رواية نبضات قاتلة الفصل التاسع 9 - بقلم زينب محروس

 رواية نبضات قاتلة الفصل التاسع 9 - بقلم زينب محروس

الفصل التاسع
حلت قيوده الحديدية، و قابلته في الجلوس واضعة بينهما الطعام، و قالت بابتسامة لطيفة:
_ يلا عشان تتغدى.

كان يحرك رثغيه و كأنه يتأكد بأنها قد فكت وثاقه، فاسترسلت «غرام» بحماس:
_ لاء استنى، الأول تقوم تغسل إيدك و بعدين تاكل.

استوت على قدميها، و دنت منه قابضة على يده، فنظر إليها بتوجس، استشفته من عينيه، فطمأنته قائلة:
_ هنغسل إيدك بس، مش هأذيك.
تحامل على نفسه، و قام معها، كانت خطواته مهزوزة مما جعلها ترفع ذراعه خلف رقبتها قائلة:
_ تقدر تسند عليا.

عادت به مجددًا ليبدأ تناول طعامه بيدٍ قد اعتادت الارتجاف، فأسقط ما حملته الملعقة من طعام، و كان هذا دافعًا لتستلم «غرام» زمام الأمور عندما شرعت فى إطعامه، وهو يتابعها بعينيه، و لم يتناول شيئًا من يدها حتى فتحت فمها، كإشارة ليفعل مثلها.
أزاحت الطعام جانبًا و ناولته كأسًا من خليط الحليب بالكاكاو، و دعّمت كفه بيدها كي لا ينسكب الكأس، و بقيت على هذا الوضع حتى أنهى الكأس بأكمله.
و هنا استخدمت منديلًا ورقيًا لتنظف شاربه الذي افتعله الحليب، و سألته بفضولٍ واضح:
_ مقولتليش اسمك ايه؟

انتظرت لوهلة قبل أن تخرج الأحرف من بين شفتيه بصوت رجولي خافت:
_ «أحمد».

اتسعت ابتسامتها، و قالت بنبرة صادقة الحنو:
_ دا أنت كدا هتبقى غالي عندي جدًا يا «أحمد» ، عارف ليه؟

لم ينطق، فأوضحت قائلة:
_ عشان «أحمد» ده اسم بابا...... أنا اسمي غرام أحمد ذوالفقار....... أنا دلوقت مضطرة انزل بس مش عايزاك تخاف هرجع ازورك تاني، و مش عايزاك تزعل مني عشان لازم أقيدك بالسلاسل دي تاني عشان محدش يعرف إن أنا جيت هنا، و أنت كمان خلي الموضوع دا سر، اتفقنا؟؟
اكتفى «أحمد» بحركة تأكيدية من رأسه.
★★★★★★

تنفست الصعداء عندما وجدت «سميرة» لم ترجع بعد، و بينما كانت في طريقها إلى حجرة الجلوس، جاءها اتصال من «منى» صديقتها التي طلبت منها القدوم إلى منزل عائلتها فى الحال، و أغلقت المكالمة دون أن تسمع منها أي سؤال.
استقبلتها «منى» أمام المبنى السكني لعائلتها، استغربت «غرام» من احمرار عينيها كمن كفّت عن البكاء لتوها، وغامت ملامحها و سيطر عليها الأسى، فسألتها «غرام» بنبرة يشوبها القلق:
_ ايه اللي حصل يا«منى» ؟ جبتيني على ملا وشي كدا ليه؟ و بعدين شكلك مش كويس إنت تعبانة؟

ابتعلت ريقها و كأنها تُعد أحبالها الصوتية للإجابة، فمهدت لها قائلة:
_ طبعًا إنت عارفة إن أمر الله نافذ لا محال.

أومأت «غرام» و قالت:
_ ونعم بالله.
أكملت «منى» قائلة:
_ وعارفة إن الأعمار بإيد ربنا.

ران عليهما صمت ثقيل، أنهته «غرام» و قالت بأعين دامعة:
_ مين مات يا«منى» ؟ بابا ولّا ماما ؟

أردفت «منى» بصوتٍ خافت:
_ الاتنين.

و كأنها جاءت بدلو من الثلج و سكبته فوقها، فسرت في أوصالها قشعريرة مُمِضّة، جحظت عينيها، وسالت عبرات حارقة على خديها، و جعلت تضرب وجهها بكفيها وهي تنطق بحسرة وكَمد:
_ الاتنين يا«منى»! الاتنين! مرة واحدة كدا؟!!

بكت صديقتها لأجلها، وسعت إلى تهدئتها قائلة:
_ اهدي يا غرام، قضاء ربنا.
_ ونعم بالله يا «منى» ، بس دا الاتنين يا «منى» ، ابويا و أمي مرة واحدة يا مني! مفضلش منهم حد يواسيني حتى يا «منى»! الاتنين يا «منى»!! طب مأخدونيش معاهم ليه يا«منى» ؟
سابوني لمين يا «منى» ؟ لمين؟!!

امتدت يديّ «منى» لتواسيها، فأبعدتها «غرام» قائلة بحزم:
_ هما اللي لازم يردو عليا يا «منى» مش إنت، أنا هطلع أسألهم.

