رواية احببت نصابا الفصل التاسع 9 - بقلم نسرين بلعيجلي

 رواية احببت نصابا الفصل التاسع 9 - بقلم نسرين بلعيجلي

**أحببت نصابًا**
بقلم نسرين بلعجيلي
Nisrine Bellaajili

_الحلقة 9

وقف رياض يتأمل نور بعينين حادتين، وكأنهما تخترقانها. كان يرى في ملامحها شيئًا غريبًا، خوفًا لم يعتده منها. نظراتها لم تعد بريئة كما كانت، وفي قلبه دقّ ناقوس الخطر : هل اكتشفت شيئًا؟

إقترب منها ببطء، إبتسم ابتسامة مصطنعة وهو يقول :
"إيه يا نور؟ إنتِ باين عليكِ مرهقة، تعبانة أوي. تعالي، ريحي شوية على الكنبة لحد ما مريم ترجع من الحضانة. بكره يومنا طويل."

نور شبكت ذراعيها على صدرها، عينيها لم تفارق وجهه. بصوت منخفض لكنه مليء بالحدة سألت :
"أنا أضحك عليك إزاي يا رياض؟"

تظاهر بالدهشة، رفع حاجبيه، وضحك ضحكة خفيفة وهو يهز رأسه:
"يا حبيبتي، هو إنتِ لسه بتفكري كده؟ لأ، إنتِ محتاجة ترتاحي. دماغك شكله مليان أفكار زيادة."

لكن داخله، كان يتقلب بين الخوف والغضب. إبتسامته على وجهه، أما عقله فكان يصرخ: "هي سمعتني؟ ولا بتجربني؟"

جلس رياض بجوارها، إقترب أكثر حتى كادت أنفاسه تختلط بأنفاسها. مد يده ليأخذ يدها، قبض عليها بقوة جعلت أصابعها تتألم. إبتسم ابتسامة صغيرة، لكنها لم تحمل أي دفء، بل بدت كابتسامة ذئب يحاصر فريسته.

قال بصوت هادئ، متعمدًا أن يبطئ كلماته :
"يا نور… إنتِ عايزة تسمعي مني إيه؟ بحبك؟ آه، بحبك، إنتِ ملاكي اللي دخل حياتي، إنتِ اللي رجعتيني إنسان."

تسمرت نظراتها فيه، تبحث عن أي صدق في عينيه، لكن ما رأته كان مزيجًا من الظلال والابتسامة الباردة. همست بصوت مكسور :
"طب قُلْ لي يا رياض هو حبك ده حقيقي؟ ولا مجرد كلام زي ما قلته لغيري؟"

ضحك ضحكة قصيرة، مال بجسده أقرب إليها، ضغط أكثر على يدها وقال بصوت خافت، لكن كلماته تقطر تهديدًا :
"بصي يا نور، الحب عندي مش كلام. أنا لو حطيت حد في قلبي عمري ما أطلّعه منه. بس إوعي يوم تلعبي عليا أو تفكري تخدعيني. قلبي لما بيتقفل بيتحوّل لسجن، وساعتها اللي جواه ما بيطلعش منه سليم."

شهقت نور بصمت، قلبها انقبض. الكلمات كانت كالسكاكين، تهديد مبطن يختبئ خلف جملة "أنا بحبك". نظراته كانت كفيلة أن ترسم لها صورة رجل قادر أن يحوّل الحب إلى قيد، والعشق إلى جحيم.

إبتسم ابتسامة أخرى، وهمس وهو يمرر يده على شعرها :
"إنتِ معايا؟ خلاص، يبقى ما تخافيش. بس لو حاولتي تبعدي، ساعتها هتشوفي رياض اللي عمرك ما عرفتيه."

نور أطرقت برأسها، دموعها على وشك السقوط، لكن داخلها كان يردد :
"أنا مش هنهار، لازم أتمالك نفسي. لازم أخرج من القفص ده قبل ما يقفل عليّ للأبد."

نور بجواره على الكنبة، تمسح دموعها وتنظر إليه بثبات مهزوز.
قالت بصوت مرتجف لكنه حاد :
"إنت غامض يا رياض، أنا ماعرفش عنك حاجة. حياتك قبل ما أعرفك كلها ضباب. ليه عمرك ما حكيتلي؟ ليه عمرك ما فتحتلي قلبك زي ما فتحتلك قلبي؟"

إبتسم ابتسامة باهتة، وأشعل سيجارة كأنه بيكسب وقت. نفث الدخان ببطء، وقال بهدوء :
"يا نور، الماضي ماليش فيه غير وجع. عايزاني أفتكره ليه؟ أنا كل اللي يهمني النهارده وإنتِ بكرة. صدقيني، إنتِ أول فرحة تدخل حياتي من سنين."

دموعها غلبتها، قالت بصوت مخنوق :
"أوعى تكسرني يا رياض، أنا تعبت. مش ناقصة وجع جديد. أنا محتاجة راجل يسندني، مش حد يكسّرني."

مد إيده، مسك وشها بين كفّيه، وقرب منها جدًا. قال بنبرة حنونة :
"وإنتِ لقيتِ الراجل اللي هيسندك. أنا مش هسيبك، حتى لو الدنيا كلها وقفت قصادنا."

إبتسمت من وسط دموعها، وحطت رأسها على صدره. قلبها كان بيصرخ: "صدقيني يا نور، هو ده الأمان."

لكن عينيه التي كانت معلقة في السقف وراءه، كان فيها لمعة تانية. لمعة باردة، خبيثة، لا علاقة لها بالحب.

هو شدها أكثر، باس راسها، وحاول يضحك معاها :
"إنتِ محتاجة تتدلعي، مش تبكي. أنا هعوضك عن كل اللي فات."

ضحكت غصب عنها، بصوت مبحوح :
"أنا مسلمة نفسي ليك يا رياض، إوعى تخدعني."

شدها لحضنه، رد بثقة :
"أنا لو خسرتك يا نور أبقى خسرت نفسي."

مرت لحظات صمت ثقيلة.
صدّقت لمسته، عاشت للحظة في الوهم الذي رسمه.
أما هو… فكان دماغه يشتغل : البنت دي مش هتسلم بسهولة. لازم أسرّع الخطة قبل ما تكشفني.

أطفأ سيجارته بعصبية، قام واقف، وبص لها بابتسامة عريضة :
"يلا قومي، بكرة يوم كبير. هنبدأ بداية جديدة."

هي بصّت له، قلبها بيتخبط. ما بين حبها اللي عايز يصدّق، وعقلها اللي بيقول لها : "خدي بالك، رياض مش كتاب مفتوح، ده صندوق أسود مليان أسرار."

إرتجفت أنفاس نور كما لو أن بردًا عميقًا نزل إلى صدرها. بين قلبٍ يصرخ بالحبّ، وعقلٍ يحاصر نفسه بالشكّ، وجدت نفسها تسير على حبلٍ رفيع لا تُرى نهايته. كانت تتساءل في سكونها : هل ظلمته عندما شككت؟ هل هو فعلاً محاصر بمن يسيطرون عليه؟ أم أن قلبي هو الذي خانني قبل أن يبان له دليل؟

نظر إليها رياض طويلاً، كأنه يقرأ خريطة وجهها. ثم ابتسم ابتسامة لطيفة لكنها حادّة في آن، واتكأ خلفها على ظهر الكنبة وقال بصوتٍ دافئ يقصد به الطمأنة والهيمنة معًا : "يا نور، إنتِ طول عمرك كده: خايفة وشاكة، وبتتهربي من الكلام. بتقولي يمكن أكون بريء، ويمكن لأ. لكن يا حبيبتي، الشكّ ده بيكسّر اللي حواليكِ."

رفعت عينيها نحوه، وجففت دموعها كأنها تحاول أن تقنع نفسها بطمأنته : "يعني إيه؟ بتحاول تقول إنّي غلطانة؟"

ضحك بخفّة، أمسك بيدها وكبّر لها الكف بين يديه كمن يريد أن يطبع على قلبها وعدًا لا يُرجع : "مش بتحسّي؟ أنا قدامك، بحبك. أنا اللي اخترتك. أنا اللي ممكن أنهضلك لما الدنيا تنهار. مش عايز أسمع منك كلمة تظنّيني فيها نصّاب أو خاين. أنا حبيتك إنتِ."

كانت كلماته ناعمة، لامست جرحها ففتحت له نافذة أمان ولو لبرهة. لكن في عينيه، تحت الوهج، لمعت فكرة باردة لم تُنطق؛ لمعة حسابية لا تتماشى تمامًا مع دفء عباراته.

همست نور بصوتٍ يختلج بين التراجع والرجاء : "أنا ممكن أكون ظلمتك من غير ما أعرف. ساعات بحسّ إني باخنقك بشكوكي، وبخاف أكون السبب اللي يدمر كل حاجة بينّا."

هزّ رأسه برفق، كأنه يؤكد اشتياقه لكنه أيضًا يضع إطارًا لما يريد : "إسمعيني يا نور. لو كنتِ غلطانة، أنا هسامحك. بس ما ينفعش الشك يكون أسلوب حياة. كل شوية سؤال، كل شوية امتحان. أنا مش لعب عيال. إنتِ محتاجة تكوني متأكدة مش بس مني، من نفسك كمان."

نظرت إليه بنظرة يختلط فيها الندم بالأمل، ثم قالت بصوتٍ خامد : "أنا تعبانة يا رياض. تعبت من إنّي دايمًا باقعد أبرر لنفسي وبحاول أصدّق. أنا محتاجة أمان، مش كلام فاضي."

مدّ رياض ذراعه، جذبها نحوه. لامس خدّها، وباس جبهتها برفق، وكانت كلماته هذه المرة أقرب إلى الطمأنة من الإقناع : "أنا بحبك يا نور."

في نفس اللحظة، تحت العبارة الهادئة، مرّ في داخله فكرٌ خفيّ لم تنله الشفاه : حبيتك غصب عني؛ ما كنتش ناوي أدوّر على حاجة إسمها حب. بقيت الفكرة في صدره كخطة لا يريد الإفشاء عنها الآن.

جلست نور صامتة. قلبها يتهاوى، إطمأن جزءٌ فيها لأن الكلمات وصلت، وارتجف جزءٌ آخر لأن نظرته لم يزل فيها شيءٍ من البرود. كانت تدرك أن ما بينهما الآن مزيج من صدقٍ ظاهر وخداعٍ مدفون؛ وأن القرار فيما بعد سيعتمد على قدرتها أن ترى الحقيقة بعينٍ لا يخدشها العشق.

أغمضت عينيها لبرهة، ثم رفعت رأسها ووضعت كفّها فوق كفّه، كأنها تمنحه ثقةً على أملٍ لا تدري إن كان سيُسترد أم لا : "أوعدك، أنا هحاول أثق. مش لأني مش خايفة، لكن لأني مش عايزة أخسرنا. بس أنت كمان، إوعى تكسرني."

إبتسم وقرب جبينه من جبينها كما لو أنه يؤكد عهدًا—عهدٌ هشّ بين حب يريد أن يكون حقيقيًا، وظلّ رغبة لا يزال يلوّح على هامش قلبه : "ما تتكسريش يا نور. وإنتِ عارفة، اللي إنتِ محتاجاه، أنا ممكن أديهلك."

جلسا هناك، لحظاتٍ تلتها لحظات؛ نور تحاول أن توازن بين الإيمان والخوف، وهو يبتسم ويخفي في صدره حساباتٍ لن تنكشف سوى بمرور الزمن.
جلست نور بجانبه، وعقلها يغلي. قلبها يهمس : "أعمل إيه؟ أنا تايهة.."
لكن في اللحظة نفسها، عاد إلى ذهنها الحلم المخيف : النار التي تحيط به، والعجوز التي حذرتها. إرتجف جسدها وهي تتذكر أيضًا كلماته في الهاتف، ذلك الإعتراف الصارخ بامرأة أخرى. متجوّز.. وبيخون.

إرتجفت يداها في حضنه دون إرادة، فشعر بها. نظر إليها بدهشة وسألها :
"مالك يا نور؟ إيدك ساقعة كده ليه؟"

إبتسمت ابتسامة باهتة، هزّت رأسها بسرعة وقالت :
"يمكن عشان تعبت، بس خلاص، أنا كويسة."

لكن في داخلها لم تكن بخير على الإطلاق.

رنّ هاتف رياض أكثر من مرة. تركه على الطاولة، يهتزّ ويضيء، لكنها رأت بعينيها كيف تجاهل المكالمات وهو يطفئ الشاشة كل مرة بسرعة.

إبتلعت ريقها، ثم قالت بهدوء :
"عارف، ميعاد مريم خلاص قرب. لازم أروح أجيبها من الحضانة."

إبتسم رياض ابتسامة حاول أن يجعلها طبيعية :
"تمام. أنا هاجي معاكِ، وبعدين أبات هنا النهاردة."
نسرين بلعجيلي

شهقت نور بخفة، وابتسمت بارتباك :
"إيه؟ لأ يا رياض، بعد كتب الكتاب. كل حاجة تبقى في وقتها."

ضحك بخفّة، صوته فيه تحدٍ :
"يا حبيبتي، هو إحنا مش خلاص بكرة كتب كتابنا؟ يعني إيه اللي فارق؟ عادي."

لكنها نظرت في عينيه بثباتٍ لم تعهده في نفسها من قبل، وقالت بجدية :
"أنا عايزة أجهز نفسي، يوم زي ده مش بيتكرر. لازم أكون مستعدة زي ما يليق. وإنت لازم تسيبني أعيش اللحظة دي من غير استعجال."

ظلّ يحدق فيها لحظة، يحاول أن يقرأ إن كان وراء كلماتها شيء آخر. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يلتقط سيجارته :
"أوكي، زي ما تحبي. بس بكرة ما عندكيش حجة."

هزّت رأسها بابتسامة هادئة، بينما في داخلها كانت تدعو : "يا رب خرّجني من المصيدة دي بسلام."

وقف رياض، جمع أغراضه، وقبل أن يغادر ألقى عليها نظرة طويلة، فيها شيء من الريبة وشيء من الامتلاك.
قال وهو يضع يده على الباب :
"نامي كويس، بكرة يومنا الكبير."

أغلقت الباب خلفه ببطء، وأسندت ظهرها عليه. عيناها امتلأتا بالدموع، يداها ترتجفان وهي تهمس لنفسها :
"أنا مش عارفة أعيش الليلة دي، يا رب قوّيني. أنا محتاجة أكون أذكى من الشيطان نفسه."

وانهارت على الأرض، تحتضن ركبتيها، بين خوفٍ يلتهمها وإيمان تحاول أن تتشبث به.

وقفت متجمّدة لدقائق، ثم اندفعت نحو غرفة نومها. غسلت وجهها بماء بارد، ثم فرشت سجادة الصلاة.

كبرت، ووقفت بين يدي الله. دموعها انهمرت من أول آية، ركعت وسجدت كأنها تفرغ كل ما حملته من خوف وقهر. وفي السجود همست :
"يا رب.. إنتَ العالم باللي في قلبي. إنتَ شايف ضعفي، شايف خوفي. أنا مليش غيرك، أنقذني يا رب. أنقذني من شرّه، من شرّ نواياه. نجّيني أنا وبنتي. يا رب ما تسيبناش وحدنا."

كانت تبكي بحرقة، قلبها يرتجف، وكتفاها يهتزان مع كل شهقة. مدت يديها للسماء وقالت :
"اللهم إجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه. يا رب إن كان في قلبي ميل، فارفعه عني. وإن كان في كلامه خداع، فاكشفه لي. اللهم خلّصني منه بما شئت وكيفما شئت."

إنتهت من الركعتين وجلست على الأرض، تمسح دموعها بطرف طرحتها. أحست لوهلة أن الله يسمعها، أن هناك قوة أكبر من خوفها تحتضنها.

همست أخيرًا بصوت متهدّج لكنه أقرب للطمأنينة :
"يا رب.. غدًا يومهم، واجعل غدي أنا بداية نجاتي."

وأغلقت عينيها، مستسلمة لحظة لليقين، بينما ما زال صوت خطوات رياض يتردّد في أذنها، كأنه ظلّ لا يزول.

جلست نور على الأرض بعد الصلاة، قلبها مازال يرتعش، لكن عينيها مليانة إصرار. مدت إيدها للتليفون، عملت مكالمة جماعية مع البنات.

جاء صوتها مبحوح :
"يا بنات، لازم أحكيلكم. أنا خلاص مش قادرة أتحمّل."

سكتوا كلهم في نفس واحد. نور كملت وهي بتشهق :
"أنا سمعت رياض بيتكلم في البلكونة. بيقول لو كتب كتابي، هيخليني أمضي تنازل وأنا مش عارفة. وبيقول لواحدة تانية بحبك، وبيقول لها إنتِ مراتي. أنا خلاص، إتأكدت. هو نصاب، وهو بيخدعني."

إنهار صوتها في السماعة.
ياسمين ردت بسرعة، صوتها فيه رجفة غضب :
"يا نور، إنتِ مش لازم تستني ولا دقيقة. لازم تمشي. تسيبيه قبل ما يبتلعك. هتسافري فين؟"

نور مسحت دموعها وقالت بإصرار لأول مرة :
"أي طيارة بالليل، للبنان أو الأردن. مش فارق. المهم أخرج من هنا."

فرح شهقت :
"إيه؟ دلوقتي؟!"

نور هزّت رأسها، والدموع بتنزل :
"أيوه دلوقتي. أنا مش هستناه يضيّعني. مش هستناه يكتب كتابي بكرة ويمسكني في قفص. أنا لازم أهرب أنا ومريم، وإلا مش هشوف النور تاني."

البنات سكتوا لحظة، وبعدين صوت فيروز ارتفع بالحزم :
"خلاص، إتفقنا. إنتِ تبدأي تجهزي شنطتك، ورقك، دهبك، فلوسك. إحنا اللي هنجيب مريم من الحضانة. هنتصرّف."

نور قالت بصوت متقطع :
"أنا هكلم الحضانة دلوقتي وأقولهم إني تعبانة، وإن واحدة صاحبتي هتيجي تستلمها. عشان ما يشكوش."
Nisrine Bellaajili
سلمى ردت بسرعة :
"تمام. أنا اللي هروح أجيبها. وإنتِ لحد ما أرجع تكوني خلصتِ ولمّيتِ كل حاجة."

نور كانت بتسمع صوتهم وهي تبكي، بس لأول مرة حست إنه فيه سند، فيه ناس مش هيتركوها تضيع.

قامت على طول، فتحت الدولاب، بدأت ترمي هدومها وهدوم مريم في الشنطة بسرعة. على الكومودينو جمعت جوازات السفر، شهادات الميلاد، الفيزا، وكل ورقة ممكن يحتاجوها. فتحت درج صغير وأخرجت علبة فيها ذهبها، ضمّتها لصدرها، وبعدين حطتها جوه الشنطة.

وهي بتجهز، التليفون رن : رياض.
بصت للشاشة، قلبها وقع. تجاهلت الاتصال. رن تاني… وثالث… وهي واقفة قدام شنطتها، إيديها بترتعش.

تمتمت وهي تمسح دموعها :
"يا رب.. قوّيني. أنا مش هرجع ورا."

البنات كانوا لسه على الخط، يسمعوا صوت نفسها المتلاحق. ياسمين قالت بحنان ممزوج بالقوة :
"خلي بالك يا نور. الليلة دي صعبة، بس هي ليلة نجاتك."

رنّ هاتف نور مرة تانية. هذه المرة ضغطت على زر الرد، وهي تحاول تخفي ارتباكها :
"ألو يا رياض؟"

جاء صوته متوتّر لكنه متصنّع الهدوء :
"إنتِ كويسة؟ صوتك غريب."

إبتلعت ريقها، إبتسمت ابتسامة مصطنعة وهي وحدها في الشقة وقالت :
"آه… أنا تعبانة شوية بس. هرتاح لحد ما مريم تيجي. متقلقش، كله تمام. بكرة يومنا الكبير."

سكت لحظة، كأنه يفتّش في نبرتها، ثم قال :
"طيب، خلي بالك من نفسك. أنا هكلمك كمان شوية."

أغلقت الخط بسرعة، وأسندت الموبايل على صدرها. دموعها نزلت، لكنها همست :
"نجحت… صدّق."

بعد دقائق قليلة، جرس الباب رن. فتحت بسرعة، لقت البنات قدامها، عيونهم كلها لهفة وخوف. دخلوا الشقة في لمح البصر، حضنوها، وساعدوها تكمل لمّ الشنط.

ياسمين بصتلها بجدية وقالت :
"نور، قوليلي بصراحة، مضيتي أي ورق؟ عملتِ توكيل عام؟ مضيتي على حاجة بإسمك؟"
نسرين بلعجيلي

نور هزّت راسها بسرعة :
"لا… لا مضيتش ولا ورقة، ولا توكيل. حتى الحساب البنكي بإسمي لسه ما دخلتش حد فيه."

ياسمين تنفست بارتياح، لكنها رفعت حاجبها وقالت :
"خلاص… يبقى اللي كان ناوي عليه لسه ما تمش. إسمعي كلامي، ده لعبته المعروفة. بينصب باسم الحب، وبياخذ توقيعك، وبعدها يسيبك على الأرض فاضية. إنتِ عملتِ الصح… نصبتي عليه قبل ما ينصب عليكِ."

نور عضّت شفايفها، عينيها بتدمع، لكن في جوّاها طاقة قوة جديدة :
"أنا مش هخليه يكسّرني."

تحركوا بسرعة. سلمى كانت ماسكة إيد مريم، جايباها من الحضانة بعد ما بلغتهم إن "ماما تعبانة وصاحبتها اللي هتستلمها". مريم جريت على أمها، حضنتها بقوة :
"ماما، وحشتيني."

نور بكيت وهي تضمها لصدرها :
"وأنا كمان يا روح قلبي، عمرنا ما هنتفرق تاني."

طلعوا كلهم من البيت في صمت، نزلوا الشارع، ركبوا التاكسي، واتجهوا على المطار. كل واحدة فيهم كانت ماسكة شنطة، وكلهم بيغطّوا على نور عشان ما تحسش إنها لوحدها.

وفي المطار.. وقفت نور قدام شباك التذاكر. قلبها بيخبط وهي بتقول للموظف :
"أول طيارة خارجة بيروت أو عمّان. أي مكان، بس الليلة."

الموظف بدأ يدور في الكمبيوتر. البنات حواليها، ياسمين ماسكة إيدها بقوة. فجأة.. وسط الزحام، دوّى صوت من وراها ينادي :

– "نور!"

تجمّدت في مكانها.
الدم جرى في وشها، قلبها وقف لحظة، وعينيها اتسعت.

رفعت رأسها ببطء، والهواء كأنه اتسحب من رئتيها.
مين… اللي نادى؟

•تابع الفصل التالي "رواية احببت نصابا" اضغط على اسم الرواية

تعليقات