رغمًا عنه، اشتدت قبضته حول خصرها، فقد كان يقاوم اندفاع الكلمات من بين شفتيه، والتي إن خرجت فلن يستطيع تجاوز الأمر أبدًا. فأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول بتعب:
ـ اللي إحنا فيه ده إنتِ السبب فيه يا كاميليا، وجع قلبي وقلبك ده إنتِ المسؤولة عنه.
كاميليا بلهفة:
ـ طب أعمل إيه؟ ما أنا اعتذرت مليون مرة، وقلتلك إني مش عايزاك تطلقني أبدًا.. وإنت عارف إن هروبي واللي حصل قبل كده كان غصب عني.
قاطعها يوسف بوضع يده فوق شفتيها قائلًا بغضب دفين:
ـ كفاية كلام، في حاجات قلتلك إني مسامحك عليها، ولُمت فيها نفسي إني مقدرتش أحميكي منهم.
كاميليا بحيرة:
ـ أمال إيه اللي واجعك أوي كده ومخليك بعيد عني؟
شعر يوسف وكأن الدماء سوف تخرج من رأسه من شدة الغضب واليأس معًا. فهل يستمع إلى قلبه تلك المرة أيضًا ويتجاهل كبرياءه الجريح؟ أم يتجاهل قلبه ويستمع لصوت كبريائه الذي لن يفلح قربها في مداواته أبدًا؟
غضب ويأس وحيرة عصفوا برأسه، فأغمض عينيه لأول مرة بحياته بقلة حيلة، لتمتد يدها وتحتوي وجهه بين يديها، وهي تقول بحنان:
ـ أرجوك، قولي مالك؟ في إيه؟
اندفعت الكلمات من فمه بغضب وهو يقول:
ـ في إيه مخبياّه عني، والمفروض أعرفه يا كاميليا؟

•تابع الفصل التالي "عشق بين حنايا الروح" اضغط على اسم الرواية

تعليقات