رواية ضحية الإنتقام الفصل الثاني 2 - بقلم أمل عبد الرازق
- وسيم
-.......
- ممكن ترد عليا
-.......
- لو فاكر ليا اي حاجه كويسه رد عليا
- عايزه ايه يا زينه
- الكلام اللي قولته م من شويه دا حقيقي
- كلام ايه
- كلامك عن الانتقام وإن أنا وسيلتك في انتقامك و ...
قاطعها وسيم وقال بحدة:
- ايوه حقيقة
- طب ليه اتجوزتني طالما بتكرهني
- نصيبك كدا
- بس انت مكنتش مجبور عليا، انت اللي فضلت تحاول معايا وقولتلي إنك بتحبني
- زينه ممكن تخرجي دلوقتي
- طيب آخر سؤال وجاوبني عليه
- يا رب نخلص، إسألي يا زينة
- انتقام إيه وليه ومِن مين يا وسيم؟
أبويا فتحلك بيته وجوزك بنته، وشغال معاه ويعتبر انت ماسك كل الشغل، محدش داسلك على طرف، بتعمل كدا ليه؟
رد بجمود:
- بعدين هتعرفي
بكت زينة بحرقة، ومسحت دموعها بيدٍ مرتجفة وقالت بقهرٍ يعتصر صدرها:
- تخيل يا وسيم انا لسه مكتوب كتابي من ساعات، وسافرت معاك، وأمنتك على نفسي، وحبيتك من قلبي، وبنيت مستقبلي كله عليك وبقيت بالنسبه ليا كل حاجه، دا جزائي منك يا وسيم، طب حط نفسك مكاني، مش حرام اللي بيحصل معايا، انا عمري ما قدمت ليك أي اساءه، ليه بتعمل معايا كدا
-.......
- سكوتك هيجنني... طيب تخيل اختك تكون مكاني، وجوزها وحبيبها يعمل معاها كدا ويكسر بخاطرها في احلى يوم في حياتها، دا أنا سيبت كل حاجه في الدنيا واخترتك انت
نظر وسيم إليها بحزنٍ عميق، كأن شيئًا في داخله يُمزَّق:
- أختي! اخت مين يا زينه؟
اختي اللي كان ابوكِ السبب في موتها
تجمدت زينة وقالت بصوت مرتجف:
- بابا! انت بتقول إيه
- ياريتها اختي بس يا زينه، ابوكِ السبب في موت اختي وابويا، ابوكِ السبب في حزني
- انت بتقول ايه يا وسيم؟ إيه الكلام اللي ميدخلش العقل دا
- زي ما انتِ سامعه
- بابا عملكم ايه؟
- ابوكِ رجل الأعمال المحترم سبب وجعي في الدنيا
- أنا هتجنن، أنا مش فاهمه حاجه
- بعدين هتفهمي كل حاجه، من فضلك اخرجي وسيبيني
- على الأقل فهمني بابا عمل إيه يا وسيم، ابويا اللي شغلك معاه وبقيت انت إيده اليمين، ابويا اللي بيثق فيك وجوزك بنته الوحيده
- علفكره انا تعبت اوي عشان اوصل للي وصلت ليه وكله بمجهودي، وقدرت اكسب ثقته
- وكل دا عشان الانتقام!
- بالظبط
- فهمني بابا عمل ايه ليك
وسيم بغضب:
- هو أنتِ مبتفهميش؟ بقولك قتل اختي الوحيده، بقولك سبب موت ابويا واختي
زينه بحزن
- ازاي يا وسيم، ازاي بابا يعمل كدا، مستحيل أكيد في حاجه غلط
- دايما اللي معاهم سلطه ونفوذ مش بيشوفوا الغلابه، وانا حلفت اني هاخد طار اختي وابويا منكم
- انا هتجنن، مش فاهمه حاجه
- الخلاصه، انا هخلي ابوكِ يمـ وت بالبطيء
- وانت مفكر اني هسكتلك على الجنان دا
ضحك بسخرية:
- هتعملي إيه يا شاطره؟
- هعرف بابا حقيقتك، واقوله إنه كان مصدق إنسان غدار وناكر للجميل
- بصي يا زينة لو كلمة تانيه خرجت منك ابوكِ هيفارق الدنيا بمكالمة تليفون واحدة مني
قالت زينة بصراخ وقد انهارت تمامًا:
- والله ما هسيبك تلمس ابويا، انت عايز مننا ايه
- بقولك ابوكِ سبب موت ابويا واختي
- بطل الجنان دا بقولك بابا مستحيل يعمل كدا، بابا مافيش أطيب منه، بابا يخاف يقتل عصفوره، انت بتكذب عليا وبتحور وشوف بتخطط لإيه
كان وجه وسيم شاحبًا، وصوته يرتجف تحت وطأة الذكريات التي أثقلت روحه، وكأن كل كلمة ينطق بها تُشقّ من قلبه شقًّا. بدا الحزن واضحًا في عينيه، حزن رجلٍ عاش من المآسي ما يكفي لتهديم مدينة كاملة، لا قلبًا واحدًا.
قال وهو يبكي:
- سَمَر ماتت… ماتت وهي عندها عشر سنين.
جالها فشل كلوي، وتعبت قوي… وكانت محتاجة كلية.
بابا… بابا قرر يتبرّع لها.
بس كان محتاج اكتر حاجة أنا بكرهها في حياتي… كان محتاج الفلوس.
ونصيبه إنه يكون سواق عند أبوكِ المحترم.
راح طلب منه سُلفة…
وأبوكِ قاله: انت مجرد سواق، هتجيب الفلوس دي منين؟
بابا قاله مش عايز مرتب، واشتغل معاك طول عمري ببلاش…
وبرضه رفض.
الدنيا ساعتها اسودّت في وشّ بابا…
وأختي حالتها بتسوء قدّامه.
جسمها ورِم… ودمّها بيتغسّل على الأجهزة.
