رواية على حافة الحب الفصل التاسع 9 - بقلم نوري
من ساعة ما سمعت الخبر وأنا قاعدة في الأوضة مبخرجش منها، لا عايزة أكل ولا أتكلم، حتى الدموع اللي مكنتش بتفارقني اختفت، مروحتش معاهم المستشفى ولا حضرت دفنته ولا خدت عزاه، مش قادرة أستوعب إن اللي كنت طول الوقت بدعي ياخد جزاءه خلاص مات، مات قبل ما أواجهه، قبل ما يسمع مني كلمة ليه، قبل ما أحس إن حقي رجعلي فعلاً، كنت فاكرة إن لما أقوله اللي جوايا هرتاح، بس دلوقتي وأنا سامعة خبر موته، حاسة إن في حاجة اتسرقت مني، كأن النهاية دي مش بتاعتي، ضميت ركبي لصدري وبصيت في الفراغ، دخل سيف بهدوء، مكنش بيقول حاجة، قعد جمبي من غير كلام، وبعد مُدة من السكون، اتكلمت وانا لسة باصة للفراغ
_ مات يا سيف، مات قبل ما اخد حقي منه
بصلي لكنه فضل ساكت
_ انا كنت ناوية اواجهه المرة دي، كنت ناوية احاسبه على كل اللي عمله فيا
* وتفتكري كان حقك هييجي منه، ازاي كنتي مستنية منه الندم والاسف، لو كان ندم ولو مرة واحدة بس في حياته على اللي بيعمله معاكي مكنتيش وصلتي لكدة
سكت عشان كلامه صح، فعلا حقي مكنش هييجي منه، الظاهر اني كنت عايزة اواجهه عشان اطلع اللي جوايا، مش عشان اخد حقي منه
* ليلى، تأكدي إن حقك هييجي لأنه عند ربنا، إن ربنا سامحه في حاجات كتير مستحيل يسامحه في حقك، والدنيا مش دار جزاء، ربنا سبحانه وتعالى بيقول في كتابه الكريم
{ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ }
* حقك مجاليش منه في الدنيا، لكن قدامه يوم يقام فيه القسط بمثاقيل الذر حتى بين الحيوانات زي ما قال الرسول صل الله عليه وسلم
( لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء )
* ف اوعي تفتكري أنه نفد وان كل وجع انتي عيشتيه بسببه مش هيتحاسب عليه
_ كان نفسي اشوف في عيونه حسرته على الجاه والمال اللي دفعت تمنهم دم، كان نفسي يشوفني وانا مبسوطة واوريه اني خفيت وهعيش سعيدة بعيد عنه، انا كنت عايزة اقهره زي ما قهرني طول عمري
كان بيبصلي وهو مصدوم، كأني واحدة تانية قدامه ميعرفهاش، اتفاجئ من كلامي ونبرة الانتقام اللي طالعة مني
* ليلى، انتي بتدوري على العدل مش الانتقام، الفرق كبير، العدل يريح القلب، لكن الانتقام هيشعل نار جواكي عمرها ما تهدى
_ بس أنا تعبت، هو كان السبب في كل حاجة، في خوفي، في وجعي، في كل حاجة وحشة حصلتلي
* عارف يا حبيبي، عارف، بس كل ده مش هيروح هدر، حقك عند ربنا وهيحاسبه عليه، بس انتي بقى، دورك إنك تختاري، هتكملي حياتك أسيرة الغضب، ولا هتحرري نفسك منه وتعيشي
فضلت ساكتة، كلامه دخل جوايا زي السهم، وجوايا صراع ما بين القلب اللي لسه بينزف والعقل اللي بيحاول يصدق إن كل الوجع خلاص انتهى
_ سيبني لوحدي يا سيف، ارجوك
فضل باصصلي وبعدين خرج بكل هدوء، حطيت راسي بين ايديا وعيطت، جوا دماغي افكار ودوشة كتيرة تاعباني اكتر من اللي انا فيه، حطيت دماغي على المخدة وغمضت عيني، يمكن اهدى، يمكن الدوشة تخف .. يمكن كل دة ينتهي
