رواية برلمان الفصل الثاني 2 - بقلم زينة عماد

 رواية برلمان الفصل الثاني 2 - بقلم زينة عماد

"انتي برلمان… صح؟"
"أيوه… مين حضرتك؟"
"أنا دكتور مازن… كنت المعيد بتاعك في سنة تانية كلية."
"آه… إزاي حضرتك يا دكتور؟ اعذرني، صعب أفكر الوشوش بعد فترة."
"لا ولا يهمك يا دكتورة. بتعملي إيه هنا؟"
"أنا جاية عشان المقابلة… بعتولي رسالة بالقبول وجيت."
"كنت دايمًا بقولك إنك موهوبة… وواثق إنك هتبقي حاجة كبيرة في المستقبل."
سكت لحظة، وبعدين كمل:
"لو احتجتي أي حاجة… أنا موجود في قسم الجراحة."
"شكرًا جدًا يا دكتور… أستأذن.
ركبت عربيتي… مع إنها مش غالية ولا فخمة، بس غالية عندي. دي هدية بابا أول ما دخلت كلية الطب، وكل ما أقعد فيها أحس إنه لسه فخور بيا.
قعدت وسحبت نفس طويل… والكلام خرج لوحده:
"كان نفسي تكون معايا دلوقتي… لو ماكنتش اتخلّيت عني، كان زمانّا متجوزين… وكان الإنجازات دي بنعيشها سوا. مش لوحدي."
شغّلت العربية ومشيت. الطريق كان أطول من الطبيعي، يمكن عشان دماغي رايحة جايّة. ولما وصلت شارع بيتنا، كنت خلاص هموت أدخل وأرتاح… بس فجأة سمعت:
"برلمــــان! يا برلمــــان!"
وقفت وبصيت…
"إيه دا؟ رودينا! عاش من شافِك يا شيخة… كنتي فين؟"
"إنتي اللي كنتي فين! أنا هنا على طول!"
"والله أنا بعتّلك مليون رسالة على الواتساب… وإنتي ولا رد؟"
"يا ستي ما إنتي عارفة إني بكره الواتساب!"
"ماشي… هنعدّيها."
"أخبارك إيه؟ وبتعملي إيه أصلاً؟ أنا بقالي يومين بجهّز البيت ومشوفتكيش خالص ."
استغربت:
"بتجهّزي البيت اه صحيح هما ليه هدوه وبنوه تاني ؟ "
قالت وهي مكملة مشوارها:
"خالتو وابنها نازلين من أمريكا. قالتلي جاهّزي البيت كله."
هنا… الدنيا اتشقلبت عليّ.
حسيت الأرض بتميل، والهوا اتسحب من صدري.
"نازل؟… مين اللي نازل؟ وامتي؟"
رودينا وقفت:
"مالك؟ بتسألي كده ليه؟"
قلت بصوت واطي:
"قولي… مين اللي نازل؟"
قالت ببساطة:
"البشمهندس يوسف. بعد سبع سنين. خالتو اتصلت امبارح وقالتلي أرتّب البيت على أحسن شكل.بس معاد معين مدتناش بس تقريبا يا النهارده يا بكرا بالكتير اوي"
وقتها حسيّت قلبي بينزل لتحت.
سبع سنين… ويرجع كأن ولا يوم عدى؟
تمتمت:
"ييجوا بالسلامة… إن شاء الله."
ومشيت.
لا… الحقيقة إني جريت.
قلبي كان بيدق بسرعة تخوّف، ورجلي مش شايلاني. دخلت البيت وطلعت الأوضة قبل ما حد يشوف شكلي.
قفلت الباب ووقفت قدام المراية.
"اهدي يا برلمان… انتي بالعافية لملّيتي قلبِك. دلوقتي يرجع يبوّظ كل حاجة؟
هشوفه ازاي؟ هشوفه إزاي… ومعاه حياته الجديدة؟
وليه دلوقتي؟ وليه يرجع هنا أصلاً؟
أكيد… أكيد عايز يغظني.
ابن فاطمة… يا مراري… يا مراااري."
ضحكت على نفسي فرغم كل الحزن إلى فى قلبي بس لسه ليا نفس اهزر
~~~~~~~~~~~~~
"يا بت انتي يا بت!"
قومت مفزوعة:
"نعم يا ماما… نعم!"
"الزرع بتاعك اللي مشيّلاني همه… بقاله يومين محدش عبّره! تعالي شوفيه."
"يومين إزاي بس يا ماما؟! ما أنا قايلالك امبارح تبصي عليه!"
"آه… أصل أنا كنت الشغّالة اللي أبوكي جابها! قومي يا أختي وتعالي."
قمت وأنا مستغفرة
"استغفر الله العظيم…"
وروحت على بلكونة البيت الرئيسية… البلكونة اللي ماليّاها ورد وريحان وألوان تهدي القلب.
الهوا ناعم… ورائحة الورد مالية المكان.
قربت من الورد الأحمر المفضل ليّ، ولمست أوراقه بإيدي.
