رواية قصر خازور الفصل التاسع 9 - بقلم سماهر جمال

 رواية قصر خازور الفصل التاسع 9 - بقلم سماهر جمال

الفصل التاسع
أثناء غروب الشمس، وقبل أذان المغرب بدقائق قليلة، كان رفعت وعمران يجاوران ليلى في الشرفة المطلة تمامًا على القصر.
ناولت ليلى كُلًّا منهما كوبًا من الشاي الساخن، وقالت وهي تبصر السيد ربيع واقفًا أمام محلّ البقالة الخاص به:
_"في كل دقيقة يزداد فضولي لمعرفة ما الذي كان يفعله في القصر تلك الليلة المتأخرة، وماذا كان يصنع هناك بعدما قضى ساعة كاملة في الداخل."

ردّ رفعت بثبات، وهو يتأمل الرجل البسيط الذي تجاوز عقده الخامس، يرتدي جلبابًا أسود وعمامة بيضاء تكسو رأسه، وحوله الزبائن ينتقون ما يريدون من بقالته:
_"في المساء، سنلقى الإجابات عن كل تلك الأسئلة."

*****
أتمَّ المساءُ سيره سريعًا، وأثناء ما كان رفعت وعمران يراقبان المكان بحذر، شاهدا الرجل الخمسيني المدعو بـ"الحاج ربيع" يُغلق محل بقالته، وفي يده عدة أكياس متوسطة الحجم يبدو أنه ملأها ببعض المشتريات من متجره. وكما فعل في الليلة الماضية – تمامًا كما وصفته ليلى – ظلَّ يلتفت يَمينًا ويسارًا ليتأكد من عدم وجود من يراقبه، ثم فتح الباب الرئيسي للقصر ودخل بسرعة.

قال عمران بسرعة وهو يدفع والده برفق:
_"هيا يا أبي، حان الوقت لمعرفة ما الذي يفعله هذا العجوز في هذه الساعة المتأخرة داخل القصر."

استمع له رفعت، وانضمت إليهما ليلى التي كانت قد اطمأنت على عائلتها عبر الهاتف، وتحرك الثلاثة تجاه القصر آملين أن تكشف لهم هذه الليلة ما غاب عنهم طويلًا، وأن تكون آخر ليلة في رحلة بحثهم عن حلٍّ لهذه القضية.

دخل الجميع من البوابة الداخلية للقصر، يتحركون بخفّة كي لا يستمع إليهم ذلك العجوز.
كاد رفعت أن يتقدم بخطواته، لكن عمران أشار إليه أن يثبت مكانه فور أن لمح ظلًّا في نهاية الممر.
اتبع الثلاثةُ الظلَّ بحذرٍ بالغٍ حتى لا يُنتبه لوجودهم، فرأوه يدخل الغرفة الأرضية ذاتها التي وجدوا فيها مذكرات الجد توفيق.

اقترب عمران من الباب وأشار لوالده وليلى أن يبقيا في الخلف.
كان الباب مواربًا، ويبدو أن السيد ربيع نسي إغلاقه وراءه. وقف عمران إلى جواره مباشرة، وقد ساعده ظلام المكان في إخفاء موضعه تمامًا.
رآه يقف بجوار أحد جدران الغرفة، ثم أزاح الستار المعلَّق عليه، فبان الحائط خلفه.
ضيّق عمران عينيه متسائلًا في نفسه عمّا يفعله هذا الرجل الغريب، ثم رآه يرفع الجدار من أسفله، والذي اتضح أنه لم يكن حائطًا حقيقيًا، بل فاصلًا مزيفًا يخفي وراءه ممرًّا طويلًا.
دخل منه الحاج ربيع واختفى عن أنظار عمران، الذي أشار لوالده على الفور ليلحق به هو وليلى.
ركضوا جميعًا بخفة خلفه، فرأوه ما زال يسير داخل ذلك الممر الطويل حتى توقف في منتصفه، حرّك جسده نحو الجدار الأيسر وتابع سيره، فتبعه عمران وعيناه لا تغفلان عنه لحظة، حتى رآه يفعل بالجدار الذي أمامه ما فعله بالحائط الأول في الغرفة السابقة.
ما إن رفع العم ربيع الحائط الثاني حتى انكشفت أمامه غرفة ضيقة تتسلّل إليها أنفاس الحياة بصعوبة، في الجانبِ الأيمن منها يتواجد مرحاض صغير الحجم. وفي وسطها، كانت ترقد سيدة في مطلع عقدها الرابع، نحيلة الجسد إلى حدٍ يُثير الشفقة، على فراشٍ متهالكٍ بالكاد يحتمل ثقلها الواهن.
كان الشحوب يكسو ملامحها كغلالة باهتة، غير أن ملامحها احتفظت بذلك الجمال الهادئ الذي لا يزول رغم قسوة السنين.