طفلة… عندها عشر سنين!
وأهلها شايفينها بتتعذّب ومش قادرين ينقذوها.
وحالتها يوم عن يوم بتسوء
في الوقت اللي أبويا بيجري يدور على حل…
أبوكِ الفاضل… ضاع منه مبلغ كان في العربية.
وبعد ما وصل الشركة افتكر… بعت واحد يشوف الفلوس… لاقاها اختفت.
بابا رجع المستشفى يشوف سمر، وقرر يبيع البيت…
بس لما وصل… كانت ماتت.
وبعدها بدقايق… الشرطة جات تاخده بتهمة السرقة.
تخيّلي!
بنتُه ماتت… لا عرف يودّعها… ولا يحضنها آخر حضن، ولا يصلي عليها.
وفوق دا كله… ياخدوه ظلم!
فكري فيّ أنا… وفي أمّي.
بابا راح معاهم غصب عنه وهو مش فاهم حاجه.
ولما قالوله: انت سرقت فلوس يونس بيه.
قالهم: محصلش.
ولا حدّ صدّقه.
وأبوكِ شهد ضده…
وقال إنه كان محتاج فلوس ولما رفض يدهّاله… سرقه!
بابا… من الصدمات اللي ورا بعض…
جاتله أزمة قلبية…
وخدوه المستشفى.
في نفس اليوم اللي ماتت فيه سمر.
مافيش أصعب من الظلم يا زينة…
صدقيني مافيش.
تدفقت دموع وسيم، وكأنها تنفض صمتًا طويلًا حمله لسنوات.
أكمل بصوت مبحوح، يختلط فيه الألم بالغضب:
- تخيّلي اختي ماتت…
وأبويا مرمي في المستشفى لوحده…
وكل ده بسبب مين؟!
بسبب أبوكِ يا زينة.
ولما الشرطة حققت…
وراجعوا الكاميرات…
لقوا إن اللي خد الفلوس هو الراجل اللي أبوكِ بعته.
بس اتهموها في أبويا الغلبان.
وأول ما أبويا فاق… خرج عشان يلحق يشوف سمر…
لكن عمل حادثة… عربية خبطته… ومات.
أبويا مات في نفس اليوم اللي ماتت فيه سمر.
سكت وسيم لحظة، ثم رفع عينيه المُحمّلتين بالوجع نحو زينة وقال بمرارة لا تُحتمل:
**"لو انتي مكاني… مش هتفكّري في الانتقام؟
أمي شافت الويل بسببكم…
خسرت جوزها وبنتها.
ومع كل ده… من طيبتها بتقول لأبوكِ إنك هتكوني زي سمر بنتها.
آه… لو تعرف إن أبوكِ هو السبب في موت بنتها وجوزها…
انا بحثت كتير وتعبت وشوفت الذل عشان أوصله
دلوقتي… عرفتي أنا عايز أنتقم ليه يا زينة؟
-........
كان الصمت يثقل الهواء بينهما، والليل يزداد اختناقًا داخل الغرفة. نظرات وسيم كانت مضطربة، يغلي فيها الغضب والحزن، بينما زينة تقف أمامه مرتجفة، تحاول أن تجد لنفسها مساحة للكلام.
قال وسيم بحدة:
ساكتة ليه ما تنطقي، مش كان نفسك تعرفي السبب؟
أجابته بصوت خافت متردد:
- صدقني يا وسيم… أكيد في حاجه غلط.
اشتد استياؤه:
- بردو لسه بتدافعي؟
تمسكت بأمل أخير:
- اللي انت بتتكلم عنه دا يبقى أبويا... أنا قلبي وجعني على اختك ووالدك يا وسيم… بس أنا واثقة إن في حاجه غلط. أبويا مستحيل يِئذي إنسان، دِ كل فلوسه رايحة لأعمال خيرية.
تقدّم خطوة كأنه يكبح نفسه:
- زينة… أنا مش عايز إيدي تطول عليكي ولا أزعق ولا ألمسك. من فضلك اخرجي… وسيبيني لوحدي.
لكنها اقتربت منه وهي تبكي:
- وسيم… دا قضاء وقدر.
انفجر صوته غضبًا:
- وأبوكِ السبب!
ارتجفت كلماتها:
- طبّ أنا ذنبي إيه؟
- ذنبك إنك بنته.
قالتها وهي تكاد تختنق:
-بس أنا بحبك.
-وأنا بكرهك وبكره أبوكِ… مش هسيب حق أبويا وأختي.
هزّت رأسها بإصرار وقالت وهي تنظر في عينيه:
- كذّاب يا وسيم… انت مستحيل تكرهني. أنا بشوف حبك ليا في عينيك.
صرخ ساخرًا:
- يبقى انتي مش بتشوفي! كل دا كان تمثيل.
- والله العظيم بحبك… طيب خلينا نرجع مصر وهواجه بابا وأجيبلك حقك، هخليه يعوضك.
ضحك بمرارة:
- يعوضني! تعويض إيه اللي بتتكلمي عنه؟ هو الأب والأخت بيتعوضوا؟
- أي حاجه عايزها هنعملها.
- وأنا مش عايز غير إني أشوف أبوكِ مذلول.
تقدمت خطوات قليلة، تتوسل بنبرة ممزقة:
- يا وسيم… متخليش الكره يعمي عينيك. انت جواك خير… ووصلت لمكانة كويسة. بلاش تخسر نفسك. هتسيب مامتك لمين؟ دي مش باقي لها في الدنيا غيرك.
-وده بسبب مين؟ مش سبب حزني وحزنها أبوكِ؟ سبب كرهي ليكِ مين؟! مش أبوكِ؟
همست برجاء:
- حتى لو أبويا غلطان يا وسيم… بلاش تعمل زيه. أنا واثقة إنه ندمان على اللي عمله.