ركضت إلى الشقة التى تحوى لحظاتها منذ الطفولة، وجدت جيرانها قد تجمعوا مصطفين أمام الباب كمن صنعوا ممرًا للعبور، فدلفت إلى الداخل لترى والديها مددين أرضًا و على كل منها ملاءة بيضاء.
جثت على ركبتيها بينهما، و كشفت عن وجهيهما، و رددت عليهما سؤالها المنكسر:
_ سيبتوني ليه، أعيش لمين أنا دلوقت، عمركم ما سافرتوا من غيري، ازاي تعملوها كدا في المرة اللي مفيهاش رجوع، ازاي تعملوا فيا كدا يا بابا، ردي عليا يا ماما، حد فيكم يرد أرجوكم، حد يرد عليا.

دنا منها عجوز مسن ليعاتبها قائلًا:
_ مش كدا يا بنتي، وحدي الله، مينفعش الكلام اللي بتقوليه ده.
شرعت إليه قائلة بصوت مبحوح:
_ كانوا كويسين امبارح يا عمو، و الله مكنش حد فيهم تعبان، ازاي يموتوا فجأة الاتنين.

ربت على كتفها قائلًا بحزن:
_ أنا فاهم و مقدر اللي انتي فيه يا بنتي، بس والدتك تقريبًا نسيت الغاز شغال فاتخنقوا.

قطبت حاجبيها و أردفت بخفوت:
_ غاز!
_ أيوه يا بنتي غاز، أنا عديت على والدك عشان نصلي الفجر زي ما إحنا متعودين بس محدش رد على رن الجرس أو دق الباب، و استغربت جدًا إن والدك معداش عليّ في المحل قبل ما يروح شغله فقلقت و طلعت أسأل تاني في جية الدكتورة صاحبتك لاقيناهم كدا.

بقى معها «مالك» مرتديًا لثام الحزن، فكان بكاءه يُشعر الرآي بأنه شخصًا لن يجرؤ على قتل نملة، و هو من يقتل الروح البشرية دون أن يرفّ جفنه.
صممت على أخذ العزاء في منزل والديها، و لازمتها«منى» ، و لم تتركها لحظة واحدة في الأيام الثلاث الماضية.
جلستا جنبًا إلى جنب على الأريكة، و احتوتها «منى» بذراعها، لتقطع الصمت السائد بسؤالها:
_ هما أهلك كانوا متعودين يسيبوا المفتاح في الباب من برا يا غرام؟؟

ردت عليها بصوت سمعته بصعوبة:
_ لاء.

تحدثت «منى» بشك:
_ مش عارفة المفروض اقول الكلام دا دلوقت و لا لاء، بس أنا حاسة الموضوع غريب.

اعتدلت «غرام» في جلسته، فظهر وجهها الشاحب، وعينيها المنتفخة لكثرة البكاء:
_ حاجة غريبة ازاي؟؟

بينت «منى» ما تعنيه قائلة بجدية:
_ لم جيت أنا و عم «عبد المجيد» يوم الوفاة كان المفتاح متساب في باب الشقة برا، و كمان لما دخلنا كانوا أهلك لسه بلبس كتب كتابك، يعني معتقدش والدتك لحقت تفتح الغاز، و أصلا الأنبوبة اللي كانت مفتوحة كانت الاحتياطية مش اللي متوصلة بالبوتاجاز، و عيون البوتاجاز كانت مقفولة......الموضوع مش طبيعي.

استنتجت «غرام» قائلة:
_ قصدك إن حد قاصد يموت بابا و ماما؟؟

حركت «منى» كتفيها بحيرةٍ:
_ مش عارفة، بس بردو مش مقتنعة إنها مجرد حادث، و لو فعلاً حد قاصد يعمل كدا هيكون مين؟ أهلك كانوا كويسين مع كل معارفهم و على حد علمي مكنش حد بيكرههم......و لا أنت ايه رأيك؟؟

تجاهلت «غرام» سؤالها الأخير، ونهضت قائلة:
_ هكلم «مالك» عشان يجي ياخدني البيت، و أنتي اتصلي على جوزك يجي ياخدك.

بمرور الوقت، أغلقت «غرام» باب الشقة بإحكام، و نظرت إلى «منى» قائلة بغموض:

_ متنسيش اللي قولتلك عليه.
_ حاضر.

★★★★★★★★★

اتخذت موضعها على الفراش استعدادًا للنوم، فجاء إليها «مالك» جالسًا حذوها، و تبسم سائلًا:
_ عاملة ايه دلوقت يا حبيبتي؟

انبثقت ابتسامة واهنة من بين شفتيها و قالت:
_ أحسن الحمدلله.

أرجع خصلتها المتمردة إلى خلف أذنها، و اقترب منها ماحيًا تلك المسافة الفاصلة، فكانت أنفاسه الساخنة تلفح رقبتها، فاستشفت من نظراته الحانية، رغبته في إتمام زفافهم.
يتبع ......... عرض أقل

•تابع الفصل التالي "رواية نبضات قاتلة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات