رواية انين هوى الفصل التاسع 9 - بقلم امنية مصطفى

 رواية انين هوى الفصل التاسع 9 - بقلم امنية مصطفى


" ماذا لو أن الحياة دثرت أرواحنا المرتعشة من فرط الشجن بلمحة من السلام القصي جدا؟"
شدت على لجام الجواد بأوصال ترتعش حتى تبطئ من سرعته على بعد أمتار من بوابة قصر الدوق العملاقة، ورغم شعور الهلع الذي يغدق كيانها بالكامل كانت مقلتاها اللتان لم يظهر سواهما من تحت قلنسوة ردائها الأسود تبوحان بصخب عن رغبتها وإصرارها الذين لم يعد بحوزتها سواهما.
لفحت نسمة باردة وجهها وقذفت القشعريرة بجل جسدها، فزفرت بترو وراحت تواصل التقدم بفرسها من جديد نحو بوابة القصر الذي كان بالأمس ملجأها وحصنها الأول وتسرب من بين أناملها عنوة ككل شيء امتلكته، ولمحت على مرمى بصرها الحراس يتأهبون حين انتبهوا لها تتقدم بحذر نحوهم فأخذ خافقها ينتفض بصدرها بلا رادع.
استرجعت خطتها التي استنتجت بعد سهاد طوال الليل بأنه لا بديل لها حتى تنتهي هذه القصة المآساوية بخاتمة تليق بها؛ تأكدت من مروان صباحا أن مزدهر مازال يمكث بقصرها بحجة البحث عنها، وسألت نيرة في خضم حديث عابر إن كان الحصان الذي جر العربة التي اختبأت بها ليلة هروبها مايزال بالحظيرة الملحقة بمنزلهما، وحين ردت عليها بالإيجاب؛ أحست أن كل الظروف مهيأة لتنفيذ ما تريد. فكت الحصان وسحبته من الحظيرة حين خلدت نيرة إلى النوم وغادر مروان ليطمئن على الدوق بمخبئه داخل القصر.
" قف مكانك؟ ماذا تفعل هنا في هذه الساعة؟..عد أدراجك إن كنت تقدر حياتك"
بدد صوت الحارس غيمة أفكارها المثقلة بالهموم حين صاح موجها رمحه نحوها، ولم يكن قد تبين من شدة الغسق في تلك الساعة من الليل الحالك أنها امرأة متدثرة برداء فحمي يخفي أي علامة قد تفضحها في طريقها إلى هنا.
هبطت من فوق حصانها وبينما تشده من لجامه سائرة نحو الحارس الذي كان يحدثها، أنزلت قلنسوة ردائها بهدوء، فانتفض الرجل حين تعرف عليها وراح يصرخ بلهفة جلية:
" إنها الأميرة، لقد عادت الأميرة فيروزة..."
كممت فيروزة فاهه حين أدركت أن خططتها تسير بثبات نحو هاوية الفشل بسبب هذا الحارس المتحمس، تلفتت حولها بهلع وراحت تحدثه ورفاقه الذين اقتربوا منها إثر صوت صاحبهم:
" لماذا تصرخ في هذه الساعة يا هذا؟"
ازدردت لعابها حين أحست بحلقها وقد أضحى من شدة توترها قاحلا جافا، أطبقت جفنيها للهنيهة تنظم أنفاسها، ثم عادت تطالعه بهدوء مردفة:
" لا أود لأحد أن يعلم بعودتي حتى أقابل الملك أولا، هل تفهمون؟"
هز الحارس رأسه وما تزال فيروزة تكمم فمه في غفلة منها، فلما أدركت، تركته ومرت حذوه، فأفسح لها المجال يحني رأسه احتراما لها بينما تسير بخطى وئيدة وحذرة نحو الداخل، فالدرب أمامها مفروش بأشواك لا حصر لها.
كانت أنفاسها تزاحم القلق بصدرها وتخنقها، فقررت بقرارتها أن الآن لا رجعة، حتى لو انطبقت السماء على الأرض. أرجعت قلنسوة الرداء على رأسها مجددا دون أن تخفي وجهها تماما كالسابق، قبضت كفيها تعتصر كل المشاعر التي تجتاحها وتسحقها، وواصلت السير داخل القصر نحو وجهتها الواضحة..فاليوم هو موعد الخلاص.
●●
عزيزي يامن،
يحكى أن في عصر فات، وقع الملك في حب فتاة فقيرة، وحين قرر الزواج بها، أقام كل من حوله السدود في دربه وحاولوا باستماتة أن ينحروا قلبه وقصة عشقه الغضة فداءاً لمصالحهم الجشعة. أظنك تدرك ما فعل هذا العاشق يا عزيزي، ترك لهم الحكم والسلطة وانعزل بحبيبته بعيدا عن كل ذلك الضجيج الذي لا يجلب لروحه سوى الشقاء. ولكن أولئك المغموسة قلوبهم بماء الحقد والجشع كانوا يحسدونه حتى على الهدوء الذي ينعم به بعيدا عن جمعهم الخانق، وحينها أجمعوا بأن حبيبته التي اضطرته لهجر عالمه بالكامل لأجلها هي سبب أكيد في هدوء حياته. وفي غمضة عين انتزعوا منه زوجته كما جردوه من مملكته وكل انتمائته سابقا. وحينها أدرك لأول مرة أن ميدان هذه الحرب مازال ميدانه، وفهم أن دناءة أعدائه لن تضمحل حتى وإن سحب هو قواته. عاد الملك لقصره مجددا، ولكن كعاشق يغلي قلبه بمراجل الغضب، وينوي الثأر من كل ذرة تراب ساهمت في نزع حبيبته من كنفه.
زوجي العزيز يامن،
هذه الحرب حربي منذ البداية، وتلك العاصفة التي أودت بسعادتنا وبيتنا الدافئ كنت أنا بدايتها، والندم الذي ينهش بخافقي الآن لن تهدأ ناره التي تتلظى بداخلي إلا إن توليت أنا زمام هذه المعركة بنفسي، دعني أقف أنا من أجلنا هذه المرة، لأقتنص حقي الذي استسهلت تركه لهما منذ البداية. ومن أجل روح أبي التي أزهقت في سبيل الجشع لن أترك ركن في هذه المملكة إلا وكان جحيما يحاوطهما من كل اتجاه وينهش من سلامهما بقدر ما اقترفا من أذى.
أحبك دائما وحتى الموت.
