رواية برلمان الفصل الخامس 5 - بقلم زينة عماد
"برلمان صدقيني… مكنش قصدي أخوّفِك ولا أقلّقِك. أنا بس كنت عايز أتأكد إنك لسه بتحبيني. وبصراحة… أنا كلمت والدك… وهو وافق. فاضل موافقتك إنتِ."
الكلام وقع عليّا زي ميّة تلج. اتأكدت إن في ناس فعلاً ما بتفهمش غير نفسهم.
بصيت له… وبصوت عمري ما كنت متخيلة إن يطلع مني كده، قلت:
"خير ما عملت… بس خليني أقولك حاجة. أنا بكرهك. ومن اللحظة دي كرهي ليك زاد أكتر."
الصدمة كانت باينة على وشه… بس أنا ما كانش يهمّني. أنا كنت متخنّقة من جوايا بسبع سنين ظلم.
"فاكر إن بعد اللي عملته فيّا ممكن أسامح؟ فاكر إن السبع سنين اللي راحوا يعدّوا كده؟ قلبي كان بيتقطع، ولهفتي على أي خبر عنك كانت بتاكلني… وإنت كنت مخلي بنت خالتك تمنع أي كلمة توصلني. كنت عايز تحرق قلبي… ونجحت."
حسيت نفسي بألهث، بس ما وقفتش.
"حسبي الله ونعم الوكيل… ولولا إن قلبي مش بيطاوعني أدعي على حد، كنت دعيت عليك. بس أنا سبت حقي لربنا… وهو هيجيبه."
اتلفتّ ناحية صاحبه اللي واقف ساكت:
"وبقولّها قدامه… لو إنت آخر راجل في الدنيا، عمري ما أتكتب على اسمك. عمري ما أتجوز راجل جبان… علّقني بيه واختفى من غير حتى كلمة."
اتقدمت ناحيته خطوة…
"ودلوقتي جاي توقع قلبي بحجة إنك كنت بتتأكد؟ لأ… إنت مش راجل."
مددت إيدي للباب، وفتحته بثبات وأنا بقول:
"اتفضل… برا."
"برلمان الزمي حدودك انا هفوتلك كلامك دا عشان مقدر عصبيتك بس "
"انت عديم دم يا بني ادم بقولك برا يلااا "
"تمام حسابنا بعدين "
مشي مشي وانا وكأن رجلي فقدت اخر قطره تحمل وانهارت على الأرض دموعي نازله من غير صوت باصه لأثره بكسره
"ليه كل ما احسن صورتك فى نظري ليييه"
قطع انهياري خبط على الباب مسحت دموعي بسرعه مع اني كنت متأكده أن شكلي هيفسر كل حاجه فتحت الباب وكانت الممرضه
"دكتوره برلمان والده الدكتور مازن جات المستشفي امبارح وحالتها صعبه اويي حبيت اقول لحضرتك عشان لو تقدري تواسيه لأن والدته حالتها صعبه اوي "
"جت أمتي يا مس كوثر وازاى انا معرفتش هي فى اوضه "
"امبارح بليل فى اوضه 470 "
"حاضر هروح اهو "
مشيت بخطوه سريعه ووصلت قدام الاوضه خبطت وسمعت صوت دكتور مازن جاى من جوا بالاذن فدخلت
"دكتور مازن اسفه اني مجتش لحضرتك من بدرى بس لسه مس كوثر قيلالي"
رد عليا بكسره وحزن اول مره اشوفها فى صوته
"لا ولا يهمك "
"طب اى تشخيصها "
"مش عارفين شاكين فى سكته فى الدماغ بس الاشاعات مش مبينه أن فى نزيف أو اى حاجه بالعكس مبينه أن الدماغ كويسه "
"طب لو تسمحلي اشوفها "
"اه طبعا اتفضلى بس انتي دكتوره قلب "
"بابا دكتور مخ واعصاب وانا دائما كنت بقرأ الكتب إلى بيجيبها فعندي خلفيه يمكن اقدر اساعد "
