رواية زواج اشتراكي الفصل التاسع 9 - بقلم هيام عمر

 رواية زواج اشتراكي الفصل التاسع 9 - بقلم هيام عمر

الفصل التاسع:
في الغد، غادر عزيز للعمل بينما اتّصلت منى بصديقتها أحلام لتطلب منها القدوم للدّراسة معا. أتت أحلام بعدما أتمّت صديقتها ترتيب المنزل فأعدّا قهوة وجلسا للطّاولة وقد نشرا عليها أوراقهم كالعادة بينما فعلا كلّ شيء ما عدا الدّراسة.
جلست الفتاتان تترشّفان القهوة وتتحدّثان عن حياتهما وما تواجهان من مصاعب الى أن انتقل الحديث رويدا رويدا الى زواج منى وتحدّياته وصولا الى عزيز.
_" انّه شخص رائع حقّا، نتفاهم جيّدا رغم شجارنا المتكرّر، كما أنّه دائما ما يهتمّ الى أبسط تفاصيلي ويبحث عن راحتي، لكن..."
_" لكن ماذا؟ لم تحاولين إخفاء مشاعرك؟"
أجابت منى بغيظ:
_" لكنّه ليس اختياري، نحن فقط عالقان معا في هذا الزّواج الاجباري والذي أصلا يصبّ في مصلحتي دونا عن مصلحته."
_" لا تكذبي على نفسك، من يضحّي بنفسه ومستقبله من أجل شخص آخر دون مقابل؟ ان كان لوالدك سبب فلعزيز أيضا سببه في هذا الزّواج."
كانت أحلام بقولها تحاول الإشارة الى صديقتها، كما هو ظاهر، أنّ عزيز لا بدّ أن يكون مغرما بها ليقبل بهذه الزّيجة غير أنّ صديقتها قالت بغضب غير مفهوم:
_" أتقصدين أنّ عزيز يستغلّني من أجل مصالحه الشخصية؟ لم تقولين شيئا كهذا؟ انّه ليس بالشّخص السيّء."
ضربت أحلام رأسها بكفّ يدها مجيبة صديقتها:
_" ان كان فهمك هكذا في الدّروس أيضا فلن نصل الى أيّ شيء من مراجعتنا هذه."
كانتا لا تزالان تتحدّثان حينما عاد عزيز الى المنزل.
استقبلته منى في الباب بابتسامة ثمّ قالت:
_" أعجبني درس الأمس ولذلك فقد وصّيت بك لرفيقتي، والآن بات لديك طالبتان عوضا عن واحدة."
نظر اليها الشاب في صدمة بينما سألت هي بجديّة:
_" ماذا؟ ألن تشكرني؟"
خرجت أحلام في تلك الأثناء من الغرفة ملقية عليه التّحية.
مرّت الأيّام سريعا بين التّحضير للامتحانات وقضاء بعض الوقت مع والدها للاطمئنان عليه.
كان الزّوجان جالسان على الشّرفة يترشّفان كوبي الشّاي المعتادين في اللّيلة التي سبقت أولى امتحاناتها، حين صرّحت منى بنبرة مكسورة:
_" أتمنّى أن أحسن الحلّ في امتحاناتي لعلّ نتيجتي تزيح عن أبي ولو القليل من آلامه."
ربّت عزيز على كتفيها مطمئنا:
_" ستفعلين، لا تقلقي، أنت ذكيّة وتحتاجين فقط للثّقة بنفسك."
نظرت الى عينيه العسليّتين طويلا مبتسمة في امتنان، بينما أضاف هو مازحا:
_" لا تجرئين على الخطأ أصلا، لأنّني لن أغفر لك هدرك أيّام المعاناة في تدريسك دون نتيجة ترضيك."
صباحا، أوصلها الى الجامعة ثمّ توجّه الى عمله. كان عزيز لا يزال في الطّريق حين أتاه اتّصال من والده يخبره أنّ حال السيّد أحمد قد تدهور وهو في المشفى الآن.
غيّر عزيز وجهته سريعا ليقابل كلّ من والديه والسيّدة ليلى في قاعة الانتظار، سأل سريعا عن حاله فلم يجد جوابا غير انفجار تلك المرأة الصّامدة ليلى بالبكاء.
لم يعرف الشّاب بم عليه التّفكير، أيقلق على المريض الذي يواجه شبح الموت أم يقلق بشأن ابنته التي تمرّ بأهمّ فترات حياتها آملة أن تدخل السّعادة على قلب والدها المريض ختاما لعملها الشّاق.
انتظر لمدّة مع العائلة ثمّ عاد الى الجامعة لأخذها بعد انتهاء فترة الامتحان.
_" أستطيع العودة بمفردي لم عدت من أجلي؟"
قالت الفتاة باسمة بينما تلج السيّارة ثمّ أضافت:
_" أم أنت متشوّق لمعرفة أدائي في اليوم الأوّل؟"
فسألها:
_" كيف كان امتحانك اليوم؟"
_" كان رائعا، لم أتخيّل أن يمرّ هكذا، أنا سعيدة للغاية."
أجابت الفتاة بينما تلألأت عيناها سعادة فصمت عزيز غير ناو على تعكير تلك اللّحظة من الغبطة.
لكنّها سرعان ما لاحظت اختلاف وجهتهما عن المنزل فاستفسرت عن المكان الذي يقصدانه ليجيب باقتضاب:
_" سنزور والدك في المشفى."
خفق قلب الفتاة بقوّة خوفا على أبيها وسألت بإصرار:
_" ما به أبي؟ لم عاد الى المشفى؟ ألم يقل الطّبيب أنّ حالته لا تتطلّب البقاء هناك."
هزّ كتفه دون جواب مدّعيا الجهل خوفا على قلبها ممّا ينتظره.
في المشفى، كانت رائحة المعقمات تملأ الأجواء، لكنّ منى للمرّة الأولى لم تنزعج من تلك الرّوائح حيث كانت كلّ حواسّها مشغولة بالتّفكير بحال والدها وخوفها من أن تهزم هواجسها أملها.
في تلك اللحظة، قررت منى أنها لن تسمح للخوف أن يتسلل إلى قلبها، ستعيش كل لحظة متبقّية معه، وستجعله يسعد ويبتسم، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة الألم الذي تتهرّب منه والاستعداد للوداع.
لقد وعدت نفسها أن تكون قوية، ليس فقط من أجلها بل من أجل والدها أيضا.
عندما دخلت الغرفة، لم تستطع أن تحدد ما إذا كانت الابتسامة أم هو الفزع من استقبلاها من وجه والدها الشاحب، خافت وهي ترى التعب واضحاً عليه.
جلست بجانبه، ممسكة بيده التي أصبحت هزيلة على نحو ملحوظ، وشعرت بالحرارة السّارية في عروقه تربّت على قلبها.
قبّلت يداه ثمّ قالت بصوت حاولت ألّا يظهر ما يعتصر قلبها من حزن:
_" سلامتك حبيبي، جعلتنا نقلق عليك، وانظر ما شاء اللّه أنت بصحّة جيّدة."
ابتسم والدها ابتسامة واهية مدركا أنّها تحاول مواساته ثمّ سألها بقلق:
_" ماذا فعلت اليوم؟ كيف كان امتحانك؟"
قلقه عليها وهو في تلك الحالة زاد من ألمها وأحسّت بخنقة في حلقها لم تستطع بعدها كبح دموعها.
وقفت من فورها موجّهة اليه بظهرها تتظاهر بسكب كأس من الماء بجانبه لتشربه بينما تريح عينيها من مكبوتاتها، لكنّها سرعان ما أدارت وجهها تجاهه مجددًا، مجيبة في حماسها المعتاد كلّما حدّثته عن إنجازاتها:
_" لقد كان رائعا، رغم أنّ الأسئلة لم تكن سهلة لكنّني كنت قد راجعتها بمساعدة عزيز في اللّيلة السّابقة وقد تذكّرت كلّ الإجابات في الامتحان."
ارتسمت على ملامح والدها ابتسامة فخر وقال بصوت متعب:
_" هذه هي ابنتي الذكيّة، أنا دائما فخور بك يا منى وسأظلّ كذلك على الدّوام."