جلس على طرف الكرسي كمن ينهار، ثم رفع رأسه وهو يروي آلام عمر بأكمله:
- أنا تعبت في حياتي… واتحديت كل الظروف. بعنا بيتنا… وسيبنا بلدنا… واشتغلت ليل ونهار عشان أصرف على نفسي أنا وأمي. تخيّلي… كنت بالليل بروح أوصل دليفري للبيوت، وبعدها أشتغل في مصنع كراتين… وأنام ساعة واروح الصبح الكلية. ولأني كنت متفوّق بقيت أدي كورسات للطلبة الأصغر مني. عملت المستحيل عشان أوصل للي وصلت له. وبعد كده اتعيّنت معيد وبقيت دكتور في الكلية. وعشان إيه؟
قالتها هي، وكأنها تكمل جملته:
- عشان تنتقم.
أومأ ببرود مخيف:
- بالظبط… عشان أنتقم من أبوكِ. والحمد لله وثق فيا… وعملي توكيل. وخلال أيام… هيخسر كل حاجة.
- اللي وصلت له دا عوض من ربنا يا وسيم… بلاش تخسر كل اللي بنيته.
هزّ رأسه:
- الحاجة الوحيدة اللي أنا عايزها… لسه موصلتش ليها.
صرخت بقهر:
- حرام عليك! ليه تخلّيني أعيش نفس الوجع اللي انت مش قادر تستحمله؟ ليه تخلّيني أخسر أبويا؟ أمي اتوفت وأنا صغيرة… ليه تخلّيني أخسر أبويا؟ مش كفاية خسرتك يا وسيم؟
وقف فجأة:
- خسرتيني!
- أيوه يا وسيم… انت مش ليا من الأول وأكيد هنطلق.
أنا راضية بنصيبي. وهستحمل أي حاجة تعملها فيّا… بس سيب أبويا في حاله.
ضاقت عيناه:
- لازم أشوفه مكسور. ويلا… اخرجي برا.
بكت بحرقة:
-أنا بحبك يا وسيم… والله بحبك.
وأنا ما كرهتش في حياتي غيرك… انتي وأبوكِ.
شهقت:
- يعني انت بتكرهني يا وسيم؟
- بكرهك يا زينة.
قالتها وهي تمسح دموعها المرتعشة:
مش هسيبك تِئذي أبويا…
ثم استدارت، فسمع صوتها للمرة الأخيرة قبل أن تغادر:
- اقفِل الباب وراك.
_______
ساد صمتٌ ثقيل، كأن الهواء نفسه توقف عن التنفس، للحظة واحدة بدا وكأنه يقاتل داخله حربًا لا تنتهي. ثم تنفّس بعمق، وكأنه ينهار أخيرًا من ثقل الحقيقة التي يحاول الهروب منها منذ سنوات.
قال بصوت مكسور، فيه رجولة مهزوزة ووجع دفين:
- للأسف يا زينة… أنا بحبك. قلبي الغبي خضع ليكي، برغم كل الكره اللي جوايا لأبوكـ… لكني والله بحبك. دموعك بتقطع في قلبي… دموعك بتحرقني… ومش عايز أخسرك.
ارتعشت شفتاه وهو يكمل:
لكن أنا شوفت بسبب أبوكي أسوأ أيام عمري. كنت بسمع أمي بالليل قاعدة تصلّي… وتدعي ربنا ينتقم من اللي كان السبب. أختي… أحلى حاجة حصلتلي… ماتت بسبب أبوكي.
هزّ رأسه بقهر:
وأبويا يتحبس ظلم، قبل ما ياخدوه مسك إيدي وطلب مني أفضل مع أمي. وبعدها بشوية… نعرف إنه مات. والسبب؟ يونس بيه.
تجمدت ملامحه وهو يتابع بمرارة:
إحنا عمرنا ما أذينا حد… وفي حالنا. ليه أخسر أهلي بسبب أبوكي؟ ياريتك ما كنتي بنته يا زينة.
اقترب خطوة من المرآة صوته يخفت تدريجيًا كأنه يعترف بجريمة:
- أنا لما كنت بحس إني بدأت أتعلّق بيكي… كنت بقفل موبايلي وأبعد عنك فترة لحد ما أهدى… وأفكّر نفسي بكل عمايل أبوكي.
هزّ رأسه بأسى صادق:
- إنتِ جميلة… وبريئة… ولا ليكي ذنب في اللي بيحصل ولا اللي هيحصل. ده غير إني… حبيتك يا زينة.
ثم همس، كأنه يسلم نفسه لعجزه الأخير:
- سامحيني… أتمنى تقدري تسامحيني.
_______________
ساد التوتر أرجاء المكان، وزينة تقف أمام وسيم بعينين ممتلئتين بالخوف، بينما هو يتحرك في الغرفة بوجهٍ مُطفأ الملامح كأنه يحاول الهرب من كل شيء… حتى منها.
قالت بصوتٍ مرتجف وهي تتعلّق بعينيه:
- وسيم…
ردّ بحدة باردة:
- عايزة إيه؟
- رايح فين؟
- شايفه إيه؟ خارج.
تقدّمت خطوة، الخوف واضح في صوتها:
- أنا مش عايزه أفضل في البيت لوحدي.
- معلش… استحمّلي.
همست بتوسل يائس:
- بالله عليك ما تسيبني هنا لوحدي… أنا بخاف يا وسيم.
ساد صمتٌ ثقيل، كأن الكلمة علقت في حلقه ولم يعرف كيف يرد…
ثم قالت بتردد:
- ألبس واجي معاك؟
- لأ.
- طب انت رايح فين؟
خارج أشوف شغلي.
- طيب… أنا عايزه موبايلي.
نظر لها بسخرية:
- ليه؟ شايفاني عَبِيط؟ عايزة تاخدي الموبايل وترنّي على أبوكي؟
ارتبكت وهي تهز رأسها:
- أنا مش عايزه أرن على حد.
أشار لها ببرود:
- أنا عايز أرجع من برّا ألاقي الغدا جاهز.
شهقت زينة بخوف:
- بس أنا مش بعرف أعمل أكل و......
- اتصرّفي.
- وسيم انت عارف أنا مش بعرف…
- وأنا بقولك اتصرّفي.
رفعت عينيها برجاء:
- طيب… هات الموبايل أشوف فيديوهات على اليوتيوب واطبخ زيها.
انفعل وسيم:
- قولت مافيش موبايلات.
تنهدت بخذلان:
- خلاص… هات أكل معاك وانت راجع.
تأملها لثوانٍ، ثم قال بحدة:
- انتِ عيونِك عاملة كدا ليه؟
- مالها عيوني؟
وارمة… ووشّك أصفر كدا ليه؟
- مافيش، تقريبًا مخطوفة وخذلني أقرب انسان ليا.
- تمام.
استدار ليمشي… وما إن خطا خطوة حتى سمع صوت ارتطام خفيف خلفه.
التفت بفزع:
- زينة!
كانت زينة ملقاة على الأرض، جسدها ساكن، ووجهها شاحب كأن الحياة تسربت منه.
أسرع نحوها يرفع رأسها بذراعين يرتجفان، وصوته ينكسر لأول مرة:
- زينة… زينة! ردي عليّا بالله عليكِ… زينة، أبوس إيدك فوقي!
ارتجف صوته وهو يلمس وجهها بحنانٍ مذعور:
- أنا آسف يا زينة… أنا غلطان… والله بحبك… قومي يا زينة!
وصمتها كان أقسى عليه من أي عقاب.
هتف وهو يبكي:
- يا عَبيطة… أنا بحبك! انتِ مالكيش ذنب في أي حاجة… بالله عليكِ أنا تعبت… تعبت من إني أخسر كل اللي بحبهم… بلاش تكسري ضهري انتِ كمان.
التقط هاتفه بيد مرتجفة:
- ألو… أيوه يا هند!
- نعم يا وسيم بيه؟
- ابعتِي ليّا الدكتور سمير حالًا… وتعالي على العنوان اللي هقولهولِك.
- خير يا فندم؟
بسرعة يا هند… مراتي مغمى عليها!
- ثواني وهنكون عند حضرتك.
____________ لا حول ولا قوة إلا بالله
وقف وسيم بجانب السرير، يراقب وجه زينة الشاحب بعينين يملؤهما الذعر، بينما كان الدكتور يتفقدها بتركيزٍ شديد. ارتجف صوت وسيم وهو يسأل:
- طمني يا دكتور… زينة مالها؟
رفع الطبيب رأسه بجدّية وقال:
- جالها انهيار عصبي حاد… وكمان مش بتاكل.
ساد صمت ثقيل، التفت الطبيب بعدها نحو وسيم وسأله بحدة خفيفة:
- في حد ضايقها؟
تراجع وسيم خطوة للوراء وكأن السؤال أصابه مباشرة في صدره:
- أيوه… اتخانقنا مع بعض.
نظر له الطبيب باستنكارٍ واضح:
- خناقة إيه اللي تخليها يجيلها انهيار؟ أكيد في حاجة كبيرة وصلتها لكدا… دي من العياط عيونها وارمة.
لم يعقّب وسيم، وأخفض رأسه كأنه يعترف دون كلام.
أخذ الطبيب يكتب روشتة وهو يقول:
- أنا كتبت ليها على علاج… ولازم تاكل كويس وترتاح، ومافيش حد يضايقها.
رد وسيم بسرعة
- حاضر…
ثم التفت إلى هند وقال:
- وصّلي الدكتور يا هند.
- حاضر، اتفضل يا دكتور.
_______
- جلس وسيم إلى جوار السرير، يمد يده نحو زينة برفق، وعيناه لا تفارق وجهها المرهق. ما إن فتحت عينيها ببطء حتى تسلّل صوتها واهنًا، يكاد لا يُسمَع:
- وسيم…
اقترب منها أكثر، قلبه يرتجف خوفًا عليها:
- أيوه يا زينه… أنا جنبِك.
نظرت إليه بعينين مُتعبتين، لكنهما تشتعلان برجاءٍ طفوليّ:
- بتحبّني… صح؟
حاول السيطرة على أنفاسه، كأنه يخشى أن ينطق بما يفجّر وجعه كله:
- قومي إنتِ بالسلامة الأول.
شدّت على كلمتها بإصرارٍ موجوع:
- بقولك… بتحبّني ولا لأ؟
قبل أن يجيب، دخلت هند بهدوء:
- هند.
- نعم؟
- خليكِ جنب زينة هانم، وأنا هبعتلها الأكل والعلاج… خليها تاكل وتاخد العلاج، وكلمي الشغّالة تيجي تشوف احتياجاتها وتفضل جنبها.
- حاضر.
تعلّقت أصابع زينة بيد وسيم، وصوتها يتهدّج خوفًا:
- بلاش تمشي… وتسيبني يا وسيم.
لم يلتفت إليها، ظلّ يوجه كلامه لهند بصرامةٍ تخفي ارتباكه:
- زي ما قولتلك يا هند.
- حاضر يا فندم.
ثم وقف، بينما عيناها تتشبثان به كأنها تستجدي الرحمة.
- وسيم…
………
توقّف للحظة، ظهره لها… لكن صمته كان أضعف من أن يخفي العاصفة بداخله.
_______
وقفت هند إلى جوار السرير، تنظر إلى زينة التي شحبت ملامحها.
- حاسّة بإيه يا مدام زينة؟
اقتربت هند أكثر وقالت بحذر:
- سامحيني لو هدخل في حاجة المفروض ما أدخلش فيها.