زوجتك التي لا تود الإستسلام، فيروزة.
اعتصر يامن الرسالة بقبضته وهوى بها على الطاولة أمامه، وبقدر ما اعتمر خافقه من غضب، كان الهلع يتأرجح بكل إنش من كيانه ويهلكه. أخفى وجهه بكفيه وأخذت وتيرة تنفسه تتعالى مع كل لحظة تمر دون أن يعلم مصير حبيبته.
نزع مروان الرسالة التي اندثرت معالمها إثر قبضة الدوق الثائرة، مر بعينيه على السطور في عجل، ثم رفع عينيه نحو زوجته وأمارات الدهشة تكسو أساريره. سألها بتيه:
ـ هل تحدثتما في شيء قبل أن ترحل؟
ـ لا شيء مميز، سألتني فقط إن كان الحصان مايزال بالحظيرة الملحقة بالمنزل، ثم عادت لغرفتها ولم تخرج طوال الليل.
ـ ما الذي تنوي فعله بالضبط؟
رفع يامن في هذه اللحظة رأسه فجأة ودون أن يحيد نظره عن الفراغ أمامه، نبس بهدوء مريب:
" الأميرة تنوي قتل الملك الليلة.."
شعر مروان بأن الأرض من تحته تميد به، أقترب بخطى متعثرة من الدوق وحاول أن ينطق رغم جفاف حلقه:
" لقد سألتني صباحا إن كان الملك مايزال يمكث بقصركما…الملك يبيت الليلة هنا"
نهض الدوق من فوره حين التقطت مسامعه ما قال، تناول سيفه وخنجره من أحد أركان الغرفة وأحكم تثبيتهما بحزامه، ثم التفت نحو مروان يلقي تعليماته:
" تعال معي، ولتبقى نيرة هنا حتى نعود..دعنا نلحق بتلك المجنونة قبل أن تقدم على القضاء على نفسها"
●●
توارت في نهاية الممر الذي تقع فيه غرفة الملك، بقت تراقب بعيون ملؤها الغضب، وبداخل رأسها الصاخب صوت وحيد يتردد في كل لحظة يلح عليها بالتقدم وإنهاء ذلك الصداع الذي يحتل كل إنش من دماغها منذ تعرت أمامها الحقيقة دون أن تسعى إليها.
البرود كان جلي على أساريرها حين أخذت تخطو بثبات نحو باب الغرفة، ولكن كفيها المنقبضين على ثوبها كشفا عما يعتمل داخلها من عواصف التشتت والتيه.
وقفت أمام الباب دون أن تنطق للحظة، وأخذ الحارس على الباب ينظر نحوها بشدوه، وحين دقق النظر في ملامحها وأكتشف من تكون، تعالت دقات قلبها حتى أنها أحست بها تبعث بالألم حتى أذنيها، ثم نطقت تلحق بالحارس قبل أن يفضح أمرها:
" افتح الباب، يجب أن أقابل الملك فورا… لا أود لأحد أن يعلم بعودتي حتى أقابله، أفهمت؟"
أومأ لها الحارس بتفاجئ جلي، وراح ينحني لها بينما يفتح الباب بهدوء، وبتلك اللحظة فقط رأت خطواتها المعدودة نحو الهاوية تتقلص شيئا فشيئا، فعادت تشدد قبضتيها على ثوبها بينما تدلف إلى الداخل.
تناهى لسمعها صوت إغلاق الباب، فتحسست الخنجر المثبت بحزام ثوبها بأوصال ترتعش، ثم وجهت بصرها نحو شقيقها الذي يغط في نوم عميق على فراش من حرير، أنزلت غطاء الرداء عن رأسها وبخطى خلى منها التوتر أقتربت تتهكم متمتمة:
" يا لك من حقير…"
فمظهره المستريح بينما ينام قرير العين هكذا جعل الغضب يتلظى بخافقها، وغرز بصدرها قتاد الشجن على ما آلت إليه حياتها البسيطة من وراء جشعه.
أخذت تقترب أكثر وتدقق النظر في أساريره التي تنضح بالسلام الذي اقتنصه وسلمى من خلف تدمير روحها الغضة.
في تلك اللحظة فقط انتزعت خنجرها من غمضه وقربته بثبات من عنقه، وحين أحس هو ببرودة النصل تتسرب إلى جلده هب مفزوعا من موضعه.
جال ببصره يراقب برود أخته الجلي بينما يعانق نصل خنجرها نحره، وكان ظلها يتراقص على الحائط من خلفها إثر ضوء الشموع الخافت، ورغم تلك الإضاءة الهادئة كان لون ثوبها القاني بارزا مشعا يقذف بقلب مزدهر الهلع.
صاح بها حين استجمع شتات نفسه بعد لحظات:
ـ عدتِ إذن؟ ماذا تفعلين في هذه الساعة؟
ـ أودعك…
ـ يبدو أنك فقدت عقلك تماما… ازيحي هذا النصل الآن
تشبثت ابتسامة متهكمة بثغرها حين ألقى إليها بهذا الأمر الذي استفزها زيادة، فراحت تضغط زيادة على عنقه بسلاحها الحاد، وأردفت متجاهلة ما قال:
ـ هذه المملكة لن تنجو إلا إن تخلصت منك…ولا أحد يقدر على ذلك سواي يا مزدهر.
ـ تقترفين أكبر خطأ بحياتك يا فيروزة.
ـ على الأقل لم يكن ذلك الخطأ هو التسبب بمقتل أبي الذي لم يقترف شيء بحياته سوى أنه كان ملك مخلص لمملكته.
ـ وهل ستحكمين أنتِ مثلا؟ كلكم حمقى ستسببون في انهيار مملكة الجنوب.
زفرت بضجر ثم استطردت مقررة:
" هراءك أصابني بالصداع، انتهى وقتك، ولا تقلق دور سلمى يأتي من بعدك، فكلاكما مجرم يستحق الموت…وداعا يا أخي.."
أطبقت جفنيها تستعد لجز عنقه، ازدردت لعابها ولامست بطنها تستجدي بذلك بعض الإطمئنان من جنينها، وحين شرعت تنفذ ما جاءت لأجله سحبتها قبضة قوية من رسغها فسقط الخنجر من بين أناملها.
" هل فقدتِ عقلك يا فيروزة؟"
في تلك اللحظة فقط أحست بالأرض تنهار من تحت قدميها، وحين فرقت أجفانها وأبصرت عيني يامن تلقي نحوها أطنان من العتاب واللوم، استقر بها المقام بين ذراعيه فاقدة لوعيها أخيرا.

