رواية حريم الباشا الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى

 رواية حريم الباشا الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى

لم تتحرك مليكة فورًا،كلمة «من فضلك» التي قالها فارس لم تخفف شيئًا، بل أربكتها،هي تعلم، بالفطرة، أن لطفه ليس إحسانآ، بل عادة ومزاجيه وفى هذا القصر،اللين فخ.

سارت نحو المطبخ بخطوات محسوبة، لا سريعة فتبدو متلهفة، ولا بطيئة فتحسب متباطئة،كانت تسمع القصر أكثر مما تراه؛ حفيف ستائر بعيدة، طرقات أقدام خافتة، همسات لا تُقال إلا للجدران،كل شيء هنا يراقب، حتى الصمت.

في المطبخ، وقفت أمام الموقد لحظة

نظرت إلى يديها، يدين فقدتا حق الاعتراض، لكنهما لم تفقدا الإحساس،كانت تعرف أن أول خدمة تقدمها لفارس الناطورى ليست القهوة بل الطاعة الدقيقة،وضعت البن في الركوة كما لو كانت تؤدى طقسآ،انتباهها للتفاصيل لم يكن اجتهادآ، بل غريزة بقاء،الخطأ الأول لا يُغتفر هنا.

في المكتب، كان فارس قد جلس خلف مكتبه أخيرًا

السيجارة بين أصابعه، لا ليُدخّن، بل ليؤكد سيطرته على اللحظة،هو لا يُسرع، لأن الوقت يعمل لصالحه دائمًا

دخلت مليكة،لم ترفع عينيها،الصنية  ثابتة، لكنها تشعر أن ثقلها أكبر من وزنها

وضعتها أمامه بانحناءة خفيفة، محسوبة، بلا مبالغة

هذا النوع من الانحناء لا يُشعره بالنصر الكامل، بل بالاستحواذ التدريجي، وهو ما يفضّله

— اتأخرتي شوية،قالها  نبرة باردة مثل الثلج 

— آسفة يا باشا.

— آسفه دي كلمة خفيفة… هنا، الغلط بيتصلح مش بيتأسفله 

رفع الفنجان، تذوّق أول رشفة، ثم توقف

نظرت مليكة إلى الأرض، لكنها شعرت بتوقف الزمن

— قهوة مظبوطة،قالها أخيرًا،تسلل نفس صغير من صدرها

براعتك فى القهوة هتغفرلك تأخرك ،انا مش منزعج

ومش عارف ليه، المفروض اثور ،اعاقبك اتعمد ازلالك

لكن ونظر فارس إلى مليكه مش لاقى رغبه جوايه انى اعمل كده

— شغلك هيبقى دايمًا قريب… قوي،قريب من أوضتي، من مكتبي، من مزاجتى.

والقريب هنا… ما بيفكّرش، ما بيسألش، وما بيفترضش، فاهمه ؟

— حاضر يا باشا،خرجت الكلمة منها بلا مقاومة،لم يعد داخلها صوت آخر

احس فارس بالانزعاج تلك الطاعه الكلبيه لا ترضيه

انه يحب أن ينتزع الطاعه من بين براثن البشر وامامه تقف

مليكه دون مقاومه ،جثه هامده 

— روحي دلوقتي.

انسحبت مليكة للخارج، خطواتها الآن أخف، لكنها أضعف

في الممر، وقفت تستند إلى الجدار لحظة

من بعيد، كانت تسمع صوت الباشا، صوته وهو يصدر أوامر لا تحتاج لرفع،القصر كله يعرف متى يتكلم، ومتى ينصاع

وفي الطابق العلوي، خلف باب مغلق، كانت تجلس أكبر مخاوفها لكن عقلها لم يتوقف عن التفكير

المقارنه بين الباشا وسيد، بين رجل يعرف كيف يملك غضبه وأخر هائج مثل الثور بلا عقل ولأول مره وجدت نفسها تبتسم انه لا يبدو بمثل هذا السوء.

_________-_

كانت صوفيا تجلس صامتة داخل غرفتها ، فى صمت ليس خضوعًا، بل صدمة،العاصفة لم تنتهِ داخلها، لكنها تعلم الآن

ان فارس الناطورى شخص مختلف، وأن ما كانت ترغب به حتى لو حدث لن يمر دون عقاب

أما فارس الناطوري داخل قصره ،فكان يرتشف قهوته بتمهل،

وقد استعاد توازنه، اليوم كسب خادمة، وأمس كسر امرأة تظن نفسها مركز الكون وغدًا،القصر سيطلب المزيد، 

والسيطرة، كما يعرف جيدًا، لا تُمارَس دفعة واحدة،

بل تُبنى، طوبة فوق طوبة،وإنسانًا بعد إنسان.

_________

 صوفيا///لم يكن ما حدث لها مجرد إذلال عابر يمكن محوه ببلاغ أو تهديد، بل كان ارتباكًا عميقًا أصاب تعريفها لنفسها من الداخل.

طوال حياتها كانت تعرف من تكون بدقة؛ ابنة أكابر، وزوجة رجل يُفتح له الطريق قبل أن يطرقه، وامرأة لا تُلمَس إلا بإذن ولا تُخاطَب إلا بحذر، السلطة كانت دائمًا تحيط بها، لكنها لم تختبرها يومًا، بل ورثتها، وتعايشت معها باعتبارها حقًا طبيعيًا لا يُناقش،لهذا، حين واجهت فارس الناطوري، لم تكن الصدمة في غضبها أو في الكلمات التي اندفعت من فمها، بل في اكتشافها أن الغضب لم يكن درعًا، وأن الصوت العالي لم يعد كافيًا ليحميها.

رفضت الإذلال بكل ما تملك، تشدّد جسدها، ارتفع صوتها، وانفلتت شتائمها بلا حساب، لأن الرفض كان بالنسبة لها فعل بقاء، تأكيدًا أخيرًا على أنها ما زالت هي، المرأة التي لا تُكسر

لكن ما حطمها من الداخل لم يكن الصفعة، ولا الجلوس القسري، ولا الصمت الذي فُرض عليها في النهاية، ما حطمها حقًا كان ذلك الإدراك الثقيل بأن فارس لم ينتصر بالعنف ولا بالضجيج، بل بالهدوء البارد.

كانت ترى في عينيه متعة خفية أربكتها أكثر من الألم، متعة لا علاقة لها بالجسد، بل بعقل يعرف أنه يمسك بالخيوط ويحرك الآخر دون أن يرفع صوته.

هنا بدأ الصراع الحقيقي، جزء منها كان يصرخ بداخلها أن هذا رجل خطر، يجب سحقه ومعاقبته وكسره كما كسرها، لكن جزءًا آخر، أكثر هدوءًا وأكثر خيانة، كان يراقب المشهد من بعيد ويعترف — رغمًا عنها — أن فارس لم ينتزع قوته منها، بل كشف هشاشتها، وهذا بالضبط ما لا يُغتفَر.

صوفيا لا تسامح من يراها على حقيقتها، ولا تغفر لمن يعرّي أوهامها أمام نفسها،قرارها بمعاقبته لم يولد من الإهانة وحدها، بل من رغبة أعمق في استعادة صورتها القديمة، صورة المرأة التي لا يُجرؤ أحد على كسرها أو إخضاعها، هي لا تبحث عن انتقام صاخب، بل عن استرداد سيطرة ضاعت للحظة.

لكن في العتمة، حين يهدأ الأدرينالين وتخفت شهية الصراخ، تتسلل فكرة مخيفة تحاول إنكارها،فكرة غير مكتملة تقول إن فارس، في لحظة ما، كان يتحكم… وإنها شعرت بذلك التحكم يخترق دفاعاتها، لم يكن خضوعًا، ولم يكن قبولًا، بل وعيًا مرعبًا بوجود رجل لا تهزه أسماؤهم، ولا يشتريه نفوذهم، ولا يسعى لرضاهم.

وهذا النوع من الرجال يوقظ داخل المرأة شيئين متناقضين في آن واحد: رغبة في محوه من الوجود، وافتتانًا خطيرًا بكسر قواعده.

صوفيا كرهت نفسها لأنها لاحظت ذلك، لأنها التقطت الوميض في عينيه عندما صمتت أخيرًا، ولأن جزءًا صغيرًا داخلها أدرك أن ذلك الصمت كان انتصارًا أنيقًا له.

لهذا، لن يكون قرارها بمعاقبته اندفاعًا أعمى أو فضيحة مباشرة، بل فعلًا باردًا ومحسوبًا بعناية.

صوفيا لا تريد أذيته جسديًا، بل تريد نزع المساحة التي يعتقد أنها ملكه، وأن تزرع داخله الشك والتردد والانتظار، هي تعرف الآن أن فارس لا يخاف العقاب، لكنه يضيق بالفوضى، وللمرة الأولى في حياتها تفكر أن تكون الفوضى نفسها،

أما الخطر الحقيقي، الذي لا تجرؤ على الاعتراف به حتى لنفسها، فهو أنها وهي تخطط لمعاقبته تعود في خيالها إلى تلك اللحظة، لحظة سيطرته الصامتة، وتشعر بشيء يشبه القشعريرة، لا خوفًا ولا رغبة، بل انهيار صورة قديمة عنها وولادة فضول لا يليق بها.

وصوفيا، مهما بدت قوية، باتت تعرف أن أخطر المعارك ليست مع فارس الناطوري، بل مع نفسها، بعد أن سقطت أول قطعة من الوهم.