زينة بتعب:
- في إيه؟
- أنا ملاحظة إن في خلاف بينك وبين دكتور وسيم… بس عايزة أقولك إنه كان هيموت عليكِ. كان خايف أوي. وهو اللي كلّمني وطلب مني أجيب الدكتور… كان حاسس بالندم ومش قادر يرد على الدكتور. مهما حصل بينكم من مشاكل، خليكِ متأكدة إنه بيحبك.
زينة بصوت مكسور:
- يعني هو… كان خايف عليّ؟
هند: كان قلقان أوي على حضرتك. وفي حاجة كمان.
زينة:
- خير؟
- لو تفتكري… أنا اللي استقبلت حضرتك يوم ما جيتي.
- أيوه، فاكرَاكِ.
- فاكرة لما قلتلك إن أنا زينّت البيت أنا والشغالة بأوامر من يونس بيه؟
- أيوه.
- الدكتور وسيم هو اللي قالي أقولك كده… لكن الحقيقة إنه هو اللي طلب مني أجهّز البيت بالطريقة دي؛ لأنه عارف إنك بتحبي كده. وفي البداية خالص… هو اللي كان هيشتري البيت، لكن لما يونس بيه عرف، عملها مفاجأة ليكم واشتراه هو. صدقيني هو بيحبك أوي.
ولو فتحتي التلاجة هتلاقيها مليانة أكل… كلّه معمول مخصوص ليكِ. لأنه عارف إنك ما بتعرفيش تطبخي، وطلب من الشغالة تعمل كل حاجة علشانك.
زينة بدهشة متعبة:
- بجد؟
- أيوه… زي ما بقولك.
- طب… وسيم راح فين؟
- راح الشركة.
- فين الشركة دي؟
- بعيد شوية من هنا.
- عايزة أروحله.
- لأ طبعًا… مش هينفع. حضرتك تعبانة.
- بس… وسيم محتاجني.
- كده هتضرّيني في شغلي… لأنه أكد عليّ إنك لازم تاكلي وتاخدي العلاج. لو عايزة تفرّحيه… خِفّي بسرعة.
- هو راح فرع شركتنا ولا فين؟
- أيوه… في صفقة مهمة لازم يخلصها النهارده.
- صفقة إيه؟
- للأسف… ماعنديش أي تفاصيل.
خفضت زينة رأسها، وانسدل صوتها هامسًا لا يكاد يُسمع:
-كنتُ واثقة انك بتحبّني، وأنك مستحيل تإذيني أو تإذي والدي
- حضرتك قلتي حاجة؟
- معاكِ موبايل يا هند؟
- أيوه يا هانم.
- طب معلش حاولي توصّليني بوالدي محتاجاه ضروري.
_____________ بقلم أمل عبدالرازق
وقف وسيم أمام الطاولة الكبيرة في مكتبه، يتصفح الأوراق بعينين مرهقتين، لكن الإصرار كان يلمع فيهما رغم كل شيء. كان الجو مشحونًا، وكأن المكتب نفسه يترقب القرار الذي سيهز الجميع.
– جهزت الأوراق يا وحيد؟
– أيوه يا دكتور.
– أنا مش عايز ولا غلطة.
– كل حاجة جاهزة لتوقيعك.
– طيب… والناس اللي هتشترِي فين؟
– زمانهم على وصول، بس حضرتك متأكد من اللي هتعمله؟
رفع وسيم عينه إليه بثبات بارد:
– إنت إيدي اليمين يا وحيد… والمحامي بتاعي. أتمنى تركز في شغلك وبس.
– بس لما حضرتك تبيع شركات يونس للشركة المنافسة… كده هتقضي علينا كلنا.
– هو اللي عمل كده في نفسه.
تنفس وحيد بصعوبة، كأنه يقاوم الإحساس بالخطر.
– بس في ناس كتير محتاجة العلاج ده يا دكتور وسيم… ناس غلابة.
تخيّل لما ييجي ليهم مستورد بعد كده، وسعره عشر أضعاف. هيجيبوه إزاي؟
تجمّد وسيم، والضيق يعلو وجهه:
– مش ملاحظ إنك اتخطّيت حدودك؟
– وسيم… أنا قبل ما أكون محاميك، أنا صاحبك. ولازم أنصحك… وأقولّك الصح والغلط، انا معاك في كل خطوة بس بجد إحنا بنغلط مش عشان شخص تإذي مئات.
– خلاص يا سيدي، متشكر. أنا عارف أنا بعمل إيه كويس.
– بس إنت كده بتكرّه مراتك فيك… صدقني، مش هتطيق تلمحك ولا تسمع صوتك.
متضحكش على نفسك… إنت بتحبها.
والناس اللي هتتأذى بسببك… كلها هتدعي عليك.
بالرغم إن يونس ارتكب أخطاء… بس أظن إنه اتغير.
أدوية زي دي لازم تتصنع في بلدنا… وتتباع للغلابة بسعر بسيط.
تخيّل مرضى فيروس سي… العلاج يقف عليهم؟
أو دولة تحتكره وتبيعه بأضعاف؟
وبعدين إنت مش محتاج فلوسه في حاجة.
الراجل وثق فيك…
خليه هو الوحش، إنت أحسن منه يا صاحبي.
إنت ابن أصول… وعُمرك ما كنت خاين.
تردّد وحيد لحظة، ثم أكمل، كأن الكلمات خرجت من قلبه هذه المرة.
– فكر بعقلك يا وسيم… ده قرار هيغيّر مصير ناس كتير.
شدّ وسيم يده على الأوراق حتى تجعّد طرفها:
– أنا واخد قراري. والناس على وصول. بلاش أسمع الكلام ده منك تاني… وإلا هتخسرني إنت كمان.
– أنا نصحتك… وعملت اللي عليّا يا دكتور وسيم.
– متشكر… اتفضل.
لم تمضِ لحظات حتى دخل أحدهم مسرعًا.
– الناس وصلت يا فندم.
– تمام… دخلهم قاعة المؤتمرات وأنا جاي.
– حاضر.
وبينما يتحرك وسيم نحو الباب، جاء صوت وحيد منخفضًا لكنه حادًّا كطعنة:
– فكر في كلامي يا وسيم… إنت كده بتمكّنهم مننا.
– خلاص يا أستاذ وحيد… من فضلك التزم حدودك.
– والدتك… لو عرفت، مش هتسامحك ولا هترضى عنك تاني.
– ممكن يا أستاذ وحيد… تسكت وتمشي قدامي؟ كدا هنتأخر على الناس.
– أنا خايف عليك يا صاحبي… الناس دول عندهم إصرار غير طبيعي يخدوا الشركة والتركيبات… وبأيّ سعر إنت هتطلبه.
بلاش تقع في المستنقع ده يا وسيم.
– بقولك… كان السبب في موت أبويا وأختي… وفي حزني أنا وأمي، محدش حاسس بالنار اللي جوايا، بالتوكيل دا انا همحيه.
– دا قضاء وقدر.
– وهو السبب!… من فضلك يا وحيد… اقفل الموضوع ده.
– حاضر.
خرج وحيد، وبقي وسيم وحده لحظة، يحدّق في الباب وكأنه يحدّق في الماضي نفسه.
__________
من فضلك وصّليني بدكتور يونس.
– للأسف يا فندم… دكتور يونس في اجتماع دلوقتي.
– قوليله مكالمة مهمة جدًا.
– أقوله مين يا فندم؟
– قوليله زينة… بنته.
– حضرتِك زينة هانم؟
– أيوه أنا.
– أهلا بحضرتك يا فندم… ثواني وهرجع لحضرتك.
– بالله عليكِ… بسرعة.
– مش هتأخّر على حضرتك.
_______
وقف وسيم قدّام أمام الاجتماع، اهتز الهاتف في يده، وعندما رأى اسم المتصل تجمد للحظة.
ثم قال بثبات مصطنع:
– معلش هستأذن حضراتكم… جالي تليفون مهم.
– اتفضل.
خرج وسيم من القاعة، وقف في ممر هادي، وضغط على زر الرد.
– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
– وعليكم السلام يا ماما… عاملة إيه يا حبيبتي؟ في حاجه حصلت معاكِ؟ طمنيني أنتِ كويسة؟
– لأ… مش كويسة يا وسيم.
– خير يا ماما؟ فيكِ إيه؟
– صحتي كويسة… لكن زعلانة منك قوي.
– طيب يا ماما… ممكن أستأذنك نص ساعة وارجعلك؟
– ليه النص ساعة دي يا وسيم؟
– في شغل مهم لازم أخلّصه.
– شغل إيه؟
– يعني… إنتِ هتفهمي في شغلي يا ماما؟
– بعت شركات يونس ولا لسه… يا وسيم؟
– نعم!؟
– زي ما إنت سامع.
– مش فاهم قصدك يا ماما…
– عذبت بنت يونس ولا لسه… يا ابني يا اللي ربيتك وعلمتك عشان توقف مع الناس وتساعدهم؟
– …………
– إنت فاكر إنك كده بتجيب حق أبوك وأختك؟ بالعكس… إنت بتخلي أبوك زعلان منك. وبتغضب قلبي عليك. اللي حصل مع أبوك وأختك دا نصيبهم.
– إنتِ جبتي الكلام ده منين يا ماما؟
– ربنا عايز يعطيك فرصة تفوق يا وسيم.
– جبتي الكلام ده منين يا ماما؟… هي زينة كلمتك؟
بس إزاي أنا واخد منها الموبايل
– لأ… بس ربنا أراد إني أعرف. عشان ألحق ابني قبل ما يضيع.
قاعد تخطط كل السنين دي عشان إيه؟
– ماما… أنا مشغول دلوقتي.
– بس أنا مش هسيب بلدي يا وسيم.
– مش فاهم.
– مش فاهم!؟ هي مش دي خططك يا ابني؟
مش عايز تسرق فلوس الراجل وتخون ثقته… وتسفرني ليك… وتهرب بالفلوس بعيد؟
هو ده الانتقام اللي هيريّحك؟
كنت عايز تسفرني وأعيش معاك في بلاد غريبة بفلوس حرام!؟
لو هو وحش… ليه تبقى وحش زيه؟
وبنته ذنبها إيه؟
ذنبها إنها وثقت فيك… وحبتك.
– ماما… إنتِ فتحتي مذكّراتي؟
– ده اللي فارق معاك؟
عمومًا فتحتها، وقعت قدّامي غصب عني وأنا بروّق أوضتك.
– مش أنا قايلّك متدخليش أوضتي يا ماما؟!
– هو ده اللي يهمّك؟
مش فارق معاك الناس اللي هتضيع بسببك؟
الشيطان ضاحك عليك… والسكينة سرقاك.
ومش هتفوق إلا لما تضيع نفسك… وتخسر كل اللي بتحبهم.
إنت بتعمل إيه عندك يا وسيم؟
بتخون الأمانة… بتبيع أملاك غيرك… وتقول انتقام؟
انتقام من إيه ومن مين يا ابن بطني؟
الراجل ده وثق فيك… فاهم يعني إيه وثق فيك؟
إنت كده بتسرق.
دينك علمك كده؟
أنا علمتك كده؟
يا خسارة تربيتي فيك… يا ألف خسارة.
– ماما…
– انا مش أمك من اللحظة دي… أنا ابني مات.
أنا خلاص… ماليش حد.
جوزي مات شريف… وبنتي سبقتني على الجنة…
لكن ابني… أنا بريئة منه ومن تصرفاته.
كنت فاكرة إني جايبة للدنيا دكتور يرفع راسي…
ويساعد الغلابة… ويتكتب اسمه في الخير.
لكن للأسف يا وسيم… كنت غلطانة.
انت خسرتني… وللأبد.
اعتبر أمك ماتت.
خليك عندك… ومترجعش.