مسكت الاشاعه وفعلا دكتور مازن صح الاشاعه مبينه أن الحاله سليمه قومت اتجهت عندها
مسكت ايديها وحطيت ايدي مكان الوريد
"احنا متابعين النبض بتاعها من بدرى"
"بس انا مش بقيس النبض بص على ضوافرها كدا هي عندها اى مرض مزمن قصور فى الغده الدرقيه مثلا؟"
"ايوه بس هي بتاخد علاجها أعتقد أن مفيش مره نسيته "
"طب هي اتعرضت لأى توتر أو صدمه "
وطي رأسه بحزن ونطق بنبره باين فيها الحزن
"والدي توفي امبارح فى حادثه وهي لما عرفت أغمي عليها"
"والدتك اتعرضت لتوتر شديد ادي إلى أن الجهاز المناعي يهاجم الدماغ فكدا دماغ والدتك بيهاجم نفسه "
"هاشيموتو ازاى مجاش فى بالى "
"دلوقت خديها جرعه كيرتيزون كبيره ولو تشخيصي صح هتفوق ولو غلط فلللاسف الجرعه هتتسبب فى وفاتها تسمحلي ؟"
"متأكده من التشخيص"
"ثق فيا"
"شوفي شغلك يا دكتوره"
خدت الحقنه وحقنتها بيها واتجهت قعدت جنبه وانا مصدومه وصعبات عليا موت والده ووالدته على فراش الموت
"انا لله و انا اليه راجعون ربنا يرحم والدك"
"ونعم بالله وايانا"
اجتاح الصمت المكان
قطع الصمت صوت هامس ضعيف "مازن " كانت والده مازن قومت جري على الاجهزه اتأكد أن كل حاجه تمام ومازن كان ماسك ايد والدته بيتأكد انها فايقه وفجأه لاقيته جاي عليا وكأنه كان هيحضنني بس تراجع
" انا انا اسف بس من فرحتي "
"فهماك"
لاقيته سجد فى الارض وسمعت صوته
"شكراا ياربي انا كنت عارفه انك مش هتردني ابداا"
ابتسمت عليه وعلى فرحته واستأذنت عشان الشيفت بتاعي كان خلص وكنت هروح
~~~~~``~~~~~
خدت شنطتي وركبت العربية وأنا مش عايزة أبص ورايا… وصلت البيت، دخلت لقيت ماما أول ما شافتني فتحت دراعاتها:
"برلمان… انتي جيتي!"
كانت بتحضني وبتعيّط.
"يا ماما في إيه؟ حد جراله حاجة؟"
"لأ يا بنتي… بس وحشتيني. بلاش الشغل الكتير ده… قلبي مش مرتاح وانتي برا البيت."
"يا ماما أنا كويسة… وبطمنّك كل شوية."
مسحت دموعها وقالت:
"ماشي يا عين أمّك."
طلعت أوضتي، غيرت لبسي… مسكت الموبايل. لقيت طلب صداقة من دكتور مازن. قبلته، وروحت أتوضّى عشان أقوم الليل.
وأنا بلبّس الطرحة… سمعت صوت صريخ بيشق الهدوء:
"يا برلماننننن!! يا برلمااان!!"
جريت على البلكونة…
ولقيته واقف على سطح بيته… ماسك يفطـــة كبيرة مكتوب عليها:
"سامحيني يا برلمان!!"
أنا حرفيًا صرخت:
"انت بتعمل إيه يا مجنون؟!"
صرخ من تحت:
"بحاول أخليكي تسامحيني!"
"يا ابني انزل… الناس بتتفرج!"
"سامحيني الأول… وقولي بتحبيني!"
وجاي يرفع اليفطة فوق دماغه كأنه بيقدم عرض مسرحي.
فجأة… بابا خرج للبلكونة اللي جنبي:
"هي مين دي اللي هتقولك بحبك؟!"
يوسف رفع راسه وقال بأعلى صوت:
"معذرة يا عمي! بس لو ما سامحتنيش هاعمل حركة مش هتعجبكم!"
بابا رد بمنتهى البرود:
"اعمل اللي يعجبك يا روح طنط، واحنا مالنا؟!"
ضحكت بالعافية وأنا بقول:
"يا باباااا!"
يوسف صرخ:
"يا برلمان… سامحيني بقى!"
صوت مامته جه من آخر الشارع:
"يا بنتي بالله عليكي سامحيه! ده أنا محلتيش غيره!"
وواحد من الجيران فتح الشباك وهو متنرفز:
"سامحيه بقى يا بنتي… عايزين ننام في أم الليلة دي!"
زهقت وصرخت:
"خلاص!! مسمحاك!!"
رفع اليفطة لفوق:
"طب سؤال أخير!! هتتجوزيني ولا لأ؟"
"إيه؟! لأ يا ابني افوّرت!"
"يا برلمان… يلاااا… موافقة ولا أر… أروح؟"
"استنى! أصلي استخارة! طيب"
"ولا استخارة ولا حاجة!! إنتي هتلاقي أحسن مني؟ هاا؟"
"خلاص موافقة! موافقة!"
"احلفي!"
"والله موافقة! انبسط؟!"
صرخ:
"ياااا مامااا… زغرتي!!"
وفجأة الشارع بقى مهرجان.
زغاريد… ضحك… ستات واقفة في البلكونات… رجالة بتصفر…
وهو واقف في النص عامل نفسه بطل رومانسي وهو مجرد… مجنون رسمي.
وأنا؟
كنت بموت من الضحك.
اتأكدت إنه نزل من على السطح، والشارع رجع هادي… دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا. كنت لسه مش مستوعبة كمية الجنون اللي حصل تحت البيت.
قعدت على السرير، ولسه ماسكة الموبايل… لقيته بيرن. اسمه ظهر قدّامي.
ترددت ثانية… وبعدين جاوبت.
صوته كان هادي بشكل غريب:
"أنا آسف… عارف إني زودتها النهارده. بس والله ما كان قصدي أذيكي. إنتي… إنتي حتة من روحي، مقدرش أزعلك."
سكت ثواني… حسيت إن الغضب جوّا قلبي خف شوية.
"خلاص يا يوسف… محصلش حاجة."
سمعته بياخد نفس طويل، كأنه طلع من عليه حمل:
"بكرة هنروح نجيب الدبل… ونقرأ الفاتحة. واليوم اللي بعده قبل ما أنزل الشغل تاني نخلص كل حاجة."
رفعت عيني للسقف… وبصوت مجرد من أي اندفاع قلت:
"ربنا يقدم اللي فيه الخير."
سكت لحظة… وبصوت خفيف جدًا سأل:
"لسه زعلانة مني؟"
لفيت الشال على كتافي… وبصوت صريح:
"قلبي… لسه مش راضي."
ضحك ضحكة صغيرة دافية:
"هخليه يرضى… يا جميل."
اتسندت على المخدة…
"تصبح على خير."
"وأنتِ من أهله."
وقفل…
وساعتها بس حسّيت إن الدنيا هديت… بس قلبي؟ لسه واقف بين الزعل… وبين أول خطوة للسلام
~~~~~~~~~~~~~
صحيت بدري قبل حتى ما المنبّه يرن. يمكن التوتر هو اللي صحّاني… ويمكن فكرة إن النهارده يوم مختلف عن كل الأيام اللي فاتت.
وقفت قدام الدولاب محتارة…
مش عشان هدور على حاجة حلوة، لأ… كنت عايزة ألبس حاجة تهدي قلبي، مش تزوّد الارتباك اللي جوايا.
لبست قميص بسيط وجينز، وحطيت إيشارب أزرق سماوي… حسّيته مناسب ليوم زي ده.
بصيت لنفسي في المراية…
"هو أنا فعلاً رايحة أختار دبل؟ أنا؟ بعد اللي حصل؟"
نزلت لقيت ماما واقفة في الصالة، بتعدل طرحتها وبتخبط بأديها على رجلها من التوتر.