هوى فؤاد يامن في لج الهلع حين خارت قوى فيروز بين أحضانه فجأة، وهو الذي كان ينوي أن ينهرها على تهورها وأن يصرخ بكل ما تملك روحه من خوف وضيق في وجهها، ولكن الآن…الآن لا يدري كيف يخرج بها آمنة من جحر الأفاعي هذا.
تلفت حوله بينما يسند رأسها إلى صدره، فألتقط بصره مزدهر يتسلل من فراشه نحو باب الغرفة، وفي غضون لحظة فقط استعاد يامن رباطة جأشه، جعل فيروز مستلقية على الأرض بهدوء، انتزع خنجره بحركة خاطفة من حزامه وبأنفاس حارقة وقبضة لا ترحم، سحب مزدهر من تلابيبه وألصقه بالجدار والخنجر تفصله إنشات قليلة عن قطع عنقه.
كان يامن من فرط انفعاله، وكأس توتره الذي فاض وأغرق روحه يداعب نار الحقد بداخله، كل ذلك جعله يلهث بينما يلقي بكل كلمة في وجه الملك بحذر:
ـ سنخرج الآن يا سمو الملك…وستصمت تماما حتى نختفي
ـ أصبحت تهددني ولا تخشى بطشي يا حضرة الدوق!
ـ أنا لا أهدد، بل كلمتي وعد، وأنا أعدك بأن القادم سيكون سلسلة من جحيم متواصل، وستتمنى حينها لو أن أحدنا قد قتلك الآن وعتق روحك من ذلك العذاب…
ولم يمهله دقيقة أخرى للرد، فقد ضربه ضربة مدروسة خلف أذنه اليمنى بقبضته جعلته يعانق الأرض من فوره.

عاد متعجلا لزوجته التي افترشت الأرض الباردة، أبعد غرتها عن عينيها المغمضتين، وتنهد تنهيدة حارة تحمل بين طياتها وهن الأيام الماضية كلها بكل خيباتها وألمها.
حملها بحرص بين ذراعيه، وحين اقترب من الباب فتحه مروان وأزاح لثامه عن وجهه وقال مصدوما:
ـ ماذا حدث لها؟
ـ فقدت وعيها بلا سبب…دعنا نخرج من هنا سريعا.
ـ هيا بنا، لقد تكفلت بأمر الحراس، الطريق نحو الخارج آمن تماما.
●●
كان الطريق محفوف بخفقات التوتر رغم كل تخطيط مروان وحذره في أن يتكفل بأمر الحرس الذين قد يعترضون دربهم حتى خارج القصر…كانت أعين الدوق ورفيقه معلقة بمؤخرتي رأسيهما في كل خطوة تقربهم من المخرج.
ورغم كل ذلك القلق الذي أخذ ينهش بكل إنش من صدر يامن بينما يقرب فيروزة النائمة نحو خافقه أكثر وأكثر، كان ظهره مستقيما ورأسه شامخا يسير بخطى وئيدة فوق أرض قصره كأنه لم ينتزع من قبضته قط، وكأنه في لحظته هذه لا يبتغي الهرب بزوجته المنهكة هذه بعيدا عن جحر الأفاعي هذا…كان يرفض رفضا قاطعا أن يدعهم يفوزون عليه بأي شيء حتى وإن كان ذلك الفوز بعقله الباطن فقط…مازالت الحرب قائمة ومايزال لديه كل ما يمكنه من الزفر بغنائم هذه المعركة الظالمة كلها.

لا يذكر كيف تمكنوا من جمع كل شيء من منزل مروان بالقصر والخروج في غضون دقائق، ولا تسعفه ذاكرته في استيعاب كيف كان الخروج من بوابة قصره سلسا هكذا… كل ما ركز عليه في ذلك الحين كان وجهها الذي اشتاق تفاصيله، وحسرته على وهج اساريرها الذي خفت بفعل قسوة أيامها الراهنة…ولم يعد له إدراكه سوى أمام منزل نيرة ومروان الذي اختبأت فيه فيروزة لأيام مضت..
طمأنته نيرة حين أراح جسد زوجته على الفراش بحذر:
ـ إنها منهكة…لابد أن كل هذا كان أكبر من إستيعابها
ـ كل هذا الغدر أكبر بكثير من أن يحتويه قلب كقلبها الغض…لقد قضيت سنوات زواجنا الأربع أحاول حماية فؤادها من هذه الجروح الغائرة..
ـ لا تقلق يا حضرة الدوق، الأميرة فيروزة ليست ضعيفة كما تراها…أظنها مصدومة فقط والصدمة تعطل العقل عن التفكير السليم..دعها تنام وتستريح حتى الصباح، وحينها سيتمكن كلاكما من إتخاذ القرارات الصحيحة…
وأخذت تعدل من الغطاء الثقيل على جسد الأميرة النائمة بهدوء، ثم أستدارت تغادر الغرفة لتترك للدوق مساحة خاصة يستريح فيها لبعض الوقت بعيدا عن ذاك الضجيج الذي سجنه خلف قضبانه في أيامه الماضية، ولكنه أستوقفها بنبرة منهكة:
ـ شكرا لكِ على كل شيء…
ـ عليك أن تنال قسطا من الراحة أنت أيضا..
أومأت له تتعلق بثغرها ابتسامة رزينة وأقفلت تغادر الغرفة وتوصد بابها خلفها.
وحين تسلل لإدراكه أنه بمفرده الآن، خانته غصة متوحشة وتكالبت على عينيه العبرات، وجد نفسه يحيط ركبتيه ويضم نفسه المشتتة بينما جلس على الأرضية الباردة والظلام ينبعث من قلبه الوحيد إلى كل الموجودات الساكنة حوله بسادية. وعندما كادت الشهقات تخنقه وصرخة مكتومة تصارعت على إخراس صوته، ترنح حتى الفراش واستلقى جوار زوجته والدموع تعيق عنه رؤية أي شيء آخر سوى كنفها الدافئ الذي لا يود شيء في لحظته هذه سوى التحصن به حتى ينتهي هذا الكابوس المرير… فقربها نحوه وأخذ بأنامل ترتجف يمسح على خصلاتها الداكنة ولا يحيط بهما غير صوت شهقاته الخائنة، ولا يتبادر لذهنه سوى ذكرى ذاك اليوم الذي أدت تبعاته للحظته المظلمة هذه…
●●
قبل خمس سنوات..
بوابات القصر الملكي العالي أوصدت بأمر من مستشار الملك سهيل، الدوق يامن، ومنع كل من بداخل القصر من الخروج منه حتى إشعار آخر..تأهب الجميع وسادت غيمة من القلق أجواء القصر كله بكل طرقاته.
زرع الدوق الممر أمام جناح الملك جيئة وذهابا وكل السيناريوهات التي بددت هدوء عقله لم تتضمن من بينها ما سيلقيه على مسامعه طبيب الملك بعد لحظات…
ومن داخل الجناح تناهى لمسامعه صرخة مكلومة وجلبة مختنقة، وتبع كل ذلك القلق خروج الطبيب أمام الدوق منكس الرأس والصدمة رفعت راياتها على كل إنش من قسماته.
تلعثم الطبيب بينما يكبح عبرات خائنة تجاهد مقلتيه:
" تعازي الحارة لحضرتكم…"
ازدرد يامن لعابه، وحينها أحس أن كل أنهار المملكة لن تفلح في أن يرتوي ظمأ حلقه القاحل. تقدم خطوتين من الطبيب الذي مازال يحني رأسه من هول صدمته، وفي حركة خاطفة ألصق جسده الهزيل بالجدار وهمس بنبرة كالفحيح يسأله لاهثا:
ـ سمموه؟
أومأ الطبيب مرتجفا وأنفاسه تكاد تتلاشى إثر قبضة الدوق التي تعصر عنقه في الجدار، فباغته بدفعة أخرى متساءلا:
ـ هل علم من بالداخل بذلك؟
ـ لا يا سيدي…
ـ ولن يعلم أحد تحت سماء هذه المملكة عن هذه الحقيقة سوى بأمري، أتفهم؟
هز الطبيب رأسه عدة مرات، فأفلته الدوق وراح ينظف حلقه قابضا كفيه ويحبس قدر ما استطاع من الهواء برئتيه قبل أن يدلف إلى جناح الملك.

اكتشف يامن حين دخل لغرفة الملك بأنه لم يدرك بعد هول الكارثة التي حلت على المملكة، أحس لوهلة بأنه لوح من جليد لا يشعر ولا يغزوه الشجن…لمح الأميرة فيروزة راكعة جوار الفراش ملامحها متجمدة ولا يتحرك من جسدها سوى أناملها المرتعشة التي تمسد على كف والدها الباردة الخالية من الحياة، ورغم أن الصدمة التي لم ألجمته، لم تككبح فؤاده عن رغباته الجامحة في عناقها ومواساة قلبها الذي كان يغرق في براثن الشقاء. وبركن قريب آخر رأى الأميرة سلمى تنشج ويتهدج صوتها نحيبا بينما يعانقها زوجها ويواسي قلبها الذي قد يظنه الجميع مفطور…التفت يامن في هذه اللحظة حين لم ير مزدهر بالصورة، وحين رآه على مرمى بصره جوار شرفة بركن قصي من جناح الملك ويضم كفيه خلف ظهره بأسارير خالية من التعباير، يراقب انهيار أختيه دون أن يحرك ساكنا..هنا أحس يامن بأن صورة العائلة المكلومة غير مكتملة، خصوصا حين تفرس بملامح الأمير مزدهر الذي أخذ بين فينة والأخرى يتأفأف بلا سبب.
وحين قرر الدوق الاقتراب من ولي العهد وملكهم الجديد لتعزيته، أو في قول آخر كان يقترب ليتحقق من شكوكه التي كانت تقض مضجعه منذ شهور، انهارت خططه في ذات اللحظة حين تناهى لسمعه صوت الأميرة سلمى وصراخها الذي تعالى في وجه زوجها:
" هل قتلت أبي؟ هل سممته؟"

التفت يامن نحو موقع الشجار وأول ما وقع بصره عليه كانت زجاجة صغيرة تلوح بها الأميرة في وجه زوجها الذي تجمد من هول صدمته وفرت الدماء من وجهه ولم يصدر منه سوى صمت مرير…فواصلت زوجته والدمع لا ينفك يترقرق على صدغيها:
" ما هذه الزجاجة؟ وكيف وصلت لجيب سترتك يا عزيزي؟…ألهذا قررت مساعدتي في تحضير العشاء الليلة؟"
كان يبدو على الرجل بأن وقع الصدمة والفضيحة قد ألجمه، واتهامات الأميرة الصريحة قد دبت بجسده المشلول صاعقة قاتلة، وزد على ذلك أنها تعلقت بتلابيبه ورفعت كفها تود صفعه لولا أن مزدهر قد وقف رادعا لها يمنعها عن مواصلة هذه الجلبة.

رفع مزدهر في هذه اللحظة رأسه وأشار للدوق بالتصرف، ففهم يامن ما عليه فعله وأمر حراسه باعتقال الأمير سليم زوج الأميرة سلمى وأمير مملكة (غلوراف) حليفة مملكة الجنوب وجارتها على حدود الغرب…وكان ذلك القرار الأول للملك مزدهر كملك جديد لمملكة الجنوب…
●●

جعلت الذكرى جسده يرتجف إثر القشعريرة المريرة، ولحظتها أحس بفيروزة التي أسند رأسها على صدره بينما ما تزال مغمضة العينين تمسح على صدره وصوت أنفاسها المتهدج يعزف على نفس إيقاع شهقات قلبه الذي طفح به الكيل وفاض.
فضمها أكثر، وأغمض عينيه يتوسل الراحة، فلم ترأف بحاله الذكريات وواصلت جلده…
تذكر برودة الزنزانة التي باغتته ولفحت جسده بالضيق حين خطى خطوة أولى وراقب الأمير المتهم منكس الرأس يجلس على طرف الفراش المهترئ بالركن…
وعاودت الأشواك التي اقتحمت حلقه حينها تبثه ذات الألم بينما يحاول أن يبدأ التحقيق مع الخائن الذي قتل ملكهم، سأله ببساطة بعدما أخرج سيفه من غمضه وأستند عليه بكفيه:
ـ هل كنت أنت الفاعل؟
طالعه سليم بشدوه، وتعلقت بثغره ابتسامة مريرة، فأعاد يامن صياغة السؤال بنبرة ضجرة:
ـ هل سممت طعام الملك سهيل يا سمو الأمير؟
ـ إلى متى ستواصل مجاراة هذه المسرحية يا حضرة الدوق؟
ـ ماذا تعني؟
ـ أنت تسألني بنبرة العالم بحقائق هذه الواقعة…
ـ ربما الحقائق التي أصدقها ليست نفسها الحقائق التي تعرفها أنت، أخبرني بما تعرف إذن لنرى…
ـ لست بأحمق، حتى وإن كنتُ أنا الفاعل، أتظن أنني كنت سأتجول بالقصر ومعي سلاح الجريمة بهذه السذاجة؟
هنا أومأ الدوق متفكرا يرتب قطع اللعبة غير المتناسقة ثم أشار للأمير سليم بالمواصلة:
ـ كيف وصل السم إلى جيب سترتك إذن؟
ـ أليس الأولى أن تسأل لماذا قررت فجأة الأميرة دخول المطبخ للمرة الأولى في حياتها اليوم؟
ـ أتتهم الأميرة سلمى بتلفيق الجريمة لك؟
ابتسم سليم بغير تصديق ونطق الكلمات بهدوء واحدة واحدة وعينيه مثبتتة بإصرار نحو الدوق:
ـ بل أتهمها بقتل الملك..

●●

ـ مجموعة من الأغبياء…
هدرت بها سلمى في ذات اللحظة التي هوت بها عصاها المعدنية على ساقي الحارس وأردته راكعا أمامها يأن مرتجفا.
ـ أظن يا سيدتي…أن حراس القصر ليس..ليس لديهم خلفية عن أوامر سموك بمنع الأميرة فيروزة والدوق من التحرك داخل..داخل القصر وخارجه.
ـ اسمعني جيدا أيها الأحمق… إذا لم تعثر عليهما أنت وجنودك قبل طلوع شمس الغد، فلا تجعلني أرى وجهك ثانية…
أمسكت تلابيبه بينما واصل الحارس تأوهاته المختنقة، فأستطردت بنبرة متشفية:
ـ لأن لا شيء غير تشويه وجهك سينفس عن غضبي الذي تسببت به…أفهمت؟
ـ أمرك يا سمو الأميرة…أمرك.
دفعته سلمى بطرف العصا، فارتمى الرجل أرضا، ولكن صوتها جعله يهب واقفا في ذات اللحظة حين أردفت:
ـ والآن أغرب عن وجهي…

هرول الحارس خارجا من القاعة، وفي ذات اللحظة التي أوصد بها الباب انفجرت سلمى وفقدت سيطرتها على ما تبقى من رباطة جأشها، أخذت تصرخ بجل ما لديها من طاقة وألحقت عصاها المعدنية بكل ما كان في مرمى بصرها الدمار، كانت تأن حين أدركت عجز أحبالها الصوتية عن مواصلة النشيج، فراحت تزيد في وتيرة تدميرها حتى تطايرات شذرات الزجاج وجرحتها أسفل عينها اليسرى.

كانت تلهث كمن نفذ الهواء من الغرفة حوله، وأخذ خافقها يتسابق وقلقها في مارثون من الأفكار السوداوية اليائسة…ماذا سيحدث الآن إذا فشلت في العثور على أختها وإنهاء أمرها قبل أن تطالها أيادي الثأر الغادرة؟

أقتربت من جدار عن يمينها، انحنت تستند بكفها عليه وتنظم أنفاسها عل أفكارها المسمومة لا تصيب عقلها الذي حضرها ويرديها قتيلة…ولكن الباب انفتح فجأة وحلت عاصفة باردة أصابت صدرها ببرودة مؤلمة اقتحمت المكان.
رفعت رأسها تتبين صاحب هذه الجرأة الفجة الذي اقتحم عليها خلوتها المخجلة، لكنه باغتها وألصق جسدها بذات الجدار الذي استندت عليه وأخذت قبضتيه تثبتان كتفيها وتمنعاها عن الحراك بينما لفحت أنفاسه الحارة وجهها هاتفا:

ـ كل هذه المصائب التي حلت على رأسي بسبب أفكارك الفاشلة…

أشاحت بوجهها بعيدا عن نظراته، ازدردت ريقها وردت بنبرة واثقة لا تتناسب مع انهيارها المخزي قبل لحظات:

ـ جلالة الملك، ما بال حصونك تزعزعها زفرات بعض الحثالة؟ أنت تعلم بأن أختك الصغرى لا تجرؤ على قتل حشرة، أتظنها قادرة على قتل أحدنا؟
ـ إذا لم ينتهي هذا الأمر الليلة يا سلمى، فاعتبري نفسك كبش فداء لتلك المهازل واستعدي للموت…وأنا لا أهدد عبثا يا شقيقتي العزيزة..

ثم نفض يديه عنها وهدر مغتاظا:
أفهمتِ؟
وحين استدار مزدهر وأقفل يخطو نحو باب القاعة، قاطع طريقه طرقات سريعة على الباب، تبعها صوت يطلب من سلمى رؤيتها، فسمحت له، وأخذت تعدل هندامها الذي تشعث إثر جدالها مع شقيقها، ورفعت خصلت من شعرها البني تمردت ونزلت على عينها.

دلف الطارق مهرولا، أنحنى للملك حين تفاجأ به لحظة فتحه للباب، ثم راح يفرغ ما بجعبته مسترسلا دون رادع:
ـ تمكن جواسيسنا من تحديد موقع الأميرة والدوق سموك…
وهنا رفرت رايات الظفر على أساريرها تتطالع وجه الملك الممتقع بتشفٍ…

-يتبع- عرض أقل

•تابع الفصل التالي "رواية انين هوى" اضغط على اسم الرواية 

تعليقات