خرجت من اوضتها وكلامها بيتردد في دماغي، مش قادر استوعب أنها وصلت للمرحلة دي، ازاي مخدتش بالي منها طول الوقت اللي فات، ازاي نفذت رغبتها في أنها متروحش لدكتور، كلمتها في الموضوع دة كتير وكل مرة كان يتقفل بيننا بعصبية منها، دخلت البلكونة وطلعت سيجارة، في العادة مبدخنش لكن دماغي مش قادرة تهدى، كنت فاكرها بتتعافى، كنت بقول لنفسي إن الوقت كفيل يطبطب على الوجع، وإن وجودي جنبها كفاية طالما دي رغبتها، بس الحقيقة إني مفهمتش، مشوفتش اللي ورا الصمت ده،
كانت بتتوجع في سكوت، وأنا كنت بحاول أخرجها منه بالعافية، مكنتش عارف إن اللي جواها مش مجرد حزن، ده وجع متراكم، وغلطة أبوها محفورة فيها أعمق من أي جرح
من يوم الخبر وأنا بحاول أتكلم معاها، أضحكها، أرجعها للحياة، بس مكنتش عارف إنها شايلة جواها رغبة في الانتقام، كنت فاكرها بتتهرب من الذكرى، مش رايحة تواجهها
قلت لنفسي: إزاي سبتها توصل لكده؟ إزاي كنت قريب بالشكل ده، وبرضو بعيد للدرجة دي؟
قررت اني مسيبهاش تاني، هفضل وراها لحد ما تروح لدكتور وتبقى كويسة، خصوصاً بعد الكوابيس اللي زادت معاها وبقت تقوم كل يوم بليل مفزوعة، مبقتش اروح الشقة التانية وبقيت ابات في الأوضة اللي جمبها عشان متبقاش لوحدها
تاني يوم روحت المصنع وطلبت من مالك يجيلي بعد ما يخلص مدرسته، جت في بالي اطمن عليها ف كلمتها
_ الو
* اية يا حبيبي
_ ايوا يا سيف
* عاملة اية طمنيني عليكي
_ الحمد لله
* بتعملي اية قوليلي
_ ولا حاجة، طنط نادية دخلت ترتاح شوية وانا قاعدة قدام التلفزيون
* طب عاملين لينا اكل اية النهاردة
_ طنط هتعمل سمك
* طب وحبيبي هيعمل اية
ضحكت_ هعمل السلطة
* ومالو حلو برضو
_ هتيجي امتى
* هخلص حاجة كدة واجي على طول إن شاء الله، عايزة حاجة وانا جاي
_ عايزاك تجيلي بالسلامة
* من عيوني الاتنين
_ يسلمولي يا حبيبي
الباب خبط ودخل مالك، ابتسمتله وشاورتله يقعد على الكرسي
* طب هكلمك تاني، سلام
دي ليلى
* ايوا يا سيدي
ابقى سلملي عليها عقبال ما اكلمها
* يوصل، اخبارك اية
الحمد لله بخير
* طمني على طنط وسلمى
الحمد لله، كنت فاكر أنهم هيتأثروا بموته، لكن اتضح إن حبه اللي كان في قلوبهم راح من بعد اللي عمله في ليلى، المهم، كنت عايزني في اية
طلعت ورق من الدرج وحطيته قدامي
* عايزك تبدأ معايا في المصنع
أنا؟ أشتغل في المصنع؟
* أيوه، ليه مستغرب كده؟
أصل أنا لسه في ثانوي يا سيف
* عارف، ومش طالب منك تمسك مسؤولية كبيرة، بس عايزك تبقى قريب من الشغل، تتعلم، وتشوف بعينك الدنيا ماشية إزاي
ليه أنا بالذات؟
* لأنك مختلف، وعارف يعني إيه تعب، ويعني إيه حلم، واللي زيك لازم يتبني من بدري
بس انت مش كنت قافل الموضوع ده بعد اللي حصل مع بابا؟
* كنت قافله عشان آخد حق ليلى، وده خلاص حصل، لكن دلوقتي عايز أبدأ صفحة جديدة، وعايزك تكون جزء منها
طب وليلى هتعرف؟
* الكل هيعرف، ويمكن دي حاجة تحسن نفسيتها شوية
سكت، وفضل يبص للورق شوية، بعدين رفع عينه وقال بهدوء
ماشي يا سيف، هجرب، بس أوعدني إنك هتفضل معايا خطوة بخطوة
* أوعدك، ومش بس كده، أنا واثق إنك هتكون أحسن من أي حد اشتغل في المكان ده قبلك، بعد ما تخلص ثانوي هنبقى نكتب العقد، اتفقنا؟
اتفقنا