مسكت الميّة وبدأت أسقيه، وابتديت أغنّي الأنشودة اللي بحبها:
"تقول بكل قسوتها لغيرك سوف تقتلني
أراني أذوب يا عمري ولا أدري ما يجبرني
نيران فتشعلني
ودمع الذات يغرقني
وأنت أراك تأسرني مني إليك تسرقني
أراني أذوب يا عمري وليس سواك ينقذني"
وبينما أنا بغنّي، حسّيت بصوت ماما ورايا… واضح إنها كانت واقفة تسمع من أول لحظة.
قالت بهدوء غريب عليها:
"صوتِك حنين أوي يا برلمان."
بصيت لها بابتسامة صغيرة:
"صوتي بس اللي حنين يا ماما؟"
هزّت راسها بإحساس أم:
"كلك حنينة يا برلمان… ربنا يراضي قلبِك ويهديكي يا بنتي."
نزلت عيني على الورد، وقلبي اتحرك غصب عني:
"يارب يا ماما… يارب."
~~~~~~~~~~
أنا رايحة عند تيتا هقعد معاها شوية.
استني… خدي طبق المحشي دا اديهولها معاكي.
محشي إيه بس؟
ابقي دكتوره قد الدنيا واشيل طبق المحشي.
يعني إيه يا بت؟
تخديه غصب عنك .
سلمتلك أمري يارب هاتيه يا ماما هاتيه يا نبع الحنان.
وصلت عند تيتا وقابلتني بحضن دافي.
وحشتيني… بقي كده كل دي غيبة.
معلش… والله مشاغل كتير.
مبروك… عرفت إنك قبلتي في الشغل.
الله يبارك فيكي… أومال فين خالو وجميله؟
خالك تحت في مجلس الرجالة معاه واحد صاحبه، وجميله لما عرفوا إنك جايه راحت تجبلكم حاجات من السوبر ماركت تتسلو فيها.
ماشي… هدخل أغير وأصلي العشاء.
روحت الأوضة المخصصة لي من كتر ما بقعد عندهم عملوهالى، غيرت وصليت، ولما خرجت… فجأة الصوت المزعج اللي في حياتي جه:
ريمو يا ريمو… يا حتة سكرة! أنا جيتتت!
نفسي أشوفها مرّة عاقلة وداخلة بهدوء.
ايمبوسيبول… مستحيل!
ضحكت وقالت:
تعالى يلا… عايزة أحكيلك على مية حاجة حصلت وسهراتنا هتبقى صباحي.
لا… أنا قايله لماما ساعة وجاية.
اقعدي بس… انتي هتباتي كده كده… ولو على سارة أنا أقولها.
آه نسيت أعرفكو… دي جميله… خالتو الصغيرة… أنا وهي نفس السن… دخلت فنون جميلة، وحاليًا شغالة في تصميم الأزياء في شركة كويسة.
هل قعدتِ؟ اهو أحكي… بصي، محمد خطيبي عايز يخلي الفرح الشهر الجاي، وأنا مش عارفة أوافق ولا لا.
طب إيه اللي يمنعك تتوافقي؟
أنا خايفة أوي… خايفة أتسرع.
نعم… تتسرعي؟ دا انتو بقالكو سنة ونص مخطوبين… شوية وهتخلليه جنبك.
وهو سنة ونص كتير… أنا لسه بتعرف عليه.
ربنا يهديكي… الواد هيعمل إيه أكتر من كده؟ بقاله سنه ونص بيتحيل عليكي تتجوزو 
قطع كلامنا صوت الموبايل رن، فردت:
الو… يا خالو.
إيه دا… ريمو؟ أخبارك إيه؟
أنا كويسة الحمدلله… محتاج حاجة ولا إيه؟
آه… معلش… خلي جميله تنزل القهوة.
حاضر.
قفلت الموبايل، وبعد شوية جميله قالت:
خالو بيقولك نزلي القهوة.
ييوووه… أنا لسه راجعة من برا ومش قادرة.
خلاص… هنزلها أنا.
إيه… انتي اللي هتنزليها؟
أيوه… فيها إيه؟
انتي عارفة مين تحت؟
صاحب خالو… وبعدين أنا مش هدخل… خالو هياخدها مني من على الباب.
إيه دا… انتي شكلك مش عارفة مين تحت… طب انزلي يلا بسرعة.
مين تحت؟
لا… انزلي بس.
نازله اهو متزقيش بس 
خدت الشال على البيجامة، وطرحة حطيتها على شعري، وحطيت القهوة ونزلت.   كنت هخبط على الباب عشان خالو ياخد القهوة… بس صوت الضحكات اللي جوا البيت خنق كل كلمة في حلقّي.
ابتلعت ريقي بصعوبة… حسيت بصحّة الصدر وهي بتسحب أنفاسي. قلبِي كان واقف لحظة… عرفت على طول الصوت ده… ما صدقتش عيني… هو دا!
الهواء حواليا اتجمد، وصدقيّة اللحظة غطت كل حاجة حوالي… الصينية وقعت من إيدي وأنا مصدومه وبكدب ودني، ومش قادرة أتحرك، مش قادرة أتنفس… كل اللي أقدر أعمله هو إني أقعد مشدودة، وأبص ليه، وأحس إن كل حياتي هتتقلب دلوقتي، 
~~~~~~~~~~~~

•تابع الفصل التالي "رواية برلمان" اضغط على اسم الرواية

تعليقات