وابعت البنت الغلبانة لأبوها… مالهاش ذنب في انتقامك.
صمت وسيم… وانخفض رأسه دون أن يجيب.
– ولعلمك يا وسيم… يونس عارف إنك ابن عماد الحسيني.
وهو اللي مشغلك عنده بمزاجه.
– عارف إزاي…؟
– الراجل جالي بعد سفرك.
اعتذر… وانا قبلت اعتذاره.
وقالي إنه ماكنش يعرف الفلوس كانت لعلاج بنته.
وكان طبيعي يشك إن أبوك هو اللي سرقه…
الشنطة كان فيها فلوس كتير وورق مهم.
لكن لما عرف الحقيقة… اعتذر لأبوك… ودخلوا المستشفى.
وقالي لما رجعت أشوفه… لقيته مات.
ومن يومها… عمل مستشفى الحسيني صدقة جارية على روحه.
ودور علينا… لاقانا نقلنا
ولما إنت قدمت في الشركة… وشاف الـCV…
قرر يساعدك.
زود مرتبك… وقربك منه
ولما جيت تخطب بنته… وافق.
لأنه شافك شاب طموح ومؤدب… وابن أصول.
هو قالي بلاش افتح في القديم وفي الآخر… أنا عرفتك كل حاجة
وبرحتك بقى… كمل وسرقه يا وسيم.
– …………
– ساكت ليه؟
أبوك علمك كده؟
انا ربيتك على كدا؟
العلاج دا للغلابة اللي زينا…
ليه تمنعهم منه، يبقى دكاترة مصريين سهرانين الليالي مذاكرة وشغل عشان يعملوا أدوية فعالع للمرضى تهون عليهم التعب وأنت واحد منهم، تاخده كدا بكل بساطة وتبيع الملفات والشركة
تخيل كام واحد بيتألم… وهيدعي على اللي كان السبب.
اللي هو انت
– …………
– وقف اللي بتعمله… وارجع قبل فوات الأوان.
– سامحيني يا ماما… بس فعلًا… ابنِك اللي تعرفيه… مـات.
– لأ… ده كدب.
انت بتضحك على نفسك.
ابني لسه جواه خير…
وهيرجع لرشده..
– بعد إذنك يا ماما… عندي ميعاد… واتأخرت عليه.
– حتى وحيد صاحبك هتخسره.
وزينة هتخسرها.
وأنا خسرتني.
يا بخت من قدر وعفا يا وسيم…
ده قضاء وقدر… وإحنا مؤمنين.
– بعد إذنك يا ماما… لازم أقفل دلوقتي.
– وسيم…!
– ……
– الووو… يا وسيم؟!
– ……
سقط الهاتف، وانكسرت روحها:
– ربنا يرجّعك ليا بالسلامة يا ضنايا…
ربنا يهديك… وينصرك على الشيطان…
اللهم إني استودعتك ابني… فأنت لا تضيع عندك الودائع.
______للكاتبة أمل عبدالرازق______
_ بابا…
_ عاملة إيه يا عيوني، مال صوتك؟
_ الحمد لله بخير يا بابا، طمني عليك.
_ كده يا زينة؟ تقفّلي موبايلِك ومعرفش عنك حاجة؟
_ معلش يا بابا… فصل شحن.
_ ووسيم كمان موبايله فصل شحن؟
_ بابا… عايزة أكلمك في موضوع مهم.
_ خير يا حبيبتي؟
_ صفقة إيه اللي وسيم جاي عشانها؟
_ في شركة عايزة تستورد مننا أدوية.
_ شركة إيه دي؟ وهل إنت متأكد من الكلام ده؟
_ أيوه… ووسيم هو اللي هيتعامل معاهم.
_ إنت فعلًا عامل لوسيم توكيل؟
_ أيوه يا بنتي.
_ هو انت تعرف والد وسيم يا بابا؟
…………
_ لا أرجوك متسكتش ورد عليا.
_ بتسألي ليه يا زينة؟
_ كان سواق عندك… صح؟
_ عرفتي منين؟
_ مـات بسببك؟
_ لأ طبعًا يا بنتي… مافيش الكلام ده.
كان حصل سوء تفاهم… والحمد لله الحقيقة اتعرفت.
دخلته المستشفى، لكن خرج قبل ما أشوفه واطلب منه يسامحني.
وللأسف… عمل حادثة واتوفّى.
وأنا رُحت لوالدته… وقلتلها كل حاجة.
وقالتلي ما اتكلمش لا مع وسيم ولا معاكِ في الموضوع.
_ أنا خايفة على وسيم يا بابا…
_ ليه يا زينة؟ حصل إيه؟
قصّت زينة على والدها كل ما حدث بينها وبين وسيم.
_ يعني وسيم متجوزك عشان ينتقم مني… لأنه فاكر إني السبب في وفاة أبوه وأخته؟
_ أيوه.
_ هيعمل إيه بالتوكيل اللي أنا عامله ليه؟
واضح إنه هيبيع شركات الأدوية.
_ هيبيعها لمين؟
_ مش عارفة… بس وانت ووسيم في خطر يا بابا.
_ خطر إيه يا زينة؟
جوزك في مصيبة!
وسيم بيتعامل مع سفاحين…
الناس دول عرضوا عليّا من سنين إني أبيع لهم العلاج ده… بس أنا رفضت.
وسيم جنبِك؟
_ لأ… راح الشركة.
_ أنا جايلكم يا بنتي…
وخلي بالك من نفسك كويس.
ويا رب ألحق وسيم قبل ما يضيعنا كلنا…
______________
_ شريف…
_ نعم يا يونس بيه؟
_ تعالَ مكتبي حالًا.
_ حاضر ثواني وهكون عند حضرتك
بعد دقائق…
_ يونس بيه، في واحدة عايزة تقابل حضرتك برّه.
_ أنا مش عايز أقابل حد دلوقتي يا كرم.