"يالا يا برلمان، هنروح بدري عشان الدنيا متزحمنيش."
ضحكت غصب عني:
"يا ماما إحنا مش رايحين نقبّل أوراق الجيش… دبل يعني."
"ما هو برضو موضوع كبير!"
قالتها وهي بتقفل الشنطة بتاعتها بعصبية لطيفة.
ركبنا العربية… ومع كل دقيقة الطريق كان بيقرب أكتر… وقلبي بيرجع يدق أسرع.
المدينة كانت لسه بتفوق من النوم، الشوارع شبه فاضية… والكافيهات بتفتح أبوابها.
وصلنا قدام محل الدهب. المحل دايمًا شكله مرعب بالنسبالي…
أنوار كتير… لمعان… ناس داخلة طالعة… أصوات بتختلط ببعض.
بس النهارده، كل ده كان محطوط ورايا… أنا كنت مركزة في خطوة واحدة بس: الدخول.
دخلت… وريحة المكان خبطتني. وريحتها أعلى من الدهب، ريحة مستقبل مش عارفة هيكون عامل إزاي.
قعدت أنا وماما، وبدأ الراجل يطلع العلب واحدة ورا التانية.
دبل رفيعة… تخينة… فضة… دهب… بأشكال أول مرة أشوفها.
ماما قالت:
"اختاري اللي يريح قلبك يا بنتي."
لمّا قالت "قلبك"، قلبي فعلاً اتحرك.
مددت إيدي على دبلة بسيطة جدًا… رقيقة، وفيها خط صغير بيلمع من النص.
جربتها…
ولما لبستها حسّيت بحاجة غريبة…
لا هي فرحة كاملة… ولا خوف كامل…
كانت حاجة في النص…
حاجة شبه بداية جديدة… مش واضحة بس موجودة.
ماما بصّتلي وقالت بابتسامة باينة في عينيها:
"هي دي."
وقبل ما أفتح بقي، صوت من ورايا قال:
"هي فعلاً… دي."
التفت…
لقيته واقف، من غير ما يقول إنه جاي.
شكله هادي… وعينيه مش على الدهب…
عينيه عليّ.
لما لفّيت وشوفتُه واقف… حسّيت إن الوقت وقف ثانيتين.
كان واقف قدّام باب المحل، بإيديّه في جيوب الجاكيت، وبصّة ثابتة…
مش بصّة واحد داخل يشتري دهب، لأ…
بصّة واحد جاي ياخد خطوة محسوبة، بيحاول يعوّض بيها سنين تعب.
قرب بخطوتين…
مش بسرعته المعتادة، ولا بثقته اللي ساعات بتعصّبني.
كان ماشي بالراحة… كأنه هيخاف يغلط خطوة واحدة وتطير اللحظة كلها.
عينيه نزلت على الدبلة اللي في إيدي…
اتسعت شوية، كأنه لقَى حاجة كان بيدوّر عليها من زمان…
وبعدين رفع عينه عليّا.
ملامحه ارتخت… ونَفَسه خرج بهدوء.
قالي بصوت واطي، خالي من التمثيل:
"هي دي… هي اللي شبهك."
حاسّة قلبي نط خبطة صغيرة… مش فرحة، مش وجع…
مجرد إحساس إن الكلمة دخلت جوّا المنطقة اللي كنت قافلاها عليه من سنين.
ماما قالت بخفة:
"اتفضل يا ابني… شوف انت رأيك."
ما بصّش لماما…
كان مركز عليّا بس.
قرب أكتر…
وقال لي:
"إنتي مش مضطرة تختاري حاجة عشانّي… لو قلبِك لسه موجوع، يبقى نختار بكرة… أو بعدها… أو نستنى لما قلبِك يقول كلمة صح."
الجملة كسرت آخر حتة توتر فوق صدري.
ردّيت وأنا ببص للدبلة:
"أنا مش باختار عشانك… باختار عشانّي."
ساعتها…
ابتسم.
مش ابتسامته اللي بترمي هزار أو غرور…
ابتسامة هادية… دافية… فيها اعتذار ومصالحة وبداية جديدة… كل ده في خط واحد.
وقف جنبي — من غير ما يقرب زيادة، ومن غير ما يلمس حاجة — بس وقف كأنه بيقول:
"أنا هنا… بس مش هضغط عليك."
وبنفس صوته اللي كان بالليل بيتكسر من الزعل قال:
"لو دي الدبلة اللي ارتاحتِ لها… يبقى هي دي اللي هنكتب بيها أول صفحة جديدة."
وساعتها…
اكتشفت إن اللي هدي قلبي مش الدبلة…
ولا اليوم…
ولا حتى الكلام…
اللي هدي قلبي… إنه صادق
~~~~~~~~~~~~~~~~~
جه يوم قرايه الفاتحه كنت واقفه لابسه فستاني شكلي جميل النهارده بزياده وازاى مش هيبقي جميل وانا النهارده خطوبتي على حب عمري
شويه وسمعت خبط على الباب دخلو ماما ويوسف ومامته
"اووووووه اى القمر دا مش مصدق دا ليا انا اقرصيني يا امي اقرصيني "
"بس بقي"
"بس بقي اى انتي كنتي بتدعيلي أمتي يا ماما "
"يا يوسف بقي "
"قلب يوسف وحياته ودنيته"
خد ايديا ونزلنا على السلم وصوت الزغاريط والتصفير والتسقيف من صحابنا وأهلنا وصلنا للكراسي المخصصه لينا جابو الدبل ولبسناها
"مبروك عليا انتي"
"ومبروك عليا انت "
حد.قرب علينا يبارك لينا
"مبروك يا يوسف "
نطقت بصدمه
"دكتور مازن"!!!
"انتي تعرفيه "
"اه يا يوسف دا دكتور مازن كان معيدي وكمان هو الدكتور المسئول عني فى الشغل"
"مازن صاحبي "
"اى دا بجد "
"اه يا ستي مبروك يا دكتووره "
"الله يبارك فى حضرتك
كنت لسه بكمل كلامي مع دكتور مازن، وقلت له بهدوء:
"أنا آسفه إني مجتش زورت والدتك تاني."
رد بابتسامة فيها امتنان واضح:
"متتأسفيش… بالعكس، أنا اللي لازم أشكرك. من غيرك كانت ماما زمانها مش موجودة دلوقتي."
قلبي اتلخبط من كلامه، فقلت بسرعة:
"لا… دا شغلي."
هز راسه:
"تمام… عن إذنك."
مشي، وساب بعده ريحة احترام وهدوء… بس أول ما اختفى من عنينا، حسّيت حد يقرب مني خطوة.
صوت واطي بس مليان ضيق:
"قلّلي كلامك معاه شوية… أنا مش مستريح لنظراته."
اتلفت له باستغراب:
"بطل جنان… دا دكتور مازن، أخويا الكبير."
قرب أكتر، وصوته اتقل:
"سمعتي؟ قلّلي كلام معاه."
رفعت عيني عليه، وإيدي اتشبكت في بعض:
"خلاص يا يوسف… دلوقت خلاص."
اتنهد باستسلام نصه غيرة ونصه قلق:
"ماشي."
وقف جنبي ساكت… بس عينه لسه رايحة للاتجاه اللي مازن مشي فيه، وكأن النظرة مش عاجباه أكتر من الكلام.
خلصت الخطوبة، وقاعدين سوا في جو مريح… لحد ما سألني فجأة، بنبرة شكلها عادية بس فيها حاجة مستخبية
"شغلك بيبقى إمتى؟"
رفعت راسي له وأنا بشرب عصيري:
"بروح تلت أيام… وأجي أربعة."
سكت لحظة، وبعدين قالها بسرعة كإنها خرجت غصب عنه:
"تلت أيام كاملين بالبيات؟ إزاي يعني؟ بعد الجواز تقعدي برا بيتك تلت أيام؟"
اتخضّيت من النبرة، حاولت أهدي الجو:
"يا يوسف… أكيد الوضع هيتغيّر. وهقدم طلب إني أروح كل يوم من غير بيات. الموضوع مش ثابت."
بصيته، لقيت ملامحه اتغيرت… الشفتين متشدين، عينه فيها ضيق متحاولش يخبيه.
سألته بهدوء:
"في حاجة مضيقاك؟"
هز راسه وهو يبعد نظره:
"لا… خلاص. متشغليش بالك."
بس نبرة صوته كانت بتقول عكس كده…
والجو اللي كان دافي من شوية، بقى ناشف شوية كإن الهواء اتبدّل فجأة.
سكتّ شوية بعد جملته… بس عقلي ماوقفش.
صوته كان بيقول "مفيش"، بس ملامحه كانت بتقول "فيه… وفيه كتير كمان".
قربت شوية منه، وحاولت أخفّف الجو:
"بص… أنا مش هرفض طلب ليك. ولو الوضع مضايقك، نتكلم ونوصل لحل."
ما ردش.
إيده بس كانت بتخبط بإيقاع ثابت على الترابيزة… علامة إنه متنرفز أكتر مما بيظهر.
رجّعت شعري ورا ودخلت في الموضوع على طول:
"يوسف… شغلي جزء مني. مش هسيبه، بس هظبطه بأي طريقة. إحنا اتفقنا من الأول إن حياتي مش هتتغيّر فجأة."
رفع عينه عليا، النظرة كانت أعمق من كلامه:
"ماهو أنا اللي مش فاهم… إحنا لسه مخطوبين، ولسه بتحاولي تهربي مني تلت أيام في الأسبوع."
اتصدمت من الكلمة:
"أهرب؟ أنا بروّح شغلي!"
رد بسرعة، كأن الكلمة وقعت منه وعايز يلحقها:
"قصدي… يعني… مش منطقي. أنا عايزك جنبي."
تنهدت:
"وهكون جنبك. بس مش معنى كدا إن حياتي هتقف."
اتكأ على الكرسي وجاب نفسه ورا، دقنه ارتفعت سنة… النظرة اللي فيها عناد مش غضب:
"أنا مش بحب فكرة إن مراتي—"
اتقطع كلامه لحظة، وكأنه لسه بيستوعب كلمة مراتي
"—تبات برّا البيت."
سكتّ… حسيت قلبي اتحرك، بين خوف بسيط… وحزن… ورفض.
قلت بشويّة هدوء:
"ما تقلقش. مش هبات برّا بعد الجواز. بس مش هبطّل أكون نفسي."
اتنهد تاني… بس المرة دي ماكانش تنفّس، كان استسلام مؤقّت:
"طيب… ماشي."
بس "ماشي" بتاعته ما كانتش رضا…
كانت تأجيل لمعركة أكبر.
---
وصلت رسالة منه: "انزلي تحت، أنا واقف بالعربية، هوصلك."
فرحت على طول ونزلت أجري… ولقيته واقف قدام عربيته بابتسامة هادية.
"اتفضلي يا برنسيس."
"ثانكيووو." دخلت العربية وهو قفل الباب ورايا.
"عرفت حركات الجنتل دي منين؟"
ابتسمت، كأنها لعبة:
"شوفت فيلم امبارح… البطل عمل كدا للبطلة وهي انبسطت، فقولت أعملك كدا."
"أوكي… طب انت رايح فين كدا؟"
"عرفت امبارح منك إن والدة مازن تعبانة، فهروح أسلم عليها."
"بجد؟ يعني انت جاي معايا؟"
"أيوه."
صمتت للحظة، وحسيت بنبرة صوته فيها حاجة مش مرتاحة:
"انت لسه زعلان… حاسة صوتك في حاجة."
"مش مستريح لشغلك في المستشفى وسط الشباب… فأيه رأيك أفتحلك عيادة أو مستشفى لو عايزة، بس تكوني تحت نظري وأكون مطمن."
تنهدت بعمق…
"هاا… يوسف… انت واثق فيا؟"
"أكتر من نفسي."
ابتسمت وقلبي دق بسرعة:
"طب سيبني على راحتي… صدقني، ماليش اختلاط بأى راجل وبعدين وانت كنت مسافر مبصتش لأى راجل فأنت مفكر وانا موجود ممكن ابص لحد"
"ماشي"
"انتي يا كوتي غيران "
"اى كوتي دي يا بت "
"كوتي غيور كوتي غيور"
"على اخر الزمن البشمهندس يوسف يتقاله يا كوتي تعالى شوفني يا آدم"
ضحكت اوي عليه واخيرا وصلنا
دخلت المستشفى وروحي قلبي بيطير من فرحة وقلق مع بعض. رحت أوضتي أغيّر لبسي وأحضّر حاجتي، وهو راح لغرفة والده مازن. لبست بسرعة واتجهت لغرفة والده… بس وقفتني الممرضة عند الباب.
"حضرتك رايحة غرفة والده دكتور مازن؟"
"أيوه… في حاجة؟"
"معلش، لو تاخدي القهوة دي معاك، من الصبح معاها ومشربش قهوته."
"حاضر… هاتيها."
خدت القهوة وركضت بخطوات صغيرة أخبط على الباب.
"دكتور مازن، اتفضل القهوة."
"بس أنا مطلبتش."
"الممرضة قالتلي إنك مشربتش قهوتك النهارده، فجبتها لك."
"تسلميلي."
بصيت حوالي، ولقيت يوسف قاعد هناك… عيونه بتقول: هيولع يا بختك الابيض يا برلمان هينفخك !
"بعد إذنك، هروح أشوف شغلي."
خرجت وماشيه… وفجأة حسيت حد ماسكني من الخلف، وخط يده على بوقي.
"اسكتي… دا أنا…"
"يوسف."
"أيوه… يوسف يا هانم."
"طب… تعالى نتكلم في المكتب."
"وانتي بتجبيله القهوه ليه"
"عادي… الممرضة ادتهالي، أديهاله."
"هي الممرضة شغلتها إيه لما أنت اللي تديله القهوة؟"
"يوسف لاحظ أن دا تاني يوم بعد الخطوبه وحضرتك عامل ميه مشكله"
"بسببك يا هانم."
" بسببي!"
ومشي ساكت وسابني واقفة، حاولت أناديه:
"يوسف… يا يوسف استني!"
بس ما ردش عليا…
وقفت لحظة، قلبي دق بسرعة، وقلت لنفسي: يووووه… هو المفروض مين اللي ينكد… أنا ولا هو رجاله نكديه بصحيح
وصلت رسالة من المدير : "تعالي غرفة مكتبي… ضروري."
قلبي دق بسرعة، وقلت لنفسي: فى إيه دلوقتي؟ يكونش هيديني المرتب
خرجت من الاوضه وأنا بمشي بخطوات بطيئة، وكل العيون مركزة عليّ. الناس حواليه بيتكلموا، ووشوشهم كلها فضول… ومكنتش عارفة في إيه. قولت للممرضه إلى كانت ماشيه قريب مني
"في إيه؟"
"معرفش والله… يا بنتي."
تنهدت وحاولت أجمّع أعصابي، ورحت على غرفة المدير.
أول ما دخلت، صوته ارتفع فجأة، وبصراحة زعق:
"إنتي إزاي تعملي كدا يا برلمان؟!"
وقفت مكاني، قلبي بيخفق بسرعة… وحسيت الدنيا كلها ضاقت حواليا.
الهواء في الغرفة تقيل، والنظرات كلها مركزة عليا، وأنا بحاول أفهم الخطأ اللي عملته، ومش لاقية كلام أبدأ بيه.
•تابع الفصل التالي "رواية برلمان" اضغط على اسم الرواية