ثمّ مدّ يده ليجلب ورقة كانت مخبّئة بجانبه، مدّها اليها ثمّ أضاف بصوت تملّكه الحزن:
_" لا أعلم كم من الوقت سأصبر، حكم الله آت في ميعاده، لذلك أودّ أن أترك لك وصيّة تسمعين من خلالها صوت والدك النّاصح حين لا يكون موجودا."
ترقرقت دمعة على خدّيه فمسحها متظاهرا بالصّلابة وأكمل:
_" هذه الورقة خبّئيها لتقرئيها بعد رحيلي، لكن الآن أودّ أن أوصيك بأشياء أخرى."
قاطعته منى باكية:
_" لا تقل هكذا يا أبي، ستتعافى ان شاء الله و..."
قاطعها هو هذه المرّة في إصرار:
_" الأمل في الله جميل يا ابنتي، لكن ليس الاعتراض على حكمه، لذلك اسمعيني حتّى لا تندمي على مقاطعتي بعدها.
أوصيك يا جميلتي ألّا تحزني لفراقي، انّا للّه وانّا جميعا اليه راجعون، سأكون سعيدا حيث أذهب برؤيتي لك وأنت تواصلين حياتك بسعادة وتواصلين تألّقك ونجاحك فأنا طمّاع أريد لابنتي أن تكون الأفضل والأسعد."
كان صوته متعبا يقطعه ارتجافه فحمل كأس الماء يبلّ به ريقه ثمّ واصل:
_" يمكنك فعل ما تريدين بزواجك بعد التّخرج أنا أثق بصواب اختيارك، أريدك فقط أن تسمعي لقلبك عندما تقرّري ذلك فلربّما لا يزال متعلّقا بحبّ طفولته."
كانت تريد أن تسأله عن تلك المسألة وسبب اخفائه لها، لكنّها كانت تفضّل، بدلا عن ذلك، سماع كلّ ما يريد هو أن يخبرها به قبل أن يحول الفراق بينها وبين صوته.
أكمل الأب معدّدا وصاياه على ابنته وكذا فعل مع كلّ من زوجته ليلى وصديقه وزوج ابنته.
مرّت أيّام الامتحانات صعبة، طويلة على منى تذاكر ليلا وتمتحن صباحا بينما تقضّي غالب يومها رفقة والدها في المشفى، لم يكن أحد يستطيع أن يمنعها حتّى والدها الذي كان يخاف عليها من تحسّرها على ذلك الوقت رفقته.
حان موعد تخرّجها فسعدت الفتاة بعد مدّة وأصرّ والدها رغم حالته على مرافقتها.
جلس كلّ من والدها ووالدتها وعزيز في الصفوف الأولى، كانت والدتها تمسح عبرات الفخر عن خدّيها بمنديلها الأبيض بينما حاول والدها جاهدًا أن يخفي ألم جسده بابتسامةٍ عريضة تضيء وجهه المتعب.
حين نادوا اسمها، نهض أحمد واقفًا رغم تحذيرات الأطباء عدم إجهاده لنفسه، وصفّق بكلّ ما تبقّى له من قوّة.
التفتت إليه منى من على المنصّة، عيناها تسبحان بالدموع، وأومأت له بابتسامةٍ خجولةٍ ممتنّة. حملت شهادتها وعادت إليهم فاستقبلها عزيز بباقة من زهور التّوليب المفضّلة لديها وقال مهنّئا: _" هنيئا لك زوجتي المصونة، أنا فخور بك."
قدّم لها الباقة ثمّ ربّت على رأسها بشيء من الحنّية بينما عيني والدها ترافقهما باطمئنان.
غمر بيت أحمد ذلك اليوم بالسّعادة وأصوات الضّحك والزّغاريد وتجمّعت العائلة الكبيرة لتناول العشاء معا احتفالا بتخرّج عزيزتهم منى. الّا أنّ القدر كان يخفي في ذلك التّجمّع وداعا قريبا

•تابع الفصل التالي "رواية زواج اشتراكي" اضغط على اسم الرواية

تعليقات