_ بتقول عايزاك ضروري.
_ مقالتش هي مين؟
_ مدام سمية… والدة الدكتور وسيم.
_ طب دخّلها حالًا.
_ السلام عليكم.
_ وعليكم السلام… اتفضّلي يا مدام سمية.
_ أنا ابني في خطر… ولازم حضرتك تتصرف وتلحقه.
_ زينة كلّمتني وعرفتني كل حاجة… بس إنتِ عرفتي منين؟
_ وحيد صاحبه كلّمني… وقالّي أدخل أوضته وأدوّر على مذكّراته… وفهّمني كل حاجة.
_ فيه الخير… المهم اطمني.
أنا هسافر ليهم دلوقتي.
_ بالله عليك… خدني معاك.
_ الموضوع مش سهل يا مدام سمية… ومش هينفع.
_ أرجوك سيبني ألحق ابني الوحيد…
ابني هيضيع وأنا قاعدة هنا… خدني معاك أبوس إيدك.
_ طيب… اهدي. حاضر… هاخِدِك معايا.
_ تعالى المكتب يا كرم.
نعم يا فندم؟
_ خد مدام سمية… وخلّص لها كل إجراءات السفر لإيطاليا حالًا.
_ حاضر.
_ اتفضّلي معاه.
_______
كانَ الاضطراب يخيّم على مكتب يونس، وكأن الهواء نفسه يترقب ما سيقع. وقف الرجل خلف مكتبه، يضغط بيده على سطحه بعصبية واضحة، حين طرق شريف الباب ودخل بخطوات حذرة.
يونس بحدة مكبوتة:
– ادخل.
شريف بارتباك:
– حضرتك عايزني؟
كان يونس يحاول السيطرة على انفعاله، لكن صوته خرج مشدودًا.
– اتصرف يا شريف وإلغِي التوكيل بتاع وسيم.
_ شريف بتردد وخوف:
– بس يا فندم…
ارتفع صوت يونس فجأة، كالسهم المنطلق دون تفكير.
– بقولك اتصرف وإلغيه ودلوقتي حالا!
شريف محاولًا التماسك:
– صعب يا فندم… دا النهارده عنده صفقة الأدوية
اقترب يونس خطوة من المكتب، وقد احمرّ وجهه من الغضب المكبوت:
– صعب إيه! أنا بقولك عايز ألغي التوكيل اللي أنا عامله ليه.
شريف بخوفٍ واضح:
– بس…
قطع يونس الكلام بعاصفة غضب حقيقية هذه المرة.
– اتصرف يا شريف… وحاااالا، وإلّا كلنا هنضيع!
تراجع شريف خطوة، وقد أدرك أن الأمر تجاوز حدود النقاش.
شريف مستسلمًا:
– حاضر يا فندم… بس بالله عليك اهدى عشان صحتك.
________ بقلم أمل عبدالرازق
وسيم بثباتٍ مفاجئ:
– أنا مش هبيع.
– دا اللي هو إزاي؟
وسيم بنبرة قاطعة لا تحتمل نقاشًا:
– بقولك بلّغهم إني مش هبيع.
الرجل بعصبية تحاول الضغط عليه:
– بس إحنا بينا اتفاق!
قال وسيم بإصرارٍ أكبر:
– وأنا مش مكمل في الصفقة دي.
قال الرجل الثاني بنبرة تهديد واضحة:
– بس يا دكتور وسيم انت كدا…
وسيم مقاطعًا بحدة:
– بقولك مش مكمل.
ساد صمتٌ قصير قبل أن يتحوّل لتهديد صريح.
– يبقى إنت كدا فتحت نار جهنم عليك.
– أنا فعلًا لو كملت… نار جهنم هتتفتح عليّا.
كان وحيد يقف عند الباب، يراقب ما يحدث وقلبه يشتعل قلقًا على صديقه.
– كنت واثق فيك يا صاحبي…
وسيم وهو يلتفت إليه بعينين مثقلتين بالندم:
– أنا كنت معمي بسبب تفكيري في الانتقام يا وحيد… إنت وأمي وزينة فتحتوا عيني. أمي اللي وجعت قلبها… ومراتي اللي سايبها في البيت تعبانة بسببي.
– الحمد لله إنك فوقت قبل فوات الأوان يا وسيم.
لم يمنحهم الرجلان فرصة لالتقاط الأنفاس.
أحد الرجلين بلهجة آمرة:
– دكتور وسيم… امضي وخد الفلوس وارتاح. وبلاش تكسب عدواتنا.
وسيم بجرأة لم يعتادوها منه:
– إنت مبتهمش… بقولك مش بايع.
تبادل الرجلان نظرة قصيرة قبل أن يطلق أحدهما تهديده الأخير.
– استقبل بقى اللي هيحصلك.
وسيم وهو يشير إلى الباب دون خوف:
– اللي عندكم اعملوه… ويلا برا مكتبي.
________ استغفروا.
_ ايوه يا باشا
_ نفذ خطه رقم ٢
_ انت متأكد من كلامك دي فيها خطر
_ بقولك نفذ وحالًا
_ انا اصلا على وضع الاستعداد
_ ثواني وهتسمع خبرها
_______
عاد وسيم سعيدا إلى البيت، وهو مستعدًا ليبدأ حياةً جديدة مع زوجته وشريكة دربه:
- زينة
لم تجبه والصمت يعم المكان
_ زينه انتِ فين؟
_ .......
- إيه دا في صوت مين بيسنجد
زينه انتِ سمعاني..
وسيم بصدمه: ايه دا مين اللي عامل فيكِ كدا
_ آآآآآه يا راسي..
_ زينه فين
قالت الخادمة بخوف:
_ مم مدام زز زينه اتخطفت هي وهند
وسيم بصدمة:
- نعم!!! انتِ بتقولي إيه؟؟
•تابع الفصل التالي "رواية ضحية الإنتقام " اضغط على اسم الرواية