* عايزك تهتم بدراستك السنة دي، لو جيبت مجموع وحش هنفخك
عيب عليك، من الأوائل إن شاء الله
* إن شاء الله يا حبيبي
رجعت البيت بعد مقابلتي مع مالك، دورت عليها لقيتها قاعدة في البلكونة وفي ايديها كوباية شاي، عينيها على الشارع و وشها هادي لكن جواها الف سؤال، قربت منها وحضنتها ف اتخضت بطريقة مبالغ فيها
* اهدي يا حبيبي دة انا
_ اية يا سيف حد يعمل كدة
* انا اسف، مكنتش فاكر انك هتتخضي اوي كدة، تعالي اقعدي طيب
قعدتها على الكرسي وقعدت قدامها، كنت عارف إن اللي حصل دة من أثر وتراكمات اللي فات، لكن محبتش الفت نظرها لكدة عشان متضايقش
* في حاجة عايز أقولها لك
_ اية
* رجعت الشراكة في المصنع
رفعت عينيها بسرعة وهي مش مصدقة اللي سمعته
_ شراكة؟ مع مين؟
* مع مالك
سكتت لحظة وبصتلي بأندهاش
_ مالك؟! بعد اللي حصل بينك وبين ابويا
* أيوه، عارف إنك مستغربة، بس اسمعيني
_ لأ، انا مش بس مستغربة انا كمان مش فاهمة، يعني أنت فضيت الشراكة عشان تاخدلي حقي، وكلنا قولنا إن دة حقك ومالك، تقوم بعدها ترجعها تاني؟ بتفكر في اية؟
* ليلى، الشراكة اللي كانت بيننا وبين أبوكي كانت ظلم، بس الشراكة الجديدة دي عدل، المرة دي مش فيها طمع ولا شروط، مالك يستحق فرصة، والمصنع ليه حق يرجع له اسمه وشكله الحقيقي
_ بس يا سيف، أنت مش كنت بتقول إنك مش هترجع خطوة لورا؟
* مش برجع، أنا بكمل لقدام، كنت بحارب عشانك، ودلوقتي بحاول أبني من جديد ليكي وليه
سكتت لحظة وملامحها بدأت تلين
_ يعني أنت عملت كده عشانا؟
ابتسمت وانا بهز راسي
* عشانكم كلكم، وعشان نبدأ صفحة جديدة بجد
ضحكت بخفة وهي بتبصلي نظرة كلها امتنان، وبعدين قالت بصوت واطي
_ ساعات بحس إن ربنا بعتك تعوضني عن كل اللي فات، حتى لما بزعلك أو مش بفهم قصدك، بكتشف إنك كنت بتفكر لقدام
قربت منها ومديت إيدي المس شعرها بلُطف
* أنا مش بفكر غير فيكي طول الوقت
_ طب ومالك؟ قالك إية لما عرف؟
* استغرب في الأول زيك بالظبط، بس لما فهم إن قصدي خير، وشاف إن الشراكة الجديدة هتكون باسمه، فرح و وافق
_ هو فعلاً كان نفسه يشتغل معاك اوي
* عارف، وعلشان كده لازم ياخد فرصته، ويبني مستقبله بنفسه
سكتت لحظة وبصتلي
_ عارف؟ يمكن فعلاً اللي كنت محتاجاه مش انتقام، كنت محتاجة أمان .. وانا لقيته فيك، سيف، انا فكرت في كلامك، و موافقة اروح لدكتور
مكنتش مصدق اللي سمعته، فضلت أبصلها لحظات مش قادر أنطق، الكلام خرج منها ببساطة، بس وقعُه عليا كان تقيل ومليان وجع وراحة في نفس الوقت، قربت منها وأنا لسه مش مستوعب
* انتي بجد قولتي كده؟
ابتسمت بخفة، والدموع لمعت في عينيها
_ قولت، وتعبت من الهروب، مش عايزة أفضل أسيرة اللي عمله فيا، ولا أخلي خوفه يعيش جوايا أكتر من كده
مسكت إيديها بهدوء وقلت بصوت واطي
* فخور بيكي، أكتر مما تتخيلي
_ متخيلتش اليوم اللي هقدر أقول فيه الكلمة دي، كنت فاكرة هفضل كارهة الدكتور، وكارهة فكرة العلاج، بس يمكن خلاص، قلبي ابتدى يصدق إن في أمل
بصيت في عينيها اللي مليانة خوف وأمل في نفس اللحظة
* هكون معاكي في كل خطوة، مش هسيبك تواجهي حاجة لوحدك تاني، لا دكتور ولا جلسة ولا حتى لحظة ضعف
_ بس أوعدني متبصليش كأني ضعيفة
هزيت راسي بابتسامة تطمنها
* انتي أقوى واحدة عرفتها في حياتي، ومفيش حاجة هتغير ده
مدت إيديها بلُطف ومسكت إيدي، وقالت وهي بتتنفس براحة لأول مرة
_ شكراً إنك مكنتش بس سندي .. كنت نجاتي
بعدها حجزتلها عند احسن دكتور، كنت بروح معاها كل مرة، نوصل سوا قدام العيادة، أركن العربية، وأستناها تقولي يلا، بس دايمًا يحصل نفس المشهد
تقف قدام الباب، تبص على اليافطة اللي مكتوب عليها اسم الدكتور كأنها بتشوفها لأول مرة، وبعدين تسكت، تمسك في شنطتها جامد، كأنها بتحاول تثبت نفسها، وبعدين تبصلي وتقول
_خمس دقايق بس وندخل
بس الخمس دقايق دول مكنوش بيعدوا
كنت أقعد استنى واديها وقتها عشان مضغطش عليها، لكن كانت بتطلب أننا نرجع ومتدخلش، مكنتش خايفة من العلاج، كانت خايفة من المواجهة، من إنها تفتح الجرح اللي لسه مقفول بالعافية، كل مرة كانت تقرب خطوة وتخاف، بس حتى الخوف ده كان شجاعة بطريقتها
كنت أشوفها قاعدة جنبي في العربية، ساكتة، تبص في المراية وتتنفس بصعوبة، كأنها بتحاول تصالح نفسها على إنها مقدرتش تكمل، كنت اشجعها واقولها
* اية المشكلة، مش مهم المرة دي، المرة الجاية إن شاء الله تتشجعي
مرة على مرة كانت بتتغير حاجة فيها، في الأول كانت بتقعد قدام الباب مش قادرة تدخل، وكنت أقعد جنبها أهديها، أقولها إننا مش داخلين نحاسب الماضي، إحنا رايحين نبدأ من جديد، وفي كل مرة كانت بتحاول أكتر، خطوة صغيرة، بس محسوبة، بتطلع من خوف وتدخل ناحية شجاعة
لما اتشجعت ودخلت مكنتش بسيبها لوحدها، كنت بحضر معاها الجلسات، أقعد في الكرسي اللي جنبها، وأسمعها وهي بتحكي عن وجعها، نفس الوجع اللي عمرها ما قالتلي عليه قبل كده، كنت أشوف إزاي بتواجه، إزاي دموعها تبقى ساكتة الأول وبعدين تخرج بهدوء، وإزاي كل مرة وشها يخف شوية من الحمل اللي كانت شايلاه
النهارده كانت آخر جلسة، دخلنا سوا زي كل مرة، بس الإحساس كان مختلف، هي المرة دي مستنتش الدكتورة تتكلم، بدأت بنفسها، كانت واثقة، صوتها ثابت، بتحكي عن اللي عدى وأنها أخيرًا طلعت منه
فاكرة لما قولتيلي إن بيجيلك كابوس بتشوفي نفسك فيه مربوطة بسلاسل حديد في إيدك ورجلك، وكل ما تحاولي تتحركي تتوجعي أكتر، وكنتي بتصرخي ومفيش صوت بيطلع وباباكي واقف قدامك بيضحك و بيبصلك كأنه مبسوط بالعذاب اللي أنتي فيه
_ طبعاً، دة فضل ملازمني سنين
وبعد ما اتوفى، نفس الحلم، بس المرة دي هو مش موجود، انتي لوحدك، والسلاسل لسه ماسكاكي، بس محدش بيضحك
_ ايوا
السلاسل دي هي الماضي، كل وجع انتي عيشتيه، كل كلمة وجعتك، كل خوف اتزرع فيكي من زمان، وجود باباكي في الحلم كان صورة للوجع، لما مات، اختفى من الحلم، بس السلاسل فضلت، لأنك لسه مش سامحة لنفسك تعيشي
سكتت ثواني وبصتلها في عينيها وقالت بنبرة فيها قوة وحنان
الكابوس مش بييجي عشان يعذبك، بييجي عشان يقولك إن الوقت جه تفكي السلاسل بنفسك، مفيش حد دلوقتي بيقدر يحبسك غير خوفك، سيطري عليه، وفكي السلاسل دي بنفسك
فضلت بصالها بتفكر في كلامها، وبعدين ابتسمتلها وهزت ليها راسها، خرجنا سوا من عند الدكتورة، وقفت تبصلي وقالت وهي بتتنفس بعمق
_ خلصت يا سيف، المرة دي فعلاً خلصت
مديت إيدي ولمست كفها، كنت حاسس بدفاها، بس كمان بقوة جديدة فيها، قلت لها بهدوء
* لأ، دي مش نهاية يا ليلى، دي أول مرة تبتدي فيها بجد
ضحكت، ضحكة بسيطة بس كانت صافية، ضحكة بنت قامت من بين الرماد وهي بتتنفس حياة من أول وجديد
_ سيف، ممكن طلب
مسكت ايديها وطبعت بوسة عليها
* انا عيوني ليكي
_ ممكن توديني ازوره
بصتلها وانا متفاجئ و مش فاهم سر طلبها اية
* طب ليه
_ معلش، محتاجة الزيارة دي اوي
* متأكدة
_ ايوا
* حاضر يا ليلى
دورت العربية ومشيت في طريقي للمقابر، كانت السما مغيمة، والهوا ساكت كأنه بيستنى يسمع، أول ما وصلنا المقابر، نزلت من العربية بهدوء، خطواتها كانت مترددة في الأول، لكن كل خطوة كانت أثقل من اللي قبلها، وقفت قدام القبر، مدت إيديها ولمست الرخام البارد، وبعد لحظة طويلة من الصمت قالت بصوت ثابت
_ يمكن عمري ما كنت أتخيل إن اليوم ده هييجي، اليوم اللي أقف فيه قدامك وأنا مش خايفة، لا من صوتك ولا من نظرتك، ولا حتى من ذكراك، كنت فاكرة إن وجعي منك هيفضل يطاردني، وإن كل مرة أفتكرك فيها قلبي هيضيق، بس لأ، المرة دي مختلفة
أنا جيت مش عشان أعاتبك، ولا عشان أطلب منك حاجة، أنا جيت أودّعك، أودع كل اللي وجعني منك، وكل الخوف اللي سكن في قلبي بسببك
أنا خلاص، مش هفضل أسيرة للماضي ولا للسلاسل اللي كنت مربطني بيها، أنا سامحتك، مش علشانك، علشاني أنا، علشان أقدر أعيش
رفعت عينيها للسما وقالت بهدوء
_ معرفش انت مرتاح ولا لا، بس الأهم إن انا هرتاح
رجعت خطوة لورا، و وشها فيه سلام جديد، سلام ماكانش موجود قبل كده، قربت مني وبصتلي، كنت شايف في عينيها نفس البنت اللي عرفتها من الأول، بس المرة دي مختلفة حرة، مطمنة .. قوية
مديت إيدي ليها، مسكتها بهدوء، ومشينا سوا للعربية، الشمس كانت بدأت تطلع من ورا السحاب، تنور الطريق اللي قدامنا بنور دافي كأنه بداية جديدة، فضلنا ساكتين شوية، لحد ما صوتي كسر الصمت
* خلاص؟
بصتلي بابتسامة صغيرة فيها أمان
_ خلاص يا سيف، خلصت كدة
* الحمد لله، كنت مستني اليوم اللي أشوفك فيه كده، خفيفة كأنك طايرة من على الأرض
_ عارف ليه؟
* ليه؟
_ عشان طول الوقت كنت ماسك إيدي، ماسيبتنيش وأنا بواجه خوفي
قربت منها بخطوة، بصيت في عينيها وقولت وانا بحط أيدي على خدها
* كنت هسيب قلبي إزاي؟ ده أنا عايش بيه من يوم ما دخلتي حياتي
نزلت دمعة صغيرة على خدها، مسحتها بأيدي بلطف فابتسمت وقالت
_ سيف .. بحبك
ابتسمت وانا فرحان بيها وبحبها ليا اللي بقت تعترفلي بيه كتير
* وأنا كمان .. بحبك بكل ما فيكي
مديت إيدي ليها، مسكتها بهدوء، وكملنا سوا الطريق، بصت وراها آخر مرة، وبعدين أدت ضهرها للماضي ومشيت جنبي
خلصت الرحلة اللي بدأت بخوف، وانتهت بحرية
ليلى أخيرًا اتحررت
تمت بحمد الله
يتبع الفصل كاملا اضغط هنا ملحوظه اكتب في جوجل "رواية على حافة الحب دليل الروايات" لكي تظهر لك كاملة
•تابع الفصل التالي "رواية على حافة الحب" اضغط على اسم الرواية