______________

عرفت تالين بزيارة صوفيا لقصر فارس دون أن يخبرها أحد مباشرة، بل عبر تلك الطريقة التي تكرهها وتثق بها في الوقت نفسه؛ همسة ناقصة، جملة مبتورة، ونظرة عابرة قالت أكثر مما ينبغي

لم تسأل فورًا، لأن السؤال اعتراف، والاعتراف ليس من عادتها، لكنها شعرت بالخبر وهو يستقر في صدرها كحجر بارد، لا يؤلم فورًا بل يضغط ببطء حتى يُربك التنفس.

بدأ عقلها يعمل وحده، كما يفعل دائمًا حين ترفض الانفعال العلني. راحت تختلق الأسباب الممكنة، تُقنِع نفسها أن الزيارة بروتوكولية، أن صوفيا لا تتحرك إلا بغطاء اجتماعي واضح، وأن فارس — مهما بلغ — ليس سوى محطة عابرة في شبكة علاقات أكبر.

لكنها، كلما أغلقت بابًا للتفسير، فتح عقلها بابًا آخر، أضيق وأكثر إيلامًا. لماذا لم تخبرها صوفيا؟ ولماذا اختارت القصر تحديدًا؟ ولماذا فى توقيت سمعت فيه صوفيا هانم قصتها مع فارس ؟

حين علمت أن صوفيا كانت في القصر بمفردها مع فارس، انفلت شيء داخلها لم تستطع تسميته،لم يكن غضبًا صريحًا ولا خوفًا محدد المعالم، بل شعورًا حادًا بالاستبعاد، كأن مشهدًا خطيرًا جرى في غيابها، وكأن دورًا سُرق منها دون إنذار. حاولت أن تضحك على الفكرة، أن تُقزّمها، لكنها لم تستطع منع تلك الجملة من التردّد داخل رأسها: لماذا وحدهما؟

لم تكن الغيرة في قاموس تالين كلمة مقبولة، لأنها تعني ضعفًا، وهي بنت صورة كاملة عن نفسها باعتبارها غير قابلة لهذا النوع من الانكسار.

 لكنها، وهي تُعيد ترتيب الاحتمالات، لاحظت أنها لا تفكر في صوفيا وحدها، بل في فارس أيضًا، في حضوره المغلق، في المكتب الذي لا يسمح فيه بالضجيج، وفي الطريقة التي يعرف بها كيف يجعل النساء يصمتن لا خوفًا، بل ارتباكًا. راودتها فكرة مزعجة، حاولت أن تخنقها فورًا، مفادها أن وجود صوفيا معه لم يكن عابرًا، وأنه — كما فعل معها — يعرف كيف يخلق مساحة خاصة لا يشاركها أحد

وانه ربما وهذا ما يؤلمها حتى لو أنكرت استطاع ان بروض صوفيا ان يفرض عليها الطاعه.

زاد الغضب حين أدركت الفكره شعرت أن السيطرة، تلك التي كانت ترفض الاعتراف بتلذذها الخفي بها، صارت فجأة امتيازًا يُمنح لغيرها،وهذا ما لم تتسامح معه،

حاولت تالين أن تُعيد تعريف شعورها بعبارات أكثر قبولًا لديها، فقالت لنفسها إن الأمر يتعلق بالكرامة، وبالحدود، وبأن صوفيا لا يليق بها الدخول إلى هذا القصر أصلًا.

لكنها كانت تعرف، في طبقة أعمق، أن غيرتها لا تتجه نحو المرأة فقط، بل نحو المشهد، نحو اللعبة، ونحو اللاعب، كانت تغضب لأنها رأت فارس يمارس ما تعرفه جيدًا، تلك القدرة على الإمساك بالنفوس دون ضجيج، وتغضب أكثر لأنها شعرت — رغم إنكارها — بأن جزءًا منها كان يستمتع بتلك السيطرة حين كان دورها وحدها.

لم تعترف تالين لنفسها بأنها تشتاق لذلك الشعور المركّب، شعور أن تكون داخل دائرة اهتمامه لا خارجها وان تستعبد لكنها، وهي تُغلق هاتفها بعصبية لا تناسب هدوءها المعتاد، أدركت أن معرفتها بوجود صوفيا في قصر فارس قد أزاحت حاجزًا كانت تبني خلفه توازنها

. لم تعد القضية زيارة عابرة، بل صراعًا صامتًا على المساحة، وعلى من يملك الحق في الوقوف أقرب إلى مركز السيطرة، حتى لو لم يعترف أيٌّ منهما بذلك صراحة.

بدقات بسيطه على هاتفها احضرت تالين شاب مغرم ومتيم بها ،انه اكثر جمال واناقه من فارس وايضا فى مركز اجتماعى مرموق

حضر الشاب الملهوف بوجه مبتسم ،اقترب لتحية تالين كالعاده

أقف عندك أمرته تالين بنبره صارمه متتحركش غير لما أأمرك

•تابع الفصل التالي "رواية حريم الباشا" اضغط على اسم الرواية

تعليقات