تقدّم ربيع بخطواتٍ حذرة نحوها، وفي عينيه بريقٌ متردد بين الخوف والحنين، غير أنّه لم يكد يفتح فاه بكلمةٍ واحدة حتى باغته صوت وقع الأقدام خلفه.
التفت في ذهول، ليجد عمران ورفعت وليلى قد دخلوا إلى المكان، تتوزّع على وجوههم الدهشة والارتباك وأكثرهم كانت الصدمة!.

تجمّد المشهد للحظة، لا يُسمع فيه سوى أنفاسٍ متلاحقة، قبل أن يتقدّم رفعت خطوةً نحو السيدة الراقدة، يحملق فيها بتمعّنٍ كمن يحاول استدعاء وجهٍ من أعماق الذاكرة.
وبصوتٍ خافتٍ مبحوح، قال كمن اكتشف للتوّ سرّاً دفيناً:
_"إنها... تشبهها... تشبه تلك الطفلة خديجة... حدّ التطابق!"
تجمد العم ربيع في موضعه، وسقط ما بيده من أكياسٍ أرضًا محدثًا صوتًا خافتًا تردّد صداه في الممرّ الضيق، اتّسعت عيناه في ذهولٍ تامّ وهو يري رفعت وعمران وليلى يقفون أمامه، ملامحهم تحمل مزيجًا من الدهشة والارتباك والحذر.
كانت أنفاسه تتسارع وهو يحاول تبرير الموقف، لكنّ الكلمات خانته، وبقي صوته حبيس حنجرته كأنّه يخشى أن يفضح سرًّا ظلّ يخبّئه لسنوات طويلة.

تقدّم رفعت بخطواتٍ بطيئة، عيناه تتجوّلان بين وجه الرجل المرتبك وتلك المرأة الراقدة علي الفراش المتهالك. كانت نحيلة للغاية، شاحبة الملامح، لكنّ ملامحها رغم الوهن ما زالت تحتفظ بذاك البريق الغريب في عينيها، ذلك البريق الذي رأه يومًا في وجه الطفلة "خديجة".
تجمّد في موضعه، تراجعت أنفاسه لوهلة، كأنّ الزمن عاد به إلى الوراء، إلى تلك اللحظة التي اختفت فيها الطفلة دون أثر، مثل باقي أفراد أسرتها، تركت وراءها سؤالًا لم يجد له إجابة حتي اليوم.

قال بصوتٍ مبحوحٍ وقد انخفضت نبرته حذرًا:
_"مَن هذه المرأة يا عم ربيع؟"

لم يُجب الرجل، بل ازدادت ارتجافة يديه، وأخذ يشيح ببصره عنهم محاولًا تجنّب المواجهة، لكنّ رفعت لم يمنحه الفرصة للفرار من السؤال، اقترب أكثر حتي صار أمام الفراش مباشرة، نظر إليها مطولًا وكأنّه يبحث عن ملامح الماضي المنسيّ بين خطوط وجهها المنهك، ثمّ قال في دهشةٍ لا تخلو من يقينٍ خافت:
_"إنها... إنها تشبه خديجة... الطفلة التي اختفت منذ ثلاثون عاماً ، وقيل أنها قتلت حرقًا علي يد جدها السيد توفيق. "

تبادلت ليلى وعمران نظراتٍ متوترة، بينما اتّسعت حدقتا العم ربيع وكأنّ ما قاله رفعت قد مزّق جدار صمته، ارتعشت شفتاه وهمس بصوتٍ مرتجفٍ بالكاد يُسمع:
_"بالطبع ليست هي خديجة، إنها قريبتي وكنت أخفيها هنا لأسبابٍ تخصني، والوقت ليس مناسب للتحدث عن ذلك "

اقترب عمران منه بخطوةٍ حاسمة وقال بصرامةٍ مكتومة:
_"بل هذا هو الوقت المناسب يا سيد ربيع، كل الأسرار يجب أن تكشف الآن، من هذه السيدة؟ ولماذا تخفيها هنا في هذا المكان الغير ادمي؟."

ساد الصمت للحظة، لم يُسمع سوى صوت أنفاسهم المتلاحقة، وصرير الريح الخفيف الذي تسرّب عبر الشقوق القديمة في الجدران، إلى أن رفع العم ربيع رأسه ببطء، ونظر نحو رفعت نظرةً منهكةٍ تُخفي خلفها سنين من الكتمان، وقال بصوتٍ أقرب إلى الهمس:
_"هذه السيدة لم يمكن لأحد التعرف عليها بسهولة، لأنها السر الذي أخفاه السيد حسن قبل موته بخمسة عشر سنة. "
ثمّ أشار بيده المرتجفة نحو المرأة الراقدة قائلًا:
_"إنها السبب في كل ما حدث، إنها البداية والنهاية معا

•تابع الفصل التالي "رواية قصر خازور" اضغط على اسم الرواية

تعليقات